شارك في الإنقلاب على حسني الزعيم وعين رئيساً للشعبة الثانية في الجيش السوري وصار عضواً في مجلس العقداء.
وتسلم قيادة سلاح الجو السوري في عام 1950م.
إغتياله:
في الحادي والثلاثين من تموز 1950 اغتيال في دمشق بإطلاق النار عليه من سيارة بالقرب في منطقة كيوان غرب العاصمة، ونقل إلى المستشفى العسكري أو المستشفى الفرنسي برواية سامي جمعة، حيث فارق الحياة بعد ساعات عن عمر يناهز 37 عاماً.
يقال أن ناصر، وهو على فراش الموت، تمكن من كتابة اسمي شخصين اتهمهما بإطلاق النار عليه: العقيد ابراهيم الحسيني رئيس الشعبة الثانية (المخابرات العسكرية) والملازم عبد الغني قنوت. قدّم الرجلان إلى المحاكمة لكن تمت تبرأتهما من التهمة.
وخلال محاكمتهم صدر مرسوم يتعيين راشد الكيلاني آمراً لسلاح الطيران بالوكالة، وتعيين الرئيس بكري قوطرش رئيساً للمكتب الثاني بالوكالة أيضاً.
بعد أن فشلت محاولة تعريض البلاد للاضطرابات حاول الاستعمار دفع الجيش للانقسام الطائفي فكان وراء إغتيال العقيد محمد ناصر آمر سلاح الطيران السوري، ولكن حادثة الإغتيال هذه سبقتها جريمة قتل غامضة في نادي الصفا....
كان نادي الصفا نادياً معروفاً في دمشق، يقع في حي عرنوس في منزل شامي قديم له باحة تظللها الأشجار، وتحيط به أحواض الأغراس والورود، وتمر بها ساقية قديمة متفرعة من نهر بردى بري بساتين تلك المنطقة وبيوتها.
بعد عصر يوم 2 تموز 1950، بينما كان أحد خدم النادي ينظف الساقية من الحشائش فوجئ بوجود جثة امرأة موضوعة في كيس قنب ومرمية بالساقية، فأبلغ الحادث للشرطة.
ولم تهتم الصحف السوري بهذا الحادث كثيراً، ما عدا جريدة النصر التي أبدت اهتماماً بالغاً بالموضوع، وراحت تنشر على صفحاتها الأولى في كل يوم صوراً وروايات تستثير بها الناس للمساعدة على كشف هوية المرأة المخنوقة المجهولة، ومعرفة الفاعلين، وبعد أن نشرت الصورة الفوتوغرافية لوجه المرأة القتيلة، ثابرت الصحيفة على ملاحقة التحقيق خطوة خطوة، وذات ليلة عندما عاد الأستاذ وديع الصيداوي صاحب الجريدة إلى منزله رن عليه الجرس شخصان مسلحان وطلبا منه أن يخرج لمقابلة أديب العقاد رئيس الشعبة السياسية بالشرطة، وحين رفض اعتديا عليه ثم تركاه، واختطفا سائق سيارته، فضرباه ضرباً مبرحاً ثم هربا، وسرعان ما سرى الهمس بأن المكتب الثاني ” مخابرات الجيش” كان وراء هذا الاعتداء لمنع جريدة النصر من الاستمرار بملاحقة جريمة المرأة المخنوقة، والكشف عن ملابساتها، وامتلأت دمشق بالشائعات التي تردد أن القتيلة كانت على علاقة بالعقيد ابراهيم الحسيني رئيس المخابرات، وعميلة لأحد أجهزة المخابرات الأجنبية، ولم تعرف الأسباب الحقيقية لارتاكب هذه الجريمة، ولم اذكر هذا الحادث إلا لأنه كان فاتحة لجريمة أخرى تأكدت علاقة إبراهيم الحسيني رئيس المكتب الثاني بها.
إغتيال العقيد محمد ناصر:
برقية من المفوضية العراقية بدمشق إلى الخارجية ببغداد
التاريخ 15 شباط 1950
“زارني اليوم حسني البرازي وأخبرني عن حصول اختلاف بين العقيد محمد ناصر والعقيد عزيز عبد الكريم والضباط العلويين من جهة، وبين جماعة الشيشكلي من جهة أخرى.
وذكر بأنه بلغه بصورة موثوقة عن استعداد الأولين للتقرب إلينا إذا ما استميلوا بالمال، يرى لزوم وضع حطة للعمل في حالة اصطدام الجيش السوري بالمجلس التأسيسي، يؤكد على ضرورة تخصيص مبالغ مناسبة لتسهيل العمل”.
إن هذه الوثيقة التي نشرت بعد ثمان سنوات من مصرع العقيد محمد ناصر تكشف التقاء الاستعمارين البريطاني والأميركي في محاولة استغلال الطائفية.
ففي يوم الثلاثاء 1 / 8 / 1950 اذاع راديو دمشق ما يلي: “وقع اعتداء اثيم في الساعة العاشرة والنصف من مساء الاثنين الواقع في 31 / 7 / 1950، ذهب ضحيته آمر سلاح الجو السوري محمد ناصر، إذ هاجمه مجهولون يمتطون سيارة، وأطلقوا عليه عيارات نارية، وذلك بالقرب من مفرق كيوان، وقد نقل إلى المستشفى العسكري حيث أجريت له عملية جراحية توفي على أثرها في الساعة الثالثة والنصف من صباح الثلاثاء، وقد تولى القضاء العسكري التحقيق في هذه الجريمة”.
وفي صبيحة اليوم التالي شاع بأن العقيد ناصر، عندما نقل إلى المستشفى كان لا يزال حياً، وعندما سأله المحقق العسكري عن قاتليه كتب بخط مضطرب اسم المقدم ابراهيم الحسيني والملازم عبد الغني قنوت، إذ لم يكن قادراً عن النطق لأن لسانه أيضاً كان مصاباً بطلقة نارية.
كان جو العاصمة في اليوم الثاني جواً قاتماً، وقد اجتمع الزعيم فوزي سلو والعقيد أديب الشيشكلي مع ناظم القدسي إجتماعاً سرياً، ثم عقد مجلس الوزراء جلسة سرية مستعجلة.
احتفل بتشييع جثمان العقيد ناصر إحتفالاً عسكرياً مهيباً، فسار وراء النعش مندوب رئيس الدولة، ورئيس الجمعية التأسيسية، ورئيس الحكومة والوزراء، وكبار ضباط الجيش والشرطة، وصلي على الجثمان في المسجد الأموي، وألقى رئيس الحكومة كلمة تأبين بأسم رئيس الدولة، واشترك العقيد الشيشكلي في التشييع وتقبل التعازي.
اعتقل بعد الإغتيال المقدم إبراهيم الحسيني رئيس المكتب الثاني والملازم عبد الغني قنوت الضابط في المكتب الثاني، كما صدرت المراسيم بتعيين راشد الكيلاني امراً لسلاح الطيران بالوكالة، وتعيين الرئيس بكري قوطرش رئيساً للمكتب الثاني بالوكالة أيضاً.
كان لنبأ اعتقال المتهمين من قبل القضاء العسكري والتحقيق معهم ما يوحي بأن الشيشكلي يحاول أن يتنصل من تبعات هذه الجريمة النكراء،وعندما أصدرت الحكومة مرسوم تشكيل المحكمة الخاصة للنظر بهذه القضية لم يتعين فيها سوى رئيس مدني للمحكمة هو القاضي اسماعيل قولي إلى جانب عضوين عسكريين، وبعد شهور أصدرت المحكمة قراراها بالبراءة مع مخالفة رئيسها اسماعيل قولي.
لقد سحبت هذه القضية أثارها السيئة على البلاد والجيش، إذ أصبحت الاثارة الطائفية مجالاً لاستغلال العناصر الانتهازية في صفوف الجيش، ولاشك عندي بأن ابراهيم الحسيني كان عميلاً للمخابرات المركزية، وأنه استطاع إقناع أديب الشيشكلي بارتكاب هذه الجريمة النكراء، والتي اعتقد أن السبب الرئيسي في ارتكابها هو التنافس الذي كان ما يزال قائماً بين النفوذ البريطاني الذي يحاول التسرب إلى سورية باسم الاتحاد، وبين النفوذ الفرنسي والأميركي بصورة خاصة، الذي استسلم أديب الشيشكلي له أخيراً عندما قام بإنقلابه على الحياة الديمقراطية في سورية عام 1951، وبتأثير مباشر من السعودية بعد يأسها من عودة شكري القوتلي إلى سورية، وقد كان العقيد إبراهيم الحسيني رئيس مخابرات الجيش آنذاك رجل الولايات المتحدة الأميركية في سورية، وبعد سقوط أديب الشيشكلي غادر البلاد إلى المملكة العربية السعودية، حيث أصبح رئيساً ومسؤولاً عن جهاز المخابرات فيها، ثم توفى فيما بعد بحادث سيارة غامض في روما.
وقد كان لهذا الاستغلال الاستعماري للطائفية، الذي تستفيد منه الصهيونية بلا شك، والذي جعل من مجموعة العقيد ناصر ومجموعة أديب الشيشكلي مجموعتين متنافستين على السلطة والنفوذ، سابقات خطيرة في سورية ألمحت إليها فيما سلف من هذه المذكرات.
رواية سهيل العشي:
يذكر “سهيل العشي” في كتابة فجر الاستقلال رواية عن اغتيال محمد ناصر، فكتب: (إن المقدم “زهير الصلح” عندما كنت في باريس لعملية القلب المفتوح، أن العقيد “سعيد حبي” رئيس المخابرات العسكرية آنذاك، أفضى إليه بسر مقتل “محمد ناصر”، ذلك أن الشيشكلي استدعى “سعيد حبي”، وطلب إليه التحقيق في خبر يقول أن “محمد ناصر” يعد لإنقلاب، وتوصل “سعيد حبي” لمعرفة حقيقة الأمر، وأن إنقلاباً كان معداً فعلاً بالتعاون مع القوات الأردنية، ونقل الصورة إلى الشيشكلي، وكان إغتيال “محمد ناصر” في اليوم التالي).
رواية سامي جمعة:
كان سامي جمعة يعمل في الشعبة الثانية بالجيش، وأورد في كتابه “أوراق من دفتر الوطن” ما يلي عن حادثة الاغتيال:
(حوالي الساعة الحادية عشرة من ليلة 31 / 7 / 1950 أطلقت النار على العقيد محمد ناصر آمر سلاح الطيران في مفترق محلة كيوان الفاصلة بين طريق بيروت -دمشق والطريق المؤدية إلى المهاجرين بينما كان عائداً من مقر قيادته في المزة...
، وقد قتل نتيجة ذلك صديق كان يجلس إلى جانبه في السيارة من أهالي دير الزور يدعى عبد الرحمن عاروض، وأصيب العقيد ناصر إصابات قاتلة ولكنه أسعف إلى المستشفى الفرنسي وكان ما يزال على قيد الحياة وقد أدلى قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة للعقيد توفيق نظام الدين ولمن تولى محاولة إسعافه بإشارات تدل على أن قاتله هو المقدم إبراهيم الحسيني.
نتيجة لذلك أوقف المقدم إبراهيم وسائقه ومساعد في الشرطة العسكرية يدعى ماجد شاكر وتولى النائب العام العسكري ومدير العدلية العسكرية المرحوم عبد الوهاب الأزرق التحقيق في هذا الموضوع.
كان المرحوم العقيد محمد ناصر من ألمع ضباط الجيش السوري وكان أحد الضباط الخمسة الذي كلفني بمراقبتهم المقدم محمود الرفاعي تمهيداً لاعتقالهم قبل انقلاب الشيشكلي، وكان العقيد ناصر من أعضاء مجلس العقداء الذي شكل بعد نجاح انقلاب الشيشكلي لإدارة أمور البلاد، وهم:
العقيد أديب الشيشكلي، العقيد توفيق نظام الدين، العقيد محمد ناصر، العقيد عزيز عبد الكريم، العقيد شوكت شقير.
كان الشيشكلي يخاف العقيد محمد ناصر لعدة أسباب أهمها أنه كان حراً ونظيفاً وكان قد اكتشف بأن البلاد مقبلة على سلسلة من الانقلابات بعد قيام حسني الزعيم بفتح هذا الباب على مصرعيه للتدخل الخارجي، ولذلك كان ينادي بعودة الجيش عودة فعلية إلى ثكناته وترك أمور البلاد للسياسيين وعودة الحياة الديمقراطية الحرة.
كان العقيد ناصر من ضباط المشاة وخلال تواجده في فرنسا عمل الشيشكلي على تعيينه آمراً لسلاح الطيران ومنذ عودته من فرنسا وضع تحت المراقبة من قبل المكتب الخاص العائد لرئيس الشعبة الثانية الذي أنشأه المقدم إبراهيم الحسيني، وهذا المكتب أنشأه الحسيني خصيصاً بعد تسلمه الشعبة وجعله مرتبطاً به مباشرة، وكان يعهد لأفراد ذلك المكتب بتنفيذ المهمات الخاصة وقد وضع شقيقه المساعد عصام الحسيني على رأس هذا المكتب، وطلب من فروع الشعبة كافة أن ترسل لهذا المكتب أي تقرير أو معلومة يرد فيها اسم العقيد ناصر دون أي تصرف أو متابعة.
بُرئ المقدم الحسيني ورفاقه بعد عدة جلسات عقدتها المحكمة العسكرية وأوفد إلى أوربا بعد الافراج عنه.
عدة أسباب تجعلني متأكداً من أن المقدم الحسيني هو الذي قتل العقيد محمد ناصر وبأمر من العقيد أديب الشيشكلي وذلك لعدة أسباب:
إن العقيد ناصر كان يشكل هاجساً مخيفاً بالنسبة للشيشكلي.
إنني شاهدت بأم عيني عناصر المكتب الخاص المرتبط بالحسيني مباشرة وهم يراقبون العقيد محمد ناصر، وأثناء تواجدي في حمص لمتابعة موضوع سرقة كمية من المتفجرات من مستودعات شركة نفط العراق شاهدة عناصر المكتب الخاص ينتظرونه على باب نادي الضباط حيث كان يتناول طعام الغذاء.
بعد اغتيال العقيد ناصر وخلال احدى زياراتي لسجن المزة قال لي المقدم الحسيني وكان مضطرباً: يبدو لي أن صاحبك “ويقصد الشيشكلي” يعتزم جعلنا كبش فداء، وعندما نقلت ذلك للشيشكلي قال لي: ارجع إليه فوراً وقل له على لساني “كبر عقلك”.
والأهم من ذلك كله أنه وفي ليلة تعرُض العقيد أديب الشيشكلي لمحاولة اغتيال ذهب إلى رئاسة الأركان وأخذ يجري اتصالات بقيادة القطعات المتواجدة حول دمشق متوجساً أن تكون محاولة اغتياله مقدمة لتحرك عسكري يستهدف الانقلاب عليه، وفي تلك الليلة نفسها استدعاني إلى الأركان وقال لي: لدى ملاحظتك أي تحرك عليك الذهاب الى سجن المزة وإخراج الحسيني ورفاقه وإيصالهم إلى الحدود اللبنانية).
(4) يقول أكرم الحوراني:لقد سألت الملازم عبد الغني قنوت بعد صدور حكم البراءة عن علاقته بهذه القضية فأكد لي بأنه اشترك بنقل العقيد محمد ناصر إلى المستشفى بعد وقوع الإغتيال.
(5) الحوراني (أكرم)، مذكرات أكرم الحوراني، مكتبة مدبولي، صـ 1233-1235
(6) العشي (محمد سهيل)، فجر الاستقلال في سورية، دار النفائس، الطبعة الثانية - بيروت 2019م، صـ 10
(7) جمعة (سامي)، أوراق من دفتر الوطن، دار طلاس، الطبعة الأولى، دمشق عام 2000م، صـ 109- 110