مقالات

د. عادل عبد السلام (لاش) : على هامش أحداث الجزائر

  •   
  •   
  •   

د. عادل عبدالسلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر

على هامش أحداث الجزائر (صفحة من سيرتي)

أشرت في مكان آخر من سيرتي هذه أنني انقطعت عن الطلاب العرب وغيرهم بهدف إتقان اللغة الألمانية. باستثناء لقاء نصف شهري مع زميل سوري، هو زهير بيرقدار الذي أصبح شخصية سياسية مرموقة تمثل الجناح العراقي لحزب البعث فيما بعد. وبحكم تخصصه في العلوم السياسية ونشاطه في اتحاد الطلاب العرب، كان يزودني بآخر الأخبار التي لا تذكرها الصحافة الألمانية وغيرها. وكانت أحداث النضال الجزائري وجبهة التحرير الوطنية الجزائرية، أكثر ألأخبار تداولاً في تلك الفترة.

طرق في مساء أحد الأيام باب منزل أسرة بانتل، التي أشغل عندها غرفة مستأجرة، شابان طلبا لقائي. وقدما نفسيهما على أنهما طالبان جزائريان، وكانا يتكلمان العربية بلهجة جزائرية قاسية علي، نصفها كلمات فرنسية. ذكرا أن أحد زملائي العرب (زهير بيرقدار) دلهما علي للتعاون معهما ومع العاملين في جبهة التحرير الجزائرية في مكتب أو خلية أوروبا الوسطى ومركزها مدينة برلين بشطريها. وبعد حديث طويل عن النضال الجزائري وغيره أجبت أنني مستعد للدعم المالي (ضمن حدود ميزانية طالب) والمعنوي، أما العمل في المكتب فغير وارد، خاصة وأنني منقطع عن العرب وقضاياهم ومنصرف إلى دراستي والتحضير للامتحانات. وأن على المكتب أن يبحث عن غيري. لكنهما التقفا هذا الجانب من نشاطي، وذكرا أن الدافع الأول للاتصال بي هو انقطاعي عن الوسط العربي والإسلامي حالياً للانصراف إلى دراستي وإتقان اللغة، وانني غير معروف في الدوائر المختصة المناوئة لنشاطات الجبهة، إضافة إلى احتمالات استبعادي من شكوك الأمن الألماني بأي نشاط سياسي يمكن أن أقوم به. ومع ذلك لم أقبل بطلبهما. لكن تطور الأوضاع السياسية، والتأييد الحماسي الذي كانت حركات التحرير تلقاه، إضافة إلى تعدد الوساطات وعدم انقطاع الرجاء والطلب مني للعمل مع الجبهة، جعلني أقبل به. وكان نشاطي علنياً في الجانب الشرقي من برلين وألمانيا الديموقراطية من جهة، وله طابع سري في برلين الغربية وألمانيا الاتحادية من جهة أخرى. وكان العمل الرئيسي يتلخص بتأمين المنشورات والمطبوعات وغيرها من المواد الإعلامية والدعائية المناهضة للاستعمار الفرنسي في الجزائر، وطباعتها بلغات مختلفة في برلين الشرقية، ومن ثم نقلها عن طريق برلين الغربية إلى المانيا الغربية ودول أوروبا الغربية. وكان العاملون من عرب ومسلمين، وألمان وغيرهم من المتعاونين يحملون أسماءاً حركية. وهنا لابد من الإشارة إلى الدور المهم الذي قامت به فتيات ألمانيات شرقيات وغربيات وغيرهن في مساعدتنا، لا سيما في مجال توزيع المطبوعات باللغات المختلفة. وكن في أغلب الحالات صديقات أو خليلات لطلاب عرب. كما لابد من التنويه بدور أشخاص وموظفين ألمان، وجهات ألمانية غربية مختلفة، كانت تتغاضى عن كثير من النشاطات الموجهة ضد الدول المحتلة لألمانيا، ومن بينها فرنسا، للعداء القديم الدفين بين الأمتين. ومن الصعوبات التي كنا نعاني منها، نقص التمويل، الذي كان

يتألف من تبرعات فردية، إضافة إلى نفقات الطباعة والورق وغيره، التي كانت سلطات برلين الشرقية تتكفل بها.
دعيت لحضور لقاء غير معلن لنشطاء الجبهة في أوروبا يعقد في شهر آب من عام 1961 في مدينة مرسيليا الفرنسية. أي بعد فشل مفاوضات إيفيان (20-5 حتى13-6- 1961)، واستشراء الأعمال الإرهابية الوحشية لمنظمة الجيش السري للمتطرفين الفرنسيين ضد الجزائرين. ترددت في المشاركة كثيراً، لما قد أتعرض له من أخطار ومشكلات تؤثر على دراستي ومستقبلي، خاصة من الجانب الفرنسي الذي يمكن، في أضعف الاحتمالات أن يمنعني من دخول فرنسا وإن دخلتها، أن تعتقلني. ومع ذلك كنت شديد الرغبة في حضور اللقاء المذكور، وكانت عوامل كثيرة تدفعني إلى البحث عن طريقة لحضور اللقاء، خاصة وأن الجزائر على أبواب التحرير والاستقلال.

لم يطل ترددي وتفكيري بالموضوع، إذ جاء الحل من جهة غير متوقعة على الإطلاق ولسبب غير وارد كلياً. إذ طلب مني أستاذي الدكتورالمشرف على دراستي وأطروحتي للدكتوراه ( يورغن هوفرمان ) مقابلته للتباحث معي بشأن رحلة للطلاب يخطط القيام بها إلى فرنسا في الإجازة الصيفية. على أساس أن معرفة الجغرافيين السوريين بفرنسا أعمق من غيرهم، إضافة إلى إلمامي باللغة الفرنسية التي كانت لغة المرحلة الابتدائية في سورية في زمن الانتداب للفرنسي. وتلخص طلبه بأمرين هما تحديد الأماكن المطلوب زيارتها، والأوقات والمواعيد المناسبة لها. واشترك معنا في اتخاذ القرار مساعده الدكتورهورست هاغيدورن. وبعد مناقشات سريعة قبلا اقتراحي (الملغوم) بزيارة وادي نهر الرون ودلتاه، مع التمركز في مدينة مرسيليا، والانطلاق منها إلى المعالم الجغرافية في جنوبي فرنسا وسواحل الريفييرا الفرنسية. وعليه تم تكليفي بوضع المخطط الكامل للرحلة لمدة اسبوعين بين 29- 7 و 13- 8 سنة1961، من حيث خط السير، وأماكن التوقف والإقامة والمبيت، والظواهر التضريسية، والمعالم الواجب مشاهدتها، والجهات الرسمية والمؤسسات العلمية والجامعية المطلوب الاتصال به وزيارتها. وفي مقدمتها منشآت الري في الحوض الأدنى لنهر الرون قرب مرسيليا. أقول (الملغوم) لأنني رتبت الأماكن والمواعيد بشكل يسمح لي بحضور لقاء الجبهة في مرسيليا من دون إثارة أية شكوك حول زيارتي. وهكذا كان، وحالفنا التوفيق في كافة مراحل الذهاب إلى مرسيليا. ولقد قامت مؤسسة الري المذكورة بتأمين متطلبات زياراتنا ولقاءاتنا، وأقامت مأدبة غداء عامرة على شرفنا حضرها عدد من الجغرافين الفرنسيين ومن العاملين في المؤسسة.

حدث أثناءها أمر لم يكن بالحسبان. إذ طلب مضيفنا الأستاذ دومانجون أن يعرِّف كل من الحاضرين على نفسه مع بعض التفصيل عن دراسته واهتماماته. وكنت الأجنبي الوحيد بين الألمان والفرنسيين. فعرفت الحضور على نفسي ودراستي، وعلى أنني خريج الجامعة السورية (دمشق فيما بعد)، عندها قاطعني الأستاذ ورجاني التوقف عن متابعة الكلام، ووقف الأستاذ الجغرافي المعروف، دومانجون، وطلب من الجميع متابعة الاستماع لكلامي ثم التصفيق لي ولكن وقوفاً. مما أثار استغراب الجميع. بعدها برر ذلك على أن ما قام به كان تقديراً للجامعة السورية ولخريجها. وكانت مفاجأة لي، ولأستاذي وللآخرين. كان ذلك عام1961، فأين عراقة الجامعة السورية (دمشق) ومستواها العلمي آنذاك، مما وصلت إليه من انحدار اليوم ؟؟؟؟!!!!!

حضرت الاجتماع والتقيت بالعديد من العاملين في الجبهة، استمعنا في الاجتماع إلى تقارير وأخبار مطمئنة، كما تلقينا تعليمات وتوجيهات تتواءم والمرحلة القادمة.

واليوم وبعد مرور 58 سنة على تحرر الجزائرواستقلاله، يناضل الشعب الجزائري في سبيل غد أفضل، أرجو له أن يحقق مبتغاه بمنأى عن أية أخطاء، ليتجنب ما حل بعدد من الدول العربية من كوارث ودمار.

عادل عبد السلام (لاش)
دمشق 25 – 3 -2019

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق