أحداث

تصاعد الخلاف بين حافظ الأسد وصلاح جديد

بعد سقوط القيادة القومية في شباط 1966م، وخاصة بعد إنقلاب حاطوم الفاشل، تجمع معظم الضباط البعثيين وأعضاء الحزب المدنيون، إما حول صلاح جديد أو حافظ الأسد اللذين كانا أبرز السياسيين في سوريا حينذاك.

وبالرغم من أن جديد لم يعد له منصب رسمي في الجيش السوري منذ آب 1965- عندما استبدل منصبه كرئيس للأركان بمنصب مدني قيادي كأمين عام مساعد بالقيادة القطرية السورية إلا أنه نجح لفترة من الزمن في إحكام قبضته على جزء كبير من سلك الضباط، وذلك جزئياً من خلال مؤيديه في المكتب العسكري الذي كان يتولى الإشراف على تنظيم الحزب العسكري.

ومنذ نيسان 1966 شمل هذا المكتب أعضاء مدنيين. وقد تمكن جديد من السيطرة على جزء من القوات المسلحة عن طريق اتصالات جانبية شخصية مباشرة رغم حظرها تنظيمياً بعدد من الضباط العسكريين(1).

أما الأسد، ولكونه وزيراً للدفاع ومنافساً لجديد، كان في وضع أفضل من حيث التأثير على سلك الضباط الذي كان يرتبط بجزء منه بصفة شخصية. وقد شغل الأسد منصب قائد القوات الجوية منذ عام 1964م، وكان مسؤولاً عن تعزيزها. لذلك، استطاع أن يعين الكثير من مؤيديه العسكريين في مراكز استراتيجية هامة. علاوة على ذلك، كان الأسد قائداً كبيراً باللجنة العسكرية البعثية التي كانت مسؤولة لعدة سنوات عن نشاطات التنظيم العسكري للحزب.

وبعد إنقلاب 23 شباط 1966م، تكرر ظهور التوتر بين جديد والأسد، بيد أن المواجهة العلنية لم تحدث. فقد ازداد وضع النزاع بعد الهزيمة العسكرية العربية في حزيران 1967م، ويرجع ذلك جزئياً للاختلافات في الرأي حول السياسيات العسكرية والخارجية والإقتصادية والإجتماعية التي كان لابد من اتباعها حينذاك(2).

وقد كان الجدل الإيديولوجي بين أهم الكتل والجماعات البعثية عادة ما يتركز حول مسألة اعطاء الأولوية إما للسياسية الاشتراكية الموجهة داخلياً أو لسياسة عربية قومية موجهة خارجياً بصورة أكبر بهدف التعاون بين العرب والوحدة بينهم في صالح المواجهة مع إسرائيل.

وكانت المشكلة الرئيسية هي العثور على أنسب الطرق للربط بين هذه السياسات الاشتراكية والقومية العربية، بغية استخلاص النتائج التي يمكن أن تعتبر على المدى الطويل الأمثل من وجهة النظر البعثية.

وقد باتت الخلافات في الرأي بين جديد والأسد واضحة جلية في المؤتمرات القطرية والقومية لحزب البعث التي عقدت بدمشق في أيلول وتشرين الأول 1968م، حيث ظهر اتجاهان واضحان، أيد أحدهما إعطاء الأولوية القصوى لما سمي بالتحويل الاشتراكي للمجتمع السوري، وكان يسوده المدنيون كأعضاء بارزين، بمن فيهم صلاح جديد وعبد الكريم الجندي وإبراهيم ماخوس وزير الخارجية “العلوي” ويوسف زعين رئيس الوزارة.

وهذه الجماعة ذات الميول الاشتراكية رفضت علانية فكرة التعاون السياسي أو العسكري مع الأنظمة التي وسمتها بالرجعية أو اليمينية أو بكونها موالية للغرب كالأردن أو لبنان أو العراق، حتى وإن كان ذلك على حساب الكفاح ضد إسرائيل. ولم يكن لدى هذه الجماعة اعتراض على زيادة الاعتماد على الاتحاد السوفيتي  والدول الشيوعية الأخرى من الكتلة الشرقية، مادام هذا لصالح التحويل الاشتراكي(3).

أما الاتجاه الثاني فقد أبدى ميلاً قومياً عربياً قوياً وطالب بإعطاء الأولوية القصوى للكفاح المسلح ضد إسرائيل، أي تقوية الإمكانيات العسكرية العربية حتى ولو أحدث ذلك تأثبرات سلبية مؤقتة على التحويل الاشتراكي لسوريا. وقد تم تأييد سياسة التعاون والتنسيق العسكري والسياسي مع الدول العربية مثل الأردن والعراق ومصر والسعودية، دون الاهتمام بألوانها السياسية، مادام ذلك في صالح الكفاح العربي ضد إسرائيل. وقد عبر معظم المندوبين العسكريين عن هذا الاتجاه القومي في المؤتمرات، ومن أبرزهم وزير الدفاع حافظ الأسد ورئيس أركان الجيش السوري مصطفى طلاس.

لكن اقتراحات الأسد ببدء المفاوضات مع نظام البعث المنافس في العراق – الذي تقلد زمام السلطة في تموز 1968م، وكان يسوده البعثيون المرتبطون بالقيادة القومية التي أطيح بها في سورية في شباط 1966- لصالح التعاون العسكري ضد إسرائيل وبقصد التقليل من عزلة سوريا السياسية في العالم العربي، قد رفُضت بشدة من قبل غالبية أعضاء المؤتمر المدنيين ذوي الميول الاشتراكية، الذين رفضوا بشدة أي نوع من التقارب مع البعثيين الذين كانوا يحكمون العراق، مؤكدين أن هؤلاء هم المنشقون “اليمينيون” الذين طُردوا من الحزب نتيجة حركة 23 شباط 1966م(4).

وقد فاز جديد وأنصاره بأغلبية ساحقة حلال المؤتمر وتمكنوا من جعل أفكارهم السياسية مقبولة ومعتمدة كمقررات رسمية لسياسة الحزب.

ولم يقبل الأسد نتائج مؤتمرات الحزب، ورفض حضور اجتماعات أخرى للقيادة القطرية أو الإجتماعات المشتركة للقيادة القطرية السورية والقيادة القومية. وبالرغم من انتخابه في القيادة القطرية، إلا أنه في الواقع استقال من تلك المؤسسة(5). وقد قرر إحكام سيطرته على القوات المسلحة عن طريق فصل الجهاز العسكري للحزب عن قيادة الحزب المدنية، كما أصدر أوامر بمنع أعضاء القيادة القطرية أو مسؤولي الحزب المدنيين الآخرين من زيارة أقسام تنظيم الحزب العسكري أو القيام باتصالات مباشرة مع سياسيي الحزب المدنيين، إلا عن طريق القنوات الرسمية لقيادة تنظيم الحزب العسكرية.

وإضافة إلى ذلك، قامت المخابرات العسكرية بحظر العلاقات العادية بين أقسام الحزب المدنية والعسكرية عن طريق فتح مراسلات الحزب واعاقة التوزيع العادي لنشراته الصادرة عن القيادة القطرية السورية والموجهة لجهاز الحزب.

وعقب مؤتمرات الحزب المنعقدة في أيلول وتشرين الأول 1968م، تم نقل بعض أنصار جديد العسكريين “ومعظمهم علويون” إلى مناصب أقل حساسية في القوات المسلحة، دون سابق تشاور مع المكتب العسكري الذي يسيطر عليه أنصار جديد والذي كان في الظروف المعتادة هو صاحب اتخاذ القرارات بشأن التنقلات العسكرية.

ان الامتياز الممنوح لقيادة الجيش لاجراء تنقلاب بين مسؤولي الجيش الذين هم فوق رتبة معينة قد جرى وضعه رسمياً أثناء الاجتماعات المشتركة للقيادتين: القطرية السورية والقومية. فعلى سبيل المثال، تقرر أن يكون نقل قادة ألوية الجيش ضمن اختصاص الاجتماع المشترك. ورغم ذلك، استمر حافظ الأسد في خططه وأعفى كما ذُكر المقدم عزت جديد العلوي أحد أبرز أنصار صلاح جديد العسكريين من قيادة اللواء السبعين، الذي كان له أهميته السياسية والاستراتيجية.

وبينما نجح الأسد في فرض سيطرته على معظم القوات المسلحة السورية، فقد أحكم جديد قبضته على جهاز الحزب المدني بشغل أهم مراكز الحزب المدنية بمؤيديه. وهكذا تم خلق ما يسمى بـ “ازدواجية السلطة” مؤسستا السلطة السورية الرئيسيتان وهما القوات المسلحة وجهاز حزب البعث المدني قد تم السيطرة عليهما من قبل جماعات مختلفة من الحزب او الجيش بتعارض كل منهما بشدة مع الآخر ويتبع كل منهما سياسيات مختلفة.

تصاعد الخلاف في شباط 1969م

تصاعد الخلاف بين حافظ الأسد وزير الدفاع وصلاح جديد ومن خلفه القيادة القطرية، واستغل الأسد الهجمات الإسرائيلية على سورية لكي يقوم ببعض الإجراءات التي تكفل تشديد قبضته على المواقع الحكومية والحزبية، ما اعتبره البعض محاولة إنقلاب بيضاء.

في صباح يوم الخامس من آذار عام 1969 وصل بشكل مفاجئ إبراهيم ماخوس إلى القاهرة لطلب المساعدة من الرئيس جمال عبد الناصر في التوسط لحل الأزمة التي نشبت في سورية.

أرسل الرئيس جمال عبد الناصر السيد حسن صبري الخولي في اليوم التالي السادس من آذار عام 1969 إلى دمشق للتوسط ولمحاولة حل الخلاف.

وصل حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس عبد الناصر إلى دمشق عبر بيروت، واستمرت الزيارة تسع ساعات، أجرى خلالها اتصالات مع أطراف الصراع، وصفت بأنها لإنهاء الخلافات فيما بينهم.

وأعلن صبري لدى وصوله إلى مطار بيروت قبل أن يتوجه إلى دمشق أنه متوجه إلى سورية في مهمة خاصة من قبل الرئيس جمال عبد الناصر.

اجتمع حسن صبري  الخولي بالدكتور نور الدين الأتاسي رئيس الدولة وبالفريق حافظ الاسد وزير الدفاع، كما اجتمع في مأدبة غذاء أقامها الأتاسي ببعض أعضاء القيادة القومية والقطرية لحزب البعث، وياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وتزامن وصول الخولي إلى دمشق في وقت قام به عبد الكريم بن محمود وزير الشبيبة والرياضة الجزائري باتصالات مع أطراف الخلاف في العاصمة دمشق.

تقرير صحفي عن الوساطات:

صحيفة الأنوار نشرت تقريراً  تناولت فيه الوساطة الجزائرية والمصرية أيضاً،

عنوان الخبر:

الوساطات الجزائرية والمصرية في دمشق تؤدي إلى تخفيف حدة الصراع السوري.

نص الخبر:

نسبت وكالة “اليونايتدر برس” إلى مصدر موثوق قادم من دمشق “السادس من آذار” أن مهمة مبعوثي الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس بومدين إلى العاصمة السورية قد أسهمت في تهدئة حدة الصراع القائم بين حافظ الأسد من جهة، ونور الدين الأتاسي من جهة أخرى.

وقالت الوكالة أن الجنود المسلحين الذين وضعهم حافظ الأسد لحراسة المنشآت المدنية الحساسة في دمشق حين قام بحركته البيضاء في 24 شباط الماضي قد سحبوا يوم “السابع من آذار 1969″، وأعيدوا إلى ثكناتهم.

وقالت أن الموقف إلى الآن مازال غامضاً، وبانتظار حسمه في المؤتمر القطري الاستثنائي الذي سيعقد في الأسبوع القادم.

وفي غضون ذلك قالت أنباء أخرى أن أنصار القيادة المدنية في حزب البعث قد وزعوا مناشير مناهضة لحركة حافظ الاسد في جميع أنحاء سوريا.

وفي لندن قالت صحيفة “الايكونوميست” الأسبوعية أمس أن السياسة السورية قد تتغير من حيث التشدد في المواقف لا من حيث الجوهر إذا أسفر الصراع الحالي في سوريا عن ظهور الفريق حافظ الأسد كرجل سوريا القوي.

ومضت تقول: يبدو التقارب في التعاون مع حكومات عربية أخرى مؤكداً كما يبدو أن اتحاد موقف دبلوماسي أكثر ليونة من الغرب أمر محتمل، وقد بدأت تظهر معظم هذه الاتجاهات وربما عاد السبب في ذلك إلى نفوذ الفريق الأسد.

وأضافت الصحيفة تقول “إن البرجوازية السورية تجد في الفريق الأسد حليفاً لها ضد الماركسية في دمشق – والواقع هو أن حدوث تغييرات أساسية في السياسة الداخلية أمر غير محتمل”.

تضاؤل الخلاف:

ووصل إلى بيروت من دمشق ليلة أمس السيد عبد الكريم بن محمود وزير الشبيبة والرياضة الجزائري بعد أن توسط لتسوية الخلافات الناشبة بين الزعمار السوريين في طريقه لبلاده.

وقال مصدر دبلوماسي عربي للوكالة “الإقليمية” أن الخلاف بين الأسد والأتاسي قد تضاءل إثر وساطتي الجزائر والقاهرة، ونفى أن تكون الإقامة الجبرية قد فرضت على أي من المسؤولين السوريين.


انظر:

مذكرة حسن صبري الخولي إلى جمال عبد الناصر حول اجتماعه بـ حافظ الأسد في آذار 1969م

 المراجع والهوامش:

(1) نيقولاس فان دام : التنافس بين حافظ الأسد وصلاح جديد

(2) صحيفة الأنوار - بيروت، العدد 3001، الصادر يوم الجمعة 7 آذار 1969

(3) صحيفة الأنوار - بيروت، العدد 3002 الصادر يوم السبت الثامن من آذار عام 1969

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى