ملفات

أحداث وتطورات معركة ميسلون 1920

 معركة ميسلون


خطة القوات العربية:

وضع “يوسف العظمة” وزير الحربية خطة تقضي بالتمركز دفاعياً في تلال “مجدل عنجر”، وقام في سبيل ذلك بإنشاء سلسلة من الحصون في الجبال المحيطة هناك بشكل يطل على سهل البقاع، ويسيطر على الطريق العام الواصل بين بيروت ودمشق.

وتنفيذاً لذلك حشد في ذلك الموقع القوى اللازمة للوقوف في وجه الجيش الفرنسي إذا ما حاول التقدم باتجاه دمشق.

ولكن بعد ذلك وافق الملك “فيصل بن الحسين” على شروط “الجنرال غورو” وبدأ بتنفيذ بنود الإنذار ولاسميا تسريح الجيش، وهذا ما دعى إلى سحب الجيش من “مجدل عنجر” الأمر الذي أفقد الجيش العربي المواقع الدفاعية المهمة التي كان قد أعد لها مسبقاً للمعركة.

وبعد اتخاذ قرار الدفاع والتصدي للقوات الفرنسية المهاجمة، اتخذ الجيش منطقة “عقبة الطين” لإقامة الخطوط الدفاعية الجديدة.

واعتمد “يوسف العظمة” وزير الحربية خطة دفاعية هجومية، وألقى خطوطها العامة على قادته قبل يومين من المعركة أي في الثاني والعشرين من تموز، وبعد ذلك أصدر “حسن تحسين الفقير” قائد الفرقة الأولى أمراً دفاعياً تفصيلياً لوحدات الفرقة استناداً إلى الخطة الجديدة.

تمثلت الخطة الجديدة في تنظيم خط دفاعي في وسط الجبهة على جانبي الطريق، مع إفراز وحدات خلفية إلى يمين ويسار الجبهة لحماية الجناحين من جهة  وادي التكية “يمين الطريق” ودير العشائر “يسار الطريق”.

كان تنفيذ هذه الخطة يتطلب:

– منع العدو من إجتياز مرتفعات “عقبة الطين” شمال غرب ميسلون، مهما شدّد ضغطه على قوات القلب المتمركزة هناك، ويكون هذا بالدفاع دفاعاً مستميتاً دون أية فكرة تراجع.

– قيم كل من الجناج الأيمن والأيسر بتثبيت القوات المقابلة لهما، وانتهاز أول فرصة ممكنة للالتفاف حول جانب العدو من جهتي الزبداني يميناً ودير العشائر يساراً، والإطباق على القوات الفرنسية بفكي كماشة على ارتفاع قرية جديدة “يابوس”، وذلك لقطع الطريق على القوات الفرنسية وحصرها في وادي القرن، والعمل على دحرها وأسرها عند ذلك.

لتطبيق هذه الخطة قُسمت القوات العربية إلى قلب وجناحين ومؤخرة.

أولاً- القلب:

ضم الوحدات التالية:

1- مركز قيادة الجبهة: الذي تمركز فيه “يوسف العظمة” وزير الحربية و”حسن تحسين الفقير” قائد الفرقة الأولى، و”أحمد صدقي الكيلاني” قائد المدفعية، وكان هذا المركز عبارة عن مرصد في أعلى مرتفع “عقبة الطين” ويشرف على الجبهة جميعها.

2- بقايا اللواء الأول مشاة: بإمرة القائد “حسن الهندي”، ويحوي بقايا فوجين من أفواجه الثلاثة، وفوجاً من المتطوعين المدنيين، والفوجان النظاميان: هما الفوج الأول بقيادة الرئيس “محي الدين بغدادي”، وقد تمركز على يمين الطريق العام دمشق- بيروت، والفوج الثالث بقيادة “أبي الخير الجابي” وقد تمركز على يسار الطريق العام.

وكان كل من هذين الفوجين يحوي ثلاث سرايا مشاة وسرية رشاشات.

أما فوج المتطوعين المدنيين فقد وضع بإمرة وكيل القائد المميز “حسن توكلنا” كاحتياط وعلى بعد حوالي 700 متر وراء خط تمركز الفوجين النظاميين.

وكان ضم قوات القلب أيضاً سرية استحكام بإمرة الرئيس “تحسين العنبري” وبطاريتا مدفعية احداهما من عيار 105 مم والثانية من عيار 75مم.

وكلفت قوات القلب بالمهام التالية:

انتشار وحدات المشاة في القلب كفصائل صغيرة في شبه مرقاة على السفح الغربي لهضبة الطين الى جانبي الطريق العام “طريق بيروت – دمشق”، وبشكل يسيطر على وادي زرزر، وقد كلفت وحدات المشاة هذه بالمهمة الرئيسية في الدفاع وهي الثبات في مرتفع “عقبة الطين” وامتداه نحو التكية وامتصاص قوة هجوم القوات الفرنسية في محور جهده، والصمود أمامه مهما كلف الأمر من ضحايا وخسائر.

كما أمرت المدفعية بالتمركز في مؤخرة الموقع الأول من جهة الشمال، قرب خط تقسيم المياه، وكلفت بإسكات مدفعية العدو، والرماية على شكل سد مانع في وادي زرزر ضد دبابات القوات الفرنسية، مع الاقتصاد ما أمكن بالقذائف.

وكلفت سرية الاستحكام بمد شبكة خطوط هاتفية على جميع مراكز الجبهة الدفاعية، مع القيام بزرع ألغام على طريق بيروت – دمشق لمنع آليات العدو من التقدم.

وقد قامت هذه السرية تنفيذاً لمهمتها المذكورة بوضع ثلاثة ألغام كبيرة من صنع محلي في الأماكن التالية:

الأول: تحت الجسر الصغير الرئيسي في وادي زرزر.

الثاني: على الطريق العام على بعد مائتي متر من الأول.

الثالث: على بعد مائة متر منه.

وقد وُضع في اللغم الأول 12 قالباً من الديناميت، وفي الثاني ثمانية قوالب، وفي الثالث ستة قوالب.

ثانياً – الجناج الأيمن:

ضم هذا الجناح:

– فوجاً واحداً من أفواج اللواء الثاني بإمرة القائد توفيق العاقل.

– بطارية مدفعية جبلية بإمرة الملازم خالد نصري.

– فصيلة مدفعية من عيار 65 مم بإمرة الملازم الأول خالد المدفعي

– سبعة رشاشات هوتشكيس.

– مفرزة من الحرس الملكي بإمرة الرئيس “محمد علي العجلوني”.

وقد كلفت هذه القوات جميعاً بالتقدم عن طريق وادي بردى إلى الزبداني حيث تنضم إليها هناك مجموعة من المتطوعين المدنيين تتألف من 1600 متطوع بقيادة المجاهد “ملحم قاسم” حسبما وعد بذلك قائم مقام الزبداني السيد “محمد الحلبي”.

وبعد إلتحاق قوات المتطوعين هذه تقوم قوات الجناح كلها بالتقدم باتجاه الجرود المشرفة على قرية جديدة يابوس، حيث تكلف هناك بالتصدي لقوات الميسرة الفرنسية لإيقافها في تلك النقطة، ومنعها بالتالي من القيام بحركة التفاف لتطويق القوات الوطنية، ثم الإغارة على القوات الفرنسية، إذا سمحت الظروف بذلك، باتجاه فم وادي القرن، وقطع الطريق عليها إذا أرادت الإنسحاب.

ثالثاً- الجناح الأيسر:

كُلف هذا الجناح بالتمركز جنوبي الطريق العام، على فرجة تعادل 300 م بين قواته وطرف قوات القلب من جهة اليسار، وضد ضم هذا الجناح القوات التالية:

– سرية رشاشات بإمرة “هاشم الزين”، وكانت تحوي ثلاث فصائل: الأولى بقيادة الملازم عبد الله عطفة، والثانية بقيادة الملازم الأول صبحي العمري، والثالث بقيادة الملازم صلاح الدين عرب أوغلي.

– سرية خيالة بقيادة الرئيس “عزت الساطي” وعددها حوالي 60 خيالاً.

– مجموعة من المتطوعين الميادنة الخيالة، وعددهم حوالي 115 خيالاً، وقد التحقوا بسرية الرئيس “عزت الساطي”.

– مجموعة من المتطوعين المدنيين المشاة، أغلبهم من بلدة دوما، ويقودهم عدد من رجال الدين المسلمين.

وقد أعطي هذا الجناح مهمة منع قوات الميمنة المعادية من القيام بحركة التفاف لتطويق القوات الوطنية من جهة اليسار ثم الإغارة على القوات الفرنسية على سنوح الفرصة عن طريق قرية “دير العشائر، باتجاه مقر القيادة الفرنسية في قرية “جديدة يابوس”، وذلك لقطع الطريق على هذه القوات إذا أرادت الإنسحاب من وادي القرن نحو الخلف، كما أُعطيت لقوات الهجانة بشكل خاص مهمة حماية الجناح الأيسر بكامله أمام قرى دير العشائر وحلوة وينطا، مع تأخير العدو القادم من ذلك الطريق.

رابعاً- المؤخرة:

كانت قوات المؤخرة مشكلة من مصالح الجيش التي كانت مراكزها متسلسلة عمقاً من خان ميسلون وحتى دمر، وأهم هذه المصالح:

– مركز التموين والتسليح: كان في مقره في قرية خان ميسلون، على بعد 700 م تقريباً من آخر عناصر النسق الأول، وقد افتتح هذا المركز في 21 تموز، وابتدأ منذ ذلك الوقت يمارس مهمته بتلقي القادمين من جنود ومتطوعين وإرسالهم إلى المكان المناسب في تنظيم القوات العربية. وقد تولى القيام بمهمة التموين والتسليح هذه القائد الركن “شريف الحجار”.

– مركز الإسعاف الصحي: تأسس بجوار قرية الديماس، وكلف باستقبال الجرحى العاديين واسعافهم، وتأمين إخلاء الجرحى الخطرين باتجاه المشفى العسكري في دمشق، وقد كلف القائد الطبيب “أحمد عبد القادر سري” ومعه أطباء الفرقة العسكريين بإدارة هذا المركز.

– المنزل: والمنزل باللغة العسكرية التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت يعني مركز التموين بالتعيينات الغذائية والماء وقد أسس هذا المنزل في دمر، وكان تحت إمرة القائم مقام “محمد لطفي الرفاعي”.

خطة المهاجمين وترتيبهم:

خطة القوات الفرنسية:

قامت الفرقة الثالثة الفرنسية المتقدمة باتجاه ميسلون بجملة استطلاعات أرضية وجوية قبل المعركة، وقد جعلت هذه الاستطلاعات الجنرال غوابيه يصمم خطة المعركة حسب الشكل التالي:

المهاجمة جبهياً بمقدمة مدعومة بالدبابات القوى العربية المتمركزة في عقبة الطين، على مرتفعات الضفة اليمنى لوادي زرزر “قوات القلب”، والتي تقاطع بشكل شاقولي الطريق العام إلى دمشق، مع بذل الجهد للالتفاف حول الجناح العربي الأيسر، من جنوب قرية “دير العشائر”، وذلك بواسطة كتيبة الخيالة المغربية “كتيبة السباهيين”، التي تضم كوكباتها فرساناً قدماء تعودوا على القتال راكبين أو راجلين.

هذه المناورةتسمح للقوات الفرنسية بأن تصل إلى مرتفعات تزيد علواً عن مراكز وخطوط الدفاع العربية، وتهدد في الوقت نفسه طريق المواصلات العربية إلى دمشق من جهة خان ميسلون.

وملخص خطة “غوابيه” كانت على الشكل التالي:

مهاجمة قلب القوات العربية جبهياً وبكل عنف، وتثبيت جناحيها الأيمن والأيسر في المكان، ثم محاولة تطويق جناحها الأيسر بالالتفاف من جهة الكنيسة – دير العشائر إلى خان ميسلون والديماس.

وقد أمر “غوابيه” القوات الموضوعة تحت قيادته باتخاذ الترتيب التالي أثناء الهجوم:

1- وحدات الهجوم: كانت تحت إمرة الكولونيل دوزاك وتشمل ثلاث وحدات:

أ- السرية التي يقودها “جيلرم” من كتيبة “أبوت”، التابعة لفوج الرماة الجزائريين الثاني عليها التمركز في الساعة الخامسة من صباح يوم السبت 24 تموز من فم وادي زرزر، جنوب الطريق العام بيروت – دمشق، على أن تنطلق بالهجوم في تمام الساعة السادسة، وتدعم هذه الوحدة في تقدمها بطارية المدفعية التي يقودها “روبير”.

ب- الكتيبة الأخرى من فوج الرماة الجزائريين الثاني، بقيادة “بلوليتي” عليها أن تتخذ تدابير القتال في المرتفعات المطلة على الضفة اليسرى لوادي زرزر، ثم الإنطلاق باتجاه قلب القوات العربية، متخذة كمحور هجوم لها شمال الطريق العام بمسافة تبقى بها على اتصال بالنظر مع قوة الهجوم الأخرى التي كلفت بالتقدم جنوب الطريق العام، وتدعم هذه الوحدة في تقدمها أيضاً بطارية مدافع من عيار 65 مم.

ج- سرية من الكتيبة 415 مشاة، وهي السرية التي يقودها “كلوبفنستاين” عليها أن تتقدم على محور الطريق العام، ومعها فصيلة دبابات قتال بقيادة “دييفار” ونصف سرية هندسة بقيادة “مويوسان”.

بالإضافة لوحدات “قلب الهجوم” هذه تم تعيين وحدات لدعمه في ميمنته وميسرته، ففيما يتعلق بوحدات الميمنة الفرنسية كان هناك:

– كتيبة “مينيان” وتتبع فوج الرمال السنغاليين العاشر، وكان عليها أن تتمركز على مرتفعات حلوة، جنوبي الطريق العام، مع نصف بطارية مدافع 65 مم، وأن تنطلق من هناك مع قوات الهجوم، لحماية ميمنتها، محافظة على بقائها جنوبي الطريق العام أثناء تقدمها.

– كتيبة غوتييه: التي تتبع فوج الرماة، السنغاليين الحادي عشر، وعليها أن تنطلق من مرتفعات الكنيسة باتجاه المزرعة، ثم الإنقضاض على جنوبي وادي زرزر، مع مداومة الارتباط بالنظر بكتيبة ماسييه “الخيالة السباهيون”.

– كتيبة “ماسييه” التي تضم جملة الخيالة المغاربة “السباهيين” وتشمل أربع كوكبات خيالة مع سرية رشاشات، وعليها أن تنطلق من مرتفعات الكنيسة في أقصى جنوب الطريق، محاولة الإلتفاف حول ميسرة القوات العربية وتطويقها بالكامل في قطاع خان ميسلون.

وقد أُلحقت بهذه الوحدت جميعاً بطارية من المدفعية الثقيلة عيار 155 مم، بقيادة ” ماميسييه” وكلفت بالتربص في الفم الغربي للوادي، وعليها إسكات المدفعية العربية عند تدخلها، وتحطيم الحواجز التي تعترض تقدم الوحدات الفرنسية عند تنفيذ عملية الهجوم.

2- وحدات النسق الثاني للهجوم:

وُضعت تجت إمرة الجنرال “بوردو”، وهي تضم: كوكبة خيالة خفيفة، ونصف سرية هندسة، وكتيبة من فوج الرماة السنغاليين الحادي عشر، وبطاريتين من عيار 75 مم، وقد كُلفت هذه الوحدات بالاجتماع في سهل عين جديدة، والتقدم باتجاه مدخل الوادي، وذلك في تمام الساعة السادسة والنصف، أي بعد الوقت المقدر لبدء الاشتباك بنصف ساعة.

3- الحملة والمؤخرة:

كانتا تحت قيادة الكولونيل “بتريكس” وتتألفان من فوج في اللواء السنغالي، وكان عليهما الإجتماع في معسكر عين جديدة، ثم اللحاق بالرتل العام، مما يشكل نسقاً ثالثاً للهجوم.

4- مراكز ثابتة ومراكز القيادة:

تم احتلال مرتفع البترونة بمجبنبة “ميسرة” تعادل سرية بفصيلة رشاشات لحماية اجتماع الفرقة، ومنع تطويقها من جهة الشمال، وكان مركز القيادة الذي شغله الجنرال “غوابيه” يوجد مع مرصد المدفعية الذي تم إنشاؤه في مرتفع البترونة نفسها.


سير المعركة

سير المعركة في الجانب العربي:

كانت القوات العربية موزعة على ثلاث مجموعات: الحناح الأيسر، والقلب، الجناح الأيمن، وبما أن هذه المجموعات قد حاربت منفصلة عن بعضها، بحيث لم يوجد بينها الحد الأدنى من الارتباط، لذلك سوف نتحدث في تفاصيل المعركة في كل مجموعة على حدى:

1- حركات الجناح الأيسر:

كان هذا الجناح بإمرة القائد الشيخ “مرزوق التخيمي”، ويعاونه في مهمته الرئيس “عزة الساطي”، وكان يحوي مجموعة متنافرة من القوات تنتمي إلى مختلف الوحدات والصنوف، وهذا ما سبب ضعفاً ملحوظاً في الميسرة العربية وقدرتها الدفاعية.

لقد كان هذا الجناح يحوي مفرزة من الهجانة، وسرية من الرشاشات، وسرية من الخيالة، ومفرزة من اللواء الهاشمي، ومجموعة من المتطوعين المدنيين بعضهم من الخيالة وبعضهم الآخر من المشاة.

وقد تحركت قوات هذا الجناح في مساء يوم 23 تموز من مركز القوات العربية في “عقبة الطين” إلى المنطقة المجاورة لقرية “دير العشائر” على يسار طريق دمشق – بيروت.

وكانت المهمة التي أسندت لقوات هذا الجناح، والتي وردت في أمر الدفاع الصادر عن قائد الفرقة الأميرالاي “تحسين الفقير” تنص كما يلي: (قائد الجناح الأيسر المقدم الشيخ مرزوق التخيمي، يعاونه قائد الخيالة عزت بك الساطي، وعليهما أن يشغلا التلال الكائنة أمام دير العشائر وحلوة أن ويسترشدا برأي سعيد بك عمون الخبير بالمنطقة وأن يدفعا بقواتهما عن هذه التلال، ويمنعا تقدم العدو منها وإحاطته بجاحنا الأيسر، كما يجب عليهما منع تقدم العدو بين “عقبة الطين” وبين المركز التي يربطان مع قواتهم فيها، وعلى الخيالة النظامية والمتطوعية أن يحاربوا مترجلين وأن يسلموا كل أربعة خيول لرجل منهم توضع جميعها مع الهجن وراء التلال حفظاً لها من نيران العدو، كما يجب تأمين المخابرة والاتصال مع مقر قيادة الفرقة بواسطة حضيرة هاتف تلحق بها، وعلى قائد الجناح الأيسر الشيخ مرزوق التخيمي أن يستشير معاونه عزت الساطي ويسترشد بآرائه في جميع الأعمال الحربية الفنية، وعليه أن يدافع مع القوات التي تحت إمرته مدافعة مطلقة، وأن لا تتقدم إلا بأمرنا).

كانت مفرزة الهجانة، ومجموعة الخيالة والمشاة من المتطوعين المدنيين تشكلان حوالي ثلثي قوات هذا الجناح، وكان أفرادهما خليطاً غير متجانس من المقاتلين، أغلبهم لا يعرفون يعضهم بعضاً، ومع هذا فقد قاتلوا في بداية المعركة، بين الساعة السابعة والساعة العاشرة صباحاً، بشكل جيد ومتماسك، وتمكنوا من إيقاف تقدم القوات الفرنسية بالتعاون مع سرية الرشاشات.

عند الساعة العاشرة وقع حادث مؤسف كان له الأثر الأكبر في انهيار هذا الجناح أمام القوات الفرنسية المهاجمة، وهي أن حوالي خمسين مدنياً مسلحاً، أغلبهم من أهالي قريتي الحلوة وينطا اللبنانيتين، بزعامة العميل “نسيب أبي داوود” تقدموا من قوات الحرس الملكي والهجانة وقالوا لرجالها باللهجة البدوية:

“حياكم الله يا نشامى يا ولد علي. هودي باذنجان أسود، هاجموهم ونحنا نحمي ضهوركم”، فاعتقد هؤلاء الجنود الأبرار، وأغلبهم من الحجازيين، بأن الفرصة قد حانت لكي يتقدموا لتطويق الجناح الأيمن الفرنسي، كما تقضي مهمتهم بالأصل، فاندفعوا نحو الأمام باتجاه الفرنسيين مكبرين مهللين، ولكنهم لم يكادوا يبعدون عن خنادقهم الأصلية بحوالي مائة متر حتى فوجئوا بالنيران تطلق عليهم من خلفهم في ظهورهم، وهكذا أصبح هؤلاء بين نارين، نار السنغاليين التي تأتيهم من الأمام، ونار الخونة الذين احتلوا خنادقهم الأصلية وأخذوا يرمونهم من الخلف، فسقط منهم من سقط قتيلاً أو جريحاً، وتملص الباقون بأن انسحبوا نحو الجنوب قبل أن يتراجعوا إلى الخلف، خارج خطوط المعركة، أما بقية وحدات الجناح “مفرزة من اللواء الهاشمي، سرية الرشاش، بقية المتطوعين”، والتي كان يقودها السيد عزت الساطي، فقد حاولت الصمود في أمكنتها “بعد القضاء على معظم أفراد الهجانة والحرس الملكي”، مع تغطية الثغرة التي انفتحت في دفاع الجناح بعد القضاء على الوحدتين السالفتي الذكر في أغلب عناصرهما، وانسحاب البقية منهما.

وقد حاول الساطي الاتصال هاتفياً بقيادة القوات العربية في القلب لطلب نجدة يسد بها الثغرة، ولكنه وجد، الخطوط الهاتفية مقطوعة “بفعل أفراد العصابة المذكورة نفسها”، وعندها أرسل رسولين باتجاه القلب ليقوما بهذه المهمة فتأخرا في العودة.

ولما اشتد الضغط الفرنسي على من بقي في الجناح الأيسر من المقاتلين العرب، وأصبح الجنود السنغاليين يتقدمون على مسافة لا تتعدى مائة متر منهم، أخذ المتطوعون من رجال الدين بقيادة الشيخ عبد القادر كيوان، بالتلويح لهؤلاء الجند بالعمائم، للتأثير على عواطفهم الدينية الإسلامية، وهذا ما أجبر قائد الهجوم الفرنسي على دعم وحدات الهجوم في هذا القطاع بعناصر أخرى.

وحوالي الساعة الحادية عشرة والنصف أتى الضابط “فؤاد سليم” من جهة قوات القلب، وقابل الساطي الذي بقي يقوم المقاومة في هذا الجناح، وأنبأه بأن الوزير العظمة قد استشهد، وأن الوضع يصبح خطيراً أكثر فأكثر، وحذره باسم قائد الفرقة من أية مناورة التفاف قد تقوم بها ميمنة الجيش الفرنسي.

وهنا التفت الساطي حوله فوجد أنه لم يبق في جناحه إلا زمرة الرشاشات التي كانت لا تزال تقاتل بإمرة الملازم صلاح الدين عرب أوغلي، ومعه النائب حمدي وبعض المدننيين وعلى رأسهم : أبو صلاح العرجا، هاشم الأغواني، صالح الصابوني، أبو سليم العرجا، مستو الأغواني، عبدو المرادي، محمود قاروط، وأما البقية فقد استشهدوا أو فقدوا أو انسحبوا تلقائياً، فاضطر عند ذلك الساطي لإعطاء الأمر بالانسحاب حوالي الساعة الثانية عشرة من ظهر ذلك اليوم، وكان آخر من انسحبوا من أفراد هذا الجناح، كما انسحب معه الملازم صلاح الدين عرب أوغلي، والملازم فوزي اللوجي، والنائب محمد شفيق حمدي، وبذلك شغرت مواقع الجناح الأيسر نهائياً.

وبانهيار دفاع الجناح الأيسر بدأت قوات الميمنة الفرنسية بتسلق الصخور والمرتفعات إلى الخنادق التي كان يتمركز بها مقاتلو هذا الجناح قبل قليل، ولما “وصل السنغاليون إلى الخنادق وجدوا بعض الجرحى فأجهزوا عليهم جميعاً بالسلاح الأبيض، وبذلك انهار الجناح الأيسر تماماً، وأصبحت باقي القوات العربية مهددة بالتطويق إذا لم تنسحب بسرعة إلى مواقع جديدة في الخلف، وذلك لأن قوات السباهيين كانت قد احتلت في ذلك الوقد دير العشائر، وبدأت بحركة التفاف ضخمة على محور الكنيسة – ميسلون، وذلك لتطويق القوة العربية الرئيسية في القلب  وإبادتها بكامها، ولكن كتيبة الخيالة السباهيين اضطرت للقيام بحركة التفاف أوسع من اللازم بكثير لتحاشي نيران الميسرة العربية، ولهذا فإنها لم تصل إلى هدفها في موقع خان ميسلون إلا حوالي الساعة 14.30 ، أي بعد أن انهارت قوات القلب العربية وانسحب من بقي من أفرادها حوالي الساعة 13.00 عن طريق الديماس ومنها إلى قدسيا.

2- الحركات في القلب:

لما أشرق فجر يوم 24 تموز عام 1920 شوهدت بطارية صحراوية فرنسية متمركزة في مدخل وادي القرن، وبما أنه لم يصل من دمشق ما يشعر بتمديد الهدنة مع الفرنسيين لذا استعدت القوات السورية للدفاع.

وكان ضوء النهار قد بدأ يظهر، وأخذت طائرات الاستطلاع الفرنسية تحوم فوق المواقع العربية، فأطلقت عليها قوات القلب النار، وعندها ردت المدفعية الفرنسية على النار بالمثل، وبدأت المعركة.

وفي الساعة السادسة والنصف استمرت المدفعية المتبقية من الجيش العربي في القلب (10 مدافع) بمكافحة رشاشات العدو، وبصب نارها على تجمعاته من مشاة ودبابات مما أوقع بها خسائر ملحوظة، فسر الوزير بوسف العظمة بهذه النتيجة وأخذ يعبر عن سروره بالقول “برافو، برافو”، وهنا بدأت بطارية المدفعية الثقيلة الفرنسية من عيار 155 مم بالتدخل، وأخذت بإطلاق نيرانها بشدة على المواقع السورية، وبدأت قوات المشاة وتدعمها الدبابات والهندسة، بالتسلل داخل وادي زرزر، وقد ردت المدفعية السورية على عملية التمهيد المدفعي هذه، وعلى محاولة التسلل، بإقامة سد رماية مدفعية متحرك في منتصف الوادي، ولكن نقص ذخيرتها جعلها لا تنجح في ذلك تماماً، إذ كانت الفترة الزمنية التي تفصل بين الرشقة والرشقة الثانية كافية لكي يقوم جند الفرنسيين بالوثب من مكان إلى آخر.

وقد بدأت النيران الفرنسية منذ الساعة الثامنة صباحاً تنصب بغزارة على عقبة الطين والجبال المحيطة بها، مستهدفة خط الدفاع الأساسي لقوات القلب العربية، وقد وصلت بعض القنابل إلى الخط العربي الثاني للدفاع، قرب نبع ميسلون مما دعا القائد شريف الحجار، الذي كان يقود هذه النقطة لتوزيع القوات الموضوعة تحت إمرته من المتطوعين المدنيين، فأمر الرئيس “توفيق المبيض” أن يشغل بمفرزته التل الممتد بين ميسلون والتكية على جبهة لا تقل عن 150 م، شريطة ألا يطلق أفرادها النار على العدو إلا عندما يصل إلى مسافة قريبة منهم، ثم كلف الرئيس “عارف العنبري” باحتلال جبهة بالعرض نفسه، اعتباراً من مفرزة المبيض ونحو اليمين، كما كلف المقدم “عبد الله الأسود”، مع ستين فارساً متطوعاً بدعم هذه المفارز المدنية، وذلك بتنفيذ قتال المشاة على يمين مفرزة الرئيس “العنبري”، وقد ظلت الحالة حسنة حتى الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم عندما بدأت مدفعية الفرنسيين تتغلب على المدفعية العربية السورية، لأنها كانت تفوقها بالعدة والعدد، وجعلت تضرب الخطوط الخلفية للجبهة العربية ببطاريتها الثقيلة من عيار 155مم،  فدكت مركز ميسلون والطريق المؤدية إلى الجبهة أيضاً، بينما اكتفت البطاريات الفرنسية الخفيفة بضرب خطوط المشاة ومرابض المدفعية والرشاشات العربية بقنابلها، أما “حصن عقبة الطين فلم يبق مكتوف اليدين، بل أطلق نيرانه الشديدة على وحدات الهجوم المتقدمة، وكذلك فإن المدفعية العربية المتمركزة قرب قيادة اللواء فتحت نيرانها على البطاريات الفرنسية في مخرج وادي القرن الشرقي.

ولكن الفرنسيين كانوا يواصلون تقدمهم رغم خسائرههم، ولو أن هذا التقدم كان بطيئاً للغاية بفضل نيران رشاشات الفوج الأول للمشاة، الذي كان يواصل إطلاق النار ويكبد الفرنسيين إصابات فادحة ومباشرة.

وبالرغم من استبسال القسم الأكبر من الجند العرب بالدفاع فقد بدأت الدبابات الفرنسية، في المركز وعلى يسار الطريق بتحطيم الحواجز المنصوبة على الطريق العام، وبالتقدم بإصرار باتجاه الخط الأمامي العربي في دفاع القلب.

كما أن الطائرات الفرنسية بدأت بقصف الخطوط العربية بكل شراسة، وبالرغم من أن القوات العربية النظامية قد تمكنت من إسقاط واحدة من أهم هذه الطائرات فوق صحراء الديماس، فقد كان لها مفعول رهيب ضد المتطوعين العرب، ببنادقهم القديمة وذخيرتهم العتيقة – هم الذين لم يسبق لكثير منهم أن رأى طائرة قبل ذلك اليوم – ولذا فقد ترك أغلبهم الجبهة بمجرد بدء الطائرات بالقصف بحيث كان عدد من بقي منهم بعد القصف 50 متطوعاً فقط من أصل 400 وهو عدد من كان منهم حاضراً في قوات القلب صباحاً.

وكان يوسف العظمة وزير الحربية يراقب سير العمليات عند ذلك، من مركز قيادة الفرقة عند تل “أم الشراطيط” وبجانبه قائد الفرقة الأميرالاي “تحسين الفقير”، وكانت الدبابات الفرنسية تقترب من الخطوط العربية، على محور الهجوم الرئيسي، دون أن تصاب، فالتفت يوسف العظمة إلى قائد الفرقة وقال له:

  • لقد اقتربت الدبابات، لم تُصب، فأجاب قائد الفرقة:
  • هناك ثلاثة ألغام منصوبة بشكل متتابع وستحطمها حتماً.

وكان قائد الفرقة، تحسين الفقير، يبني آمالاً كباراً على تفجر الألغام الثلاثة التي نصبها قائد سرية الاستحكام، الرئيس “تحسين العنبري”، في طريق تقدم الفرنسيين، على الطريق العام بيروت – دمشق، عند مخرج وادي زرزر، وكان يعتقد بأن انفجار هذه الألغام سيسبب سد الطريق في وجه الدبابات والآليات الفرنسية، مما يجعل المعركة معركة مشاة ومدفعية فقط بعد ذلك، ومن معاكسات القدر أن هذه الدبابات عبرت الجسر المقام فوق وادي زرزر دون أن ينفجر اللغم الموضوع تحته، فبات الأمل معقوداً على اللغمين الباقيين، لإيقاف الدبابات، ولكن هذه اجتازت موضع اللغم الثاني دون أن ينفجر ايضاً، فاستعل المرحوم يوسف العظمة غيظاً وأخرج مسدسه من جرابه، وقال إنه ذاهب إلى ضابط الإستحكام في الأمام كي يقتله جزاء وفاقاً على إهماله، ولكن ما إن تحرك الوزير العظمة حتى انفجر اللغم الأخير- وهو أصغر الألغام- وكان انفجاره قبل وصول الدبابات إليه بثلاثة أمتار تقريباً، ولذا لم يحدث انفجاره تأثيراً كبيراً، إذ نجمت عنه حفرة لم يزد عمقها عن نصف متر فقط، كما تراكمن بعض الصخور الصغيرة في الطريق أيضاً، وقد توقفت الدبابات مؤقتاً عند انفجار اللغم، ونزل سدنتها منها حيث أزالوا حواجز الصخور، ثم أرتقوا دباباتهم من جديد، ووقفوا بها بنظام النسق قبل أن يعودوا صب نيرانهم باتجاه قلب القوات العربية.

وقبل أن يصل العظمة إلى مكان ضابط الاستحكام انعطف إلى جانب الطريق حيث يوجد مدفع عربي سريع الطلقات، وأمر الرقيب رئيس سدنة المدفع أن يرمي على الدبابات الفرنسية التي كانت قد اقتربت منه إلى مسافة لا تزيد عن 150 متراً، وقد وقف قرب المدفع المذكور وقال للرقيب مشيراً بيده إلى أولى الدبابات: ارم على هذه الدبابة.

فاسترعت وقفته وألبسته وإشاراته أنظار أحد رماة الدبابات الفرنسية المتقدمة، فأطلق عليه نار رشاشها وأصابه في صدره ورأسه فخر على الأرض صريعاً، وأسلم روحه الطاهرة هو والرقيب رئيس سدنة المدفع إلى جانبه، وكان ذلك حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحاً.

وقد حاولت إحدى السيارات الوصول إليه لإسعافه ولكنها أصيبت وهي في طريقها بقنبلة مدفع أطارت بابيها الخلفيين، ولذا عادت إلى مكانها دون أن تصل إليه.

وبعد الساعة الحادية عشرة ببضع دقائق قدم ضابط احتياط من قوة الرشاش يمتطي حصاناً أبيض إلى مركز قيادة اللواء الأول، وأخذ يصيح بأعلى صوته:

  • وزير الحربية استشهد، يوسف بيك قُتل:

فقام قائد اللواء “حسن الهندي” بإسكاته حفاظاً على المعنويات، ولكن الخبر كان قد بدأ بالانتشار كانتشار النار في الهشيم ، ولذا سرعان ما بدأ بعض الجنود والمتطوعين المدنيين بالانسحاب، الذي كان أول من بدأه جماعة فصيل الرشاش المتمركز في الخط الأمامي، مما أفقد الجبهة العربية العنصر الأساسي  لدعمها.

ثم قدم بعد ذلك مباشرة الرئيس “ياسين الجابي” مرافق العظمة، وأبلغ “تحسين الفقير” و”حسن الهندي” نبأ استشهاد العظمة، فضرب الهندي يداً بيد وصاح:

“راحت، راحت يا آسف”.

وأما “تحسين الفقير” فقد تطلع لمن بقي من قواته في خط الدفاع- وأصبحوا لا يتجاوزون بضع عشرات- ثم فكر قليلاً قبل أن يطلب حصانه ويمتطيه قائلاً لـ “حسن الهندي” إنه ذاهب لفتح جبهة ثانية في مضيق الهامة، وإن عليه تأخير العدو ما أمكن كائناً ما كانت التضحيات!

وبعد انصراف “تحسين الفقير” طلب بعض الضباط من القائد “حسن الهندي”، الذي أصبح أعلى ضابط في الجبهة، أن يسمح لهم بمغادرة الموقع والعودة إلى دمشق بعد أن فقدوا قسماً كبيراً من زملائهم، وانسحب القسم الآخر، فرفض ذلك وطلب منهم متابعة الدفاع على أمل وصول نجدات سريعة من دمشق، كما طلب من الملازم “جميل برهاني” أن يعود إلى الخلف، ويجلب خمسين متطوعاً مدنياً من قوات الصف الثاني في خان ميسلون، فنقذا هذه المهمة وقام بنشر المتطوعين على الخط الرئيسي في محاولة لسد الثغرات.

وكانت قوات المشاة الفرنسية المدعمة بالدابابات تتقدم باستمرار في ذلك الوقت، كما تأكد بوضوح اندحار الجناح الأيسر العربي واحتلال السنغال مواقعه، فلم يبق بعد هناك أمام قوات القلب مفر من الانسحاب، خاصة وأن خطر التطويق قد أصبح يهدد جميع من بقوا أحياء في أماكنهم، فأعطى “حسن الهندي” الأمر إلى الجنود القلائل الذين بقوا معه بالإنقسام إلى جماعتين، وكلف كل جماعة بالإنسحاب تحت حماية نيران الجماعة الأخرى، وكان ذلك حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف من ذلك اليوم.

وكان قائد مجموعة المدفعية “أحمد صدقي الكيلاني” قد أعطى قبل ذلك بدقائق الأمر “بسحب المدافع التي يمكن سحبها من الجبهة، وجمعها وراء خط القتال، فانسحبت “مجموعة” المدفعية”تاركة في المواقع الأمامية مدفعين جبليين ومدفعيين صحراويين، نظراً لاقتراب العدو وعدم التمكن من سحب هذه المدافع.

وكانت سرية “المعية” أو “المرافقة” هي التي تحمي التراجع بواسطة مدفعين جبليين خصصا ضد الطائرات، وكانا في الجبال خلف الجبهة، واضطرت هذه السرية أيضاً إلى ترك هذين المدفعين لعدم تمكنها من سحبهما بعد تقدم القوات الفرنسية.

ولدى جمع المدافع التي أمكن سحبها من الجبهة قرب ميسلون تبين أن عددها يبلغ ستة مدافع صحراوية، ومدفعين أوبص، فصدر أمر بسحب هذه المدافع بسرعة إلى خط الدفاع الثاني الذي قيل إنه مهيأ غربي بساتين الهامة وقدسيا أمام صحراء الديماس.

وعلى هذا الشكل انهارت جبهة القلب أيضا، حوالي الساعة الثانية عشر والنصف، وقد مرت المجموعة الأخيرة من ضباط وجنود هذه الجبهة المنسحبين من خان ميسلون حوالي الساعة الواحدة بينما وصلته الخيالة الفرنسية بين الثانية والثانية والنصف.

3- الحركات في  الجناح الأيمن:

 كان الجناح الأيمن بإمرة القائد “توفيق العاقل” قائد اللواء الثاني من الفرقة الأولى ، وقد كان هذا الجناح يحوي – كما ذكرنا أعلاه- فوج مشاة واحداً معززاً بنضيدة “بطارية” مدفعية من عيار 65مم، وسبعة رشاشات من طراز هوتشكيس، وبمفرزة من الحرس الملكي تعد نحو ستين خيالاً، وقد كلف هذا التشكيل بالتمركز على الجرد المشرف على قرية “جديدة يابوس” لمنع القوات الفرنسية من الخرق باتجاه بلدة “الزبداني”، وكان عليه بمجرد تجاوز القوات الفرنسية موقعه ودخولها في وادي القرن أن يقوم بعملية التفاف باتجاه قرية الجديدة لحصر القوات الفرنسية ضمن وادي القرن.

وبما أن العدد المتبقي في هذا اللواء من الجند النظامي “حوالي 160 جندياً فقط” لم يعد كافياً للقيام بهذه المهمة، لذا تقرر رفده بألف وستمائة مقاتل مدني من أهالي الزبداني وضواحيها قبل مساء يوم الجمعة 23 تموز 1920م.

وقد جاء في “أمر الدفاع” الخطي، الذي وجهه قائد الفرقة إلى هذا اللواء، تحديد مهمته بالشكل التالي: “قائد اللواء الثاني مكلف بالدفاع عن الجرد الواقع على “جديدة يابوس”، وعليه أن يأخذ معه مائة جندي نظامي، وسبع رشاشات ومدفعين جبليين سريعين، ويتوجه بها إلى الزبداني في الساعة الثالثة بعد الزوال حيث يلتحق به هناك ألف ومائة متطوع مسلح من أهالي الزبداني، وخمسمائة مسلح من جماعة “ملحم قاسم”، كما تعهد بذلك قائم مقام الزبداني “محمد بك الحلبي”،ويجب أن يباشر بضرب العدو ومنعه من التقدم من وادي القرن في الساعة السادسة والنصف تماماً قبل الزوال غداً صباح السبت، كما يجب عليه المحافظة على جناح الفرقة الأيمن من الإحاطة، وعليه أن يستصحب معه حضيرة من جنود الهاتف لتأمين ربط القوة التي تحت إمرته بالفرقة عن طريق قائم مقام الزبداني.

ولما وصل القائد “توفيق العاقل” إلى الزبداني في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة 23 تموز لم يجد أحداً بانتظاره، لا من متطوعي الزبداني ولا من جماعة “ملحم قاسم”، وبقي هناك حتى الساعة التاسعة ليلاً دون أن يأتي أحد(ولقد سأل “حسن تحسين  الفقير” قائد الفرقة بعد عدة شهور من المعركة السيد “محمد الحلبي” قائم مقام الزبداني عن سبب إخلافه بوعوده، فأجاب السيد الحلبي بأنه لم يكن ثمة إخلاف من جهته، وأن سبب ذلك هو تخلف جماعة “ملحم قاسم” عن المجئ، وعدم قبول المتطوعين من أبناء الزبداني مغادرة بلدتهم والذهاب إلى الجرود برفقة قوات الجناح الأيمن، لأن إشاعة قوية قد انتشرت في البلدة ومفادها أن بعض الأشقياء المعروفين في سرغايا سيتغنمون فرصة خلو الزبداني من الرجال لمهاجمتها وسلبها ونهبها.

)، فأمر قواته عندئذ بالتقدم باتجاه المكان المطلوب، وقد بدأت هذه القوات بصعود تلال “الساروقية” التي تفصيل بين قريتي الزبداني وجديدة يابوس، ولكن وعورة الطريق، ووجود بعض المدافع الثقيلة التي ينبغي سحبها بين مكان وآخر، وفرار بعض الأدلاء الذين كلفوا بمرافقة الحملة، كل ذلك جعل عملية التقدم لا تتم إلا بكل بطء.

زاد الطين بلة مدفعاً من عيار 65 مم قد سقط مع البغل الذي يجره من سفح أحد الجرود باتجاه الوادي، وهذا ما أخر تقدم الوحدة عندما حاولت سحبه وتحميله ثانية، كما أن هذا كان سبباً لازدياد حذر الوحدة أثناء تقدمها لئلا تتعرض ثانية لمثل هذه الحادثة، ولذا فقد قامت نضيدة المدفعية، بإمرة الملازم “خالد نصري”، بفك المدافع إلى عدة قطع ثم تحميلها مفككة بهذا الشكل ليمنكنها بعد ذلك متابعة تقدمها دون التعرض لحوادث مؤسفة مثل هذه وهكذا لم تصل وحدة الجناح الأيمن إلى المكان المحدد لها فوق الجرود المطلة على قرية جديدة يابوس إلا عند الظهر ، أي في الوقت الذي كانت المعركة قد انتهت في الجناح الأيسر، وأوشكتعلى الانتهاء في القلب.

ولما رُبضت هذه الوحدة مدفعيتها وأخذت تطلق على مقر قوات نسق الهجوم الفرنسي في جديدة يابوس كانت هذه القوات قد أفرغت هذا المركز  تقريباً في سبيل التقدم نحو “عقبة الطين”، ولذا ضاعت الطلقات هباء، ولو قدر لهذا الجناح أن تصل قواته إلى المرتفعات الشمالية لوادي القرن قبل بدء المعركة، كما كان مقرراً في أمر الدفاع الصادر عن قيادة الفرقة، لكان قد تمكن من إلحاق خسائر أكيدة بالقوات الفرنسية، مما كان سيغير نتيجة المعركة أو يجعلها أفضل مردوداً للسوريين، ولم يجد قائد هذه الوحدة، “توفيق العاقل” عندئذ بداً من إعطاء الأمر بالإنسحاب باتجاه دمشق.

على أن الليل ما كاد يرخي سدوله حتى تعرض لهجوم من جماعة مجهولة الهوية “فعمت الفوضى بين من بقي من الجنود، واختلط الحابل بالنابل، ولم يعد بوسع القائد “العاقل” إلا الانسحاب في الظلام الحالك، حتى إذا انبثق فجر الخامس والعشرين من تموز كان مع المفرزة في سهل  مضايا متجهين نحو دمشق عن طريق وادي حلبون.

ويصف “تحسين الفقير” في مذكراته كيفية دخول فلول الوحدات العربية، التي كانت تعمل تحت قيادته إلى دمشق فيقول: (وتابعنا سيرنا إلى دمشق، فصادفنا بعد قليل العقيد أمين بك مدور، رئيس إدارة الفرقة الأولى،  قادماً من دمشق ووجته ميسلون، ومعه بضع عجلات محملة بالأرزاق، فأعلمته بما حدث وقفل راجعاً معنا. ولدى وصولنا إلى الشدروان رأينا تبادل الرصاص بشدة بين المتطوعين العائدين وفصيل في الفوج الثاني المتروك   في دمشق لأمر الوزارة “..” فدخلتُ بين الفريقين وطلبت إليهما قطع النار فقطعوها، وطلبت من قائد الفصيل فإذا هو الملازم “لطفي”، وسألته لماذا فعل ذلك وبأمر من، فأجاب بأن نوري باشا السعيد أمر بأن لا يسمح لأحد بالعودة، فأجبته بأن الواجب الحربي كان يقضي بتوقيف الجند والمتطوعين العائدين عند الخط الثاني، بعد أن يكون قد أعد وحُفر، وليس هنا في الوادي، وأمرته بأن يسحب فصيله مع المتطوعين إلى الثكنة الحميدية، وينتظر الأوامر الجديدة).

سير المعركة في الجانب الفرنسي:

اعتمد على معرفة تسلسل سير المعركة في الجانب الفرنسي على بعض من شارك في المعارك وخاصة مذكرات الجنرال غوابيه قائد الفرقة الثالثة الفرنسية، والتي نشرها بعنوان: “من ستراسبورغ إلى دمشق” في العدد الخامس من مجلة “REVUV DES TROUPES LEVANT”، وكذلك عل ما ورد في الحركات لاعسكرية لجيش الشرق ضمن “الكتاب الذهبي لوحدات المشرق”.

ويصف الجنرال ” غوابيه” تسلسل وقائع المعركة في فرقته يوم 24 تموز عام 1920 على النحو التالي:

(عند بزوغ الشمس بدأت طلقات النيران ولعلعة الرشاشات في النقطة التي يتقاطع فيها وادي زرزر مع طريق دمشق، وسرعان ما فتحت البطارية 75 مم- التي يقودها روبير- النار لدعم تقدم المشاة، وكانت هذه البطارية متمركزة في مكان منبسط قليلاً داخل وادي القرن شمالي الطريق العام.

وقد عُلم مكانها أحد المدافع الشريفية وأصلاها ناراً حامية فأصيبت بخسائر ملحوظة، ولكنها تابعت رميها، وعندها تدخلت البطارية الثقيلة عيار 155 / قصير بإمرة الكابتين “ماميسييه”، وأصلت البطاريتين العربيتين اللتين تم كشفهما بنيرانها، فأسكتتهما مؤقتاً على الأقل، ولكن النيران العربية تكثفت بشدة عندما نهَدَ الجيش الفرنسي للهجوم فأصبح تقدمه وئيداً وبدأ يتكبد الخسائر.

وفي الساعة السادسة صباحاً تقدمت كتيبة أبوت التابعة لفوج الرماة الثاني، واجتازت المضيق، وفي الساعة السابعة والنصف اجتازت المتاريس المقامة عند منفذه، فيما كانت المدفعية تصب حممها على الواقع العربية، والطائرات تمنع بقصفها المتواصل الجنود العرب من رفع رؤوسهم، وفي أقصى اليمين كانت بعض عناصر السباهيين تظهر على الجوانب العليا لحوض وادي زرزر، وهذا ما يدل على أن قائدها الكولونيل “ماسييه” قد نفذ الأوامر المعطاة له بشكل جيد، وفي اليسار كانت بعض عناصر فوج الرماة الثاني المكونة من كتيبتي أبوت وباوليتي، قد اجتازت وادي زرزر وابتدأت تتسلق منحدرات الموقع العربي تحت نيران البنادق والرشاشات الكثيفة.

وفي القلب كانت دبابات القتال التي يقودها الليوتنان ديفار ومعها سرية من الكتيبة 415 مشاة “وهي السرية التي يقودها كلوبفنستاين”، وعناصر سرية الهندسة التي يقودها “موباسان”، قد تمكنت جميعاً من اجتياز وادي زرزر والموانع التي أقامها العرب على الطريق هناك، ومن ضمنها أحد المعاقل “البلوكوسات”، وكان جنود هذه الوحدات – أي وحدات القلب- يتقدمون وهم يمطرون الخنادق العربية شمالاً ويميناً، وبرصاص رشاشاتهم، داعمين بذلك تقدم كتيبة أبوت التي بدأت تظهر ضمن القوات الفرنسية.

وقد فوجئ “غوابيه” برؤية وحدة لا تزال متوقفة في جهات الحلوة، وهي كتيبة “مينيان”، وقد سبب تأخر هذه الكتيبة في التقدم حدوث ثغرة خطيرة في خطة الهجوم حيث إن كتيبة “غوتييه” قد اضطرت للتوقف أيضاً نتيجة لانكشاف مجنبتها، وبدأت تقاتل منعزلة في منطقة قرية المزرعة، وبذلك انقسمت المعركة إلى معركتين، ولم ينتظر “غوابيه”  معرفة السبب في توقف كتيبة “مينيان” بل قام فوراً باستدعاء كتيبة احتياط – وهي كتيبة “فوركاد” من الفوج السنغالي الحادي عشر- زوجها في المعركة مكان كتيبة “مينيان” على يمين دبابات القتال، وأمرها بجعل هجومها متساوقاً مع تقدم الدبابات.

ثم استدعى “غوابييه” الكولونيل “بوليه” قائد الفوج السنغالي الحادي عشر، وأمره أن يأخذ مفرزة من جنود خيالة برفقته، وأن يذهب إلى مقر كتيبة “مينيان”، وأن يستلم هناك قيادة كتيبتي “مينيان” و”غوتيه” معاً، وبأن يصل بقوته هذه بأقصى ما يمكنه من سرعة، إلى محاذاة قوة الهجوة الرئيسية التي يقودها الكولونيل “دوزاك”.

وفي الساعة العاشرة والنصف وصلت كتيبة “فوركاد” السنغالية، التي تم استدعاؤها محل كتيبة “مينيان” فأخذت كفة القوات الفرنسية ترجح منذ ذلك الوقت على القوات العربية، ولكن النصر لم يكن محتوماً بعد.

وقد انتشرت قوات هذه الكتيبة الأخيرة – كتيبة “فوركاد”- رغم نيرن البنادق والرشاشات الغزيرة التي كانت تتعرض لها، بشكل مثالي، وكأن الأمر مناورة وليس في ساحة معركة، وابتدأت الوحدات تزيد في انتشارها نحو اليمين لكي تمنع أي هجوم معاكس محتمل على ميمنة القوات الفرنسية المتقدمة، وأخيراً تمكنت هذه الكتيبة من عبور المضيق، في الساعة الحادية عشرة بينما كانت كتيبة “مينيان” تدعم ميمنتها.

وابتدأت الدبابات الفرنسية بالوصول إلى أعلى المرتفعات التي تحتلها القوات العربية، كما ظهرت في الوقت نفسه نتيجة إدخال قوات جديدة في المعركة، حيث إن كتيبتي “أبوت” و”بلوليتي” التابعتين لفوج الرماة الثاني، أصبحتا الآن محميتين أفضل حماية من جبهة ميمنتهما، فبدأتا بتسلق الصخور العليا التي توصل إلى الخنادق العربية، بينما انسحب الرماة العرب من المرتفع الذي كانوا يحتلونه، وأما المرتفع التالي فقد تم انتزاعه بمعركة استخدم فيها السلاح الأبيض.

وهنا سقط قائد الجيش العربي، يوسف العظمة قتيلاً في هذا الوقت، بمفعول قذيفة أطلقتها احدى الدبابات الفرنسية بلا ريب، واضطرت بقايا الوحدات العربية للإنسحاب والتراجع باتجاه دمشق تاركاً 15 مدفعاً وموالي 60 رشاشاً، وكمية كبيرة من ذخيرة البنادق والمدافع، ومعدات إسعاف ونقل الجرحى.

وكانت المدافع والطائرات تزعج انسحاب القوات العربية بقصفها بين حين وآخر، وحباً في استثمار النصر من جهة، وسعياً وراء موارد للمياه تكون غزيرة بشكل يكفي القوات الفرنسية من جهة ثانية، أمر الجنرال غوابيه قواته بمتابعة السير باتجاه خان ميسلون بالتشكيلة التالية:

  • كتيبتان في الأمام، إحداهما على يمين الطريق العام، والثانية على يساره.
  • فوج للاحتياط عرضة لطلب التدخل المباشر، على الهضة الأولى غرب ميسلون.
  • بطاريتان من عيار 75 مم، مع بطاريتين من عيار 65 مم تنتشر على الهضية الواقعة على بعد 500 م.
  • بطاريتان من عيار 75مم، مع بطارية من عيار 65مم تنتشر على الهضبة الواقعة على بعد 500 متر غربي خان ميسلون.
  • بقية القوات كُلفت بالسير متسلسلة بالعمق خلف هذه الوحدات.

بينما كانت الوحدات الفرنسية تتقدم باتجاه خان ميسلون بهذا الشكل، أتى تقرير خطي من قائد الميمنة إلى الجنرال غوابيه، يشرح هذا التقرير تسلسل عمليات وحدات الميمنة الفرنسية في ذلك الصباح حسب الشكل التالي:

يقول التقرير إن كتيبة “غوتييه” قد تقدمت في الساعة المحددة من منطقة الكنيسة باتجاه دير العشائر، ولما بدأت طلائعها تظهر داخل وادي زرزر استقبلتها نار حامية من البواريد والرشاشات العربية المتمركزة على ضفة الوادي اليمنى، مما جعل تقدم الكتيبة مستحيلاً بهذا الشكل، ولذا استنجدت بفصيلة المدفعية 65مم الموجودة على مقربة منها، ولكن هذه الأخيرة جوبهت بنيران كثيفة فقُتل عدد من بغالها ولم تتمكن من إتمام التربص.

وبعد أن حاول الكابتين “غوتييه” الاتصال بكتيبة “مينيان” أو بكتيبة السباهيين دون جدوى، اعتمد على وسائطه الخاصة وبدأ التقدم بكل بطء، على شكل إفرادي أو بالزمر الصغيرة، وظل الأمر كذلك حتى الساعة التي بدأت فيها كافة القوات الفرنسية بالرجحان، وخاصة بعد تمكن قوة السباهيين من تهديد ميسرة القوات العربية بتطويقها من جهة الجنوب، وعندها أصبحت كتيبة “غوتييه” تتمكن من التقدم، فتقدمت حتى المرتفعات الكائنة غربي خان ميسلون واتصلت ببقية وحدت الفرقة.

أما كتيبة السباهيين فقد تركت مخيمها في الساعة الثالثة إلا الربع صباحاً، بعد مسير على الأقدام عبر درب صعب جداً، وصلت في الساعة الخامسة إلى فم وادي زرزر على بعد 2كم جنوبي قرية المرزعة، وتم إرسال رعيل من هذه الكتيبة لكي يعيد الارتباط مع كتيبة “غوتييه” ولكن بدون جدوى ولقد اشتبكت مقدمة كتيبة السباهيين هذه بمفارز صغيرة من الهجانة العربية فتوقفت على ارتفاع قرية دير العشائر، حوالي الساعة السابعة صباحاً، واضطرت لاستخدام جميع رشاشاتها لصد جماعة الهجانة العربية التي كانت تحاول الاستدارة حولها، وعندها انسحب الهجانة باتجاه خان ميسلون، وسقطت دير العشائر بأيدي القوات الفرنسية حوالي الساعة التاسعة صباحاً.

وفيما بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحاً تمكنت كتيبة السباهيين بكاملها من احتلال الضفة اليمنى لوادي زرزر، ثم بعد عملية تسلق صعبة أصبح بوسعها الوصول إلى المرتفعات المطلة على وادي ميسلون حيث احتلت النبع هناك وتمكنت بذلك من الإلتفاف حول ميسرة القوات العربية ولكنها لم تتمكن من تطويقها لأن عملية الالتفاف لم تنته إلا في الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر عند احتلال “جبل المزار” الذي كان لا يزال يوجد فيه بعض المنسحبين من القوات العربية، فقامت بأسر عدد منهم ثم متابعة الإلتفاف.

ويصف الجنرال “غوابييه”، بعد ذلك، وصوله إلى نبع ميسلون بالقول: “وقد وصلت راكباً، مع هيئة أركاني، إلى خان ميسلون، واتخذنا في الحال جميع التدابير للحصول على الماء هناك، حيث الحر كان قد بلغ أشده، وجنودنا يرشحون عرقاً، وأسقيتهم فارغة منذ وقت طويل بعد سيرهم في الشمس المحرقة، وكانت البغال والخيل تنقض على الماء باندفاع وهي مقطورة، بالرغم من جهود سائقيها لكبحها، وأما معظم الفرقة فقد بقي في ميسلون، حيث فتشت المنازل القليلة الموجودة في الممكان فوجدت فيها كمية كبرى من القمر الدين توازعها الجنود الفرنسيين فوراً.

ولم يقتص الأمر على تفتيش المنازل والاستيلاء على كمية القمر الدين التي اعترف بها “غوابييه” حيث إن الفرنسيين كانوا يقطعون الأشجار ويحطمون المنازل وسقوفها ليستخدموها وقوداً لطهو طعامهم، ويذبحوا البغال والحمير ليأكوا لحومها، كما يؤكد السيد حسين علي عامر، وهو شاهد عيان حضر المعركة.

كما أن الطيران الفرنسي قام يوم 24 تموز 1920 بطلعات هامة للغاية، حيث كانت أربعة أسراب منه: سرب استطلاع وثلاثة أسراب قصف، تطير بلا توقف، وقد ألفت أسراب القصف فوق القوات العربية في ذلك اليوم أكثر من ثلاثة أطنان من القنابل، وتمكنت القوات العربية من إسقاط واحدة منها ولكنها لم تتحكم نهائياً، إذ أقدم قائدها الكابتين “دانجلجان” ومساعده السيرجان “إنجالبرات” على الهبوط بها اضطرارياً قرب الديماس، حيث تم أسرهما هناك من قبل القوات العربية، ثم أطلق سراحهما في اليوم التالي، عند تقدم القوات الفرنسية لاحتلال دمشق، وأما بقية الطائرات فقد عاد منها إلى قواعده بإصابات خفيفة نجمت عن الرصاص الذي أطلقه السوريون عليها.

وبعد انتهاء المعركة الأساسية في ميسلون، أخذت الطائرات الفرنسية تحوم حول القوى العربية المتراجعة باتجاه دمشق، وتراقب وادي ميسلون، باتجاه الصحراء، ووكانت تطير على ارتفاع منخفض جداً باتجاه لتزعج عملية الانسحاب، ولما توقفت بقايا لالقوات العربية في الديماس لمحاولة إقامة خط دفاع ثان عادت الطائرات الفرنسية “تلقي قنابلها ورشاشاتها على فلول الجيش المتقهقرة، فتابعت هذه الفلول الانسحاب إلى دمشق.

يذكر السفرجلاني أنه عند انسحاب المشاركين في المعركة تعرض بعضهم لمطاردة أفراد من عشيرة الولد علي وسلبوهم متاعهم.

يذكر السفرجلاني: ( ثم صار أهالي القرى يتعدون على متفرقات الجنود، وكانوا يسلبون الضباط والجنود مالديهم من السلاح والعتاد والدراهم. ومن يتلكأ يقتل بلا شفقة ولا هوادة.. ولعبت عصابة حسين الشماط في الزبداني، دورا آخراً، ضد الجيش العربي، من خلال الاعتداء على الجنود السوريين وسلبهم وقتلهم.. ولعب خائن آخر اسمه أبو داؤود، صاحب حلوى، دوراً قذراً في اتفاقه من الفرنسيين وخداعه للسوريين).


هـ خسائر الطرفين في معركة ميسلون:

جاء في التقرير الرسمي لحركة القوات الفرنسية الذي نشر في الكتاب الذهبي لوحدات جيش الشرق أن خسائر الفرنسيين في معركة ميسلون كانت 42 قتيلاً و152 جريحاً بينهم ضابطان، و14 مفقوداً، وكانت أغلبية الخسائر من سرية “كلوبغنستاين” وبطارية روبير، وأما الجنرال غوابيه فيحدد الخسائر الفرنسية بـ 52 قتيلاً وحوالي 200 جريح بينهم ثلاثة ضباط.

وأعطت المصادر العربية في تحديدها لخسائر الجانب الفرنسي، أرقاماً تزيد قليلاً عما ذكرته المصادر الفرنسية: قدر المقدم المتقاعد سليم الصفدي أن هذه الخسائر كانت 76 قتيلاً و252 جريحاً، و24 مفقوداً.

أما القائد شريف الحجار فقد ورد في أوراقه الخطية أن خسائر الفرنسيين كانت 212 قتيلاً وأكثر من 300 جريح، في حين ذكر الأميرالاي “حسن تحسين الفقير” أن خسائر الفرنسيين من العتاد كانت أربعة مدافع جبلية سريعة، وطائرة واحدة، وأربع دبابات ثقيلة، وهي أرقام صحيحة وثابتة، أما خسائر الفرنسيين من الأرواح فهو يذكر أرقاماً مبالغة إذ يؤكد أن رئيس المستشفى العسكري ذكر له بعد إطلاعه على سجلات مديرية الصحة العسكرية لفرقة الجنرال “غوابيه” أن الفرنسيين خسروا في المعركة 400 قتيل و600 جريح من الجند، و40 ضابطاً بين قتيل وجريح.

وأما بالنسبة لخسائر السوريين فقد بالغت بعض المصادر في تقديرها وجعلتها 1100 – 1200 شهيد و400 جريح.

ولكن تبين أن هذه الخسائر لم تتجاوز 400 شهيد، منهم 80 من أفراد الحرس الملكي، و120 من المتطوعين المدنيين، وحوالي 200 جندي نظامي، وتعذر معرفة عدد الجرحى لأن هؤلاء تداووا سراً خارج المستشفيات الرسمية من عسكرية ومدنية، وبلغ عدد الأسرى من المقاتلين السوريين 125- 150 مقاتلاً.

وكان أبرز من قاتل واستشهد في ميسلون وزير الحربية يوسف العظمة، ومعه نفر من المجاهدين العسكريين والمدنيين على السواء، وعلى رأس هؤلاء الأخيرين: الشيخ عبد القادر كيوان، الشيخ كمال الكازي الخطيب، الشيخ سليم الدرا، الشيخ ملحم توفيق الدرا، الشيخ صلاح الدين أبو الشامات، ياسين كيوان، عمر الصباغ، صادق هلال، أحمد الموصلي، محمد نوري الحصري، عبده الصباغ، أحمد القحف، عبد الله الكلاس، محمد نيروز.

بعد انسحاب الملك فيصل عين اللواء “نوري السعيد” قائداً لموقع دمشق.

وفي الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر من يوم 24 تموز انطلقت من دمشق سيارة عسكرية فيها الكولونيل “تولا” رئيس البعثة العسكرية الفرنسية واللواء “نوري السعيد” قائد موقع دمشق، فوصلت هذه السيارة إلى معسكر الجنرال “غوابيه” قرب خان ميسلون في الساعة الرابعة والنصف، وقابل نوري السعيد الجنرال “غوابيه”، وأعلن أمامه باسم القيادة العربية العسكرية أن مدينة دمشق “مدينة مفتوحة”، ولكن “غوابيه” لم يكتف بهذا الإعلان بل فرض شروطاً أخرى لكي يوقف الأعمال العسكرية ضد العاصمة، وأهم هذه الشروط:

  • تقديم التموين اللازم للقوات الفرنسية من قبل حكومة دمشق لمدة ثلاثة أيام.
  • أن يُنقل الجرحى الفرنسيون – الذين لم يجر إخلاؤهم نحو قيادة الجيش في الخلف – إلى المستشفى الفرنسي في دمشق لكي يلقوا العناية الكاملة هناك.
  • أن تدخل القوات العسكرية الفرنسية إلى دمشق وتجري عرضاً عسكرياً في اليوم التالي بالمراسيم المعتادة.

وافق “نوري السعيد”، باسم الجيش العربي، على جميع الشروط، وأبلغ “غوابيه” أنه باستطاعة القوات الفرنسية أن تدخل دمشق في أي وقت.

وبعد مبيت القوات الفرنسية ليلة 24 / 25 تموز في منطقة ميسلون – الديماس قامت بالتحرك في ضحى يوم 25 باتجاه دمشق، بنظام الرتل على الطريق العام الرئيسي بيروت – دمشق وكانت مقدمة الرتل وطليعته تتألفان من ثلاث وحدات: فوجين من المشاة وكتيبة من السباهيين، وتقدمت من الديماس إلى وادي بردى فالهامة، فدمر، فضاحية المزة.

وفي الساعة الثانية عشر ظهراً كان قائد الحملة الجنرال “غوابيه” قد وصل إلى المزة بسيارته فتقدم له هناك اللواء “نوري السعيد” ومعه القائمام “جميل الألشي” مرافق الملك، للتاحث حول ترتيبات دخول القوات الفرنسية إلى دمشق، وتم الاتفاق على دخول دمشق بين الساعة الخامسة والساعة السادسة مساء اليوم نفسه.

وفي الساعة الخامسة دخل الجيش الفرنسي إلى دمشق يتقدمه الجنرال “غوابيه” على جواده، وأمامه فصيلة من الفرسان، ووراءه رئيس أركانه الكولونيل “بيتيلا”، وقد مرت القوات الفرنسية في دمشق عبر الشوارع التالية:

طريق بيروت- التكية السيمانية- فندي فكتوريا- السرايا- المشيرية – شارع جمال باشا- محطة الحجاز- الثكنة الحميدية.

وبعد دخول القوات الفرنسية إلى دمشق توزعت في الأماكن التالية:

  • كلف الخيالة بالمبيت في مخيم عليهم أن يقيموه في ميدان التدريب الكائن على ضفة نهر بردى “مكان المعرض حالياً”.
  • المدفعية الثقيلة تربصت بوضعية الاستعداد للرمي في أسفل قلعة المزة لتتدخل عند اللزوم.
  • وضع جزء من المدفعية 75 مم في مصنع “الآرسينال” الذي كان يقع في مدخل دمشق من جهة الربوة.
  • كُلفت قوة مشاة مع بطارية مدفعية باحتلال مخرج دمشق من جهة الجنوب.
  • الدبابات والسيارات الرشاشة تمركزت في أمكنة تمكنها من الدخول في أية لحظة إلى شوارع وأسواق المدينة “مخرج دمشق من جهة دوما، قبة السيارة، الربوة”.

وأما بقية وحدات الفرقة فقد خيمت في مكان المعسكر الإنكليزي سابقاً في ضاحية المزة.

وقد احتل الجنرال “غوابيه” البيت الذي كان يقيم فيه الأمير زيد شقيق الأمير فيصل، في حي الصخر بضاحية المزة، كما استقر أركان حربه في بيت مجاور.


شخصيات وصفت أو تحدثت عن المعركة:

الجنرال غورو:

أتى وصف قصير لهذه المعركة في كتاب Gouraud  على لسانه(أرسل الجنرال غورو الكولونيل “بتيلا” رئيس أركان جيش الشرق، ومعه أمر بالزحف إلى دمشق، لتسليمه إلى الجنرال غوابيه الذي قاد المعركة في ذلك اليوم. وحدثت معركة خطيرة في صبيحة 24 تموز، على طول خان ميسلون، وفي التاسعة والنصف اقتلعنا العدو من مواقعه بالحراب. وانتهت المعركة حوالي الساعة الحادي عشرة، بهروب الجيش الشريفي، وقد ترك على أرض المعركة “15” مدفعاً و “40” رشاشاً، وكميات كبيرة من الذخيرة، وجنرالاً قديماً متخرجاً من أكاديمية كريغ، هو يوسف العظمة بك، الذي مات جندياً بشجاعة في أرض المعركة).

لكن تقرير غورو عن المعركة في اليوم نفسه 24 تموز الساعة 22 الذي أشرنا إليه يذكر أن الفرنسيين وجدوا على أرض المعركة 9 مدافع،و 25 مدافع رشاشاً، وكمية كبيرة من الذخيرة، وعدداً من العربات، ومواد أخرى كثيرة، ووجد يوسف بك العظمة وزير الحرب الشريفي قتيلاً في المعركة.

وذكر غورو في تقريره المذكور أن المعركة حامية دامت ثماني ساعات، وكان استعمال المدفعية يكاد يكون مستحيلاً في الأرض الوعرة، لكن الدبابات والطائرات والرشاشات، قصفت وكأنها في معركة من الحرب العالمية، وكان لها الدور الكبير في النصر، وانتهت المعركة الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، بهزيمة الأعداء الذين خسروا خسارة كبيرة.

د. علي سلطان:

يقول الدكتور علي سلطان إنه من الصعب أن نطلق اسم معركة حقيقية على ما حدث في ميسلون، نظراً للفرق الكبير بين القوتين، فإن يوسف العظمة الذي كان يعلم بالنتيجة مسبقاً، أراد أن لا يدخل الفرنسيون دمشق إلا بقتال مشرف. ومن الصدف أن يكون العظمة هو الضابط الوحيد بين قتلى ميسلون، إذ لم يرد اسم ضابط قتيل آخر، نتيجة المعركة في كل المصادر التي تحدثت عنها[7].

  غوابيه: (أن العظمة خصم لا يستهان به، عرف كيف يختار مكان دفاعه وحصنه أحسن تحصين. وكان يعتقد أن المعركة ستكون شديدة).


دخول القوات الفرنسية دمشق

  عدد القوات الفرنسية في معركة ميسلون 

 المشاركون في معركة ميسلون 1920

  عدد القوات العربية في معركة ميسلون


 المراجع والهوامش:

(1) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الأول، صـ 74-77

(2) تاريخ الجيش السوري، الجزء الأول، صـ 77

(3) تاريخ الجيش السوري، الجزء الأول، صـ 80

(4) مقابلة شخصية أجراها د. علي سلطان مع صبحي العمري في عام 1970، وكان أحد ضباط الميسرة وقد روى الضباط والجنود له مقتل العظمة- سلطان (علي)، تاريخ سورية 1918- 1920، حكم فيصل بن الحسين،  صـ 384.

(5) السفرجلاني (محي الدين)، فاجعة ميسلون والبطل العظيم يوسف العظمة، مطبعة الترقي، دمشق 1937,ص 281

(6) صـ 267.

(7) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الثاني، صـ 93

(8) صحيفة ألف باء، دمشق، العدد 9 الصادر في العاشر من أيلول 1920

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى