اختيارات المحررقضايا
دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976م
دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976م
البدايات:
اندلعت الحرب الأهلية في لبنان في ربيع عام 1975م، وراح الاقتتال في لبنان يتسع بصورة كبيرة، وبدأ الحديث لدى الحركة الوطنية اللبنانية” و”منظمة التحرير الفلسطينية” عن الحسم العسكري ضد اليمين المسيحي، ورفعت “الجبهة اللبنانية” شعار التقسيم.
وفي السادس من كانون الثاني عام 1976 عقد أركان “الجبهة اللبنانية” اجتماعاً طرحوا فيه مسألة تقسيم لبنان لحماية الموارنة، ومقاومة ضغط الفلسطينيين.
وفي اليوم التالي الثلاثاء السابع من كانون الثاني عام 1976 جاء الرد على لسان “عبد الحليم خدام” وزير الخارجية السورية، الذي أعلن عن حق بلاده التاريخي في حدودها الغربية، وأن لبنان “كان جزءاً من سورية ولسوف نعيده لدى أية محاولة فعلية للتقسيم “فلبنان إما أن يكون موحداً، وإما أن يعود إلى سورية”.
وقال: (لقد كان هذا كلامنا في وجه الذين يحلمون بتقسيم لبنان، على أننا حريصون جداً على لبنان الموحد والمستقل. ونأمل في أن يتعب الأخوة اللبنانيون من الاقتتال ويعودوا إلى رشدهم ودولتهم. ...
الدخول الأولي:
دخل لواء سوري مدرع إلى منطقة “بيادر العدس” في لبنان في التاسع من نيسان عام 1976م، بالإضافة إلى دخول كتيبتين سوريتين إلى “عنجر”.
وذكرت “يونايتدبرس” أن وحدات سورية بحرية فرضت حصاراً حول لبنان، محاولة وقف شحنات الأسلحة إليه.
وذكرت وكالة “أنباء الشرق الأوسط” أن سورية فرضت حصاراً برياً وبحرياً، لمنع وصول أية إمدادات عسكرية إلى المنظمات الفلسطينية والقوى المتصارعة في لبنان.
وأكد “زهير محسن” زعيم منظمة “الصاعقة” القريبة من السلطات السورية في تصريح أدلى به للصحفيين أن قوات سورية دخلت لبنان، وأضاف أن في لبنان 16 ألف رجل قادمين من سورية “من الصاعقة، وجيش التحرير الفلسطيني، والجيش السوري”، أي ما يعادل فرقتين عسكريتين.
وقال : (أن الجيش السوري تدخل لرفع الحصار المفروض على زحلة، ثالث مدن لبنان التي تقع في وادي البقاع بوسط لبنان .
وذكرت مصادر قريبة من “كمال جنبلاط” أن القوات السورية وصلت في يوم 12 نيسان إلى مفترق طرق مديرج الذي يقع على الطريق الدولي “دمشق- بيروت” على ارتفاع 1400 متر، وعلى بعد ثلاثين كيلو متراً شمالي العاصمة بيروت، وبالتالي صارت القوات تبعد بضعة كيلو مترات فقط من عالية المقر العام لقوات “كمال جنبلاط” في جبل لبنان.
حافظ الأسد يبرر التدخل:
برّر حافظ الأسد في خطاب له في جامعة دمشق بمناسبة انعقاد المؤتمر العام لاتحاد شبيبة الثورة في الثاني عشر من نيسان 1976 الدخول إلى لبنان بالقول: (ليس لسورية مصلحة ذاتية بمعزل عن المصلحة القومية من تدخلها في لبنان) و(إن هذا التدخل هو للدفاع عن المقهورين – في لبنان- دون تمييز بين الطوائف).
وأضاف: (موقفنا الصريح والواضح: نحن مع وقف القتال، نحن ضد من يصر على استمرار القتال، نحن ضد المؤامرة التي تحاك ضد شعب لبنان وعلى الثورة الفلسطينية وعلى الأمة العربية جمعاء، نحن نتخذ المواقف التي تحملنا إياها مسؤولياتنا القومية).
وقال: (لن نزاود ولن نسعى إلى مكاسب رخيصة، ولن نتصرف إلا التصرف المسؤول، وليفهم الجميع، وليعرف الجميع، أننا في سورية نملك حرية الحركة بشكل كامل، ونستطيع اتخاذ هذه المواقف التي نراها دون أن يستطيع أحد منعنا من اتخاذ هذه المواقف).
دخول القوات السورية رسمياً إلى لبنان:
دخلت القوات السورية بشكل رسمي إلى لبنان في الحادي والثلاثين من أيار و الأول من حزيران عام 1976م.
اتفاقية الخط الأحمر:
جاء دخول الجيش السوري إلى لبنان بعد اتفاقية ما عرف باسم “الخط الأحمر”، وقد نشرت الصحف الصادرة حينها بدمشق عن وصول العديد من البرقيات التي تناشد إنقاذ لبنان.
اتفاقية “الخط الأحمر” في الشكل غير مكتوبة، وغير معترف بها رسمياً، وكانت سورية تنكر وجودها، ولكن الأطراف المعنيين يعملون بوحيها.
وأهميتها أنها قلبت في الأساس الموقف الإسرائيلي راساً على عقب. ففي حين كانت “إسرائيل” ترى في دخول القوات السورية إلى لبنان تهديداً مباشراً لأمنها، أقنعها “كيسنجر” بضرورة الموافقة على هذا الدخول.
كان “كيسنجر” يرى أن انتشار القوات السورية في لبنان يخفف من قدراته في جنوب سورية، وأما سياسياً فإن هذا الدخول يورط دمشق في الأزمة اللبنانية المعقدة، ويلهيها عن شؤون المنطقة ويحملها مسؤولية المنظمات الفلسطينية، وحلفائها اللبنانيين، فتضطر وهي الدولة الصديقة لموسكو، أن تضرب الفلسطينيين خوفاً من غزو إسرائيلي، وأن تضبط التحالف اليساري – الإسلامي المؤيد للعمل الفدائي.
ويذكر “كريم بقردوني” أن سياسة “الخطوط الحمر” أدت عملياً إلى تقاسم سورية وإسرائيل النفوذ في لبنان: إسرائيل في الجنوب وسورية في باقي المناطق.
وافقت إسرائيل على دخول الجيش السوري إلى لبنان في حزيران 1976م، بعد أن اشترطت ثلاثة تدابير احترازية، وهي: أن لا يتخطى الجيش السوري في انتشاره حدود الليطاني والنبطية، وأن لا يستقدم أسلحة استراتيجية كصواريخ سام إلى داخل لبنان، وأن لا يستخدم سلاح الطيران وسلاح البحرية السوريين في الأجواء والمياه اللبنانية.
لم تخرق الخطوط الحمر خلال خمسة عشرة عاماً إلا مرتين: مرة حين ادخلت سورية عام 1981 بطاريات “صواريخ سام” إلى البقاع، ومرة ثانية حين اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982م، واصطدمت بالجيش السوري في أعالي المتن والبقاع، ولا يحسب قصف الطائرات السورية لمنطقة نفوذ العماد عون عام 1990 خرقاً للخطوط الحمر لأنه جاء في ضوء تقارب أميركي – سوري بعد دخول العراق إلى الكويت.
الموقف في لبنان من دخول القوات السورية:
الرئيس الياس سركيس:
أكد الياس سركيس أكثر من مرة أن دخول القوات السورية إلى لبنان أتى تلبية لطلب السلطة الشرعية، وذلك في مؤتمر القمة العربي الثامن الذي عقد في الخامس والعشرين من تشرين الأول 1976م.
جزب الكتائب والكتلة الوطنية اللبنانية:
رحب حزب الكتائب والكتلة الوطنية اللبنانية بدخول القوات السورية إلى لبنان.
وفي مقابلة أجراها “ريمون أده” عميد حزب الكتلة الوطنية اللبنانية مع صحيفة الشرق الأوسط قال : في مطلع حزيران 1976 دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية ووصل إلى بيروت بناء على طلب من حزب الكتائب الذي استنجد بهذا الجيش.
وأضاف: (أذكر أن الدكتور جورج سعادة رئيس حزب الكتائب اليوم والسيد كريم بقرادوني نائب قائد القوات اللبنانية الحالي، هما اللذان تفاوضا مع دمشق وطلبا نجدة الجيش السوري باسم حزب الكتائب الذي كان على وشك أن يخسر المعركة الأولى أمام قوات كمال جنبلاط وحلفائه اللبنانيين والفلسطينيين).




