وثائق وبيانات

بيان ميشيل عفلق حول إنقلاب 23 شباط 1966

 4 آذار 1966

  •   
  •   
  •   

بيان ميشيل عفلق حول إنقلاب 23 شباط 1966

يا أبناء شعبنا العربي.. ايها البعثيون!

هذا الحزب هو حزبكم، كونّه وبناه جيل عربي كامل من أبنائكم، من أبناء الشعب الكادح المحروم المظلوم المناضل. إنه يمثل آلاما كثيرة وأتعابا وتضحيات جمة طويلة. هي ملك للشعب وللأمة العربية وليست ملكا لفئة أو أشخاص. إنه يمثل أملا كبيرا، هو أيضا أمل الأمة العربية، فلا تدعوه يتداعى وينهار في الظلام، نتيجة الأحقاد والشهوات والأطماع، أطماع فئة تستبيح من أجل أن تبقى في السلطة وترتع في مغانمها الزائلة أن تعرض لخطر الإنهيار أكبر حركة عربية شعبية وجدت في الوطن العربي منذ ربع قرن، وانهيارها سوف يعني فراغا كبيرا ولسنين طويلة، في مجال النضال القومي الشعبي، وبالتالي ظفرا كبيرا وسيطرة طويلة لقوى الإستعمار والرجعية والإقليمية والشعوبية.

إننا نؤمن بأن قواعد الحزب وجماهير الشعب في الوطن العربي الكبير، إذا هي بادرت وتسلمت قضية مصير هذا الحزب الذي هو منها وإليها، فإنها سوف تنقذه من المصير المبيت له، وتنقذ بالتالي قضيتها هي، قضية نضالها الموحد ضد الإستعمار وإسرائيل والأنظمة الرجعية والعميلة، قضية خبزها وكرامتها وأملها في بناء الإشتراكية العربية التي يقدمون تزييفا لها وإلهاء عنها وبديلا، شتاتا من الإجراءات الفوقية المرتجلة، أرادوها في الوقت نفسه إلهاء وبديلا عن العمل من أجل الوحدة العربية.

في هذه الظروف العصيبة الحالكة، ظروف الردة الإستعمارية الرجعية الشعوبية التي تذكر بالردة التي أعقبت الإنفصال، ولكنها أشد هولا وأوسع نطاقا، لأنها تتجاوز الوطن العربي إلى أفريقيا والعالم الثالث، يجدر بمناضلي الحزب وبجماهير الشعب المناضلة ان يعودوا إلى المبادئ الثورية الأولية وإلى الروح النضالية البسيطة الصادقة:

1- هناك عدوان وقح على شرعية ربع قرن من نضال البعث العربي الاشتراكي لا يجوز أن يبرر بأي نوع من أنواع التبرير ولا يمكن ان يفسر إلا من خلال الظروف العربية والدولية الراهنة، ظروف الردة الاستعمارية.

2- هناك انحراف خطير قد وقع باستعمال سلاح الجيش ضد الحزب أولا، وباستعمال بعض الحزبيين في الجيش للسلاح ضد بعضهم الآخر ثانيا. فإذا لم يحاسب مرتكبو هذه الأعمال، ولم تصحح الأوضاع، فإن الحزب سوف ينتهي، لأن القيمة أصبحت للسلاح لا للمبادئ، والجيش سوف ينتهي لأن الثقة لن تعود مطلقا بين رفاق السلاح، ولن يغلق باب الإنقلابات واستعمال القوة وأعمال الغدر.

3- هناك انحراف عقائدي خطير يهدد إتجاه الحزب وثورته، وقضية الشعب ومصلحته الحيوية، هو انحراف عن أهم ما يميز حركة البعث، وخيانة للمبدأ الذي جعل من حزب البعث حزبا ثوريا، وبالتالي حزبا يعيش حتى اليوم: مبدأ القومية في التنظيم والعقيدة. فقد خان المتمردون هذا المبدأ عندما تمردوا على قرارات وسلطة القيادة القومية، ونصبوا من أنفسهم ومن تنظيمهم القطري اللاشرعي سلطة مغتصبة تدعي حق دعوة المؤتمر القومي، كما تدعي حق تصحيح مزعوم للحزب ليس على نطاق القطر فحسب، بل على النطاق القومي كله. كل ذلك لأن بيدهم قوة السلاح ولأنهم اغتصبوا أجهزة الدولة، ويطمعون في أن يلحقوا المنظمات القومية بحزبهم القطري بأسلوب شراء العملاء ومساومة المناضلين الشرفاء على عقيدتهم بالمساعدات المادية.

وكل هذا العدوان على شرعية التنظيم والإغتصاب للسلطة بغية الوصول إلى الخيانة الأساسية، خيانة العقيدة القومية، والعودة إلى جاهلية الفترة السابقة لظهور الحزب، عندما كانت الأقطار العربية تواجه الإستعمار والصهيونية متفرقة ومشتتة بل متناقضة ومتناحرة.

4- هناك تسلط على الحزب والحكم والجيش من فئة عسكرية صغيرة تمارس هذا التسلط منذ بداية الثورة، وقد وصلت في تسلطها إلى ذروة الإغتصاب والتزييف بالإنقلاب الأخير الذي قامت به ضد الحزب وشرعيته وسلطة أعلى قيادة فيه. وفي رغبة هذه الفئة في التسلط وفي ممارستها له تكمن أهم أمراض الثورة وأعمق أسباب الأزمات التي تعرضت لها الثورة حتى الآن، وكل ما طرأ على الحزب من تشويه وتزييف وإفساد، بإباحته لغزو الموجات الإنتهازية المتلاحقة منذ ثلاث سنوات والتي تسربت من خلالها العناصر المدسوسة الحاقدة أو المعادية أو العميلة المتآمرة.

وهذا ما انعكست آثاره على حياة الشعب في هذا القطر وعلى نفسية الشعب العربي في الأقطار الأخرى فشوشت وشوهت صورة البعث في عينه، وبدلت نظرته إلى الحزب، بينما لقي الشعب في هذا القطر أشد العنت والإضرار بمصالحه والعبث بحرياته وكرامته، دون أن يتضح له كل الإتضاح بأن الحزب بريء من أعمال الفئة العسكرية المتسلطة، التي أساءت إلى سمعة الجيش والحزبيين العسكريين بقدر ما أساءت إلى سمعة الحزب وماضيه النضالي المشرف، ووضعت هكذا الحواجز والسدود النفسية بينه وبين الشعب.

يا أبناء شعبنا العربي..

ويا أيها المناضلون أبناء البعث العربي الإشتراكي:

أمام هذه المحنة التي تحل بقضيتكم وبحزبكم المجاهد، يمكن أن يُبحث عن الحل والخلاص بأساليب ونظرات شتى، يمكن أن يُبحث عن حل توفيقي وبأسلوب التسوية والترقيع، ومن وجهة نظر متشائمة متخاذلة فاقدة الثقة بقواعد الحزب، لأنها فاقدة الثقة بالشعب ذاته، فيأتي ذلك كحلقة أخيرة في سلسلة الحلول والمعالجات السطحية والمصلحية التي أدت الى هذا التردي.

ويمكن أن نبحث عن الحل الصادق البسيط، الحل الجدير بروح البعث العربي ونشأته النضالية ومقاييسه التي لا تخطيء: لا مساومة ولا تسوية مع الباطل والغش والفساد. لا اعتراف ولا نصف اعتراف بوضع ينفي وجود الحزب من أساسه ومن يوم تأسيسه. الحزب الذي عرفه الشعب واطمأن إلى عقيدته الثورية، وروحه العربية، وأخلاقيته الأصيلة، ليحلوا محله حزبا آخر بعقيدة إقليمية، وروح طائفية شعوبية، وأخلاق الهمجية والغدر.

لا مساومة ولا تسوية مع التسلط العسكري، لأنه يقضي على الحزب وعلى الجيش، وعلى كل أمل في أن يكون العسكريون جديرين بالحزبية الثورية وبناة الجيش العقائدي العربي.

لا مهادنة مع الفئة المتسلطة التي أساءت استعمال السلاح الذي اؤتمنت عليه من الشعب والحزب، وخانت الإرادة الجماعية للرفاق العسكريين، كما خانت الإرادة الجماعية للحزب في القطر، وفي الوطن العربي كله.

إذا كانت الأخلاق والأساليب التي استعملتها الفئة المتسلطة منذ ثلاث سنوات حتى الآن في الكذب والافتراء والغدر واللؤم بحق الرفيق قبل الخصم، وبحق الشعب قبل العدو الغريب، وإذا كان أسلوب تزييف الحزب وإرادة أعضائه وانتخابات قياداته ومؤتمراته هو الأسلوب الثوري، فمعنى ذلك إن هذه الثورة ليست ثورة البعث، بل الثورة المضادة التي إستطاع الإستعمار وعملاؤه بشكل من الأشكال أن ينفذوا إليها ليضربوا من الداخل أكبر حركة شعبية عربية في هذه المرحلة الحاسمة.. وتكون النقمة المسرحية على أنظمة الحكم الفردية والعهود الرجعية وأساليبها ومفاسدها كذبا ورياء وطريقا إلى الوصول فحسب.

أيها الشعب العربي.. أيها البعثيون!

إذا كانت الدبابات والمدافع هي التي صنعت ثورة الثامن من آذار، وهي التي أتت بحزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم، فليذهب هذا الحكم لأنه قام على أساس فاسد، ولينته هذا الحزب لأنه يكون قد فقد روحه وحيوية مبادئه، ولم يبق فيه إلا القوة الغاشمة، ولأن الإستعمار يصنع في كل شهر إنقلابا جديدا ليس فيه إلا القوة الغاشمة والغدر.

أما إذا كان البعث العربي الإشتراكي هو الذي صنع ثورة آذار وصنع الدبابات والمدافع والسواعد التي إستعملتها، والعقول والنفوس الواعية الثائرة، التي سيرتها صبيحة الثامن من آذار لخدمة الأهداف التي ناضل البعث العربي الإشتراكي من أجلها في أكثر من قطر عربي أكثر من عشرين عاما، عندئذ يجب أن يذهب الذين استعملوا في الأيام الأخيرة الدبابات والمدافع ضد شرعية الحزب ومبادئه وقيمه، ظانين إن الدبابات يمكن أن تغلب المبادئ، وأن أصوات المدافع يمكن أن تخرس في ضمائر البعثيين وابناء الشعب العربي صوت ماض مشرف من النضال والتضحية تأريخه خمسة وعشرون عاما.

وإذا كان البعثيون الصادقون الذين رباهم النضال هنا وفي كل قطر عربي، قد حبسوا أنفاسهم طوال ثلاث سنوات، وكتموا الهمّ في صدورهم لأنهم من جهة كانوا ينكرون أن تُحسب تلك الأعمال الشاذة التي شوهت ثورة آذار على حزبهم وعقيدتهم، ومن جهة أخرى كانوا يتورعون عن فتح باب الإنقسام والتبرؤ علنا من تلك الأعمال ومن القائمين بها، فلقد قدم لهم اليوم هؤلاء بتمردهم وغدرهم الفرصة لكي يعلنوا هذا التبرؤ وهذا التميّز عن الفئة الضالة التي أعماها حب السلطة أمام الشعب العربي كله وأمام العالم.

ليس هذا حكم البعث، وليست هذه ثورة البعث، ولا الأهداف أهداف حزبنا وشعبنا.. ولا الأخلاق أخلاق حزبنا وشعبنا. إنها فرصة تاريخية، وفي هذا الظرف بالذات، ظرف الردة الإستعمارية الرجعية الشعوبية، وتزعزع الثقة بالأنظمة والأفكار الثورية، أن يعود البعثيون إلى النضال وإلى مبادئه الأولية الصادقة البسيطة، ليجددوا إيمانهم ويعززوا في نفوسهم فضائل الكفاح الذي يؤهلهم لثقة الجماهير العربية في معركة شاقة طويلة الأمد.


اقرأ:

اقرأ:

البلاغ رقم 3 لحركة 23 شباط 1966

بيان ميشيل عفلق حول إنقلاب 23 شباط 1966

محمود جديد : المقدمات والأسباب المباشرة لحركة 23 شباط 1966

صحيفة المنار 1966- التنافس الروسي – الصيني في سورية

المصدر
من كتاب في سبيل البعث عن موقع (في سبيل البعث)
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق