ملفات

مقاومة الاحتلال الفرنسي في تلكلخ عام 1919- 1920

ثورة الدنادشة في تلكلخ

بدأت المقاومة في تلكلخ بحادثة الهجوم على المخفر ودار الحكومة – السرايا- عام 1919 بعيد توقيع اتفاق لويد جورج كلمنصو في الثالث عشر من أيلول 1919م، والذي ينص على استبدال القوات الفرنسية بالقوات البريطانية.

بداية الصدام:

في مطلع كانون الأول 1919 اصطدم بعض أهالي “تلكلخ” مع رجال الحامية الفرنسية الموجودة هناك بسبب إصرار هؤلاء على رفع العلم الفرنسي على دار الحكومة، مدعين أن هذه البلدة تتبع “المنطقة الغربية” التي وضعت تحت الإدارة الفرنسية، بينما أصر الأهالي على إبقاء العلم العربي رمزاً لتبعيتهم إلى الحكومة في دمشق.

ولما أقام الفرنسيون مخفراً لهم في المدينة قام أفراد من عائلة الدنادشة وشخصيات من حمص بمهاجمة مخفر تلكلخ والسرايا في الأول من كانون الأول عام 1919م، ما أدى إلى سيطرتهم على تلكلخ وقتل الملازم “بوسكيه” وجرج الكابتين “بيرناديه”اللذان كانا يقومان في جولة في المنطقة.

 لم تتبع السلطة الفرنسية أسلوب المسالمة مع الأهالي بل هددتهم بضرب منازلهم بالمدفعية وحرقها، فحزم الأهالي أمرهم على التصدي وشكلوا لجنة دفاع وطني تأليف من السادة:

عبد الله الكنج الدندشي، خالد رستم، أحمد البرازي، سعد الله الجندلي.

قابل بعض أعضاء اللجنة قائد الحامية وطلبوا منه إنزال العلم الفرنسي عن دار الحكومة مقابل عدم رفع العلم العربي مكانه وسكوتهم عن وجود المخفر الفرنسي في حدود بلدتهم، فرفض القائد الفرنسي هذا العرض بعنجهية، وسبب رفضه اندلاع المقامة.

تمكن الأهالي في “تلكلخ” بمساعدة بعض المجاهدين الذين قدموا إليهم من حمص في هجوم شنوه على المخفر في الثالث عشر من كانون الأول عام 1919 من قتل وجرح عدد كبير من أفراد المخفر، وكادوا يقبضون على جميع من بقي حياً منهم، لولا وصول نجدات فرنسية سريعة من مدينتي “طرابلس” و”بيروت”.

سيرت السلطات الفرنسية رتل نجدة أول من طرابلس في الخامس عشر من كانون الأول عام 1919بقيادة الكابتن “بوتي دمانج”، ومعه سرية من الزاوة.

يذكر أدهم الجندي أن (الحملة كانت تضم كتيبة من الزواف ومفرزة من الشركس، وقد حالت دون وصولها موانع قاهرة، فاتجهت غي اليوم الثالث نجدة أخرى من بيروت إلى طرابلس بحراً تتألف من “لواء برنار” التابع لفيلق الرماة الأفريقيين الثاني والعشرين).

لقي هذا الرتل مقاومة شرسة وهو على الطريق بين طرابلس وتلكلخ، فلم يتمكن من الوصول إلى هدفه،

ولهذا أرسل رتل نجدة ثان يتكون من كتيبة من المشاة، ومفرزة من فوج الرماة الجزائريين الثاني والعشرين، بإمرة الكابيتين “بيرنار”،  وقد جرى نقلها من بيروت إلى طرابلس جواً، ومن ثم جرى زجها على محور طرابلس – تلكلخ.

 استطاع الفرنسيون ردهم واستعادة السيطرة على تلكلخ في السابع عشر من كانون الأول.

وبعيد ذلك وصلت قوات فرنسية بقيادة الليوتان “نيجر” ، وتمكن الرتلان بعد جهد مضني، من فك الحصار عن تلكلخ في السابع عشر من كانون الأول 1919 بينما انسحب المجاهدون من المدينة بعد أن تركوا خلفهم 16 شهيداً وعدداً من الجرحى من عائلة الدنادشة، ونزوح زعماء العشيرة مع  عائلاتهم إلى حمص التي أقاموا فيه.

دعم فرنسي إضافي:

في صباح العشرين من كانون الأول عام 1919 وصلت خمس سيارات إلى “تلكلخ” تحمل حوالي 200 جندي فرنسي جديد، وذلك لأجل الانتقام من الوطنيين جزاء قتلهم جنديين فرنسيين في اليوم السابق، قرب محطة القطار.

فشلت هذه القوة فشلاً ذريعاً أمام المجاهدين، وخاصة بعد مقتل أربعة ضباط من قادتها، ولهذا صممت القيادة الفرنسية العليا في بيروت على أن تضرب المقاومة في “تلكلخ” قبل استفحال أمرها، فسيرت إليها حملة بقيادة الكولونيل “نيجر” تضم ثلاث كتائب مشاة مدعومة بطائرتين وسبعة مدافع ميدان، وخمسين خيالاً.

لما وصلت الحملة إلى مشارف “تلكلخ” في 22 كانون الأول تصدى لها المجاهدين وأوقفوها طيلة ثلاث ساعات خسر خلالها الفرنسيون  عدداً ملحوظاً من القتلى والجرحى، قبل أن يتمكنوا أخيراً من دخول “تلكلخ”.

بعيد ذلك زحفت سرية فرنسية لمهاجمة قرية “بيت حسن” القريبة من “تلكلخ” فقابلها أهل القرية بإطلاق النار، وأسقطوا عشرين قتيلاً منها، فاضطر بقية أفراد السرية للعودة إلى “تلكلخ” حيث اصطحبوا نجدة وعادوا للهجوم على القرية التي كان عدد سكانها قد أخلوها تحسبا ًمن انتقام الفرنسيين.

استمرار المقاومة:

دامت المناوشات بين أهالي منطقة “تلكلخ” والقوات الفرنسية ستى أشهر أخرى كانت الحرب فيها سجالاً بين الجانبين،  وبلغ انزعاج السلطة الفرنسية منها إلى درجة أن الجنرال “غورو” ضمنها  في الإنذار النهائي الذي وجهه إلى الحكومة في دمشق، حيث أعتبر المقاومة في “تلكلخ” بمثابة “عصابات ممولة من  قبل حكومة دمشق”.

استمرت المقاومة حتى سيطرة القوات الفرنسية على دمشق بعيد معركة ميسلون، وجرت خلال تلك الفترة مناوشات وجولات أشهرها الجولة التي جرت  في الثالث والعشرين من تموز عشية معركة ميسلون.

استمر الاشتباك ست ساعات، وكان القتال فيها سجالًا حتى مجيء تعزيزات الفرنسيين المؤلفة من طابور كامل للمشاة وثمانية رشاشات ومدفع جبلي ضخم أجبر القوات العربية على التقهقر بعد أن استشهد من أفرادها 100 شهيد، كان منهم يحيى شكري الترجمان؛ ومحمد بن الحاج سليم السباعي.

 المراجع والهوامش:

(1) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الأول، صـ 129

(2) الزاوة: هم وحدة من الرماة الجزائريين في الجيش الفرنسي.

(3) الجندي (أدهم)، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي،صـ 157

(4) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الأول، 130

(5) صحيفة لسان الحال - بيروت، العدد الصادر في الثالث من كانون الثاني عام 1920م.

(6) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الأول، 130

(7) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الأول، 131

(8) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الأول، 131

(9) تاريخ الجيش العربي السوري، الجزء الأول، 132

(10) الأتاسي (فارس)، يحيى شكري الترجمان، التاريخ السوري المعاصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى