شهادات ومذكرات
سلامة عبيد: حكومة جبل الدروز – أدهم خنجر وثورة سلطان الأولى (1922)
من كتاب سلامة عبيد : الثورة السورية الكبرى على ضوء وثائق لم تنشر (18)
سلامة عبيد: حكومة جبل الدروز – الحالة العامة:
الفصل الثاني – القسم الثاني
أدهم خنجر وثورة سلطان الأولى (1922)
فشلت محاولة إغتيال الجنرال غورو في 22 يوليو 1921 وكان بين المتهمين أدهم خنجر من جبل عامل “لبنان”. كان أدهم واحداً من كثيرين التفوا حول الملك فيصل ورئيساً لعصابات عملت على إقلاق راحة الفرنسيين في جنوب لبنان.
لجأ أدهم إلى شرق الأردن، بعد الاحتلال الفرنسي، وكان في طريقه في أواسط يوليو 1922 مع عصابة لنسف محطة توليد كهرباء دمشق ولكن الحكومة كانت كانت قد أخذت علماً باجتيازهم الحدود، فضيفت عليهم، واضطرتهم إلى العدول عن خطتهم. فاتجه بعضهم نحو جبل الدروز في طريقهم إلى شرقي الأرض.
وكان مرورهم بقرب “القرية” حافزاً لأدهم يعرج عليهم للتعرف إلى سلطان. وما كاد أدهم ورفيقه يدخلان القرية، حتى ألقت عليهما النقطة العسكرية المحلية القبض وعرفهما جندي كان رفيقاً في العصابة فسيقاً حالاً إلى السويداء.
كان سلطان غائباً عن البلدة عن رفيقه، ومساعده الأيمن، حمد البربور من قرية أم الرمان، فما كاد يتصل به الخبر حتى ثارت ثائرته لهذه الإهانة. وأحسن بخطورة الموقف، فأرسل أخاه علياً يفاوض.
ذكّر علي المستشار، في السويداء، بأن هذا العمل خرق لعادات، ومخالفة للبندر الثاني من الاتفاقية الأخيرة، وإهانة لا يمحى عارها، لا لدار “القرية” فحسب بل للطرشان بأسرهم والطائفة جمعاء، وأضاف علي بأنه له “الأمل الكبير بأن الحكومة الأفرنسية تحتفظ بصداقة الشعب الدرزي، هذه العشيرة التي منذ قرون طويلة لم يوجد أحد يجسر أن يجلب لها شبه إهانة أو تشويه”. فرأى المستشار في ذلك تهويلاً.
لم يقطع سلطان الأمل، فتقدم كفالته الشخصية وكفالة توفيق الأطرش، مدير درك الحكومة وأرسل سلطان متعب الأطرش، رسولاً ثانياً، فرفض المستشار مقابلته، وأرسل سلطان برقيتين إلى دمشق وإلى الجنرال غورو في عاليه، جاء فيهما: صعب عليّ إهانة قاصدي، نوعاً عن عشائر الجبل وسوريا. الحل الوحيد إطلاق الرجل وإنني لا أتأخر عن كلما يرضي الفرنسيون. غير مجهول أن موتي وإهانة ضيفي مثل بعضهما في عوائد السوريين..” وتوسط رجال الدين أخيراً فلم تقبل وساطتهم.
استطاع أدهم، في هذه الأثناء، أن يوصل رسالة إلى ساطان للتوسط في أمره منها: وعلى كل حال لكم في العادة أن تحموا كل منداق “الواقع في ضائقة”.. والآن دخلت دياركم العامر مستجيراً، وأدخل في حرمكم وفي أولادكم حتى وفي كل الطرشان” عندئذ وبعد فشل كل
مفاوضة راج سلطان ورجاله يرابطون في الطرق المؤدية إلى دمشق ويثيرون الأنصار من دروز وبدو للحؤول دون إخراج أدهم.
لم تقف الحكومة مكتوفة الأيدي فأثارت أنصارها من الأهالي ولكنها لم تعطهم حرية التصرف وقد تخوفت من كلمة توفيق الأطرش، مدير الدرك، أن الدروز يطلقون الطلقات الأولى على أخوانهم، والثانية ربما على الجنود.
اتخذ سلطان لنفسه ولرجاله قرية الثعلة – غرب السويداء- مركزاً لقطع الطريق على السيارات التي قد تحمل السجن إلى دمشق، وفي الحادي والعشرين من تموز 1922 أقبلت ثلاث سيارات مصفحة قادمة من درعا لنقل السجين، فاستطاع سلطان ورفاقه وكانوا لا يتجاوزون الخمسة عشر رجلاً أن يحطموا إحدى المصفحات بركابها، ويأسروا الثانية، وكرت الثالثة راجعة، وفي هذه الأثناء، وصل الأمير سليم، وقد كان قادماً من دمشق، فتسلم الأسرى، والملازم بوكسان القتيل وتفرق سلطان ورفاقه.
صدى هذه الثورة
هزت هذه الحادثة لا جبل الدروز فحسب، بل المنطقة الفرنسية كلها. وأمر الجنرال غورو أن يجري التأديب بكل قسوة.
فضربت الطيارات قرية سلطان وهدمت بيته، ومن ثم راحت تضرب كل قرية يمر بها، أو يشتبه أنه مر بها، فقتلت نساء وأولاداً وبعض الأبرياء من مسحييين وسنيين.
من بين الشهداء الذين قتلتهم الطائرات عام 1922: عبدو محمود المصري، علي حسين الزعبي من حوران مقيمان في أم الرمان، فرحان سالم معروف، محمد حسين منذر، محمود أسعد معروف من أم الرمان.
ووجهت حملة تهديدية إلى الجبل “تدخل القرى بهيجان افتراضي كهيجان حربي”، وصادرت الغلال والمواشي وأحرقت البيادر، وهدمت المطاحن. وفرضت الغرامات على القرى بمعدل ثلاث ليرات ذهبية على الذكر الراشد، فبلغت حتى أغسطس 713 ليرة عثمانية ذهباً.
وأرادت الحكومة أن تجس نبض الأهالي فتوالت عليها الرسائل تستنكر أعمال سلطان وتؤيد الحكومة في موقفها، وهاجم بعض رجال الدين سلطان ورجاله مهاجمة عنيفة، وألقوا عليهم الحرم، واستنزلوا عليهم “غضب الرب الشديد الذي لا تحمله الجبال الراسيات” ووزعوا المناشير في كل البلاد، مقبحين على سلطان، مظهرين تأييدهم الكلي للسلطة المنتدبة.
وهكذا فعلت الحكومة المحلية فنعتت سلطان وجماعته “بالأشقياء” و”العصاة” و”المجرمين” وطاردتهم، ومنعت كل حديث يتعلق بالحكومة سواء أكانت إشاعة كاذبة أو حقيقة، مهددة بغرامة لا تقل عن مئة ليرة افرنسية، والسجن من سنة إلى ثلاث، والحرمان من الحقوق المدنية، والتعرض لانتقام الحكومتين المحلية والمنتدبة.
عاد سلطان إلى البداوة، ولكنه ظل يتجول في قرى الجبل الجنوبية المتطرفة، يشتبك مع القوات الفرنسية، ويراسل أنصاره في الجبل وخارجه، وينتصر في كثير من معاركه على القوات الفرنسية التي كانت تجرؤ على الاقتراب من حدود الجبل الجنوبية.
كان لهذه الثورة أثرها الملموس في داخل المنطقة وخارجها. فقد بدأ سلطان منقذاً لشرف العشيرة المهان، وبدأ الاشمئزاز يسري من أعمال ممثلي فرنسا الانتقامية التي لم يشاهد الدروز مثلها في العهد العثماني وظهر الاستخفاف برجال الدين وبموظفي الحكومة المحلية الذين ناصروا الدولة المنتدبة، على طول الخط.
استبشرت دمشق بهذا الحركة، وبدأ زعماؤها اتصالاتهم بسلطان وتقدم الدكتور شهبندر بمشروع دفع مرتبات شهرية للثائرين ولكن المشروع لم ينل التأييد.
وذهب شكيب وهاب يقابل رضا الركابي رئيس وزراء شرق الأردن، “لاغتنام الهياج” ودخول سورية، إلا أن الركابي لم يبد حماسة للفكرة.
ظل سلطان ورجاله القلائل طريدين، ما يقرب من عشرة أشهر وكان للوساطات والتخوف من شرق الأردن أثر في إصدار عفو عن سلطان وجماعته فدخل السويداء، في عيد استقلال الجبل، ( 5 أبريل 1923) فكان استقباله حافلاً: (إذ لم يسمع الدروز المتألبة في بيارقها وخيلها ورجلها بقدوم سلطان ورفاقه إلا أنها “حتى” هرعت “كالسيل المتدفق. وكان أصوات البارود يصم الأذان والخلايق تزدحم كأمواج البحر ولن يوصف ما كان لسلطان من عظم التعظيم والابتهال عند الدروز حتى إن الحكومة كادت تتفتت منها الأكباد).
انظر:
الفصل الأول – بذور الثورة:
سلامة عبيد: فرنسا تفرض نفسها.. (1)
سلامة عبيد: الأسباب السياسية للثورة السورية الكبرى عام 1925 .. مغامز صك الانتداب (2)
سلامة عبيد: الأسباب السياسية للثورة السورية الكبرى عام 1925 .. مخالفة فرنسا لصك الانتداب (3)
سلامة عبيد: الأسباب السياسية للثورة السورية الكبرى عام 1925 .. سلطات المفوض السامي (4)
سلامة عبيد: الأسباب السياسية للثورة السورية الكبرى عام 1925 .. تغيير المفوضين (5)
سلامة عبيد: الأسباب السياسية للثورة السورية الكبرى عام 1925 .. التجزئة (6)
سلامة عبيد: الأسباب الخارجية للثورة السورية الكبرى عام 1925 (7)
سلامة عبيد: الأسباب الخارجية للثورة السورية الكبرى 1925 – حب الاستقلال والحرية (8)
سلامة عبيد: الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للثورة السورية الكبرى- العوامل الاقتصادية – التجارة (9)
الفصل الأول – مهد الثورة:
سلامة عبيد: جبل حوران – المنطقة والسكان .. لمحة جغرافية (10)
سلامة عبيد: جبل حوران – السكان (11)
سلامة عبيد: أسباب الثورة السورية الكبرى .. العزلة الجغرافية والمذهبية (12)
سلامة عبيد: أسباب الثورة السورية الكبرى .. عدم الاستقرار وحياة القلق (13)
سلامة عبيد: أسباب الثورة السورية الكبرى .. العامل الذهبي (14)
سلامة عبيد: أسباب الثورة السورية الكبرى .. دور المرأة (15)
سلامة عبيد: حكومة جبل الدروز – الدروز والحرب العالمية الأولى (16)
سلامة عبيد: حكومة جبل الدروز – العلم والحالة العامة (17)






