مقالات

د. عادل عبدالسلام (لاش): العرس الأديغي (الشركسي) التقليدي في سورية

  •   
  •   
  •   

د. عادل عبدالسلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر

العرس بوابة تكوين أية أسرة للحفاظ على أجناس الكائنات الحية، وله طقوسه وعاداته وتقاليده لدى شعوب الأرض. ومنها الشعب الأديغي (الشركسي)، الذي اقتلعته الإمبريالية الروسية القيصرية من وطنه التاريخي (أديغييا الكبرى/شركسيا الكبرى) بعد حرب إبادة جماعية لمليونيي شركسي انتهت عام 1864، وتهجيرها قرابة 1.750.000 شركسي أي ما يعادل 95% من الناجين من الاحتلال الروسي، إلى منافي متعددة في شبه جزيرة البلقان وآسيا الصغرى (تركيا اليوم)، وبلاد الشام. حيث يعيشون فيها كأقليات عرقية تشكل شرائح إثنية آخذة بالاندماج في المجتمعات المحلية دون الانصهار بها.

وذلك على الرغم من مرور أكثر من قرن ونصف القرن على استيطانها فيها، وحملها معها عاداتهم وتقاليدهم القومية وفولكلورهم الشعبي ولغتهم وثقافتهم. إذ ما زالوا يحافظون على قدر كبير من موروثهم هذا، مع تراجع ملموس فيه من حيث التمسك بالعادات والتقاليد وتقلص نسبة المتكلمين باللغة نتيجة التطورات والظروف التي عاشها الشركس ويعيشونها في المنافي. حيث يقدم العرس الشركسي في سورية مثالاً مدرسياً على التطور والتغير المتماهي مع البيئة والظرف المحلي، بل والمتأثر بالتطورات العالمية في زمن العولمة والأتمتة والعصرنة، وما يسمى بالانفتاح الفارغ. أقلها انتهاء دور الحصان امام دخول السيارة في أحداث العرس الشركسي.

وقبل التوغل في الموضوع لابد من التأكيد على اختلاف أحداث الأعراس وطقوسها وتفاصيلها في كل من المدينة والريف. وبالتالي فإن العرس الشركسي في سورية يرتكز في جذوره على معطيات الحياة الريفية، ولما كانت التجمعات الشركسية في سورية هي قرى (أو مدناً صغيرة مختلطة السكان كالقنيطرة ومنبج سابقاً) فإن الأعراس فيها تكاد تكون صورة مشابهة لطقس العرس الأصيل الذي حمله المهجرون معهم. ومنها قريتي مرج السلطان في منطقة المرج شرق دمشق .

بعد انقضاء مابين 3-5 أيام أو أكثرعلى استضافة الفتاة العروس واستقبالها أفواج المهنئات في غرفتها ونثر النقود المعدنية والسكاكر على رأسها (нысэтепхъ نسه تيبخ)، وملازمتها مخدعها (الـ: نسه لَغون нысэлэгъун) مع الوصيفة التي لا تفارقها ليلا ونهاراً، حتى في ذهابها إلى المرحاض، ومنع زوج مستقبلها من زيارتها قبل عقد القران. بل وبعد عقد الزواج من قبل إمام القرية واستلام المهرالموحد المتفق عليه بين شراكسة سورية منذ 1950 وإلى يومنا هذا وقدره 500 ل. س.، إذ تتم الزيارة خفية ودوماً بحضور الوصيفة وأخريات….. بعد ذلك تعلن أسرة العريس، ودون الرجوع في أغلب الأحيان إلى أهل العروس، ولا حتى للعريس والعروس، عن موعد العرس في قريتي، مرج السلطان. يتبع ذلك نشر الخبر في القرية كلها وإيفاد ممثلين للعريس لإعلام كبار السن والوجهاء من الجنسين بذلك ودعوتهم لحضور العرس. إلا في حالة وجود وفاة حديثة في القرية، عندها يؤجل الموعد ويُعلم أهل الميت بذلك. ويندر أن يوافق هؤلاء على التأجيل ويصرون على إقامة الحفل، مع الشكر، والاعتذار عن حضور العرس (ترسل لهم مائدة خاصة من وليمة العرس).

ويكون موعد العرس عادة نهار الجمعة ، وقد يكون نهاري الخميس والجمعة أحياناً. أما المكان فيكون في دار أهل العريس. فإن كانت الدار صغيرة والحضور كبيراً فإن حفل الرقص يقام في فسحة خارجية أو في ساحة القرية. كما يتم نصب علم (العلم السوري أو العلم الشركسي، أو قطعة قماش بيضاء) على سارية فوق دار العريس في مكان عال ومكشوف. تُربط في زاويته الخارجية السفلى بيضة مسلوقة في جيب (جراب) محاك ومنسوج حولها بخيوط ملونة فاقعة تسهل رؤيتها من بعد، تُربط بالعلم بخيط متين (خيط مصيص) مسوَد طوله نحو 15 سم.

ومع انبلاج الفجر تبدأ منافسة الرماية المفتوحة لإصابة الخيط وقطعه برصاصة بندقية حربية، وليس بخرطوشة خردق أو بندقية صيد (جفت أو فلوبر). وبشرط عدم ثقب قماشة العلم، وعدم إصابة السارية. أما إصابة البيضة المسلوقة نفسها فمستهجن جداَ، ويتعرض فاعلها للسخرية والمساءلة. وأذكر أن البنادق المستعملة في أعراس مرج السلطان كانت متنوعة أغلبها الفرنسية القصيرة (الموسكيتو) ذات الطلقات الثلاث، (سلاح الفرسان الخفيف)، كتلك التي كنت استخدمها وأفشل في إصابة الهدف بها، والبندقية الألمانية الطويلة المشهورة بـ (أم كركر؟؟)، والبندقية الحربية الإنكليزية والوينشستر الأمريكية. وفي حالة إصابة الخيط مبكراً وسقوط البيضة كان على أهل العريس ربط بيضة جديدة مجهزة احتياطاً من قبل العروس و فتيات مخدعها (نسه لغون) مسبقاً. ولقد كان اشتراك النساء والفتيات في الرماية أمراً مألوفاً في قريتي، ولكن ليس علناً. والأمر ليس غريباً، إذ شاركت ثلاث عشرة شركسية مدربات على الرماية (أربع نسوة، وتسع فتيات) في معركة الموت والفداء للدفاع عن قرية مرج السلطان في أيار من سنة 1926.

ويذكر أدهم آل الجندي في سفره الكبير الموسوم بـ: ” تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي ” المطبوع في دمشق عام 1960، ذلك بقوله “حتى أن الفتيات الشركسيات كن على استعداد للطوارئ”. ومحمد سعيد العاص أحد زعماء الثورة السورية بقوله في كتابه “صفحة من الأيام الحمراء”، الصفحة 129. “فكانت النساء تحارب في صفوف الرجال”.

وفي هذه الأثناء وطلقات البنادق تتقاطع باتجاه خيط العلم، تتحول دار العريس إلى خلية استعدادات لاستقبال المدعوين من القرية والضيوف من القرى الشركسية السورية الأخرى، أبرزها وصول فريق الطهاة لتحضيرطعام الأضاحي. من الخراف أو العجول ومكملات الولائم، وهم عادة من أبناء القرية. كما تكون الفتيات منهمكات بتحضير العروس لمقابلة حماتها للمرة الأولى. وقد يقتحم في هذه أثناء ذلك بعض الفرسان الدار ويرقِصون خيولهم في باحتها تباهيا وتفاخراً أمام الفتيات والحضور، ولا يغادرون إلا بعد تقديم إحداهن لعقيدهم أولغيره منديلاً أو قطعة مطرزة من إنتاج أنامل العروس أو إحدى الفتيات. كما قد يقوم بعض الشباب بأسر أحد أفراد أسرة العريس وطلب فدية مادية لفك أسره.. وكثيرا ماينعقد شمل حفل راقص (دجَكَو Джэгу) صغير محدود بمن حضر، يشارك فيه بعض الطهاة يلوحون مرحين بمغارف وأدوات الطهي المختلفة…دون التقيد بنظام أو قاعدة صارمة. وغالباً ما يصل خبر الحدث لغجر(نَوَر) المنطقة فتأتي فرقة مطاربتهم برفقة قرد مع مدربه المعروف بـ (أبو نعسة) لكسب بعض الدريهمات، كما هو ديدنهم في الأعياد أيضاً.

ومع اكتمال مهمة الطهاة، تقدم الفطائر الشركسية والأطعمة من اللحوم المطبوخة مع الأرز… للجميع، بدءأً من كبار القوم من الضيوف ورجالات القرية (التحماتات ج. تحماته، ويطلق على الرجل الجليل الكبيروالحكيم والزعيم الشركسي) وانتهاءاً بالشباب والفتيان، ثم بالنسوة والفتيات بحسب التراتبية العمرية نفسها. ويركز أهل العريس على إيصال موائد عامرة للأرامل والمرضى أولاً ولكل من لم يتمكن من الحضور. كما يدعى للموائد كل عابر سبيل مار في القرية من غير الشركس.

وبانتهاء واجبات الضيافة المذكورة، يبدأ أهم طقس في الأعراس الشركسية وهو تقديم العروس لحماتها. وتتم مراسم تقديم العروس(أو زفتها) لحماتها هذه في فترة العصر، بالخـروج مع مخدعـــــــــها للمرة الأولى فيما يعرف بـطقس: ( нысэкъищإخراج العروس) مصحوبة بموسيقى وأغان خاصة بالمناسبة، للسير إلى غرفة حماتها وكبيرات نسوة الأسرة وغيرهن من المدعوات، لتقديم طقوس الطاعة والاحترام لهن بتقبيل يد الحماة وغيرها (أو بدءأ بأكبر الحاضرات سناً) . كما يأخد الرجال بالتوافد إلى مضافة الأب وغرف أخرى. ولا تختلف أحداث تقديم العروس في حالة جلبها من منزل أسرة من استضافتها بعملية الزواج بأسلوب الكواسة КIуасэ (المترجم الى العربية بالخطيفة خطأً)، أو من غرفتها في بيت العريس. ففي الحالتين، ومع الإعلان عن بدء مراسم مسيرة العروس يقوم عدد من الشبان والفتيات بالوقوف أمام باب غرفتها لمنع موكبها من الخروج، إلا بدفع (رسم الخروج) لهم، ويكون عبارة عن مبلغ من المال ينفقه (الجباة) في حفل سمر أوسهرة تقدم فيها الفاكهة أو الحلويات فيما بعد. وبخروج العروس من غرفتها الـ: (نسه لغونه) تسيرمحاطة بالفتيات والنسوة ووصيفتها (нысэдис)، ومرافقتها (нысэбгъус)، وعلى جنبيها أحدث سيدة متزوجة من قريبات العريس عن يمينها، وأحدث سيدة متزوجة من قريبات العروس عن يسارها، تحميانها من ضربات الشباب الرمزية الناعمة بالأغصان والقصبات على رأسها المغطاة بالشاش والطرحة. وقد يطلق أحدهم النار عالياً إن مرت المسيرة تحت سقف ما ليهيل عليها التراب، ويمتلئ الجو برائحة البارود والغبار.

كما يقوم المحبون والضيوف من الجنسين بنثر النقود المعدنية (حين كان لها قيمة) والسكاكرعلى رأس العروس أثناء سيرها، فيتزاحم الأطفال والصبية على التقاطها، (وكنا نتقسماها فيما بعد). وبوصول العروس ومرافقتها إلى باب غرفة الحماة تتكرر عملية استيفاء (رسم الدخول) من الجباة ليُسمح لها بالدخول، وسيرها بتقديم قدمها اليمنى على مفرشة من الحرير (ЛъэгукIэтын) مقدمة هدية من الحماة لها و لمرافقتها..عندها تُستقبل من قبل قريبات العريس ويرافقنها إلى الحماة الجالسة في صدر الغرفة على حشية (طراحة) على الأرض (أو على كرسي إن كانت الغرفة مجهزة بالكراسي).

وبعد رفع المرافقات للطرحة عن وجه العروس تتقدم فتقبل يد حماتها ويد النسوة المسنات من قريبات العريس و جيرانه. ثم تلتزم العروس المكان الأدنى من الغرفة لتقف فيه بكل أدب واحترام في وقت تقوم فيه النسوة ببعض الرقصات الشركسية. تعاد العروس بعدها إلى مخدعها.

وتختلف العملية بين بعض القبائل الشركسية في سورية وخارجها ببعض التفاصيل لكنها واحدة في خطوطها العامة. كأن تعطى العروس خبزاً ويرش عليها الملح للبركة ودوام النعمة، أوتدهن الحماة لدى غيرهم فم العروس بالعسل. لتكون لينة الحديث وحلوه. وكأن تقوم الحماة برقصة الحماة التي تمسك فيها بمقعد واطئ تنقز به على ركبتيها حول الغرفة منشدة أغنية مناسبة للمقام ترددها معها النسوة الحاضرات (وهذه لم أشاهدها بل سمعت بها). كما تقوم الجدة عند بعض القبائل بتمثيلية هجر البيت، بافتراض أن مكانتها واحترامها سيتراجع بتحول أم حفيدها إلى حماة.. فيتراكض الجميع لإرضائها بإعادتها والتأكيد لها أنها سيدة الأسرة وآمرتها وبركتها.

وما أن يدخل الركب العائد غرفة العروس، حتى يشاهد الجمع فتاة تحتل المقعد الخاص بالعروس (اللوج)، ولاتغادره إلا بفدية مالية أو ثوب جديد أو أية حاجة تكون معدة لهذه المناسبة. وهذه العادة موروثة من الاعتقاد، أن من يحتل مقعد العروس من الفتيات تكون مرشحة لزواج سريع. وقد تقوم بهذه العملية إحداهن حتى في أوقات أخرى، بانتهازها فرصة ترك العروس لمقعدها لفترة قصيرة جداً… وهي عادة موروثة قريبة الشبه برمي العروس الأمريكية وغيرها باقة الورود لورائها وتراكض الفتيات لتلقفها للاعتقاد نفسه.

وتكون الأحداث المذكورة هي نفسها تقريباً مع بعض التفاصيل الخاصة، في حالة جلب العروس من بيت أهلها بما يعرف بـ (زفة العروس (шъузыщэ، أو جلبها من قرية شركسية أخرى وتعرف بـ (الإتيان بالعروس шъузыщэжь)، ويلاحظ في التسميتين استبدال كلمة (عروس нысэ) بكلمة (щъуз)التي تعني : زوجة أو إمرأة. مع فارق أن أغلب أفراد الموكب في رحلة جلب العروس هم من النسوة والفتيات مع بعض الرجال من أقارب العريس والقرية. ففي مرج السلطان تطورت هذه العملية في العقدين الأخيرين إلى جلب العروس بسيارة كلاسيكية موديل سيتروين 1939حولها مالكها المرحوم صلاح الدين أصلانكري وزينها لتصبح سيارة مراسم زواج وأفراح، تجوب حارات القرية بصحبة رتل من السيارات بعد (وأحياناً قبل) مسيرة العروس إلى غرفة حماتها.

أما خارج الدار فيتجمع الفرسان الذين يقتحم أحدهم الدارويعربد أمام غرفة العروس، ويطالب مرافقاتها بما يعرف بـ (قبعة البندق Дэжъыеч паIор)، وهي هيكل طاقية مصنوعة محلياً من رقائق خشبية مقوسة، مزينة بحبات البندق، ذات مقبض يمسكه الفارس بيده أثناء منافسة سباق الفرسان، تنتقل منه إلى من يسبقه، إلى أن تستقر بيد الفائز الأخير. الذي يحق له الاحتفاظ بجائزته، لكن الغالب أنه كان يقدم القبعة لأحد التحماتات ، وبالأخص إن كان ضيفاً على العرس والقرية، وهذا حال من تمكن من الرماة من قطع الخيط حسب الأصول، إذ يكرم بتقديم جائزة (قبعة البندق) له أيضاً. ويستعاض في بعض القرى الشركسية عن قبعة البندق بالتنافس حول جلد أضحية العرس المغسول، يرمى بين الفرسان المتصارعين على امتلاكه في منافسة السباق.

ويبلغ العرس أوج احتدام أحداثه بالتئام حفل رقص العرس الشركسي (دجكَو العرس нысэщэ джэгу) بُعيد صلاة العشاء عادة. وقد يستمر حتى الفجر، ويحضره كل من دعيت إليه من الفتيات اللاتي يقتصر الرقص الشركسي عليهن دون المتزوجات، مع مشاركة الشباب والرجال حتى المتزوجين منهم. وكثيراً ما يتحول عدد الراقصين من ثنائي واحد (شاب وفتاة) إلى عدة ثنائيات إن كان الحضور كبيراً، وذلك لتوفير فرصة المشاركة بالرقص للجميع إن أمكن، وهذه الحالة هي من أصعب مهام عريف وعريفة الحفل. وأشير هنا إلى التشدد في أصول دعوة الفتيات من غير الأقارب والجيران، بحيث يأتين إلى الحفل برفقة فتاة وشاب أو أكثر من أهل العريس، كما تعاد إلى منزلها مع المرافقة نفسها، وعلى ضوء المصباح الساطع (اللوكس)، كما وأضيفُ إلى ذلك أن النسوة و الصبية وكل من لا يشمله المشاركة بالرقص من السكان ينتشرون على أسطح المنازل المطلة وجدرانها….للفرجة والتمتع، و التعليق من النسوة على كل صغيرة وكبيرة ..حتى أن العريس المحظورعليه مغادرته مقره قد يتلصص متنكراً لمشاهدة الحفل، وذلك بمساعدة مضيفه والخُلص من اصدقائه. ويا ويله وويل مضيفه إن أُلقي القبض عليه متلبساً . كما لايجوز حضور والد العرسي وأمه وأخوته الكبار.

والحديث عن الرقص الشركسي طويل، وعنوان كبير قائم بذاته، تطرق إليه كثيرمن الملمين به، ولي حوله أكثر من مقالة متواضعة. ولا يخرج حفل العرس في مرج السلطان والتجمعات الشركسية في العالم في مجرياته وتنظيمه عن أساسيات القواعد والأصول المتعارف عليها…..فما ندعوه اليوم رقصاً هو خلاصة مجسِدة لثقافة أمة ذات حضارة قديمة عمرها آلاف السنين، خبرت تكاليف الحياة ومنجزات عهود : ما قبل الوثنية، فالوثنية وتعدد الأرباب، ثم تعاليم الأديان التوحيدية. علماً أن الاعتقاد بإله واحد قادر على كل شيء، ظهرت بوادره مبكرة عند الشركس باعتقادهم بـ (الرب الكبير) (تحه شهوَر (Тхьэшхор، قبل وصول المسيحية والإسلام إليهم بأكثر من ألفي سنة.

لقد ترافق التدرج الاجتماعي والاقتصادي والتطور الحضاري في تاريخ الشركس، مع الترقي الروحي للطقوس والشعائر الروحية والدينية التي شذبتها المؤثرات الحياتية، و(قولبتها) الضرورات الاجتماعية والحيوية بممارسات شعبية مجبولة بمجمل حياة الأمة لتتحول وبالتدريج إلى وسيلة تعبر عن مخزون أمة عاشت مداً وجزراً في وجودها وحريتها، وخاضت غمار حروب وصراعات لا تحصى عبر تاريخها الطويل.

ومازال الرقص اليوم يجسد خلاصة الحياة الاجتماعية والأخلاقية والتربوية والديناميكية واللياقة البدنية، والمشاعر الروحية والأحاسيس الإنسانية والعواطف، وكل ماغرسته أساسيات (الأديغاغة Адыгагър ) في الإنسان الشركسي، والتي أختصر مفهومها (بتمثيلها لكل راق و رفيع المستوى من السلوك وسمو الأخلاق والتعامل مع الآخر بصدق واحترام، وبالشجاعة و القوة والاعتزاز والحشمة والحياء و الأدب والخفر وكل ما يوصل إلى المجتمع الفاضل….)…. مع الإشارة ،وبأسف بالغ، إلى تسرب ممارسات شاذة وغريبة عن الرقص الأصيل، ومنها اختفاء منديل أو قمطة الشعر عن رؤوس الفتيات الحاسرات، لابسات سراويل الذكور، وكذلك مخالفة (عمداً أو جهلاً) بعض الفتيات لقاعدة (عدم رفع ذراعيها لأعلى من مستوى الكتف أثناء الرقص) لتفادي إظهار إبطها، وغير ذلك من تصرفات تشاهد خاصة في أعراس ميسوري شراكسة المدن، ومن لف لفهم من الغوغاء الخواء، من المنادين بالانفتاح وبالتطور والتحرر الفارغ الأجوف. الذين يحولون حلبة الرقص إلى سيرك بهلواني شبيه بحركات(أبي نعسة وقرده…؟؟) وغير ذلك من ممارسات مدمرة للثقافات الأصيلة لاالشركسية وحدها بل والعالمية. باستثناء الفرق الفنية الشركسية الواعية.

كل هذا يحدث والعريس حبيس عند مضيفه ومرافقه وحارسه ((шъэодакIу-шъэокъот. إذ ما يكاد يدخل الغرفة المخصصة لإقامته عند أسرة الصديق الذي لجأ إليه في كل من حالتي الزواج بالطلب أو بالكواسة، حتى يحكم عليه بالإقامة الجبرية (واقفاً في ركن الغرفة عند البعض أو جالساً عند آخرين) في دار صديقه (حتى بغياب الحظر الكوروني)، فلا يغادر غرفة العريس (шъэо лэгъун) إلا للضرورة القصوى وبحراسة مشددة خوف سرقته من قبل الشباب الباحثين عن فدية الإفراج عنه… والتي تكون، بعد محاكمة صورية، حفلة رقص مع مائدة عامرة وخلافها. كما يحظر عليه رؤية عروسه قبل عقد القران كما تقدم ذكره، إذ تتم بعده زيارتها وبرفقة حارسه وحضور وصيفة العروس وبعيداً عن الأنظار. أما إن كان العريس موظفاً أو مرتبطاً بعمل ولم يحصل على إجازة، فيراعي الجميع وضع ذهابه إلى الدوام وبمعرفة التحماتات، ليعود فورا بعد ذلك إلى مقره. ومع هذا لايمر يوم في عزلته إلا ويتلقى الزيارات للتهنئة مرفقة بهدايا من الحلويات وفواكه الموسم وكروزات دخان (البافرا) وغيره. كما تقام في دار مضيفه كل أمسية تقريباً حفلة سمر للشباب والفتيات يتوجها الرقص الشركسي، ولكن دون تقديم طعام…إلا للضيوف من بلد آخر.

والأمر عند العروس مشابه لذلك، مع اقتصار الزوار على الفتيات إلا في حالة حفلة الرقص الشركسي التي يشارك فيها الشباب أيضاً. ومنعا للإزدواجية ينظم القيمون على الطرفين المواعيد.
أما زفة العريس(шъэощэжь) إلى عروسه وإعادته إلى إهله فتتأخر إلى ما بعد انتهاء مراسم العرس، وتمتد إلى أكثر من ثلاثة أيام أحياناً. وتتم بمسيرة ذكورية قد ترافقهم فيها فتيات مقربات من العريس، تمرفي الحارات مع موسيقى مناسبة وأغان، أوفي رتل من السيارات (مؤخراً). وتتم هذه العملية بمراسم وخطوات مرسومة تتضمن سلوكيات محددة من لحظة وصول ممثلي أهل العريس إلى دارمضيفيه، وتمثيلية مفاوضات التعرف عليه واستلامه سليماً معافى… إلى مراسم تسليمه لأهله…. مما يستحق مقالاً خاصأ لن اُتخم هذه المقالة بتفاصيلها. لعلي أخصها بمنشورآخر. لكنني أود الإشارة إلى أن مشاهدة العرس الشركسي (المعاصر؟؟) أصبحت اليوم ميسرة لكل من يتعامل مع وسائل التواصل والهواتف الذكية، ويجيد فتح الصفحات والمواقع الشركسية الكثيرة. حيث يلاحظ فيها ازدياد ارتداء الراقصين والراقصات الأزياء الشركسية الجميلةوالمحتشمة، التي كنا نادراً ما نراها في سورية لغلاء أسعارها، وتدني الأحوال المادية للشركس. ولعل الفرق الفنية للجمعيات الشركسية هي الرائدة في هذا المجال.

ويرتبط بالعادات والتقاليد الشركسية الخاصة بالأعراس، سلوك قلما تطرق إليه من كتب عن الموضوع…إلا وهو قيام العريس بـ (استضافة) عروسه، (بعدم الدخول بها إلا بعد ثلاثة ليال) من اختلائهما معاً، حتى تأتلف معه وبه ويقل روعها مما ينتظرها. والعريس الذي يتصرف هكذا يلقى التقديرمن الجميع…إذ تنشر الوصيفة خبرهما…. لأنها مميتة أسرارهما.. وتتلقى منهما في نهاية خدماتها كلها هدية ثمينة تعثر عليها مخبأة بانتظارها تحت وسادة العريسين أثناء قيامها بترتيب الغرفة والفراش، وتعرف بـ (تريكة الفراش пIэрынэ). والأهم من ذلك أنها تصبح كفرد من أسرتي العريس والعروس. وقد تكون الوصيفة أكثر من فتاة. وبمناسبة الهدايا أشير إلى تبادلها بين الجميع بكثرة بحيث يصح معا القول الشركسي: أن أحدا (لم يشارك ويده خالية من شئ ما). كما أشير إلى أن عمليات الأسر وطلب الفدية أو رسوم العبور التي مر ذكرها ليست سوى وسيلة لزيادة الأفراح والبهجة بإقامة حفلات الرقص والولائم وغيرها….على هامش مجريات العرس…أو بعده.

ولعل أهم وأبرز نتائج استضافة العريس لدى أسرة ما ، والعروس لدى أسرة أخرى لمدة قد تصل لأسبوع أو أكثر، أن يصبح العريس بمثابة ابن، والعروس بمثابة ابنة للأسرتين اللتين تنشأ بينهما رابطة متينة ترقى إلى مستوى القرابة، ما يخلق علاقات اجتماعية تمتد لأجيال. تنعكس على تضامن المجتمع وتعاونه، إضافة إلى استهجان بل وبتحريم التزاوج بين أبناء وبنات الأسرتين، بل من أسر بعيدة، بهدف تحسين النسل.

 عادل عبد السلام لاش
دمشق 29-5-2020

د. عادل عبدالسلام (لاش): العرس الأديغي (الشركسي) التقليدي في سورية
منافسة في الرماية ببندقية الموسكيتو.(جميل يوسف تسه ي) مرج السلطان
د. عادل عبدالسلام (لاش): العرس الأديغي (الشركسي) التقليدي في سورية
سيارة أفراح مرج السلطان للمرحوم صلاح الدين أصلانكري (سيتروين موديل 1939)
د. عادل عبدالسلام (لاش): العرس الأديغي (الشركسي) التقليدي في سورية
فريق الطهاة مع أضحية العرس، كاتب المقال في وضعية شبه الوقوف في وسط الصورة
د. عادل عبدالسلام (لاش): العرس الأديغي (الشركسي) التقليدي في سورية
حفل رقص عرس ليلي، الحضور الكبير يستدعي تعدد ثنائيات الراقصين في الحلبة

اقرأ:

د. عادل عبد السلام (لاش) : تهجير الشركس إلى سورية وتوطينهم في شريط الليمس الشركسي

د. عادل عبد السلام: من جعبة الذاكرة.. المظاهرات الطلابية السورية

د. عادل عبد السلام: ظاهرة لغوية اجتماعية أديغية (شركسية)

د. عادل عبدالسلام (لاش) : بدايات كرة القدم في مرج السلطان

د. عادل عبد السلام : آداب الطعام و قواعد المائدة الشركسية

د. عادل عبد السلام : الحاتيون أسلاف الشركس 

د. عادل عبد السلام : حول الأمير الأديغي ينال الكبير، والسلطان الأديغي (الجركسي) الأشرف ينال العلائي

د. عادل عبد السلام (لاش) : على هامش أحداث الجزائر

د. عادل عبد السلام : أول مسجد في مرج السلطان

د. عادل عبدالسلام (لاش) : بين الجامعة والكلية الحربية وقاسم الخليل

د. عادل عبدالسلام (لاش) :مرج السلطان وعيد الأضحى

د. عادل عبدالسلام (لاش): في ذكرى إبادة الشركس

د. عادل عبدالسلام (لاش): نزوح الشراكسة من الجولان في صيف 1967

د. عادل عبدالسلام (لاش): رحلة مجانية أحن إلى مثلها

د. عادل عبد السلام (لاش) : يوم الحداد الشركسي

د. عادل عبد السلام (لاش) : رحلة شتوية إلى جبال صلنفة

د. عادل عبد السلام (لاش) – مسيرة تربوية تعليمية.. زرعنا فحصدنا

عادل عبد السلام (لاش): حكمت شريف حلمي شاشأه في ذكرى رحيله

د. عادل عبد السلام (لاش): غياض الحَور في مرج السلطان

د. عادل عبد السلام (لاش): اللواء محمد سعيد برتار رجل المهمات الصعبة والملمات الإنسانية

د. عادل عبد السلام (لاش): الضائقة المالية وقرار طردي من معهد غوتة

د. عادل عبد السلام (لاش) – حسن يلبرد

د. عادل عبدالسلام (لاش) : شكري القوتلي في مرج السلطان

د. عادل عبد السلام  لاش- مراحل رسم الحدود السياسية لسورية منذ زوال الإمبراطورية العثمانية

د. عادل عبد السلام (لاش) : من رجالات الشركس .. الفريق الركن أنور باشا أبزاخ

د. عادل عبد السلام (لاش) : صورة….. واعتقال

الوسوم
 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


نيقولاس فان دام:  الأقليات الدينية المتماسكة .. العلويون
 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

عادل عبد السلام

الدكتور عادل عبدالسلام لاش من أبناء قرية مرج السلطان، من مواليد عسال الورد عام 1933. يحمل دكتوراه في العلوم الجغرافية الطبيعية من جامعة برلين الحرة. وهو أستاذ في جامعة دمشق منذ عام 1965. له 32 كتاباً منشوراً و10 أمليات جامعية مطبوعة، بالإضافة إلى أكثر من 150 مقالة وبحث علمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق