You dont have javascript enabled! Please enable it!
مقالات

ميشيل عفلق عام 1946 : علة الضعف في سياستنا الخارجية

علة الضعف في سياستنا الخارجية .. من مقالات ميشيل عفلق التي نشرت في افتتاحية صحيفة البعث في العاشر  من تموز عام 1946م

نص المقال:

نشرت أمس المذكرات التي قدمتها الحكومة السورية إلى حكومتي بريطانيا والولايات المتحدة يشأن فلسطين(1). ويقيننا إن كل عربي طالع هذه المذكرات خرج منها بالشيء الكثير من الشك واليأس، لا لمآخذ يأخذها على نصها أو روحها أو ما تضمنته من حجج أو من عرض واف لمطالب العرب وحقوقهم الصريحة العادلة. بل إن مبعث الشك واليأس هو سياسة الاقتصار على المذكرات، وسياسة التصريحات التي لا طائل تحتها، والقرارات التي لا يتبعها تنفيذ.

يتساءل كل عربي: لماذا تأتي أعمال الحكومات العربية على غير ما يجيء في تصريحاتها وأقوالها وتعهداتها؟ لماذا يبتلى العرب بهذا العجز الواضح المعيب، فلا يكون لأقوالهم حرمة، ولا لقراراتهم قوة مؤيدة. ولماذا تكون هذه الملايين العديدة من العرب عاجزة عن حل مشاكل -هي بالرغم من صعوبتها- غير مستحيلة الحل، وان اقتضى ذلك آخر الأمر أن تلجأ هذه الملايين إلى استعمال حقها المشروع في الدفاع عن النفس، ببذل الأنفس واقتحام ساحة النضال الدموي؟ وهو يتساءل أيضا: لو كانت قرارات الدول العربية جدية صادقة، فطبقت المقاطعة الاقتصادية على الصهيونيين وعلى الدول التي تؤيدهم هل كان يبقى في فلسطين خطر صهيوني، وهل كان يبقى في العالم دول تستهين بإرادة سبعين مليونا من العرب يعيشون في ارض لا يمكن للعالم أن يستغني عن خيراتها، أو يستخف بموقعها الجغرافي الممتاز؟

ولكن العربي إذ يطرح على نفسه هذه الأسئلة يعرف أيضا إن الجواب الوحيد لها كلها هو هذه الحقيقة المؤلمة التي تكشف عنها الحوادث والتجارب وتزيدها وضوحا يوما بعد يوم: إن الحكومات العربية لا تمثل هذه الملايين العديدة من الشعب العربي، ولا تعتمد على قوتها ولا تستند إلى إرادتها وتأييدها، ولا تستطيع أن تحشد كل ما لهذه الملايين من قوة، وان تستخرج جميع ما فيها من إمكانات.

والعربي يعرف بوضوح متزايد يوما بعد يوم إن علة هذا التناقض بين الشعب العربي وحكوماته هي ان هذه الحكومات كلها تخرج من طبقة واحده فاسدة، الطبقة الإقطاعية الاستثمارية أسيرة المصالح الاقتصادية والتزعم الاجتماعي القطري المصطنع الكاذب. وطبيعي أن تكون مصلحة هذه الحكومات، ممثلة الطبقة الاستثمارية، نقيض مصلحة الملايين من الشعب العربي الذي تستثمره، دون ما رحمة ولا حياء. لذلك كان مقدرا عليها أن تخشى الشعب بقدر ما تخشى الدول الإستعمارية التي تنافسها على استعباده واستعماره. وهى ترغب صادقة في تخليص البلاد العربية من كل استعمار أجنبي لكي يزول أمامها كل منافس لتحكمها واستثمارها، وهذا هو ما تسميه بـ ” وطنيتها”. لكنها بحكم وقوعها بين عدوين خطيرين: الشعب والإستعمار الأجنبي، وبحكم ضعفها وقلة وسائلها، مضطرة إلى المساومة ومحاولة التوفيق. والتوفيق بين موقفها من الشعب وبين موقفها من الدول الأجنبية لا يعني إلا شيئا واحدا وهو: انه سيبقى دوما لتلك الدول الإستعمارية يد ونفوذ في شؤون العرب وبلادهم، ولن يُحل هذا التناقض إلا متى وقف العرب وحكوماتهم في صف واحد ضد الإستعمار. أي متى توصل العرب إلى التخلص من حكوماتهم الحاضرة واختيار الحكومات إلى تمثل مصلحة الشعب لأنها تخرج من الشعب.

على ضوء هذه الحقيقة يستطيع العرب أن يدركوا منطق السياسة الخارجية التي تنتهجها الحكومات العربية في الظرف الحاضر، ولا يستغرب أن يكون منطقا معكوسا متناقضا إذا عرفنا انه تعبير صادق عن وضع تلك الحكومات المعكوس المليء بالتناقض. فالدول التي تشكل اليوم اكبر عثرة في طريق حرية العرب وسلامة أرضهم ونمو قوميتهم هي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. والسياسة التي لها وزنها الثقيل في الضغط على مقدرات العرب هي بصورة خاصة سياسة الدولتين الإنكلو سكسونيتين بريطانيا والولايات المتحدة. وليس لهذه السياسة ما يتكافأ معها في القوة والتأثير، ويشكل معدلا لخطرها، إلا سياسة دولة كبرى تقف للاستعمار البريطاني والأمريكي بالمرصاد هي دولة الاتحاد السوفييتي. وان من ابسط القواعد السياسية ومن أولى الواجبات القومية التي تترتب على حكومات واعية لمصلحة بلادها، حرة في تقرير موقفها السياسي الدولي هي أن تستعين على أعدائها بأعداء أعدائها، أو على الأقل أن تهدد بهم وان تهتم بمكافحة العدو الجاثم على قسم كبير من أراضيها، والعدو المعتدي على صميم قوميتها -كما هي حال الدول المؤيدة للصهيونية- لا أن تكافح عدوا شره بعيد، وخطره غير أكيد.

ولكن نظرة سريعة يلقيها العربي على حكومات بلاده، وعلى الأسس الواهية والأوضاع الرثة البالية التي تقوم عليها تلك الحكومات العائشة من فقر ملايين العرب، من جهلهم وإذلالهم، تكفي لإفهامه سر التناقض الذي يجعل السياسة العربية الحاضرة تحارب من جهة الاحتلال البريطاني في مصر والعراق وشرق الأردن، وتحارب الاحتلال البريطاني والتدخل الأمريكي الداعمين لعدوان الصهيونية في فلسطين، وتسير من جهة أخرى في ركاب السياسة التي تحاربها، وتمد يدها إلى تركيا بلا مقابل ولا ثمن متناسية لواء الإسكندرون وواجبها في السعي إلى استرداده في هذا الظرف المؤاتي. أما التذرع بخطر الشيوعية فهو لغو ومغالطة لان التعاون بين الحكومات العربية وبين الاتحاد السوفييتي لا يستوجب فتح البلاد لغزو الشيوعية بل على العكس ينقذنا من وساطة الحزب الشيوعي. ولنقل أخيرا أن الحكومات الرجعية الاستثمارية التي مني بها الشعب العربي في جميع أقطار، هي في الواقع اكبر دعاية للشيوعية وأقوى دعامة لتركيزها في أرضنا. وان الحكومات الصادرة عن الشعب الممثلة لمصلحته، هي وحدها التي تقدر على درء خطر الشيوعية والصمود لها صمودا منيعا جبارا.

لن تحقق أهداف العرب في تحرير بلادهم من الإستعمار الأجنبي وفي المحافظة على كيانهم المستقل إلا إذا كانت لهم سياسة خارجية حرة تستلهم في نهجها المصلحة العربية وتضع هذه المصلحة فوق كل شيء ولن يكون للعرب سياسة خارجية حرة ما دام لهم حكومات لا تستطيع أن تعتمد على تأييد الملايين من أفراد الشعب العربي لان مصلحتها هي نقيض مصلحة هذا الشعب.

ميشيل عفلق

10 تموز 1946


(1) افتتاحية جريدة ” البعث “، العدد 6 الصادر في 10 تموز 1946


انظر مقالات  ووثائق ميشيل عفلق:

في الثلاثينيات:

عهد البطولة 1935
ثروة الحياة 1936

في الأربعينيات:

 القومية حب قبل كل شئ 1940
 القومية قدر محبب 1940
في القومية العربية
1941
نفدي العراق 1941
ذكرى الرسول العربي 1943
التفكير المجرد 1943
واجب العمل القومي
1943
الإيمان
1943
المثالية الموهومة
1943
المثالية الواقعية
1943
المعركة الانتخابية الأولى
1943
حول الاعتداء على استقلال لبنان 1943
الجيل العربي الجديد 1944
الأرض والسماء
1944
موقفنا من النظرية الشيوعية
1944
السياسة الأمريكية حول فلسطين
1944
حول السياسة الأميركية والهجرة اليهودية 1945
موقف الحزب من ميثاق الجامعة العربية
1945
مقابلة ميشيل عفلق مع مجلة النضال
1945
بيان حزب البعث العربي حول مشاكل العرب السياسية  1945
بيان حزب البعث حول الإتفاق البريطاني – الفرنسي “بيفن – بيدو”  1945
حول الرسالة العربية
1946
معالم الاشتراكية العربية
1946
المعاهدة الأردنية – البريطانية
1946
بذور البَعث
03.07.1946
 الجمهورية والحرية ماذا عملنا لصيانة نظامنا الجمهوري
18.08.1946

انظر ايضاً:

ميشيل عفلق: التنظيم الإنقلابي

ميشيل عفلق: البعث العربي هو الانقلاب

ميشيل عفلق: حزب الانقلاب

ميشيل عفلق: الدور التاريخي لحركة البعث

ميشيل عفلق: الحركة الفكرية الشاملة

المصدر
ينشر بالاتفاق مع موقع "في سبيل البعث" وأسرة ميشيل عفلق، موقع التاريخ السوري المعاصر



 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى