مقالات

د. عادل عبدالسلام (لاش) : إهداء إلى فيروز والشركس

  •   
  •   
  •   

د. عادل عبدالسلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر

في غمرة متابعاتي القديمة / الحدثية للجدل الدائر حول نسبة ماسة الغناء العربي السيدة فيروز، وصلني مؤخرا من الأخ أسامة لئبزوIусамэ ЛIыбзыу، مشكوراً، فيديو مدته 34 دقيقة و33 ثانية يتحدث عن الكاتب والشاعر الأديغي الكبير (جَنَه قِرمِزЖэнэ Къырмыз) تظهر فيه المغنية الأديغية الكبيرة روز شوج Шъэожь Роз (قبل نهاية الشريط بثمان دقائق و33 ثانية) تتحدث عنه، وتذكر أنها في إحدى زياراتها لمكتبه قال لها جَنَه: سأخبرك بأمر عجيب… وقدم لها مغلفاً صغيراً يحتوي على شريط تسجيل (كاسيت صغير…) وقال إن المغلف وصله من سورية معنوناً بـ (الاتحاد السوفيتي – روزا شوج) فقط لاغير، وتبين أنه يحمل أغنية روزا شوج المعروفة (وَ وينيتؤ О уинитIу – عيناك وهي من كلمات جَنهَ قرمز) مغناة بلحنها من قبل المطربة فيروز باللغة العربية. فما كان منا إلا استنفار الملحن والشاعر (ومار تحبسم Тхьэбсым Умар ) ليُخرج الأغنية للإذاعة الأديغية في ميه قوابه. لكنني -والكلام ما زال لروز- تشاورت مع جَنَه وقلت كيف نكافئ صاحبة هذه اللفتة الكريمة بغنائها أغينتي، فتوصلنا إلى تأليف أغنية بالأديغية تخاطب العينين تحمل لحن أغينة فيروز المشهورة (البنت الشلبية …عيونا لوزية…). التي تغنيها روز محتضنة باقة من الورود في الفيديو. وهكذا كان.

أعادني هذا الفيديو إلى خمسينات القرن الماضي الذي بدأت فيه المطربة فيروز (نهاد وديع حداد) ارتقاء أول درجات الشهرة والمجد سنة 1952 وكنت أحد عشاق أغانيها. وما مضى زمن قصير إلا وانتشرت بين شراكسة الجولان خاصة مقولة مفادها أن (فيروز) شركسية الأب، ومن قرية السلمنية الشركسية الجولانية بالتحديد، المعروفة بـ (الصرمان) والتي تغيير اسمها إلى (العدنانية) في زمن تعريب أسماء التجمعات السكانية والمحال والمتاجر في شتى أنحاء سورية.

وقد استمعت إلى هذه الرواية التي أصبحت حديث المجالس، من أكثر من واحد من أهالي السلمنية، و على رأسهم الناشط الشركسي ومعلم المدرسة الأديغية السابق عبد اللطيف خوبلوقة الذي حدثني أن والد فيروز هو من أبناء قريته ويعرفه جيداً، وهو (فوزي كئـ كئـ КıыIы) الملقب بـ: فوزي تلاش، أي فوزي الأعرج ( (Фэузи Лъащ، لعيب بسيط في قدمه، وأنه كان شاباً وسيماً مولعاً بالحدادة والميكانيك. ووالده (أحمد) وأمه (لَحَت) (Лэхьэт). وأبناء عمومته (بهجت-بهجو- وحكمت –حكمو وأسرو…) يعيشون في القرية، ويروى عن فوزي أنه كان أول من أدخل سيارة (فورد أبو دعسة) إلى القرية، وأنه ساقها مرة وقد حشا أحد إطاراتها المتضررة، والمثقوبة، بالأعشاب. وتتفق الروايات على أنه غادر القرية، جراء صدمة زواج فتاة أحبها حباً جماً من غيره، وهجر القرية إلى تركيا ولم يرجع إليها. (هناك روايات متضاربة حول سبب مغادرته القرية وعودته إليها مرة واحدة ولأيام). ويكاد يجمع أغلب من أخذت عنهم، أن فوزي انتقل فيما بعد، من تركيا إلى لبنان وغير اسمه إلى وديع وترجم كنيته الشركسية الغريبة إلى حداد انسجاما مع إحدى مهاراته.

كما أنه تزوج فتاة مسيحية من لبنان وانصهر في المجتمع المحلي وأن فيروز نشأت مسيحية على دين أمها ( وبهذه المناسبة لا أستغرب إن كانت شركسية ومسيحية، لوجود أكثر من 10.000 شركسي في سكان منطقة مزدكو في بلاد الشركس يعتنقون المسيحية). وهنا تلتحم الرواية الشركسية بالرواية الرسمية لسيرة السيدة فيروز التي تقول أنها ولدت في عام 1935أو 1934م بقرية الدبية أحد قرى جبل لبنان المُشرفة على سهل الدامور الساحلي، ويقال بأن والدها الكاثوليكي السرياني أتى من مدينة حلب السورية، أو من أحد القرى الفلسطينية، بل من الناصرة. كما جاء في رواية أخرى أن والدها وديع حداد جاء من مدينة ماردين في تركيا، بل ومن حلب، وتزوج من والدتها السيدة ليزا البستاني، والتي تنتمي لإحدى العائلات اللبنانية المارونية، وعاشت نهاد مراحل طفولتها وشبابها في غرفة بسيطة في محلة زقاق البلاط في بيروت حيث كان والدها يعمل في مطبعة جريدة لبنانية،. وأنها بدأت الغناء في سن السادسة وانضمت إلى كورال الإذاعة اللبنانية سنة 1940 ثم انطلقت صُعُداً بعد اكتشاف موهبتها على يد حليم الرومي.

أما المرة الثانية التي أحيت اهتمامي بموضوع والد فيروز، فكانت حين استشارني طالبي في قسم الجغرافيا بجامعة دمشق المرحوم عز الدين حاج بي سطاس بأمر رسالة تخرجه، واقترحت عليه الكتابة عن قريته (السلمنية/ العدنانية)، ونصحته من خلالها قيامه بالتحقق من مصداقية نسبة فيروز وهوية أبيها، حتى أنني شجعته على السفر إلى لبنان ومقابلتها….الأمر الذي لم يوفق في تحقيقه. لكنه لم يهمل الأمر حين أصدر فيما بعد كتابه عن القرية بعنوان (العدنانية – سيرة خالدة – دراسة) وعرج فيه على الحديث عن الحكاية الشركسية المتداولة شعبياً… بأسلوب روائي أدبي، من دون تأكيد الحكاية أو نفيها ومن دون البت في حقيقة نسبة فيروز. وأقتصر على سرد الحكاية.

لكن الخبر المفاجئ والمستنَد المؤيد للرواية الشركسية على اختلاف تفاصيلها فلقد جاء من داخل بيت فيروز وأسرتها نفسها، متمثلا بما نشرته مجلة نادين اللبنانية في عددها رقم 204 (السنة الخامسة)، الصادرة في بيروت / لبنان بتاريخ 5 شباط سنة 1984 تحت عنوان ” مالم يُكتب عن فيروز” عن تصريح زوجها عاصي الرحباني وقوله (أن زوجته فيروز شركسية لذلك فهي عنيدة) ، مما يدعونا للأخذ بمقولة أن والدها وديع حداد شركسي جاء من تركيا وغير اسمه خشية خلفية غير معروفة، لعله كان مطلوباً بسببها. أو لرغبة في الاندماج بالمجتمع المحلي. أما وصف عاصي لزوجته بالعناد فهو واقع لا مراء فيه ومعروف عن فيروز وتمسكها برأيها وتشددها فيه، مع كاريزما اعتزاز وكبرياء ووقار وحشمة يلمسها كل سوي يتابع حركاتها وسلوكها أثناء الغناء والتمثيل في كثير من المواقف. وهي صفة موروثة وجينات لاتغيب عن فيزيولوجية أغلب الشراكسة …. بدرجات متفاوتة.

وبالعودة إلى علاقة فيروز بالمغنية روز شوج الشركسية وجدتُ أن النجمتين لم تتلاقيا أو تجتمعا معا كما ذكرت بعض المصادر من أن اللقاء تم حين زارت فيروز الاتحاد السوفييتي، الذي لم تزره أصلاً، بل تبادلتا الأغاني والألحان عبر الأثيروالتكنولوجيا فحسب. ومع هذا فإن لهذه الحقيقة التي أكدتها روز في الفيديو المذكور دلالة على وجود رابط بين السيدتين يتجاوز التقدير والإعجاب الفني، إلى رابط روحي جيني شد فيروز إلى القيام بمبادرة طرقت فيها باب الشركس، تجاوبت معها روزا بمبادرة مما ثلة.

وبغض النظر عن الروايات والحكايا التي تحتمل التصديق والتجريح، فإن بعض اللمحات والممارسات في مسيرة فيروز تدعو للتفكير والتخمين حول أصولها وهويتها العرقية. منها مارواه المعمر الفولكلوري الشركسي رشدي توغوظ الذي عاصر بدايات حياة فيروز الفنية في الغناء والمسرح أواخر الأربعينات وزمن الانتداب الفرنسي، من أنها كانت مشاركة مرة في مسرحية في بيروت حضرها ضباط فرنسيون جلسوا في الصف الأول، وشخص شركسي يعتمر قلبقاً شركسيا في الصف الرابع، أنها وفي نهاية العرض حملت باقة ورود ونزلت عن المسرح…. وظن الحضور أنها ستقدمها إلى القائد الفرنسي….ليروها، ولدهشتهم تقدمها للشركسي.. ولتقول إنها شركسية. كذلك ما روته السيدة المعلمة الفاضلة رئيفة يوغار من أن فيروز زارت في ظهيرة أحد الأيام الجمعية الخيرية الشركسية بدمشق سنة 2000 بهدف اللقاء بمسنين شراكسة والحديث معهم… فلم تجد فيها سوى فتية وفتيات قاصرات عن تقدير تلك الزيارة وخلفياتها وأهميتها، بعدم اتصالهم بمن يلبي طلب السيدة فيروز. وعلى النقيض من ذلك تروي السيدة والمعلمة (بيان) حرم عدنان شورى أن فيروز هي ابنة عمها…. لكنها، أي فيروز لا تعترف بذلك.
أما أخر ما وصلني حول الموضوع فهو قول الأخ مؤيد حلاو (أبو علاء) الناشط والغيور المعروف في لقاء وحديث معه في بلدة عين النسر الشركسية، وتصريحه، أنه أثناء وجوده مع قوات الردع السوري في لبنان ذهب إلى مقر السيدة فيروز لمقابلتها، من دون موعد مسبق، لكن بطانهتا منعوه، ولما استفسر مقدمهم المقرب منها عن سبب الزيارة والمقابلة، أجابه مؤيد أنه يود سؤالها سؤالاً واحدا فقط…. وبعد لأي وإصرار تمت تلبية طلبه، فقابل فيروز التي كانت متوعكة الصحة، وبسؤالها (هل أنتِ شركسية..؟؟) أجابته بالحرف:
“لن يحصل أحد على أية إجابة عن هذا السؤال إلا بعد وفاتي…؟؟”
جواب يحمل في طياته تساؤلات عديدة وأكثر من إشارة استفهام.

وأمام هذه الروايات والحكايات المفتقرة إلى وثائق دامغة ومستندات، وبغض النظر عن التعليقات والآراء المتضاربة والمتناقضة حول المسألة، ولقناعتي بعدم وجود دخان بلا نار…..لا أنصب نفسي حكماً في انتماء السيدة فيروز للشركس أو السريان أوالكرد أو الأرمن أو غيرهم، ويكفيني سعادة روحية، أنني عشت في زمن عاصرت فيه عصارة ما جادت به حنجرة هذه الإنسانة الطيبة من أغان خالدة شذبت مشاعرنا وهزت وجداننا وعواطفنا طوال العقود الستة الماضية. وأذكر أن شغفي بأغنيتها (زوروني كل سنة مرة) كادت أن تسبب لي مشكلة في الكويت لا أرى المجال مناسباً للحديث عنها. فأهلاً بها مهما كانت أصولها.

دخلت السيدة فيروز اليوم العقد التاسع من عمرها الحافل بالمجد والفخار، واحتلت أسمى عرش في الفن الغنائي المحلي والإقليمي والعالمي…..وستبقى خالدة في مجالها وانجازاتها. شركسية كانت أم سريانية أم كردية أم أرمنية أم ماردينية أم حلبية أم ناصرية، أم سورية أم لبنانية …. والتي لم يقف أصلها وفصلها وانتماؤها عقبة في درب شهرتها…. فلن يضيرها أن تعرف الملايين من جماهيرها وعشاق فنها، حقيقتها التي لن يعرفها في هذه الفوضى من التخمينات والتكهنات، سواها.
فيا أيها الأخوة الأديغة، أرى أن تكون فيروز فخراً واعتزازاً لكم إن كانت من أب شركسي، وإن لم تكن.. فيكفيكم منها أن تستمتعوا بأرقى ما جادت به علينا من أغانيها. إن لم تكونوا من كارهيها !!! إذ لا تعدم الحسناء ذاماً.
لاتقل أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتي ما قد فعل

أهدي هذا المقال إلى السيدة الأميرة (الكَواشهГуащэ ) فيروز، والى شراكسة العالم المحتفلين اليوم 25 نيسان بيوم العلم الشركسي.
عادل عبد السلام لاش
دمشق 25 نيسان 2019

الوسوم

عادل عبد السلام

الدكتور عادل عبدالسلام لاش من أبناء قرية مرج السلطان الواقعة في الغوطة الشرقية، من مواليد قرية عسال الورد عام 1933. يحمل دكتوراه في العلوم الجغرافية الطبيعية من كلية الرياضيات والعلوم الطبيعية في جامعة برلين الحرة. وهو أستاذ في جامعة دمشق منذ عام 1965. له 32 كتاباً منشوراً و10 أمليات جامعية مطبوعة. باللغات العربية والألمانية والانكليزية والروسية والشركسية، فضلا عن مئات الأبحاث والدراسات والمحاضرات والمقالات، وله أكثر من 150 مقالة علمية. وتعد بحوثه عن الجولان وثائق ميدانية مهمة جداً لأنه كان آخر من قام بدراسة الجولان وكافة قراها على الأرض وأنهاها قبل احتلاله بشهرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق