شهادات ومذكرات

أكرم الحوراني: الحسین بن علي

من مذكرات أكرم الحوراني (14)

  •   
  •   
  •   

 بدأت الدعاية التركیة تنتشر في البلاد بعد الاحتلال الفرنسي وكانت معارك التحرير المظفرة بقیادة مصطفى كمال تغذي ھذه الدعاية … وھكذا كانت المفارقة عظیمة بین البلاد العربیة المستكینة للاحتلال الأجنبي وبین تركیا المنتصرة المظفرة، فانقسم الأھالي بالمدينة الى فريقین: عربي وتركي، وشمل الحوار بل النزاع معظم البیوت، وكان الأساتذة في دار العلم، ورواد النھضة الذين أسسوا النادي الأدبي والمثقفون والطلاب، صغارا وكبارا، يدعون للعروبة ويناھضون الدعاية التركیة، وكنا، نحن التلامیذ الصغار نحشر انفسنا في تلك المناقشات الحامیة، فكان الكبار، على مختلف میولھم، ينظرون إلى حماسنا بالرضى والعطف.

استمر ھذا الانقسام إلى ما بعد عقد معاھدة الصلح مع تركیا في 24 تموز 1923 التي تركت لأھالي البلاد الواقعة تحت الانتداب الحق باختیار إحدى الجنسیتین، ولا زلت أذكر بأسى أن عددا قلیلا جدا من جیراننا في الحي اختاروا الجنسیة التركیة وغادروا البلاد، وعندما تولى الملك حسین خلافة المسلمین، كانت حماستي له وتأيیدي، مع زملائي في دار العلم والتربیة، منطلقة من مشاعرنا العربیة والاسلامیة ومن دعاية الطلیعة العربیة في سورية ومن آمالنا بالاستقلال.

كان الأمیر عبدلله، أمیر شرق الأردن  أول من بايع أباه 11 / 3 / 1923 بالخلافة باسم شعب الأردن، ثم تلاه الحاج أمین الحسیني رئیس المجلس الاسلامي باسم فلسطین، وقضاة المحاكم الشرعیة الفلسطینیة، وبعض علماء سورية ولبنان، ولا أزال أحفظ بعض الأبیات من قصیدة نظمھا بدوي الجبل بھذه المناسبة ويقول فیھا :

ألف أھلا بأمیر المؤمنین          سید البطحاء والبیت الأمین

وارث البردة عن صاحبھا           أحمد المختار خیر المرسلین

كما يقول:

وافرشوا الأكباد يمشي فوقھا        ودعوا الورد لحور ولعین

كنا في المدرسة نتفق أن نتوزع في كل يوم جمعة على مساجد المدينة لنحث الخطباء على الدعوة للحسین بن علي خلیفة للمسلمین، لأنھم كانوا عندما يصلون في الخطبة الثانیة إلى قولھم : “اللھم انصر من نصر الدين، اللھم انصر خلیفة المسلمین” لا يذكرون اسم الحسین لأن الفرنسیین أصدروا أمرا بمنعھم عن ذلك، فكنا ننبري من بین صفوف المصلین بجرأة وننادي بالحسین خلیفة للمسلمین. فكان بعض الخطباء يلبوننا – نحن الصغار- وبعضھم كان يبتسم ويستمر في تلاوة الدعاء دون أن يذكر اسم الخلیفة.

لقد تمت بیعة الحسین إثر إصدار المجلس الوطني التركي قرارا بإعلان الجمھورية. وقد اختیر عبد المجید بن السلطان عبد العزيز خلیفة صوريا بعد أن جرد من جمیع السلطات، فأثار ذلك استیاء المسلمین في جمیع أنحاء العالم. ثم ألغى المجلس  الوطني التركي منصب الخلافة نھائیا في 3 آذار 1924م.

كنت اجتمع بعمي مصطفى لقراءة الصحف والمجلات، ولا زلت أذكر ما تركه خطاب الحسین بالوفود العربیة بعد مبايعته بالخلافة من أثر بعید في نفسي. وعند تدوين ھذه المذكرات رجعت إلى نص الخطاب فقرأت فیه: “لا أتنازل عن حق واحد من حقوق البلاد، لا أقبل إلا أن تكون فلسطین لأھلھا العرب، أقول:

لأھلھا العرب لا أقبل التجزئة ولا أقبل الانتداب ولا أسكت وفي عروقي دم عربي عن مطالبة الحكومة البريطانیة بالوفاء بالعھود التي قطعتھا للعرب، وإذا رفضت الحكومة البريطانیة التعديل الذي أطلبه فإني أرفض المعاھدة كلھا. أقول: المعاھدة كلھا، ولا أوقع المعاھدة قبل أخذ رأي الأمة”.

كنت أجمع طوابع البريد، وكان أثمن طابع أعتز به في مجموعتي ھو الذي صدر في الحجاز بذكرى بیعة الحسین بالخلافة، كما تمكن عمي مصطفى من شراء لیرة ذھبیة صكت باسمه. ويمكن للقاري أن يتصور أي ألم وحزن وخیبة أمل صدمت الجیل العربي عندما اضطر الحسین للانتقال الى العقبة في 1924/10/1 ، بعد أن استولى عبدالعزيز آل سعود على الحجاز، فطلب إلیه الانكلیز مغادرتھا خلال ثلاثة أسابیع، ولما رفض نقلته بارجة بريطانیة الى منفاه في جزيرة قبرص، ثم نقل مريضا الى الأردن حیث توفي فیه عام 1931 فدفن في المسجد الأقصى.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق