مقالات

د.عادل عبدالسلام (لاش): لعبة الصمت عند الشركس

 
 
 

د. عادل عبدالسلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر

لعبة رمزية لطيفة كانت تمارس في سهرات السمر الشركسية تعرف بـ ( شِغو شَ Щыгъущэ ) وتعني :(جلب الملح)، أو (شِغُو شَ تيجاغ Щыгъущэ тежьагъ ) وتعني انطلقنا لجلب الملح). وهو عنوان يبدو للوهلة الأولى غريباً على من لم يعرف اللعبة أو لم يمارسها سابقاً. لكن الأغرب من اسم اللعبة، هو مضمونها و ممارستها.

تبدأ اللعبة باختيار ثلاثة لاعبين من الحضور، وقد يكتفى بواحد أو واحدة أحياناً، فينادى أحدهم أو أكبرهم قائلاً ” هيا لقد انطلقنا لجلب الملح” فيلتزم عندها كل فرد من الحاضرين بالامتناع عن الكلام وبالصمت المطبق. ومع سيادة الصمت في المكان يبدأ الثلاثة بالقيام بحركات و إشارات والتفوه بكلمات غايتها جر الصامتين إلى الكلام أو الضحك وإصدار أي صوت، وفي حال نجح أحد الثلاثة في جعل أحد ما يتفوه بكلمة أو بحرف، أو إضحاكه، تنهال من منظمي اللعبة الثلاث (فقط) على المخطئ (المتكلم) عبارات التقريع والاستهزاء و الصفات غير الحميدة ضمن حدود الأدب. والبعيدة عن الإهانات أو الشتائم، إذ ينال من يسف بأقواله جزاءه بغرامات وعقوبات قاسية قد تصل إلى حرمانه من السهرة وسهرات أخرى، إن لم يبعد عن نفسه الملامة باقامة حفلة أو بتقديم مأكولات أو ما يقوم مقامها لمن تفوه أمامهم بكلمات نابية.

ومع بقا الجميع صامتاً، يتم سجن الخارجين عن الصمت عادة في غرفة مجاورة، أو في مكان أو زاوية من غرفة السهرة، ويبقون معتقلين صامتين طوال الوقت إلى أن ينادي كبير اللاعبين بقول Щыгъущэ тыкъэкIыжьыгъ أي ” لقد عدنا من جلب الملح”، فيسمح للجميع بالكلام والضحك.

أما المعتقلون فيكلفون برواية قصص أطفال، أو الغناء أو الرقص التمثيلي وتقليد الحيوانات. وتنتهي مهمة المدير ورفيقيه بعد لوم المخطئين المتكلمين وتقريعهم، ليتم انتخاب ثلاثة غيرهم وتُكرر العملية وهكذا دواليك. ولهذه اللعبة تفاصيل مختلفة بين مكان وآخر، ومجتمع شركسي وآخر، اختلافات شكلية مع بقاء (حالة الصمت والصبر عليه وتحمله أمام محاولات ومغريات دفع الصامتين على الخروج عن صمتهم) أساس اللعبة وجوهرها.

والطريف في هذه اللعبة أنها ذات خلفية اقتصادية وفولكلورية شركسية تاريخية قديمة، قامت في أصولها على مادة الملح وتوفيره للمجتمع الشركسي في تشركسيا، التي تفتقر إلى مصادر الملح الصخري أو البحري و السبخي! إلا في شمال غربي البلاد في السباخ الساحلية لبحر مؤتة (آزوف). فكان على الشركس استيراده من أقرب مواطنه إليهم، أي من شبه جزيرة القرم، حيث كان يحمل من بحيرة (يلكين Yelkene) القريبة من مضيق كيرتش حيث توجد السباخ الساحلية البحرية.

وتشبه في ذلك ملح السبخات، وبحيرة (ماسازِر)القريبة من باكو في أذربيجان البعيدة عن بلاد الشركس. ويذكر الرحالة (ادوارد تايتبوت 1837) في مؤلفه الموسوم بـ (ثلاث رحلات في البحر الأسود إلى ساحل تشركسيا) في الصفحة 286، أن البضائع الواردة إلى ميناء أنابا الشركسي في سنوات 1823 و 1824 كانت تشتمل على الملح المجلوب من تركيا بل ومن صقلية. وكان وصوله إلى أنابا يتوقف في فصل الشتاء، بل وفي شهري أيار/ مايو حزيران/ يونيو. ويذكر أن نوعية ملح كيرتش كانت أجود وأغلى من الملح المستورد المذكور. وأنه كان أسمر اللون.

كانت مادة الملح سلعة مهمة جداً لدى الشركس وتجارتهم مع جيرانهم الترك والروس وتتار القرم وغيرهم. إذ كان الملح يقوم مقام النقود في تسعير السلع والمواد، فالقمح والشعير وغيرهما من الحبوب كانت تثمن بوزنات الملح، وكان مكيال واحد من القمح يساوي مثيله من الملح، وكان سعر رأس الماعز يساوي رطلين من الملح. وبغض النظر عن ما ذكره تايتبوب في القرن التاسع عشر، فإن جلب الشركس الملح من القرم وكيرتش قديم جداً خاصة وأن شبه جزيرة تامان ومضيق كيرتش كانا من أراضي وأملاك الشركس. ومع ذلك فإن نقل الملح من أقصى الشمال الغربي وسبخات سواحل بحر مؤته (آزوف) إلى الداخل الشركسي كان محفوفأ بالمخاطر، إذ كانت قوافل الملح الثمين والنادر تتعرض للصوص والنهب. وهنا تبدأ ملامح خيوط تفسير ربط اللعبة الفولكلورية بأحداث نقل الملح، وبالوجدان الشعبي الشركسي، إذ جاء في ثنايا بعض المرويات الشركسية القديمة ما يشير إلى التزام قوافل جلب الملح والعاملين في نقله بالصمت المطبق وعدم إصدار أي صخب أو ضجيج هم وخيولهم أثناء مرورهم في مناطق الخطر، إذ كانوا يحيطون حوافر خيولهم بقطع لباد يربطونها بها كما كانوا يكممون أفواهها كي لا تصدر أصواتاً وصهيلاً. كما لا يخلو الأمر من قيام مجموعات من الشركس بالسطو على منتجي الملح والتسلل إلى مناجمه سرأ وبصمت، والتزام الحذر واتخاذ الحيطة لتفادي مهاجمتهم وسلبهم في طريق العودة.

ولعل أصدق ما يربط اللعبة بهذه الخلفية هو اسمها الشركسي المذكور أعلاه المأخوذ عن سلوك القوافل الجالبة للملح. ويستنتج من اللعبة أن الصمت كان يخيم على تحركات القوافل في الذهاب والإياب. هذا وتجدر الإشارة إلى أن الملح كان من عناصر الحضارات التاريخية القديمة، فبعض طقوس الحثيين المأخوذة عن الحاتيين (أسلاف الشراكسة) في الأناضول تشير ألى دور الملح في ممارستها للطقوس الدينية الحاتية الأصل. كما كان المصريون القدماء والإغريق والرومان يتقربون إلى آلهتهم بتقريب الملح والماء، ويعتقد البعض أن هذا هو منشأ و أصل الماء المقدس في المعتقد المسيحي أيضاً. كذلك كانت آلهة الإخصاب عند الأزتيك والتي كانت تستجيب عند تقريب الماء والملح، تسمى بآلهة الملح.

عادل عبد السلام (لاش) دمشق- تشرين الأول/ أكتوبر 2016.


انظر:

د. عادل عبدالسلام (لاش): هاجس مزمن .. وواقع معاش

د. عادل عبدالسلام (لاش): مع عمر بهاء الدين الأميري .. الشاعر الإنسان

د. عادل عبدالسلام (لاش): خروج فرنسا من القنيطرة ووالدي يرفع العلم السوري

د. عادل عبدالسلام (لاش): السفر برلك .. سنوات المجاعة والهلاك

د. عادل عبدالسلام (لاش): كوشباي أسعد .. مجاجة الأسطورة

د. عادل عبدالسلام (لاش): صفحة وطنية مشرفة للقائد الشركسي ناظم بيك سنجر

د. عادل عبدالسلام (لاش): أحكام إعدام فرنسية لجنود شراكسة في سورية 1945

د. عادل عبدالسلام (لاش): معسكر جغرافي في الجزيرة العليا – شمال شرقي سورية 1981

د. عادل عبدالسلام (لاش): المواقيت والأزمنة عند الشركس

د. عادل عبدالسلام (لاش): العرس الأديغي (الشركسي) التقليدي في سورية

د. عادل عبد السلام (لاش) : تهجير الشركس إلى سورية وتوطينهم في شريط الليمس الشركسي

د. عادل عبد السلام: من جعبة الذاكرة.. المظاهرات الطلابية السورية

د. عادل عبد السلام: ظاهرة لغوية اجتماعية أديغية (شركسية)

د. عادل عبدالسلام (لاش) : بدايات كرة القدم في مرج السلطان

د. عادل عبد السلام : آداب الطعام و قواعد المائدة الشركسية

د. عادل عبد السلام : الحاتيون أسلاف الشركس 

د. عادل عبد السلام : حول الأمير الأديغي ينال الكبير، والسلطان الأديغي (الجركسي) الأشرف ينال العلائي

د. عادل عبد السلام (لاش) : على هامش أحداث الجزائر

د. عادل عبد السلام : أول مسجد في مرج السلطان

د. عادل عبدالسلام (لاش) : بين الجامعة والكلية الحربية وقاسم الخليل

د. عادل عبدالسلام (لاش) :مرج السلطان وعيد الأضحى

د. عادل عبدالسلام (لاش): في ذكرى إبادة الشركس

د. عادل عبدالسلام (لاش): نزوح الشراكسة من الجولان في صيف 1967

د. عادل عبدالسلام (لاش): رحلة مجانية أحن إلى مثلها

د. عادل عبد السلام (لاش) : يوم الحداد الشركسي

د. عادل عبد السلام (لاش) : رحلة شتوية إلى جبال صلنفة

د. عادل عبد السلام (لاش) – مسيرة تربوية تعليمية.. زرعنا فحصدنا

عادل عبد السلام (لاش): حكمت شريف حلمي شاشأه في ذكرى رحيله

د. عادل عبد السلام (لاش): غياض الحَور في مرج السلطان

د. عادل عبد السلام (لاش): اللواء محمد سعيد برتار رجل المهمات الصعبة والملمات الإنسانية

د. عادل عبد السلام (لاش): الضائقة المالية وقرار طردي من معهد غوتة

د. عادل عبد السلام (لاش) – حسن يلبرد

د. عادل عبدالسلام (لاش) : شكري القوتلي في مرج السلطان

د. عادل عبد السلام  لاش- مراحل رسم الحدود السياسية لسورية منذ زوال الإمبراطورية العثمانية

د. عادل عبد السلام (لاش) : من رجالات الشركس .. الفريق الركن أنور باشا أبزاخ

د. عادل عبد السلام (لاش) : صورة….. واعتقال

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

عادل عبد السلام

الدكتور عادل عبدالسلام لاش من أبناء قرية مرج السلطان، من مواليد عسال الورد عام 1933. يحمل دكتوراه في العلوم الجغرافية الطبيعية من جامعة برلين الحرة. وهو أستاذ في جامعة دمشق منذ عام 1965. له 32 كتاباً منشوراً و10 أمليات جامعية مطبوعة، بالإضافة إلى أكثر من 150 مقالة وبحث علمي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي