مقالات

مروان حبش: انقلاب 8 آذار 1963

  •   
  •   
  •   

مروان حبش– التاريخ السوري المعاصر

يقول الفريق عبد الكريم زهر الدين في كتابه “ذكرياتي عن الانفصال” إن انقلاب 8 آذار بدأ منذ الثالث عشر من كانون الأول عام 1962، يوم عصيان الكتلة النحلاوية، ولعل في هذا القول نصيباً من الحقيقة.

    مع بداية هذا العصيان اجتمع رئيس الجمهورية ناظم القدسي مع رئيس الوزراء خالد العظم وأكرم الحوراني وعصام العطار واللواء عزيز عبد الكريم وزير الداخلية وأسعد محاسن ورشاد برمدا وآخرين، ومن العسكريين الفريق زهر الدين واللواء نامق كمال واللواء مقعبري و العميد مطيع السمان، للتداول فيما يحدث، ومما قاله الرئيس القدسي وأورده العميد السمان في مذكراته “الله يخرب بيتكم يا عسكر، رايحين تضيعوا استقلال البلاد بتصرفاتكم ….”، كما أخذ قادة الجيش يكيلون الاتهامات لبعضهم البعض، وتركزت تلك الاتهامات بأن بعض الضباط الكبار كانوا على اتفاق مع النحلاوي بهدف الإطاحة بالبعض الآخر، وخاصة بقائد الجيش عبد الكريم زهر الدين، كما ادعى المتمردون أن أكثرية الوحدات العسكرية في الجيش تدعم مطالبهم، وقاد هذا الأمر إلى تقديم قادة الشُعب في الأركان العامة استقالاتهم تلبية لرغبة المتمردين، وبخطوة ذكية قرر العسكريون البعثيون والناصريون واللواء زياد الحريري، وخاصة في مناطق الجبهة والسويداء والقطيفة وحمص واللاذقية، إعلان دعمهم لقائد الجيش.

    ومع انتهاء عصيان النحلاوي، أصبح واقع الحال في سورية لا يُحسد عليه نظام الحكم القائم، وهو الواقع الذي مهد الطريق لنجاح انقلاب الثامن من آذار، وكان الحال:

– سلطة تنفيذية متناقضة وخاصة التناقض بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ، حتى بات لا وجود أو فاعلية لها.

– حالة التسيب والفوضى في الجيش بسبب التناقضات بين قادته الكبار، ومحاولة أكثريتهم التنصل من الدفاع عن العهد، وعدم قدرة قيادة الجيش على فرض احترامها في صفوف القوات المسلحة.

– التناقض المستمر، منذ بداية الانفصال، بين قيادات الجيش والحكومات المدنية.

– خلو الجيش من أكثر أنصار الانفصال، بعد التصفيات التي قام بها من نفذوه لبعضهم البعض.

– الحالة الوحدوية الشعبية “المدنية والعسكرية” الرافضة لحكم الانفصال.

– انقلاب العراق الذي قام به حزب البعث على نظام عبد الكريم قاسم في8 شباط 1963، وكان له دور كبير في زعزعة أنصار حكم الانفصال من مدنيين وعسكريين.

   رغم محاولة استغلال الناصريين للبعثيين مرتين في 28 آذار -1-2  نيسان، وفي الإعداد لانقلاب النحلاوي ومجموعته أواخر تموز 1962، تبيّنت رغبة الناصريين في التخلص من البعثيين فيما لو نجحت محاولاتهم، رغم ذلك بقي التنسيق بين الضباط الوحدويين للانقلاب على الحكم، وبعد التشكيلات الأخيرة في قيادة الجيش حدثت تطورات هامة:

   -ارتباط أعضاء اللجنة العسكرية مع القيادة القومية للحزب واطلاع الأستاذ صلاح البيطار على قرب قيامهم بانقلاب وبدؤوا التنسيق معه.

   – تمرد زياد الحريري على أمر تعيينه ملحقاً عسكرياً بعد  بذل مساع مكثفة معه، قام بها الأستاذ صلاح البيطار والمقدم صلاح جديد، وطمأنته إلى نجاح الحركة وأنه مرشحهم لاستلام منصب كبير عقب الانقلاب.

   – انسحاب الناصريين من التحالف مع البعثيين، وبدأ راشد قطيني بمحاولة إقناعهم بأنه لم يعد هناك لزوم للانقلاب بعد استلام عدد من الضباط الناصريين مراكز مهمة في قيادة الجيش وأصبح بالإمكان المساهمة في ترتيب الجيش بما يخدم أهدافهم.

   أدرك البعثيون أن طرح راشد قطيني سيؤدي إلى انقلاب ناصري يهدف إلى تصفيتهم, كما أن القطيني من خلال موقعه الجديد سيدفع إلى تسريح من بقي في الخدمة من الضباط البعثيين الذين بُدئ بإعداد قوائم بأسمائهم لعرضها على قيادة الجيش, ولن يتورع عن إخبار قيادة الجيش، بمخطط الانقلاب وهو العارف بكل التفاصيل، وحينها يسهل له الطريق لتحقيق غايته.

   لم يبق أمام اللجنة العسكرية البعثية وزياد الحريري من مفر إلاّ تنفيذ حركتهم، وأُبلغت قيادة الحزب بواسطة الأستاذ صلاح عن موعد تنفيذ الانقلاب، كما اجتمع صلاح جديد و عبد الكريم الجندي وأحمد المير محمود ليل 6/3 /1963 مع قيادة التنظيم الذي عُرف باسم التنظيم القطري وأبلغوهم، أيضاً، بقرب موعد الانقلاب وأن اللجنة العسكرية ترغب إليهم الالتزام بالقيادة القومية وعودة الوحدة إلى الحزب، وهكذا بدأ السباق مع الزمن.

   انتشرت الشائعات وعمَّت عن انقلاب عسكري وشيك الوقوع، وفي اجتماع لمجلس الدفاع الأعلى، خاطب رئيس الوزراء خالد العظم رئيس الجمهورية بقوله : “فخامة الرئيس، هناك أمور خطيرة أرى ضرورة إبلاغكم عنها لمعالجتها، وهي أن كثيراً من الناس يتحدثون عن قرب وقوع انقلاب، ويسندون المصدر إلى بعض الضباط”.

 ولمناسبة حلول عيد الفطر، زار قائد الجيش قيادة الجبهة في القنيطرة، وحين اجتماعه بلفيف من الضباط تظاهروا بدعمهم له وطلبوا منه ألاَّ يُنفذ العقيد الحريري أمر التحاقه كملحق عسكري إلاََ بعد تنفيذ العميد السمان وآخرين أمر قيادة الجيش، كما قال له العقيد الحريري: “أنا الوحيد الذي يمكنه حمايتكم، لأننا نشعر بأن المؤامرة قد استوت وهي تهدف الإطاحة بكم بالدرجة الأولى، ثم بجميع العناصر الوحدوية والتقدمية في الجيش”.

   أجمع العسكريون البعثيون على تعويم اسم العقيد زياد الحريري كقائد للانقلاب، وبدأ اتصالاته بالضباط من أبناء دورته العسكرية لطمأنتهم على مستقبلهم في الجيش وعلى إغرائهم بمناصب ملائمة.

   وبدأ السباق مع الزمن للتحرك قبل أن يتم اعتقال الضباط الذين وردت أسماؤهم في تقرير أحد ضباط المخابرات بتاريخ 5 آذار، بأن هؤلاء الضباط يخططون لانقلاب وشيك، وقبل أن تعمد قيادة الجيش على نقل من بقي من الضباط البعثيين في الجيش إلى وظائف مدنية، وقبل تنفيذ أحكام الإعدام وغيرها من الأحكام التي صدرت بحق بعض الضباط- وكلهم من البعثيين والناصريين- الذين اشتركوا في أحداث 28 آذار -1نيسان 1962 وخاصة أحداث حلب، بسبب استثناء الأفعال والجرائم التي جرت فيها تتبعات قضائية، سواء أصدر فيها حكم أم كانت لا تزال قيد التحقيق أو المحاكمة لدى السلطات القضائية من المرسوم التشريعي رقم 79تاريخ 4/3/ 1963 الذي وقّعه رئيس الجمهورية ناظم القدسي والقاضي بالعفو العام (1).

   في هذه الأجواء، وبتاريخ 6/3 أبلغ العميد راشد قطيني العقيد زياد الحريري انسحاب الناصريين من التنسيق معه، كما نصحه بالعدول عن أي تفكير بالانقلاب.

   بعد هذا اللقاء مباشرة، وفي منزل الرائد محمود الحاج محمود في جادة الخطيب في دمشق، اجتمع الحريري ومعه من أنصاره عارف الجاجة ومحمود الحاج محمود ببعض أعضاء اللجنة العسكرية “صلاح جديد، عبد الكريم الجندي، موسى الزعبي، والنقيب البعثي مصطفى الحاج علي، والملازم أول البعثي سليمان حداد”، لتسمية الوحدات التي ستتحرك نحو دمشق، وتحديد موعد التحرك، واتُّفق أن يكون التحرك ليل 6-7/3، وإبلاغ الضباط بالوحدات في المناطق العسكرية الأخرى للسيطرة على وحداتهم في الموعد المحدد. ولكن قبل أن ينفض الاجتماع فوجئ المجتمعون بقرعٍ على باب المنزل وكان القارع ضابط مخابرات على رأس دورية اقتادت، من الباب،النقيب محمود الحاج محمود للتحقيق معه.

   تم الاتفاق عل تجميد كل الإجراءات التي تقررت، وخرج المجتمعون من المنزل على عجل، وقرر العقيد الحريري ومن معه من ضباط الجبهة “الجاجة والحاج علي وحداد” التوجه فوراً نحو القنيطرة، خشية الاعتقال، واستقل العقيد الحريري ومعه الملازم أول حداد سيارته، واستقل الرائد الجاجة

والنقيب الحاج علي سيارة الملازم أول مفتخر الشرع الذي كان ينتظرهم في الخارج وفي طريقهم

 نقلوا المقدم صلاح جديد إلى حي المهاجرين حيث منزل الرائد حافظ الأسد.

   بعد وصول الحريري إلى مقر قيادة الجبهة في مدينة القنيطرة، بدأت مشاوراته مع الضباط، من البعثيين ومن أنصاره، واستمرت الاتصالات في اليوم الثاني 7/3 ، وألحوا بأكثريتهم، وخاصة الرائد الجاجة والملازم أول حداد، على عدم إضاعة الوقت و ضرورة التحرك الفوري. وفي دمشق اجتمع بعض أعضاء اللجنة العسكرية في منزل الرائد موسى الزعبي في منطقة القصور، وخلصت الاتصالات بينهم وبين العقيد الحريري إلى التحرك مع بدء منتصف ليلة 8/3 ، وتقرر سفر المقدم المسرح عبد الكريم الجندي إلى القنيطرة للتنسيق مع العقيد الحريري وتوزيع المهام على الذين سيشاركون في التحرك نحو دمشق.

     اتفق الحريري وعبد الكريم الجندي وعدد من الضباط على أسماء الضباط والوحدات في الجبهة والسويداء وازرع  التي ستتوجه نحو دمشق، وكُلِّف النقيب مصطفى الحاج علي والملازم أول مفتخر الشرع بالسفر إلى ازرع والسويداء لإبلاغ أمر التحرك للضباط البعثيين في الموقعين.

   وفي دمشق أبلغت اللجنة العسكرية أحد أعضائها النقيب محمد رباح الطويل- قائد فوج مدفعية م/د المرابط في معسكرات القطيفة – السيطرة على معسكر القطيفة بالتعاون مع الضباط البعثيين في المعسكر، كما كُلف المقدم أحمد المير محمود بالدخول إلى مدرسة المدرعات في القابون بالتعاون مع الرائد غازي أبو عقل والضباط الآخرين المؤيدين للانقلاب، وكُلِّف بعض الضباط البعثيين في إدارة المركبات بدمشق بنشر بعض الآليات على مدخل دمشق الشمالي لعرقلة دخول أي قوات مؤيدة للانفصال، و تم تبليغ العديد من الضباط البعثيين العاملين وأصدقائهم التأهب للسيطرة على وحداتهم أو تجميدها في معسكرات قطنا والكسوة وحمص واللاذقية، وأُبلغ، أيضاً، الضباط المسرحون الاستعداد للالتحاق بالوحدات التي كانوا فيها، وأبلغت اللجنة العسكرية، الأستاذ صلاح البيطار، بموعد التحرك، وهو بدوره أبلغ بعض قادة الحزب،  وانتظر ومعه الأستاذ منصور الأطرش وآخرون، في منزل أحد أعضاء الحزب في الميدان، وصول القوات إلى دمشق *.

  بعد اجتماع العقيد الحريري والمقدم الجندي عشية 7/3 في مبنى نادي ضباط القنيطرة مع الضباط الذين تم اختيارهم للتحرك – مع التنويه بأن العقيد الحريري بقي في القنيطرة، وغادرها إلى دمشق بعد وصول القوات إليها وسيطرتها على الوضع – توجهوا لإعداد وحداتهم، وكانت تلك الوحدات موزعة بين القطاع الشمالي “مسعدة”، ومن الضباط المكلفين بقيادتها، الرائد بهجت الخاير،  النقيب عبد الرحمن حاج عبيد، الملازم الأول سليمان حداد ….، والقطاع الأوسط  “العليقة” ومن الضباط المكلفين بقيادتها المقدم أسعد الحكيم، النقيب بسام عبد النور، النقيب محمد الحاج محمود، الملازم الأول مصطفى العيسى، الملازم الأول عبد الرزاق العلي، الملازم مصطفى الفلاح….. ومدينة

القنيطرة  مركز القيادة، ومن الضباط المكلفين بقيادتها المقدم المسرح عبد الكريم الجندي الذي أصرّ على الدخول إلى كتيبة المدفعية وقيادتها، المقدم عبد الوهاب قطيع، النقيب فؤاد منذر، الملازم أول مظهر الجندي… ، على أن تنطلق تلك الوحدات بعد منتصف الليل ويكون جسر الرقاد مكان تجمع لها ومنه الانطلاق نحو العاصمة(2).

   كان النقيب سليم حاطوم، الذي لم تطله أوامر التسريح بعد عودته من مصر، قد نُقل إلى إحدى مفارز الحرس الوطني على خط الجبهة في القطاع الجنوبي، وكانت مهمته في تلك الليلة قيادة كتيبة المغاوير المتمركزة في ضواحي القنيطرة، واستطاع في الوقت المحدد الدخول إليها والسيطرة عليها بالتعاون مع الضباط وصف الضباط البعثيين في هذه الكتيبة المعروفة بكتيبة البعثيين، ولقد خدم في هذه الكتيبة منذ بداية تأسيسها كثير من ضباط البعث، منهم محمد رباح الطويل وسليم حاطوم والدكتور ابراهيم ماخوس …. وبعثنوا الكثير من أفرادها(3)

  وصل النقيب مصطفى الحاج علي والملازم أول مفتخر الشرع إلى مدينة ازرع واتصلا بالضباط البعثيين في الوحدات العسكرية التي ستتوجه نحو دمشق، ومنهم الملازم أول محمود حمرا والملازم أول يوسف نعيسة وآخرون، وعلى إثر ذلك تمّ الاتصال مع الملازم أول كاسر محمود ليلتحق فوراً مع سائقي دبابات الكتيبة الذين كانوا يخضعون لدورة تدريبية في دمشق،  إلى مركز الكتيبة في ازرع.

 وحُدد مسار هذه الوحدات: إزرع – الشيخ مسكين – دمشق، وكُلِف الملازم أول كاسر محمود بالسيطرة على الوضع في المنطقة  “ازرع – درعا”.

  أثناء استعداد تلك الوحدات، وصل آمر اللواء العقيد عبد الوهاب السباعي قادماً من دمشق إلى مركز قيادته في السويداء مروراً بازرع و فوجئ بما يجري فيها من استعداد عسكري، وأمرهم بالكف عن عزمهم، و إلا سيُبلغ قيادة الجيش، ولكن الضباط  اقترحوا عليه الاتصال بالعقيد الحريري، ولمّا لم يفلح بإقناعه للعمل مع ضباط الانقلاب، اضطر الضباط إرساله إلى مقر اللواء تحت الحراسة المشددة ورافقه النقيب الحاج علي إلى مكتبه، بينما بقي الملازم أول الشرع في ازرع ليرافق الوحدات إلى دمشق.

   أصرّ العقيد عبد الوهاب السباعي، على عزمه تبليغ قيادة الجيش، وعاد إلى لهجة تهديد الضباط المتواجدين في مكتبه “النقيب الحاج علي، النقيب عبد الغني برو، الملازم أول كمال الأسود”، ورفع سماعة الهاتف بُغية الاتصال، ودفع هذا الإجراء بالملازم أول كمال الأسود إلى سحب سماعة الهاتف

من يده، وتقرر حجزه في مكتبه  تحت إشراف الضباط البعثيين الذين سيبقون في اللواء “برو، الأسود، علي غانم”.   اجتمع النقيب مصطفى الحاج مع الضباط البعثيين في اللواء وحددوا مسار هذه الوحدات **: السويداء-شهبا – دمشق و ممن رافقه في النزول إلى دمشق النقيب جميل حسن والملازمون أولون: عبد الكريم عمار وسليم حسن وعبد الرحمن الخطيب ……

   التقى  مساء يوم الأربعاء6/3 في منزل الدكتور محمد الخش، بعض أعضاء اللجنة العسكرية  “صلاح جديد، عبد الكريم الجندي، أحمد المير محمود” مع بعض قادة ما عُرف بالتنظيم  القطري وبعد أن أطلعوهم بأن الانقلاب بات وشيكاً، اقترحوا عليهم إعلان التزام تنظميهم بالقيادة القومية، واعتذر هؤلاء عن تلبية الاقتراح فوراً حتى لا يوصموا بالانتهازية، مع التزامهم الكامل بدعم الانقلاب العتيد وعودتهم إلى التنظيم القومي فيما بعد.

   تمّ الاتفاق في اللجنة العسكرية وفي اجتماع الحريري – الجندي في القنيطرة على دعوة الضباط الناصريين للاشتراك في الوحدات العسكرية التي تم اختيارها للزحف نحو دمشق، وقد استجاب العديد منهم لهذه الدعوة، كما أن العميد راشد قطيني “ناصري” بعد أن أدرك أنه لا مفر من تحرك قوات الجبهة التحق بمكتبه في الأركان لاستقبالها وتسهيل مهمتها في السيطرة على مبنى قيادة الجيش.

   قام بعض أعضاء اللجنة العسكرية بمراقبة محاور وصول الوحدات إلى دمشق، ولقد تأخر وصولها بعض الوقت مما أثار بعض المخاوف لدى بعضهم، ولكنها زالت مع أول الفجر حيث بدأت طلائع الانقلابيين دخول المدينة من المحاور المحددة، وتأخر لبعض الوقت إذاعة الموسيقى العسكرية التي تمهد عادة للبيان رقم “1” ويعرف مستمعو الإذاعة من سماعها أن أمراً قد حدث.

   حان موعد نشرة الأخبار الأولى، وبدأت الموسيقى العسكرية، وأعلن المذيع للمستمعين انتظار بيان مهم. وكان الأستاذ صلاح البيطار قد وضع اللمسات الأخيرة على هذا البيان، الذي أذاعه الملازم أول سليمان حداد، ويُعلن عن قيام القوات المسلحة بالثورة على عهد الانفصال وإنهائه، وأُعلن البيان باسم المجلس الوطني لقيادة الثورة، ومن نصه يتبيّن أن الغلبة في الانقلاب هي للبعثيين، حيث ورد في المقطع قبل الأخير منه “ولكن الصياد، الشعب أدركها فقامت انتفاضة جيشه الباسل لتصحح الأوضاع وتقوِّم الانحراف وتضع سورية العربية في طريقها الصحيح، طريق الوحدة والحرية والاشتراكية “، كما أن البلاغ رقم 2 الذي صدر عن المجلس الوطني تضمن إعادة ضباط مسرحين إلى الخدمة، كانت غالبيتهم العظمى من البعثيين.

  لم تفلح محاولات بعض الضباط المحسوبين على عهد الانفصال بالتصدي لقوات الانقلاب، حيث حلّقت طائرات من مطار المزة العسكري لإرهاب الوحدات التي دخلت إلى دمشق، فكَلف العقيد الحريري الذي وصل دمشق صباحاً، الملازم أول محمود حمرا الذي كان قد وصل على رأس سريته المدرعة إلى ساحة الأمويين، التوجه بوحدته نحو المطار والسيطرة عليه.

  وهناك محاولة قائد قاعدة الضمير الجوية العقيد الطيار هيثم المهايني، لقصف بعض الوحدات العسكرية أو لقصف محطة الإرسال الإذاعي في الصبورة، وتحركت وحدة عسكرية صغيرة ( دبابات ومشاة ) من معسكر القابون بقيادة المقدم أحمد المير والرائد غازي أبو عقل نحو تلك القاعدة الجوية، وحين وصولها أرسل قائد القاعدة الضابط الطيار عمر صنوفة للتعرف على هوية الوحدة وقادتها، ثم اجتمع المقدم المير محمود مع العقيد المهايني ووضح له أن الانقلاب ليس ناصرياً وطلب منه التعاون مع الحركة، ولكنه اعتذر وفضل إحالته على التقاعد، وكان له ذلك(4).

   تنحصر القوى التي خططت لانقلاب 8 آذار باللجنة العسكرية وبعض الضباط البعثيين العاملين، والعقيد زياد الحريري وأنصاره، ورغم ذلك لم يحتكر الانقلابيون هذا الانقلاب وحدهم، بل دعوا القوى السياسية الناصرية للمشاركة، وهذه القوى تتألف من:

– حركة الوحدويين الاشتراكيين، وغالبية أعضاء هذه الحركة من البعثيين، ولهم امتداد بعدد قليل من الضباط في الجيش، وأبرز هؤلاء الضباط العميد درويش الزوني، رئيس إدارة القضاء العسكري.

– حركة القوميين العرب، كان من الضباط المحسوبين عليهم في الجيش العقيد منيب الهندي، شقيق زوجة عبد الكريم النحلاوي، والرائد فايز الرفاعي، وكانا من أبرز الضباط الذين نفذوا انقلاب الانفصال على الوحدة، وممن بقي لهم في الجيش النقيب منيب الرفاعي شقيق الرائد فايز الرفاعي.

– الجبهة العربية المتحدة، أو ماعُرف “بالشركة الخماسية” لأن هذه الجبهة تتكون من خمس شخصيات سياسية: الدكتور عبد الوهاب حومد، راتب الحسامي، علي بوظو، ” وهؤلاء الثلاثة كانوا أعضاءً في حزب الشعب قبل الوحدة” نهاد القاسم، عبد الصمد الفتيح، وليس لهذه الجبهة تنظيم في الجيش.

– التيار الناصري، ويشمل قطاعاً واسعاً من الجماهير، كما يشمل العديد من الضباط في القوات المسلحة، وأبرزهم العميد راشد قطيني، والعميد محمد الصوفي …. ولكن هذا التيار لا تنظيم له .

 تم الاتفاق على ترفيع العقيد لؤي الأتاسي، السجين المحكوم عليه، إلى رتبة فريق وتسميته رئيساً لمجلس قيادة الثورة، وتسمية العقيد زياد الحريري بعد ترقيته إلى رتبة اللواء رئيساً لأركان الجيش. وفي اللقاء بين الشخصيات السياسية والقادة العسكريين عصر يوم 8 /3، لم ينجح الناصريون بتسمية

مرشحهم نهاد القاسم لتشكيل الوزارة، لأنه كان قد تم الاتفاق مسبقاً، بين الضباط البعثيين والعقيد زياد الحريري على مؤسسات الحكم اللاحقة. وتقرر تسمية الأستاذ صلاح البيطار رئيساً لمجلس الوزراء، وأعلن في يوم السبت 9/3 أسماء أعضاء الوزارة التي ضمَّ عشرين وزيراً، بينهم 11 وزيراً بعثياً بمن فيهم الرئيس.

   بدأت البيانات تصدر باسم “المجلس الوطني لقيادة الثورة” ولم يكن لهذا المجلس من وجود، وهذا ما دفع ببعض ضباط الانقلاب المحتشدين في مبنى الأركان وحوله للمطالبة بعقد اجتماع يضم بعض الضباط بهدف إنهاء الفوضى القائمة، وتمّ الاجتماع مساء يوم 8 آذار، وممن اجتمع في إحدى قاعات مبنى الأركان الضباط:

لؤي أتاسي، راشد قطيني، محمد الصوفي، أسعد الحكيم، عبد الكريم سوادي، جميل فياض، درويش الزوني، كمال هلال، فواز محارب، عبدالله رزوق، عبد الوهاب قطيع، عادل حاج مراد، زياد الحريري، عارف الجاجة، محمد الحاج محمود، محمود الحاج محمود، فايز موسى، زياد حمضمض، عبد الرحمن حاج عبيد، محمد عمران، صلاح جديد، عبد الكريم الجندي، موسى الزعبي، حافظ الأسد، أحمد المير محمود، محمد رباح الطويل، عزت جديد، سليم حاطوم، سليمان العلي، بهجت الجاير، مصطفى الحاج علي، فؤاد منذر، مفتخر الشرع، سليمان حداد، محمود حمرا، مصطفى العيسى، غسان حداد، فهد الشاعر، عبد الرزاق الدردري….

  تم الاتفاق في هذا الاجتماع، الذي ترأسه العقيد فهد الشاعر، على تشكيل مجلس وطني لقيادة الثورة برئاسة الفريق لؤي الأتاسي، ويتكون من ( 20) عضواً نصفهم من العسكريين والنصف الآخر من المدنيين، ويكون مناصفة بين البعثيين والقوى الأخرى، وسُمعت بعض اقتراحات من المجتمعين، رافقها ضجيج ومماحكات، وانبرى العقيد محمد عمران طالباً من الحضور الصمت، وأعلن أسما ء المرشحين من العسكريين لعضوية المجلس وهم : محمد عمران و صلاح جديد وموسى الزعبي “بعثيون”, راشد قطيني و فواز محارب و كمال هلال ودرويش الزوني “عن القوى الناصرية “، وزياد الحريري و غسان حداد و فهد الشاعر “عن المستقلين”.  والتزم الجميع بهذا الاقتراح، كما تمّت مكافأة العميد محمد الصوفي بترفيعه إلى رتبة الفريق وتعيينه وزيراً للدفاع.


   تنويه: إضافة إلى أسماء الضباط الذين وردت أسماؤهم في هذا النص، فإن الواجب يقتضي التنويه بأن هناك آخرين كثر من الضباط العاملين والمسرحين الذين ساهموا في نجاح الانقلاب، إمّا من خلال نزول وحداتهم إلى دمشق، أو من خلال التحاقهم صبيحة الانقلاب بوحدات عسكرية للسيطرة عليها أو تجميدها.


* يقول منصور الأطرش في سيرته الذاتية ” الجيل المدان ” (في بداية الأسبوع الأول من آذار أرسل النقيب سليم حاطوم حسن الفاعوري “بعثي، من القطاع الجنوبي في الجبهة ” لتبليغ الأستاذ منصور الأطرش أن الاستعدادات أصبحت كاملة وساعة الصفر قريبة جداً ، ويسألهم من تريدون أن يكون رئيساً للدولة ، وكان النقيب سليم يفضل أن يكون الأستاذ صلاح البيطار.

 و في مساء السابع من آذار أخطرني الأستاذ صلاح بساعة الصفر ….وذهبنا جميعاً إلى محلة الميدان وبتنا ليلتنا هناك في منزل الرفيق ممدوح نصيرات حيث وافانا احد الضباط المسرحين ….وقضينا ليلتنا نستطلع الأخبار …..حتى قدم إلينا الرفيق أحمد سويدان ” يعثي، صحفي “وأفاد أن الانقلاب تم بهدوء… )

** دخلت القوات العسكرية القادمة من السويداء دمشق حوالي العاشرة صباحًا، بعد انتظار لبعض الوقت بالقرب من قرية الست زينب، وبناء على توجيهات المقدم صلاح جديد كلف بعضها بحراسة المصرف المركزي، وبعضها الآخر التمركز في ساحة المرجة،   وفي طريقه التقى النقيب الحاج علي  بشقيق ممدوح نصيرات وأبلغه أن الأستاذ صلاح ومن معه ينتظرون في بيت شقيقه في بستان البختيار، وتوجها معأً إلى المنزل، ويقول النقيب الحاج علي: كان القلق بادياً على وجه الأستاذ صلاح  للتأخر في دعوته إلى الأركان، و بعد خروجي توجهت إلى مبنى الأركان وبلغت المقدم صلاح جديد، فأجابني: سيتم استدعاؤه بعد قليل .


(1) تم سحب هذا المرسوم التشريعي يوم 8 آذار 1963 قبل أن ينشر في الجريدة الرسمية، ويصبح ساري المفعول.

(2) بعد انتهاء الاجتماع، مرََََ عليََ في المنزل الملازم أول مظهر الجندي- ويقع المنزل مقابل  نادي الضباط – وأبلغني بساعة الصفر، وكان هو و كتيبته من بين الوحدات المختارة للتحرك.

(3) كان بعضهم، وخاصة في فترة الانفصال،على اتصال معي بشكل دائم، للتزود بمنشورات الحزب.

(4) شأن السيطرة على قاعدة الضمير الجوية روي باتريك سيل في كتابه الأسد – الصراع على الشرق الأوسط، نقلاً عن لسان الرئيس ا لأسد: أرسلت إليهم مبعوثاً برسالة تحذيرية بأنني سأباشر القصف إذا كانت هناك أية مقاومة، وبعد بضع دقائق جاء اثنان من ضباطهم في سيارة ليقترحا التفاوض، فهرعت على الفور معهما إلى حيث آمر القاعدة وقلت له: لقد انتهى الأمر بالنسبة لكم، ونحن لا نريد أن نقتل أحداً ولكن ما لم تستسلموا فإننا سنستعمل القوة.


انظر:

بطاقة مروان حبش عضو المجلس الوطني للثورة عام 1965

مرسوم منع منح امتياز استثمار الثروة المعدنية والنفطية في سورية

قانون تشكيل المجلس الوطني للثورة وتسمية أعضائه عام 1965

انظر ايضاً:

مروان حبش: عصيان كتلة النحلاوي العسكرية 1963 (25)

مروان حبش: مؤتمر شتورا عام 1962 (24)

مروان حبش: إنقلاب 28 آذار 1962 (23)

مروان حبش: الشركة النفطية التي كانت تتدخل لإسقاط وتعيين حكومات

مروان حبش: حول اللجنة العسكرية

مروان حبش: استثمار النفط وطنياً .. بترول العرب للعرب

مروان حبش : إنقلاب الانفصال 28 أيلول 1961 (22)

مروان حبش: استقالة الوزراء السوريين في عهد الوحدة (21)

مروان حبش: حل حزب البعث عام 1958 وكلمة ميشيل عفلق (20)

مروان حبش: أزمات حزب البعث بعد الوحدة (19)

مروان حبش: حل حزب البعث عام 1958 (18)

مروان حبش: السير نحو الوحدة (17)

مروان حبش: البعث وانتخاب القوتلي لرئاسة الجمهورية عام 1955(16)

مروان حبش: البعث والانتخابات النيابية عام 1954 (15)

مروان حبش:البعث والانقلاب على نظام حكم الشيشكلي (14)

مروان حبش: البعث والقيادة القومية (13)

مروان حبش: قضية انسحاب جلال السيد من حزب البعث (12)

مروان حبش: قضية الضابط داود عويس (11)

مروان حبش: قضية البعث وحسني الزعيم (10)

مروان حبش: دمج الحزبين وزواج لم يُعمِّر (9)

مروان حبش: الدمج بين حزبي البعث العربي والعربي الاشتراكي (8)

مروان حبش: صدور جريدة البعث والمؤتمر التأسيسي عام 1947 (7)

مروان حبش: معارك حركة البعث 1943- 1947 (6)

مروان حبش: تكون حلقة شباب البعث العربي 1942- 1943 (5)

مروان حبش: زكي الأرسوزي وتأسيس الحزب القومي العرب عام 1939 (4)

مروان حبش: الحزب القومي العربي (3)

مروان حبش: عصبة العمل القومي  (2)

مروان حبش: نشأة وتكون حزب البعث العربي (1)

حزب البعث

مروان حبش: حركة 23 شباط – الدواعي والأسباب – المقدمة (1)

مروان حبش: حركة 23 شباط – الحزب في السلطة (2)

مروان حبش: حركة 23 شباط.. سقوط حكم حزب البعث في العراق (3) 

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

مروان حبش

وزير وعضو قيادة قطرية سابق

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي