اختيارات المحررمقالات
كيف أحدث أول شعار للجمهورية السورية عام 1945م؟
د. سليمان عبد النبي – التاريخ السوري المعاصر
أُطلق مساء يوم الخميس الرابع من تموز عام 2025 في سورية شعار الجمهورية العربية السورية الجديد، ليشكّل هوية بصرية جديدة للجمهورية السورية. يأتي هذا الشعار بتصميمٍ يُحاكي الرؤى الجديدة، مُزيّنًا بعناصرَ أبرزها العقاب السوريّ الذي يحمل دلالات رمزية عميقة؛ ينسدل ذيل العقاب بخمس ريشات، تمثل كل منها إحدى المناطق الجغرافية الكبرى في سورية: الشمالية، الشرقية، الغربية، الجنوبية، والوسطى، لتكون بذلك راية الوحدة السورية في أبهى صورها.
أما أجنحة العقاب، يتكون كل جناح من سبع ريشات، ليكون المجموع أربع عشرة ريشة تمثل محافظات سورية مجتمعة. ومع هذا الإطلاق، يبرز تساؤلٌ مهمٌّ: متى وكيف وُلد الشعارُ الأولُ للجمهورية السورية، ومن هم الروادُ الذين خطّوا معالمَ هويّتها البصرية للمرّة الأولى؟
إرهاصات إحداث الشعار عام 1944
في عام 1944، ومع شروع العديد من الدول بإقامة علاقات سياسية لأول مرة مع سورية، وجدت وزارة الخارجية ضرورة ملحّة في إحداث شعار خاص بالجمهورية السورية. هذا التوجه عكس الحاجة المتزايدة لتحديد هوية بصرية رسمية للدولة، تواكب الانفتاح الدبلوماسي وتؤكد استقلاليتها ووجودها على الساحة الدولية.
في هذا السياق، اقترح وزير الخارجية جميل مردم بك على الرئيس شكري القوتلي إحداث شعار للجمهورية السورية. وفعلاً، أُطلقت مسابقة لوضع هذا الشعار، حيث نشرت مديرية الدعاية في سورية بيانًا يدعو الفنانين للتسابق، مشترطةً مراعاة تاريخ البلاد وتقاليدها في التصميم، وتحديد مدة شهر لتقديم المقترحات ابتداءً من 25 آب 1944، مع جائزة قدرها “300” ليرة سورية للفائز.
بعد تقدم عدد من الفنانين التشكيليين بمقترحاتهم، حظي اقتراح الفنان خالد العسلي بالقبول ليصبح أول شعار للجمهورية السورية. وُلد الفنان العسلي في دمشق عام 1915م، وهو ابن الشهيد شكري العسلي الذي استشهد في السادس من أيار عام 1916م. وقد شغل الفنان خالد العسلي عدة مناصب مهمة في الدولة، حيث عمل في وزارة الخارجية ثم تولى إدارة المراسم في القصر الجمهوري خلال فترة الخمسينيات، كما عرف عنه ممارسته للرسم الكاريكاتوري الصحفي، وقد وافته المنية عام 1990م.
إصدار المرسوم الرسمي للشعار الأول
بعد اعتماد اقتراح الفنان خالد العسلي، جاء الدور على الإقرار الرسمي للشعار. ففي الثامن عشر من شباط عام 1945م، أصدر الرئيس شكري القوتلي المرسوم رقم 158، والذي نص على إحداث شعار رسمي للجمهورية السورية. جاء هذا المرسوم استنادًا إلى الدستور السوري وضرورة أن يكون للجمهورية شعار يعكس هويتها ووجودها. وقد بُني القرار على اقتراح وزير الخارجية جميل مردم بك وموافقة مجلس الوزراء.
تضمن المرسوم وصفًا تفصيليًا للشعار المعتمد، الذي بات يمثل أول شعار رسمي للجمهورية السورية. يتألف هذا الشعار من ترس عربي تتوسطه ثلاث نجوم ترمز إلى العلم السوري. يحتضن الترس عقاب، وهو رمز مستمد من التاريخ العربي، حيث كان راية لقريش في الجاهلية وراية خالد بن الوليد عند فتحه دمشق. يحيط بالترس ثلاثة خطوط، وفي أسفله تظهر سنبلتا قمح، ترمز إلى المحصول الزراعي الأساسي للبلاد وطابعها الزراعي. وقد أمسك العقاب بمخالبه شريطًا كُتب عليه بالخط الكوفي “الجمهورية السورية”.
أما عن ألوان الشعار، فقد وُصفت بدقة: يكون العقاب بلون حديدي مع خطوط فضية وذهبية على أجنحته. الترس تحليه ثلاث نجوم حمر على حصيرة فضية، وتحيط به ثلاثة خطوط تمثل ألوان العلم السوري وهي الأخضر فالأبيض فالأسود، ابتداءً من الداخل إلى الخارج. والسنبلتان تظهران بلون القمح الطبيعي. وقد جاء تصميم هذا الشعار في ملحق مع مرسوم إحداث الشعار عام 1945م.
من شعار الاستقلال إلى نسر الوحدة: أولى محطات التغيير
ظل الشعار الأول للجمهورية السورية، الذي صممه الفنان خالد العسلي واعتُمد بموجب المرسوم رقم 158 عام 1945، ساري المفعول حتى قيام الوحدة بين سورية ومصر عام 1958. هذا الشعار كان يتألف من ترس عربي تتوسطه ثلاث نجوم ترمز إلى العلم السوري، ويحتضن الترس عقاب مستمد من التاريخ العربي، حيث كان راية لقريش في الجاهلية وراية خالد بن الوليد عند فتحه دمشق. كان يحيط بالترس ثلاثة خطوط، وفي أسفله تظهر سنبلتا قمح ترمزان إلى محصول البلاد الأول وطابعهما الزراعي. وقد أمسك العقاب بمخالبه شريطاً كُتب عليه بالخط الكوفي “الجمهورية السورية”. أما ألوانه، فكان العقاب حديدي اللون وتحلي أجنحته خطوط فضية وذهبية، والترس تحليه ثلاث نجوم حمر على حصيرة فضية، وتحيط به ثلاثة خطوط هي الأخضر فالأبيض فالأسود ابتداءً من الداخل إلى الخارج، تمثل ألوان العلم السوري، والسنبلتان بلون القمح الطبيعي.
مع قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، تم اعتماد شعار جديد للجمهورية العربية المتحدة (الإقليم الشمالي) بموجب القانون رقم 190 لسنة 1958. تمثل هذا الشعار في نسر زخرفي، مأخوذ عن نسر صلاح الدين الأيوبي، يكون وجهه متجهاً نحو اليمين. يقف النسر مرتكزاً على قاعدة كُتب عليها بالخط الكوفي “الجمهورية العربية المتحدة”، كما نُقش فوق صدره درع يمثل علم الجمهورية العربية المتحدة.
بعد انهيار الوحدة في 28 أيلول عام 1961، وعودة الجمهورية العربية السورية المعلنة، تم العودة إلى الشعار السوري المعتمد في عام 1945، وهو شعار “العُقاب السوري”. هذا ما أكده المرسوم التشريعي رقم 2 الصادر في الثلاثين من أيلول 1961م، الذي نص على أن العلم الوطني وشعار الجمهورية العربية السورية هو شعار وعلم الجمهورية السورية السابق. استمر هذا الشعار معتمداً في سورية من عام 1961 وحتى عام 1969.
العقاب يغير وجهه: من 1969 إلى الشعار الجديد
في عام 1969، شهد الشعار تعديلاً جديداً استمر حتى عام 1972م، وذلك وفقاً للمرسوم التشريعي رقم 394 الصادر في العاشر من شباط 1969م. بموجب هذا التعديل، تم تعديل الشعار السابق، ليضم ترساً عربياً وسطه ثلاثة نجوم خضراء، يحتضنه عقاب ويحيط به ثلاثة خطوط، وفي أسفل الترس تظهر سنبلتا قمح. وقد أمسك العُقاب بمخالبه شريطاً كتب عليه بالخط الكوفي “الجمهورية العربية السورية”. أبرز التغييرات في هذا الشعار كانت في اتجاه وجه العقاب الذي أصبح متجهاً نحو اليسار. أما ألوان الشعار، فكان العُقاب حديدي اللون وتحلي أجنحته خطوط فضية وذهبية، والترس تحليه ثلاث نجوم خضر على حصيرة فضية، وتُحيط بالترس ثلاثة خطوط هي الأحمر فالأبيض فالأسود ابتداءً من الخارج إلى الداخل، بينما السنبلتان بلون القمح الطبيعي.
ثم في عام 1972، تم إضافة العُقاب السوري (الذي هو الشعار المعتمد في عام 1945 بوجهه المتجه نحو اليسار) إلى علم اتحاد الجمهوريات العربية الذي ضم سورية ومصر وليبيا.
شعار عام 1980
أما الشعار الذي اعتُمد في عام 1980، بموجب القانون رقم 37 الصادر في 21 حزيران 1980م، فقد جاء ليحدد الأوصاف النهائية للشعار الرسمي للجمهورية العربية السورية. يتألف هذا الشعار من ترس عربي نُقش عليه العلم الوطني للجمهورية بألوانه، يحتضنه عقاب يمسك بمخالبه شريطاً كتب عليه بالخط الكوفي “الجمهورية العربية السورية”. كما في الشعار السابق، يكون وجه العقاب متجهاً نحو اليسار، وفي أسفل الترس توجد سنبلتا قمح ترمزان إلى الخصوبة والحياة. أما ألوانه، فقد أصبحت جميعها باللون الذهبي للعقاب والشريط وسنبلتي القمح، بينما تكون الكتابة وخطوط الأجنحة باللون البني الفاتح. بقي هذا الشعار معتمداً حتى خلع النظام السابق، حيث استُبدل فيه العلم ورفع علم الاستقلال الذي هو علم الثورة السورية.







