مختارات من الكتب

ميشيل عفلق:الأرض والسماء  

من كتاب في سبيل البعث، الجزء الأول، الباب الأول (6)

  •   
  •   
  •   

لا مفر من هذا التعبير «الأرض والسماء» حتى بعد أن أفرغ من محتواه الديني. وليس أقرب إلى الحقيقة من هذا التضاد بين عالمين، ما هو وقتي عارض فان، وما هو جوهري دائم. للعالم، للفنان، أرضه وسماؤه. الأرض هي مطالب الجسم ولذات الحياة اليومية ومشاغلها. والسماء هي مطالب العقل والروح، ولذات الحياة العليا وواجباتها. هذه السماء لا تبلغ الا بتضحية الارض، وخسارة الارض على الارض معناها عذاب الجحيم. وفي هذا الجحيم ومن خلال لهيبه ترمق العين وتستشف أفياء الخلود.

لو كان الإفراط في اللذة وطلب الرفاهية وحب متع الحياة هو الذي يبعد السماء عن الإنسان لهان الأمر، لأن المفرطين قليلون، وشروط الإفراط غير سهلة ولكن البلية ان أكبر خطر يعرض سماء الإنسان الى الضياع، وأكبر حائل يقف بينه وبينها هو مطالب حياته المعتدلة وسعادته المشروعة، وكل ما تنزع اليه الطبيعة السليمة ويأمر به العقل وتوافق عليه الأخلاق، النصيب المشروع من الراحة والرفاهية والحرية والحب والصداقة. ذلك لأن السماء غير طبيعية ولا معقولة، ولان لها أخلاقها الخاصة.

للحياة قوانين، بينها وبين القوانين الطبيعية هذا الفرق الجوهري، قوانين الطبيعة تستكشف مرة واحدة، وقوانين الحياة يجب على كل فرد أن يستكشفها في حياته من جديد.

من هذه القوانين: أنه لا ربح بلا خسارة، ولا ربح الا على قدر الخسارة، الى حد ان الذي يقبل بأن يخسر كل شيء يستطيع وحده ان يأمل بالربح الأكبر.

أبعد الناس عن فهم الحياة، هم الذين يعتقدون بإمكان التوفيق بين النقيضين باستطاعة المرء أن يربح من غير خسارة، ان يصعد الى السماء وقدماه لاصقتان بالارض. إذا صح ذلك فلأن هذه السماء التي يقصدونها حقيرة الى حد ان المرء يتناولها وهو قاعد، كاذبة زائفة يربحها بخدع القمار.

وهناك وهمان يجب ان يبددا، الأول ان نحسب السماء تبلغ بلا مشقة، والثاني حسبان المشقة وحدها موصلة الى السماء، أو أنها هي السماء. الوهم الأول أشاعه غرور بعض الفنانين او ذهولهم، فقد كتموا كل العذاب الذي قاسوه حتى امتلكوا قياد فنهم، او ان عذوبة الفن لطفت من مرارة العمل الفني، وجمال القمة انساهم وعورة الطريق الذي سلكوه لبلوغها. صحيح انه لا يبلغ السماء الا من وهب جناحان وقدرت له مواهب أساسية، ولكن ما لا يقل عن ذلك صحة ان هذه المواهب لا تظهر الا اذا أصغى المرء الى ندائها، وصم أذنيه عن جلبة العالم الخارجي ومغرياته وسهولاته، ووزن المسؤولية التي تفرضها وقبل بها، وجرد لها من قوة الإرادة ما تقتضي. الجناحان يطيران بك اذا رميت كثيرا من أحمالك حتى يستطيعا حملك، واذا رضيت بكثير من الضغط او المقاومة اللازمة لحملهما، المصير العظيم لا يعني انك ستكون عظيما الا اذا تحملت عبء العظمة.

والوهم الثاني هو ان نحسب مجرد تحمل المشقة الكبيرة دليلا على المصير الكبير، وفي هذا ما يضل عن الغاية ويغري باتخاذ الوسيلة بدلا منها. فبعد ان كانت وعورة الطريق واسطة لبلوغ القمة تصبح هي الشغل الشاغل، ويستحيل العمل رياضة وبهلوانية، كل النفوس التي تزهد للزهد، وتخاطر حبا بالخطر وتنزوي ارتياحا الى الإنزواء، هي نفوس بهلوانية لا مثالية. كذلك الذين يحاكمون هذه المحاكمة: اذا كانت السماء وعرة الطريق، فكل طريق وعرة توصل اليها. تلك هي العقول القاصرة.

ان المشقة محتومة ولكنها ليست مرغوبة، ومن الواجب التغلب عليها حتى تخف وتختفي. عندئذ يصبح الذي يضحي بالأرض دون أن يشعر بألم التضحية عائشاً في السماء، او ان الارض لديه تستحيل سماء.

عام 1944

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي