في قريتي “أم الرمان” النائية مكاناً والدانية حباً للوطن، ولد أبي وسط بيت عامر ببركة الزاد وسطوع الضمير وعشق الوطن. ومشى في دروب العزة والكرامة تحت رعاية والده قاسم النبواني المجاهد العتيد الذي كان بيته مشرعاً على المدى والوطن والضيوف، وأيّ ضيوف.. قادةٌ على مستوى أمة، يلتقون ويتحاورون ويخططون لقادم الأيام في مواجهة الاستعمار الفرنسي كما كان قبلها في مواجهة الاحتلال العثماني.....
أبي الذي كان حين شباب.. كانت بلده حين احتلال. أما عقله وقلبه فقد كانا قيد شرف ووطن.
طفولتي وذاكرتي البعيدة القريبة، كانت حضنه الدافئ الحنون، وبسمته التي لا تشبه بسمة أحد في الدنيا. وتعلقي الزائد به جعلني أرافقه كظلّه.. اهتمامه بقصاصات ورق رسمتها قبل دخولي المدرسة، أعجب بها وخبأها في جيبه يظهرها لكلّ زائر جديد ويفخر بي..
بقيت ملاصقةً له طوال تواجده وبين زواره، حتى لا أذكر يوماً مرّ من دون قدوم أحدهم، وكنت أحظى كما هم بفناجين قهوته المرّة ذات الطعم الذي لا يُنسى.
أذكر ذات صباح، في مضافتنا التي كانت تتسع للشرفاء والأحرار، وكنت حينها ذات يفاع، عندما زارنا اللواء “فهد الشاعر” وثلةٌ من رفاقه، سألني بما معناه”ماذا تعرفين عن تاريخ والدك؟، لم أستطع الإجابة، كان السؤال ثقيلاً على طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، ولكن حدساً وبصيرةٌ جعلاني أدرك أنني ابنةٌ لرجلٍ كان مختلفاً ومنفرداً. أخذ الرجل يحدثني عن جانبٍ مهم من شخصية والدي، المتحدّت الخطيب المحبوب، المعلم الذي لقبوه بـ”فارس الخوري الجبل”، كان يلهب بحديثه همم الشباب ويؤججهم حماسةً ووطنية للدفاع عن كرامة الوطن.
لست أدري كم مرةً أعادني سؤاله وحديثه إلى ذاكرتي التي تحتضن تاريخ والدي الإنسان والمناضل، كإبنة كنت أستظل فيئ ظل وارفٍ، وكمراقبٍ تحسست مشاعري رجلاً كان يملك قلباً بحجم وطن.
شهدت جلوسه لساعاتٍ مع أوراقه عندما قرر أن يحول يومياته ومذكراته إلى كتاب.
شهدت أيضاً قدوم عدد كبير من مثقفي البلد إليه ومعهم صحفية بريطانية مرة، وصحفية فرنسية مرة أخرى. يعرضون عليه شراء المذكرات والوثائق مقابل مبالغ كبيرة وفي كل مرة كان يرفض ويقول: “إنها جزء مني، لا يمكن أن أبيعها. وإذا لم يقيض لي نشرها، تبقى لأولادي من بعدي فيكملون ما بدأت”.
بقيت هذه الجملة تدور في بالي طيلة حياتي من بعد رحيله القاسي الذي زلزل كياني وأنا بنت الثمانية عشر عاماً.
حرصت عليها، وعشت محتفظة بهذا الحلم طويلاً، وللحقيقة كاد الحلم يفلت من يدي بسبب الكثير من العقبات، ولابد أن أشير إلى إدراك ابني الصغير لهاجسي وشغفي. حيث قال لي مهدئاً : “مهما تبخرت أحلامك، يوماً ما ستجد سطحاً تتكثف عليه وتمطر خيراً نقياً كما أردته”.
اعتبرت ما قاله فالاً حسناً ونبوءة سعيت لتحقيقها، فهي حلمي وحلم عائلتي بأكملها، ولعل الأقدار اختارتني لجملة أسباب لست أدري كنهها، لأنهي المهمة.
الآن، أضع بين يدي المهتمين ما خبأته الظروف والأيام، وقد أرضيت ضميري، فثقل الأمانة لا يحتمل.
أطلب وأتمنى رضى روح والدي عني وعن إخوتي وأخواتي، فحلمنا مشترك.. رضى روح جدي قاسم، وروح عمي حمد، وروح جدتي ياقوت المغربي.
رضى روح والدتي غزالة فارس نصر التي رافقت والدي وقدمت له كل ما تستطيع في السراء والضراء.
رضى روح أخي يوسف الذي حقق هذا الحلم بطريقته وبارك مسعاي من بدايته.
كل الشكر لابن عمتي الغالي يوسف سلمان علي النبواني صاحب الفضل الكبير في تمويل هذا العمل.
كل الشكر للدكتور فندي أبو فخر الذي قدم خبرته وعلمه، ووقتاً ثميناً انضجه وعي عميق بضرورة توثيق ذاكرتنا الجمعية الموصولة أبداً بمستقبل ومآلات الأحداث.
وأخيراً، كل منا يجتهد، فإن أصاب أو أخطأ، يناله مرة أجراً، ومرة شرف المحاولة..
المقدمة .. بقلم الدكتور فندي أبو فخر
كتب عددٌ من الثوار مذكراتهم عن فترة فارقة في تاريخ سورية عامة، وتاريخ الثورة السورية الكبرى خاصة، وفي مقدمتها، مذكرات القائد العام للثورة السورية الكبرى، وهي بمثابة تدوين تاريخي للثورة مثلما هي مذكرات وذكريات....
ومن تلك المذكرات أيضاً مذكرات الأمير عادل أرسلان، التي لم تنشر كلها للأسف الشديد، إذ ما نشر منها في ثلاثة مجلدات، بدءاً من يوم الجمعة الواقع في 12 كانون الثاني من العام 1934م، وحتى يوم الأربعاء الواقع في 30 كانون الأول من العام 1953م.
ولا ندري لماذا تم تجاوز مرحلة الثورة السورية الكبرى منذ انطلاقتها وحتى العام 1934م، فهل ذلك جراء وصية أوصى بها الأمير؟ أم أن أحداً من ذريته اكتفى بنشرر تلك الفترة؟ أو أن المحقق ودار النشر- الدار التقدمية- نفسها اكتفيا بطباعة المذكرات على هذا النحو، فغيبت أحداث جسام شارك فيها الأمير، وأهمها دوره في الثورة السورية الكبرى، مواقفه الشجاعة في قتال قوات الاحتلال الفرنسي، وسياسته الوطنية العامة المتماهية إلى حد كبير مع سياسة حزب الاستقلال الذي كان أمين سرّه، فبقي ذلك السبب الذي أدى إلى التغاضي عن جزء هام من مذكراته مجهولاً.
وهذا يعني أنه لم يكن لدينا سوى مذكرات سلطان الأطرش ( 5 / 3 / 1888 – 26 / 3 / 1982)ـ وعادل أرسلان (1887- 1954) وجدتا سبيلهما للنشر، بينما لم تنشر مذكرات أخرى على غاية من الأهمية.
وها هي مذكرات المجاهد صياح النبواني الثالثة التي سترى النور، وستكون بين يدي القراء الكرام ربما العام الجاري، وهي المذكرات الوحيدة إلى حد كبير التي تناولت مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية مع تسطيرها لمشاهد ووقائع من تاريخ الثورة السورية الكبرى، ومن أهمها معاناة الثوار إبان الثورة، ومغالبة الصعاب والعيش في صحراء النبك.
ومن المذكرات الهامة مذكرات متعب الأطرش (1883- 1960) التي حققها وأعدها للنشر الأديب عارف حديفة، إلا أنها لم تُنشر أيضاً، ومثلها مذكرات المجاهد والشاعر علي القنطار (1904- 1988) التي تضئ على أحداث عاشها كاتبها، وشارك فيها. وهي أحداث مدهشة بتفاصيلها ووقائعها، وعلى غاية من الأهمية لكونها تغني جوانب كثيرة من تاريخ الثورة، وتاريخ الجبل، إلا أنها أيضاً لم تجد سبيلها للنشر، وبقيت محفوظة اليوم في أرشيف ابنه الأديب كمال القنطار.
ولدى أحفاد المجاهد والشاعر الشعبي علي عبيد (ولد في عالية عام 1865)، وتوفي في السويداء عام 1959) وهو أحد أركان الثورة السورية الكبرى مذكرات هامة، وإن غلبت عليها لغة الشعر على لغة السرد بوصفه شاعراً، وإن كان صاحبها قد اختصر وتجاوز كثيراً من الأحداث الفارقة، كالأحداث التي جرت في الأزرق، وصحراء النبك، فخلت مذكراته من حكايا ومشاهد كثيرة، كانت ستلقي أضواء ساطعة على تاريخ الثورة فيما لو سطرها.
وغير خاف في أوساط المهتمين بالمحافظة وجود مذكرات أيضاً على قدر كبير من الأهمية كتبها المجاهد والشاعر الشعبي هلال عز الدين الحلبي (1893- 15 / 1 / 1967)، وهي موجودة الآن في حوزة أحد أبنائه، وكثيراً ما تحدثت معه حول ضرورة نشرها، لكنه لم يشأ الإفصاح عن الأسباب الحقيقة التي تحول دون نشرها، كما تعذر على الاطلاع عليها لامتناعه عن تقديمها لي لدراستها، والإفادة منها.
وقد يكون هناك مذكرات أخرى مجهولة تماماً، كتبها مجاهدون آخرون لم يُعلن عنها، ولم يذكر أبناؤهم وأحفادهم فيما إذا كانت موجودة بين يديهم.
والآن، لماذا لم يبادر أصحاب هذه المذكرات وأبناؤهم، أو أحفادهم من بعدهم لنشرها؟
ينطلق الجميع في الجواب على هذا السؤال من مقولة يرونها مشروعة أيضاً، ولا تقل بنظرهم أهمية عن مشروعية السؤال، وتتلخص بالقول التالي: لم يحن الوقت بعد لنشرها، ووضعها بين يدي القراء والمختصين لما تحتويه من تفاصيل وأحداث وقعت، قد تثُير خلافات بين الأوساط الاجتماعية العامة بالجبل، مازلنا بالغنى عنها في هذه الأيام العصيبة، على مبدأ (يللي فينا بكفينا) بفعل أسباب كثيرة أخرى من أهمها ما يعود إلى ذهنية مجتمع ما قبل الدولة – كما هو الأمر على ساحة المجتمع في بلاد الشام كلها- ذلك المجتمع الذي يرفض الكتابة إلا عما هو مشرق دون الإشارة إلى خلافات جرت، وانقسامات وقعت، وإلى مواقف قد تكون بزعمهم غير إيجابية لهذا الشخص أو ذاك زمن الاحتلال العثماني، والاستعمار الفرنسي.
وفي كل الأحوال، لابد لسنن التطور من تغيير القناعات، وتطوير الذهنية العامة حالما تقوى وتسود أفكار العقلانية والحداثة والنهضة، وتترسخ أواصر المجتمع المدني، آنئذ لا يتحمل الحفيد مسؤولية أعمال الأجداد ، مثلما لا يجوز له أن يتباهي بمآثرهم على أنها تخصه وحده، لتعزيز مكانته في المجتمع، وكأنها مجردة من مشروعها العام الوطني والقومي، والإنساني.
كم كان حكيماً المتنبي (915- 965) عندما قال قبل ألف ومئة عام:
وآنفُ من أخي لأبي وأمي إذا ما لم أجده من الكرام
ولست بقانع من كل فضل بأن أعزى إلى جد همام
نص المذكرات
مقدمه
بقلم المجاهد صياح النبواني
بعد التوكل على الله تعالي، أبدأ بتدوين مذكراتي المتراكمة طوال مدة قضيتها بين آمال وآلام، شأن كل إنسانٍ معذبٍ على وجه هذه البسيطة، لأن الأحداث جسام....
وبعد أن ضعفت المقاومة في الجبل، وتغلّب الفرنسيون علينا بتجنيدهم قوى من أبناء البلاد، وصارت مقاومتنا لأبناء بلدنا، فضلاً عن الجنود المغاربة، والمراكشيين، والجزائريين، والتونسيين، والسنغال، والكمرون، ونزحنا إلى الأزرق، فاستقبلتنا الحكومة الأردنية بالترحاب (بادئ الأمر). ثم لعبت سياسة الاستعمار الإنكليزي – الفرنسي، تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور ذلك الحين.
وإنني لا أدّعي رؤية ومعرفة كل شيء في معركة تمتد عدة كيلو مترات.
سائلاً المولى سبحانه أن يسدد خطانا ويبعدنا عن الخطل والزلل.. والله من وراء القصد..
الخميس 16 تشرين الأول 1967م