اجتماع حافظ الأسد وكمال جنبلاط في الخامس عشر من كانون الأول عام 1975م
نشرت مجلة “المجلة” وثائق سرية حصلت عليها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وهي تسلط الضوء على اغتيال الزعيم كمال جنبلاط في مارس/آذار 1977، ومنها تفاصيل عن اجتماعاته مع حافظ الأسد، جاء فيها:
جاء اللقاء السادس بين الرئيس السوري حافظ الأسد والزعيم اللبناني كمال جنبلاط في نهاية عام 1975، بعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب الأهلية، وستة أيام من “مجزرة السبت الأسود” في منطقة المرفأ ببيروت، التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 200 مسلم قُتلوا “على الهوية” من قبل مسلحين مسيحيين انتقاما لما قيل إنه تصفية مجموعة فلسطينية لشبان مسيحيين. وقد تزامنت المجزرة مع وصول رئيس حزب “الكتائب” بيار الجميل إلى دمشق واجتماعه بالأسد في 6 ديسمبر/كانون الأول، ما شكل إحراجا بالغاً للنظام السوري.
في الاجتماع السادس، بدا جنبلاط منفعلاً، وحاول إقناع الأسد بضرورة البحث عن شخصيات مسيحية للوقوف في وجه الجميل وكميل شمعون المعارضين للوجود الفلسطيني في لبنان. بدا على جنبلاط الانزعاج من مجيء بيار الجميل وشخصيات يمينية إلى سوريا، في حين لم يتم استقبال حليفه ريمون إدّه، عميد حزب “الكتلة الوطنية” وابن الرئيس الأسبق إميل إدّه.
نقل جنبلاط للأسد انزعاج وسخط ريمون إدّه من دعوة بيار الجميل وكميل شمعون إلى دمشق، قائلا إن إدّه ونائب جزين الأسبق جان عزيز “كانا أحق بالدعوة إلى الشام”.
أجابه الأسد بأن الدعوة وجهت لبيار جميل “بناء على طلبه” وليس بدعوة مباشرة من الرئاسة السورية، دون ذكر التحالف الآني، والهش بينهما، للتخلص من نفوذ ياسر عرفات في لبنان.
أضاف الأسد: “برأينا، الشيخ بيار جميل يمثل الموارنة وهو الذي يقاتل”، مؤكدا استمرار الاتصالات مع القوى الوطنية والإسلامية والشخصيات المارونية الأخرى. وعندما أشار جنبلاط إلى “الكتائب” قائلا إنهم “عنصريون يرفضون العروبة”، رد الأسد: “لبنان كله قام على هذا الأساس”. وطبعا هذا الكلام غير صحيح لأن إحدى ركائز “الميثاق الوطني” غير المكتوب للاستقلال في عام 1943 كانت الحفاظ على “وجه لبنان العربي” وهو ما وافق عليه رئيس الجمهورية الماروني بشارة الخوري.
ناقش الأسد وجنبلاط تدفق السلاح إلى لبنان والاشتباكات المسلحة الأخيرة في بيروت وطرابلس. وكشف جنبلاط عن وصول آلاف قطع السلاح إلى مرفأ جونية، وقد نُقلت على الفور إلى مستودعات حزب “الكتائب”. هذه الأسلحة، بحسب قوله، “جاءت من ألمانيا الغربية والدول الشرقية، بآلية أن باخرة السلاح تأتي وتقف في البحر، ثم يتم البحث عن مشتر لهذا السلاح، والدفع يتم عند الاستلام”. وعزا الفوضى إلى عدم وجود حرس حدود، واعتقاد رئيس الجمهورية سليمان فرنجية أن المقاومة الفلسطينية والدول العربية تقوم بتسليح الطرف المسلم في الحرب الأهلية، ما يؤدي إلى تسليح أطراف أخرى للجانب المسيحي.
رأى جنبلاط أن الحل يكمن في الحسم العسكري الذي سيؤدي إلى “إسقاط الحكم القائم، وبالتالي يأتي رئيس جمهورية جديد يحوز الثقة الشعبية”. تحدّث عن “مجزرة السبت الأسود” التي وقعت في 6 ديسمبر. وتساءل عن تزامنها مع زيارة بيار الجميل إلى سوريا. أجابه الأسد مدافعا عن الجميل: “ما حصل في السبت الأسود ليس من مصلحة بيار الجميّل، ولا من معه.
الاستنتاج الطبيعي يقول إن (الكتائب) لا علاقة لهم بما حدث”. ثم قال الرئيس السوري إن من قام بالمجزرة كان يريد إحراج بيار الجميل وإفشال محادثاته في دمشق، في إشارة مبطنة إلى ياسر عرفات. وقد ثبت لاحقا أن “السبت الـسود” ارتكبه حزب “الكتائب” ومسلحون من أحزاب حليفة له.
تابع الأسد في دفاعه قائلا: “الدولة في لبنان دولة مارونية، وبيار الجميّل ركيزة هذه الدولة المارونية”. تفاجأ جنبلاط من هذا الدفاع، بعد أشهر قليلة من دعوة سوريا إلى عزل “الكتائب” واتهامها للجميل بأنه “حليف إسرائيل وصنيعة الإمبريالية”.
اشتكى جنبلاط من قلة السلاح في يد المسلمين وكثرته في أيدي المسيحيين، فعارضه الأسد معتبرا أن جماعة جنبلاط وعرفات لديهم سلاح أكثر من بقية الفرقاء. وهنا سأل جنبلاط إن كانت سوريا على استعداد للتدخل عسكريا لحل النزاع المسلح، قبل أن تصل نيرانه إلى دمشق. وقال للأسد إنه “لا يريد ضرب الموارنة بشكل كامل، بل أن يكون مطمئنا لهم”.
وأشار إلى أن العرب “لم يهتموا بقضية لبنان واكتفوا فقط بزيارات استطلاعية. لا يريد منهم الدخول بوساطة، بل يعتبر أن الوسيط يجب أن تكون سوريا لأنها الأقرب إلى لبنان”.
طلب جنبلاط من الأسد دعما عسكريا “ليستطيع فك الارتباط بالفلسطينيين، لأنه عندما تكون المعركة بين لبناني مقابل لبناني، ستكون مختلفة عن كونها بين لبناني بوجه فلسطيني”. لكن الأسد أبلغه أن الفئات الأخرى تعتقد أن خروج الفلسطينيين من الصراع سينهي المشكلة سياسيا وعسكريا، وهي قناعة راسخة لدى الكتائب والرئيس سليمان فرنجية.
كان جنبلاط قد طلب مسبقا سلاحا ومعدات وذخائر من اللواء حكمت الشهابي، وكان الأسد قد وافق عليها. كما طلب جنبلاط من الأسد ضباطا لتدريب كوادره بهدف تمتين جبهته في جبل لبنان، على أن يكون نصفهم من الدروز ليفهموا عقلية الدروز، وليكونوا “ضباط ظل” يقدمون استشارات فقط.
خطة جنبلاط للإصلاح الوطني
– تحدث جنبلاط بإصرار عن خطة إصلاحية تتضمن:
– دولة علمانية تضمن رئاسة الجمهورية للمسيحيين.
– إلغاء الطائفية السياسية من المجلس النيابي، مع إيجاد مجلس دستوري تكون للمسيحيين فيه أكثرية تبلغ 70 في المئة.
– أن تكون النقابات كلها برئاسة نقباء مسيحيين.
– أن تسمي الأكثرية النيابية رئيس الحكومة.
– أن يُحل المجلس النيابي إذا أسقط الحكومة أكثر من مرة في عامين، ويحق لرئيس الجمهورية حل المجلس في بعض الحالات “ضمانا للاستقرار”.
– أن يرأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء، على أن تكون إدارة الجلسات لرئيس الحكومة.
– لا يحق لرئيس الجمهورية عدم الموافقة على مراسيم اتفق عليها مجلس الوزراء.
– تشكيل مجلس للخدمة المدنية، تكون مسؤوليته اختيار الموظفين لإلغاء المحسوبية الطائفية في التعيينات.
– تشكيل محكمة عدلية لمحاكمة رئيس الجمهورية والوزراء، ولجنة تحقيق دائمة في مجلس النواب.
– وضع قانون انتخاب على أساس تمثيل نسبي وجعل سن التقاعد 64 “حتى للنيابة”.
قال الأسد إن هذه الأفكار مهمة ولكنها لا تضمن الاستدامة، فأجابه جنبلاط: “نحن نضمنها لأننا صادقون”.
تحاور الأسد وجنبلاط حول الانتخابات وتحدّث الرئيس السوري عن رؤية بيار الجميل للحل في لبنان. المشكلة، بحسب قول رئيس حزب “الكتائب” للأسد، تكمن في “فوضى الوجود الفلسطيني”، أما الأسد فاعتبر أن المشكلة هي في النظام الطائفي المتبع منذ زمن فرنسا.
أردف الأسد: “نحن في سوريا نتمنى انقلابا جذريا في لبنان، لكن لنا اجتهادات حول الطريق المتبع”. أكّد أن موضوع “المقاومة” غير قابل للنقاش “لكن الإصلاحات الوطنية قابلة للمناقشة”.
تساءل الأسد: “إلى أين نريد أن نصل؟ هذا هو السؤال المهم، ونحن نعتقد أن الأشهر الأخيرة كان لها سلبيات كثيرة وكبيرة جدا. شئنا أم أبينا، لقد ساهمت هذه الأحداث بتغطية اتفاقية سيناء (بين مصر وإسرائيل). بالأصل فإن الهدف الأساسي من اندلاع الأحداث في لبنان كان قضية سيناء، والأميركيون رأوا أن الأمور بدأت تخرج عن سيطرتهم. برأينا نحن أن الشيء الذي يحصل في لبنان ليس لبنانيا محضا، هو شيء مخطط له، أميركا لها مصلحة، وإسرائيل لها مصلحة غير مصلحة أميركا. هما متطابقان في جزء ومختلفان في جزء آخر”.
ثم حذر من مخاطر استمرار القتال: “إذا واصلنا في هذا الطريق فإن النتيجة الحتمية والمنطقية هي التقسيم، لأنه إذا كانت المشاكل غير قابلة للحل فمن الطبيعي للناس أن يجد كل واحد منهم شارعا يعيش فيه. إسرائيل تريد دويلات طائفية في المنطقة، وهو هدف استراتيجي لها”. ودعا إلى التفكير في أهداف القتال ونتائجه، وأسقط ذلك على لبنان: “بهذا الوضع القائم تعتبر إسرائيل أن هذا الوضع نموذجي للقيام بتدخل وإقامة دويلات في لبنان”.
تابع الأسد: “نحن عندما سلّمنا بلبنان- وحتى الآن لسنا مسلّمين بذلك- سلمنّا به على حاله، لكن عندما يتفرّق لا يوجد عندنا ماروني وغير ماروني… كلهم عرب! يعني ذلك أن كل لبنان سيصبح جزءا من سوريا، أي نريد أن نطالب بدولة كليّة”.
وتابع الأسد: “لا أحد سيتصور أن المطالب الوطنية ستتحقق كاملة، لكن لو تحقّق بعضها هل يستحق أن يستمر الوضع عددا من الأشهر بذات المشاكل؟ العملية تحتاج إلى موازنة بين ربح وخسارة وطنية وقومية، نحن لا يوجد لدينا تصور معين لذلك اتصلنا بالجميع. نريد أن نكوّن فكرة، ومن ثم نناقش الأفكار لنعرف ماذا سنعمل. نحن مصرون على أن القتال في لبنان ليس طائفيا، لقد قلنا هذا الكلام للأميركان والفرنسيين والأشقاء العرب. قلنا لهم إن القصة ليست يمين ويسار، لكنّ هناك وضعا اجتماعيا يجب أن يصحح. لبنان بحاجة إلى إصلاح اجتماعي، وهذه الإصلاحات لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها في بلد يعيش في ظل مفاهيم منذ عام 1946”.






