مقالات

نيقولاس فان دام : الاستقطاب الطائفي العلوي – الدرزي وإنقلاب سليم حاطوم

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا (19)

 
 
 

التاريخ السوري المعاصر - نيقولاس فان دام : الاستقطاب الطائفي العلوي – الدرزي وإنقلاب سليم حاطومفان دام (نيقولاس)، الصراع على السلطة في سوريا- الطائفية والإقليمية والعشائرية السياسية 1961- 1995.

 الفصل الرابع: تصفية الضباط الدروز ككل منفصلة داخل القوات المسلحة السورية

19-  الاستقطاب الطائفي العلوي – الدرزي وإنقلاب سليم حاطوم الفاشل عام 1966


في العاشر من آب 1966، حدث أن اكتشفت القيادة القطرية السورية بطريق الصدفة خطط الإنقلاب المدُبر من قبل القيادة القومية المخلوعة وسليم حاطوم، وتمكنت تدريجياً خلال بقية الشهر من معرفة أسماء الأشخاص الآخرين المتورطين في الإنقلاب المدُبر.

وقد اختار فهد الشاعر يوم الثالث من أيلول 1966 موعداً مناسباً للإنقلاب العسكري، بيد أنه فيما بين الخامس والعشرين من آب والثالث من أيلول 1966 تكشف الجزء الأكبر من التنظيم العسكري والسري للقيادة القومية المخلوعة، بما في ذلك تشكيل مكتبه العسكري. حيث أنه تم اعتقال العديد من ضباطه، فقد أصبح غير محتمل قيامه بأي عمل ناجح ضد نظام القيادة القطرية. لذلك، فقد لجأ فهد الشاعر للاختباء، بناء على تعليمات الرزاز، وتخلى عن أي خطط أخرى للتعاون مع حاطوم عسكرياً. بيد أن حاطوم ذاته استمر في مؤامرته ضد القيادة القطرية، حيث انتهى الأمر بإنقلاب فاشل في الثامن من ايلول 1966م(1).

في أوائل أيلول 1966م، شرع كل من سليم حاطوم وطلال أبو عسلي ومصطفى الحاج علي في الانتقاد العلني للاعتقالات التي جرت في آب للضباط المتورطين في المؤامرة، التي تكشفت أخيراً، وركزوا في انتقادهم على ما تردد عن عدم وجود ضابط واحد علوي من بين الضباط المعتقلين أو المطلوبين للاعتقال، بل كونهم أعضاء من طوائف دينية أخرى. وبالنسبة لحاطوم وأبو عسلي والحاج علي (كما ورد فيما بعد) كانت هذه “مسألة حساسة” يقع عبئها على عاتق قيادة الجيش والحزب(2).

وقد استطاع سليم حاطوم استغلال القضية الطائفية بالإشارة إلى حقيقة أنه منذ إنقلاب الثالث والعشرين من شباط 1966م، قد تم تصفية ضباط دروز بارزين من الجيش والحزب، أمثال حمد عبيد، والآن جار  اعتقال القادة الدروز أمثال طلال أبو علسي وفهد الشاعر الذي يشغل أعلى الرتب بين الضباط الدروز في الجيش السوري من قبل قيادة الجيش بتهمة التورط في المؤامرة التي تكشفت أخيراً(3).

ولم يكن غريباً أن نسبة كبيرة من الدروز كانوا ضمن الضباط المعتقلين بصدد هذه المؤامرة، حيث كانوا يشكلون العضوية الأساسية لتنظيم حاطوم العسكري السري. إضافة إلى ذلك، نجد أن فهد الشاعر، عندما شرع في بناء التنظيم العسكري السري للقيادة القومية المخلوعة، لجأ لطائفته الدينية الدرزية، لما أعطاه هذا الإجراء من مزايا إضافية في الاحتفاظ بالسرية، فأي شخص يجند أعضاء طائفته الدينية وخاصة في مواقف تلعب فيها الشكوك الطائفية والتوترات دوراً هاماً ويقلل من المخاطرة بتسرب خططه لأعضاء الطوائف الأخرى.

إن دواعي السرية والأمن والشكوك في الضباط العلويين جعلت المكتب العسكري للقيادة القومية المخلوعة يرفض منذ البداية قبول أعضاء من هذه الطائفة الدينية داخل تنظيمه العسكري. لذلك، فكان من الطبيعي عدم وجود علويين ضمن المعتقلين بصدد هذه المؤامرة. ولم يكن هذا الأمر معروفاً خارج نطاق المكتب العسكري المختص وخارج قيادة تنظيم سليم حاطوم العسكري. فمنذ الصراع على السلطة بين أمين الحافظ وصلاح جديد، تزايدت الشكوك الطائفية تجاه عدد من الضباط العلويين داخل جزء من سلك الضباط السوري. ولم يكن من العسير على حاطوم وأنصاره استغلال وتقوية هذه الشكوك بين افراد طوائفهم الدينية، التي كان الدروز يشكلون النسبة الكبيرة منهم.

وبهذا خلق حاطوم ومعاونوه المقربون من الدروز الانطباع الذي كان له تأثير النبوءة المحققة لذاتها لحد ما بوجود تجمع أو استقطاب طائفي علوي درزي في القوات المسلحة السورية. وقد نجح حاطوم بالتعاون مع أبو عسلي، في كسب تأييد الغالبية العظمى (تكاد تكون من الدروز بالكامل) لفرع الحزب المدني بجبل الدروز، وكذلك أعضاء التنظيم العسكري السري للقيادة القومية المخلوعة، الذين كانوا متمركزين في جبل الدروز(4).

إن إعتقال الضباط الدروز الذين أيدوا إنقلاب 23 شباط 1966 في البداية واشتركوا فيه، بجانب جهود قيادة الجيش في تعيين مؤيدي صلاح جديد وحافظ الأسد في المراكز السياسية والاستراتيجية الهامة داخل وحدات الجيش التي كان يسيطر عليها أعضاء دروز من مجموعة حاطوم، كل ذلك سبّب فزعاً كبيراً وقلقاً في فرع الجزب بجبل الدروز(5). وبالتالي، قامت قيادتها في السابع من أيلول 1966م، بتقديم مذكرة خاصة لصلاح جديد وضحت فيها وجهة نظر الغالبية من أعضاء فرع السويداء(6).

وقد أعلن أن هؤلاء الأعضاء مازالوا يؤيدون تصفية ما يسمى بـ “العناصر اليمينية” من الحزب، مادامت لا تشمل الضباط (المتورطين) الذين اشتركوا في إنقلاب 23 شباط 1966، إلى جانب القيادة القطرية، وفيما يتعلق بهؤلاء الضباط، فقط طلب فرع السويداء إعادة جميع من نُقلوا لمراكز أقل أهمية في ذلك الوقت، أو الذين اعتُقلوا، إلى مراكزهم السابقة، حتى يتم إثبات تورطهم المُزمع بصورة قاطعة في المؤامرة ضد القيادة القطرية لأعضاء الحزب الأقل رتبة. كما اقُترح انعقاد مؤتمر قطري أو إجتماع على مستوى أقل لبحث أزمة الحزب. وفي الختام هدد أعضاء جبل الدروز في مذكراتهم بتجاهلهم لأية تعليمات أخرى صادرة عن القيادة القطرية وبمقاطعتهم لأية انتخابات مستقبلية للحزب، إذا ما استمرت عملية تصفية الضباط الذين ينحدرون من جبل الدروز والذين اشتركوا في إنقلاب 23 شباط 1966 حتى انعقاد الاجتماع المقترح.

وكرد فعل لهذه المذكرة، قررت القيادة القطرية للحزب إرسال لجنة حزبية عليا للسويداء، تتكون من الرئيس السوري والأمين العام للقيادة القطرية السورية الدكتور نور الدين الأتاسي، والأمين العام المساعد صلاح جديد، وجميل شيا العضو الوحيد الدرزي بالقيادة القطرية. وكان غرض اللجنة هو شرح خلفية “أزمة الحزب” لأعضاء الحزب في السويداء.

وهنا، اعتنم حاطوم وأنصاره فرصة وصول اللجنة واعتقلوا جديد والأتاسي لاستغلالهم كرهائن أثناء مفاوضتهم اللاحقة مع سلطات الحزب والجيش، بما فيها حافظ الأسد الذي بقى في دمشق. وقد تم اعتقال ضباط بارزين آخرين أمثال القائد العلوي للحرس القومي النقيب محمد إبراهيم العلي، الذي تم اعتقاله بالسويداء على يد الملازم أول عبد الرحمن بطحيش الدرزي رئيس فرع المخابرات العسكرية المحلى. فقد نصب لهم فخاً عن طريق دعوتهم لوليمة، وفي نفس الوقت نجح أنصار عسكريون آخرون لحاطوم في مفاجأة لواء السويداء والاستيلاء عليه. ولم يتم اعتقال جميل شيا العضو الدرزي الوحيد في لجنة القيادة القطرية من قبل أبناء طائفته الدينية. ولذلك، فقد تمكن من التوسط بين جديد وحاطوم.

وجدير بالملاحظة أنه في الأزمات التي تتسم بالطائفية يفُضل اختيار الوسطاء من نفس الطائفة الدينية (وإن أمكن من نفس المنطقة) لإجراء المفاوضات. والسبب هنا واضح، ألا وهو أنه في مثل هذه الأزمات غالباً ما يكون لدى أفراد الطائفة الدينية الواحدة  (والمنطقة) ثقة أكبر في بعضهم البعض.

وأثناء مفاوضاته (الهاتفية) مع وزير الدفاع حافظ الأسد، ورئيس الوزراء يوسف زعين، طالب سليم حاطوم بعدة اشتراطات بينها:

1) عودة أهم مؤيديه إلى مراكزهم العسكرية الذين طُردوا أو نُقلوا منها بعد 23 شباط 1966م.

2) إطلاق سراح أتباعه أو زملائه الذين أعتقلوا مؤخراً فيما يتعلق باكتشاف المؤامرة ضد القيادة القطرية.

3) إبعاد بعض من أهم وأبرز أنصار صلاح جديد من الجيش.

4(إعادة قبول ما أسماه حاطوم بـ “اليساريين” (أي جماعة الشوفيين) في الحزب.

5) استقالة القيادة القطرية السورية التي اُختيرت في آذار 1966م، وتعيين قيادة قطرية سورية مؤقتة جديدة تضم خمسة أعضاء على الأقل من جماعة الشوفيين، إلى جانب بعض الأعضاء الحاليين بالقيادة القطرية.

ورفضت قيادة الجيش تمامً الرضوخ لأي من هذه المطالب، وعوضاً عن ذلك أرسلت وحدات عسكرية تضم كتيبة الصواريخ للسويداء، مهددة بقصف عاصمة المحافظة.

ونتيجة لهذه الإجراءات المضادة الفعالة فشل إنقلاب سليم حاطوم في الثامن من أيلول 1966م، وقرر أخيراً كل من حاطوم وأبو عسلي الفرار إلى الأردن، وذلك كما أعلن أبو عسلي فيما بعد “لتفادى اشتباك مسلح على مثل هذا المدى القريب من الجبهة مع إسرائيل”


(1) مقابلة مع منيف الرزاز، عمان، 22 تشرين الثاني 1974م.

(2) المناضل، العدد 9، منتصف أيلول 1966م.

(3) قارن الدفاع (القدس) 9 أيلول 1966م، الحياة 8 أيلول 1966م.

(4) مقابلة مع منيف الرزاز، عمان، 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1974 ، انظر أيضًا

Van Dam, De Rol van Sektarisme, Regionalisme en Tribalisme, p. 153.

(5) قارن المناضل، العدد 9 ، منتصف سبتمبر (أيلول) 1966

La Syrie ou la Révolution dans la Rancoeur (Paris, 1968), p. 240;

(6) ) المناضل، العدد 9، منتصف أيلول 1966م.


 اقرأ:

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا – الفصل الأول :

نيقولاس فان دام (1): العوامل التي ساهمت في الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية في سورية

نيقولاس فان دام (2):  الإقليمية في سوريا خلال فترة الاستقلال

نيقولاس فان دام (3): الأقليات الدينية المتماسكة .. العلويون

نيقولاس فان دام (4): الأقليات الدينية المتماسكة .. الدروز والإسماعيليون

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا – الفصل الثاني:

نيقولاس فان دام (5): التداخل الطائفي والإقليمي والعشائري والإجتماعي الإقتصادي

نيقولاس فان دام (6): التمثيل القوي لأعضاء الأقليات في حزب البعث

نيقولاس فان دام: (7) الحواجز الإجتماعية التقليدية أمام التوسع الطبيعي لحزب البعث

نيقولاس فان دام: (8) الشقاق الحزبي الإنصرافي داخل جهاز حزب البعث المدني

نيقولاس فان دام (9): انتخابات حزب البعث المحلية عام 1965

نيقولاس فان دام (10) : أعضاء الأقليات في القوات المسلحة السورية قبل عام 1963

نيقولاس فان دام (11): الاحتكار البعثي للسلطة في سورية 1963

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا – الفصل الثالث:

نيقولاس فان دام (12): التكتل الطائفي والإقليمي والعشائري في النخبة العسكرية البعثية

نيقولاس فان دام (13): التمييز الطائفي ضد السنيين في القوات المسلحة السورية

نيقولاس فان دام (14) : فشل سياسة الطائفية العلنية كتكتيك.. إبعاد محمد عمران

نيقولاس فان دام (15) : الاستقطاب الطائفي في القوات المسلحة السورية عام 1965

نيقولاس فان دام (16) : الاستقطاب الطائفي في القوات المسلحة السورية عام 1966

نيقولاس فان دام (17) : التنظيم السري للقيادة القومية المخلوعة عام 1966

 الفصل الرابع: تصفية الضباط الدروز ككل منفصلة داخل القوات المسلحة السورية

نيقولاس فان دام (18) : تنظيم سليم حاطوم السري

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي