مقالات

وقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي ..هل كان الدستور السوري سبباً وراء قتله!؟ (1/ 6)

شمس الدين العجلاني

  •   
  •   
  •   

الزمان: عام 1929
المكان: قرية الريحان
الضحية: فوزي الغزي
المتهمون: لطفية اليافي، منير الغزي، رضا الغزي، وجيه الغزي
وراء الكواليس: الجنرال هنري بونسو

لمحة تاريخية:
استقالت حكومة الداما أحمد نامي يوم 8 شباط عام 1928م، فكلف المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري بونسو، الشيخ تاج الدين الحسني بتشكيل وزارة جديدة، وإجراء انتخابات نيابية للجمعية التأسيسية، وأصدر المفوض السامي بونسو (حسبما يذكر نجيب الأرمنازي في محاضرة له عام 1953م) يوم 15 شباط من عام 1928 بياناً ذكر فيه أنه أزفت الساعة التي تحل فيها سورية قضية دستورها، وتجري فيها، بمقتضى القوانين المعمول بها، انتخابات تكفل حرية الاقتراع لجميع الأحزاب… وتسنّ الجمعية التي تنشأ عن هذه الانتخابات القانون الأساسي النهائي ببلاد السورية بتمام الحرية.

جرت الانتخابات النيابية للجمعية التأسيسية في يومي 10 و24 نيسان 1928 في جوّ يسوده الضغط، ولكن الوطنيين فازت قوائمهم في جميع المدن، وأقلق ذلك الفرنسيين قلقاً شديداً، عقدت هذه الجمعية أولى جلساتها في الساعة العاشرة والربع من صباح يوم 9/6/1928 في القاعة الغربية من دار الحكومة (السراي) فترأسها أكبر الأعضاء سناً وهو الحاج محمد أفندي أضه لي, وعضوية أصغر عضوين سناً وهما نقولا خانجي وسعيد الغزي, وقد جرى في هذه الجلسة انتخاب مكتب المجلس، ففاز برئاسة المجلس هاشم الأتاسي, وفاز بنيابة الرئيس كل من فوزي الغزي، وفتح الله آسيون، كما فاز بأمانة السر كل من فائز الخوري وأحمد الرفاعي، وفاز سعد الله الجابري, ونقولا خانجي، وفخري البارودي كمراقبين.

كان أول عمل قامت به الجمعية هو تشكيل لجنة لإعداد الدستور فتشكلت برئاسة إبراهيم هنانو ومؤلفة من 27 عضواً ومقررها فوزي الغزي ودخل في قوامها، سعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي ولطفي الحفار وإحسان الشريف ومظهر أرسلان وفارس الخوري ونوري الأصفري وإسماعيل الحريري ومجهم بن مهيد وغيرهم.. ألقت اللجنة مهمة إعداد الدستور على عاتق فوزي الغزي، الذي عمل على الاسترشاد بآخر الإنجازات في مجال التشريع والدساتير للعديد من البلدان وخاصة الدستور الفرنسي الصادر عام 1875م سعياً منه لأخذ كل ما هو مفيد للدستور السوري مع مراعاة تقاليد الشعب السوري.. وجرى الحرص في الدستور السوري بالدرجة الأولى على ضمان حرية واستقلال ووحدة أراضي الدولة السورية، وانعكس في الدستور مبدأ الفصل بين السلطات.. وكان الغزي قد قال في الجلسة التي أقرت تشكيل لجنة الدستور: (إن قضيتنا السورية هي الأولى.. وإن الأمة مجمعة على مطلب واحد هو الاستقلال.. وستحققه بقوتها واتحادها وتآزرها، وهذا المجلس مسؤول عن تحقيق كل ما يتعلق بالاستقلال، وإن الدستور هو أول حلقة من مطالب الأمة، والمطالب كثيرة.. وعلينا أن نبدأ منذ الجلسة القادمة بتنفيذها).

أنجزت لجنة الدستور عملها في وضع مشروع دستور سوري.. وتلا فوزي الغزي في الجلسة الثانية عشرة التي عُقدت في أول آب عام 1928م تقرير اللجنة عن مشروع الدستور والأسباب الموجبة له.. وبعد مناقشة إجمالية للدستور استغرقت جلستين كاملتين طُرح مشروع الدستور بكامله على التصويت فقُبل.. وكانت الجلسة الرابعة عشرة مخصصة لمناقشة الدستور مادة.. مادة، حضر هذه الجلسة أمين السر العام للمفوضية الفرنسية المسيو موغرا مع ترجمانه الخاص.. وحين أعطي الكلام له تلا رسالة من المفوض السامي بونسو موجهة إلى الجمعية، يطلب فيها شطب ست مواد من مشروع الدستور قبل الاستمرار في مناقشته, لأن هذه المواد حسب رأي الجنرال بونسو تخالف العهود الدولية التي تعين مسؤولية الدولة المنتدبة (فرنسا) أي لا تتفق والتزامات فرنسا كدولة منتدبة.!؟، وهذه المواد الست التي طلب شطبها تتحدث عن وحدة البلاد وتمثيلها الخارجي وجيشها الوطني وغير ذلك من مقومات الدولة المستقلة، وأضاف المسيو موغرا بالقول:.. أو نطلب إضافة مادة إلى مشروع الدستور برقم 116 تتضمن مصادقة المفوض السامي على قرارات المجلس والحكومة، وتكون هذهوقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي ..هل كان الدستور السوري سبباً وراء قتله!؟ (1/ 6)القرارات غير سارية المفعول أو مرعية الإجراءات إلا بعد موافقته.. رفضت الجمعية رفضاً قاطعاً اقتراح المسيو موغرا.

وكان الشيخ تاج الدين الحسيني رئيس الحكومة، تحدث في هذه الجلسة وقال إن ما انطوت عليه المواد الست لا تتحقق إلا بالمعاهدة المنوي عقدها مع فرنسا, وقوبل كلامه هذا باعتراضات أكثرية النواب فانسحب من الجلسة، (ويقول نجيب الأرمنازي في محاضرة له عام 1953 (ولم يشذّ إلا سبعة أعضاء أحدهم رئيس الحكومة الشيخ تاج الدين، الذي اضطر أن يغادر المجلس بعد تعرضه لحملة عنيفة) وكان أيضاً في نفس الجلسة قد تقدم كل من فوزي الغزي ووديع الشيشكلي باقتراحين منفصلين الأول للغزي يتضمّن رفض طي المواد المذكورة، والثاني للشيشكلي ويتضمن طي المواد الست، ونجح اقتراح الغزي بأكثرية أصوات النواب وسقط اقتراح الشيشكلي، وأقرت الجمعية التأسيسية في 4 تموز 1928 الدستور بدون إضافة المادة 116، وإثر ذلك قرر المفوض السامي الجنرال بونسو تعطيل المجلس ثلاثة أشهر, ومن ثم أصدر قراراً آخر بتعطيل المجلس لأجل غير مسمى.. ونتيجة لدور الفقيد الغزي في إعداد وصياغة هذا الدستور ودفاعه عنه أمام سلطات الانتداب الفرنسي، أطلق عليه السوريون اسم أبو الدستور، ولم يبارح هذا اللقب الزعيم الغزي حتى أيامنا هذه، وحين شيعته دمشق عام 1929 رُفعت اللافتات وقد كتب عليها وداعاً أبو الدستور.

معركة الدستور:

لقد كان الفقيد الغزي من أشرس المدافعين عن الدستور السوري، وهذا ما أدى إلى فشل كل مخططات سلطات الانتداب الفرنسية والمتعاونين معها، وتكلم الغزي عن موقفه من المواد الست التي طلب المستعمر شطبها قائلاً: (طلبت المفوضية العليا في جلسة 9 آب 1928 حذف المواد الخمس من صلب الدستور وتعديل المادة الثانية منه فلم تشاطرها الجمعية التأسيسية الرأي، فأبلغتها في 11 آب قرار تأجيل جلساتها إلى ثلاثة أشهر.. ثم سافر المسيو بونسو المفوض السامي في 25 أيلول 1928 قاصداً باريز، وكان الأمل ألاّ يطول غيابه عن سورية، لاسيما وأن التوفيق بين النظريتين كان ميسوراً بطرق مختلفة تضمن لفرنسا مصلحتها ولسورية عزّها وكرامتها، فتقدم المعاهدة على الدستور كما حصل في العراق أو تسبق الدستور تحفظات فرنساوية كما وقع في مصر، ولكن انقضت مدة التأجيل ثلاثة أشهر كاملة والمسيو بونسو لم يرجع بعد، فتقرر تأجيل الجمعية ثلاثة أشهر أخرى تنتهي في 11 شباط 1929، وقد وصل المسيو بونسو إلى بيروت عائداً من فرنسا ولم يحضر إلى دمشق، وسلم إلى رئيس الجمعية التأسيسية اقتراحاً في 11 كانون الثاني أقلّ ما يقال فيه إنه مبطل العمل بأحكام الدستور بكامله.. وقد تقدم مكتب الجمعية التأسيسية باقتراح مقابل فكان رد المفوض السامي كتاباً يقضي بتعطيل أعمال الجمعية إلى أجل غير مسمى..

ويتابع الفقيد القول: (على هذه الصورة جرت التجربة الثانية في عهد المسيو بونسو، فبدأت أيها السادة بخطاب نزيه بريء وانتخابات حرة ثم ما كادت تتقدم إلى الأمام قليلاً حتى اصطدمت بالعقبة التي اصطدم بها برنامج المسيو دوجوفنيل.. يقولون أيها السادة إن جمعية الأمم لا تريد لكم هذه الحرية ولا تأذن بمثل هذا الدستور، ولا أعلم إذا كان من المعقول في كثير أو قليل أن الجمعية التي كانت تدعو بالأمس الوطنيين السوريين للتعاون مع المسيو دوجوفنيل على أسس سياسية جديدة تقوم مقام سياسة قديمة اعتُرف بأسوائها وشرورها، تأتي اليوم فتطالب الوطنيين أنفسهم بأن يكونوا من أنصار تلك الشرور، ولا أدري إنه إذا صح أن جمعية الأمم لا تريد لنا الاستقلال والحرية، وهل انتهى أمر كل ذلك وأصبح من واجبنا أن ننسى كل أمل في الحرية والاستقلال؟.. قد تكون جمعية الأمم في جانب غيرنا، وقد تجري الرياح في جنيف بما لا نشتهيه في سورية، ولكن كل ذلك لا يضعف من عزائمنا ولا يفت في عضدنا، فالحق حق مهما ضعف أنصاره وقلّ مؤازروه، والمطالبة بالحق بالطرق المشروعة القانونية فرض على كل شعب يريد الحياة وينشد الحرية، فسيروا أيها السادة سيرتكم الأولى وطالبوا بحقكم كاملاً غير منقوص فلا يضيع حق وراءه مطالب) وكان خطاب الغزي هذا قنبلة انفجرت في كل الأوساط الفرنسية حقداً عليه.

ونتساءل هل كان هذا الموقف الوطني الشرس من قبل الزعيم الغزي أمام جبروت سلطات الانتداب الفرنسي والمتعاونين معه سبباً في وضع حدٍّ لزعامته.!؟ سؤال مشروع لا بد من إجابة عنه، لابد من البحث والتمحيص، في الأسباب الحقيقية وراء مقتل فتى الشام فوزي الغزي، والدور المحتمل للمفوض السامي الفرنسي هنري بونسو، وهل كان فعلاً وراء الكواليس في مقتل الزعيم الكبير الغزي، مع الأخذ بعين الاعتبار آراء ومواقف كل من الرئيس السوري حسني الزعيم، ووزير العدل أسعد الكوراني، والمحامي الباحث نجاة قصاب حسن، ونزيهة الحمصي زوجة أكرم الحوراني في قضية اتهام زوجة الفقيد المظلومة لطفية اليافي.

المصدر
شمس الدين العجلاني- الأزمنة
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق