قراءة في كتاب

حكاية فوزي القاوقجي والصراع من أجل الاستقلال العربي

  •   
  •   
  •   

 

حكاية فوزي القاوقجي والصراع من أجل الاستقلال العربي

ليلى بارسونز في «القائد»:

إبراهيم درويش- القدس العربي*

في سرد الرواية العربية وتشكل الوعي العروبي في المرحلة الأخيرة من الدولة العثمانية وكرد على صعود الفكر الطوراني، بدأ المثقفون والضباط العرب في اسطنبول والولايات العربية بتشكيل رؤية مضادة للتتريك الذي ازداد قسوة مع وصول الطورانيين إلى الحكم وانقلابهم وإطاحتهم بالسلطان عبد الحميد الثاني. وكان هؤلاء الضباط الأتراك مثاليين قوميين حالمين بإعادة مجد الدولة فانتهوا بدق آخر أسفين في نعشها لكي تنتهي الدولة التي تسيدت العالم لقرون وارتفعت أعلامها على جبال أوروبا وآسيا وأفريقيا، وشكلت السياسة العالمية في أطوار قوتها وضعفها وحتى عندما أصبحت «رجل أوروبا المريض». لكن المثقفين والجنود الذين ولدوا وترعرعوا في العالم العثماني ولم يعرفوا غيره ظلوا أوفياء للفكرة العثمانية الجامعة وقاتلوا في صفوف الدولة ودافعوا عنها حتى النهاية.

ابن طرابلس

ولعل قصة فوزي القاوقجي (1890 ـ 1976) ابن مدينة طرابلس في شمال لبنان تلخص لنا حياة الدولة العثمانية أو الطورانية في مرحلتها الأخيرة. فقد قاتل هو والجنود العرب في صفوف الجيش العثماني رغم التمييز والنظرة المتشككة من قادتهم لهم لأنهم عرب. ودافعوا عن الفكرة العثمانية الجامعة التي ربطت الولايات العربية التي قاتل الطورانيون من اجل إبقائها في حضن ما تبقى من دولة تهالكت بفعل مغامراتهم وتهورهم. فهذا السوري الذي ظل مع العثمانيين حتى الرمق الأخير وراقب انسحاب القوات التركية من الولايات العربية وأنقذ في مرحلة من الحرب مجموعة من الضباط الأتراك حاصرهم الإنكلير بعد انسحابهم من فلسطين وكان منهم مصطفى كمال اتاتورك الذي انقذته شجاعة وعزة القاوقجي من موت محقق. وشكره أتاتورك على ما قام به. وعاد القاوقجي والتقى مع أتاتورك الذي سيصبح له شأن كبير في الحياة التركية في سوريا حيث كان الجيش التركي يكمل انسحابه من المناطق العربية مع تقدم القوات البريطانية والفرنسية في سوريا وتحدثا ضابطا لضابط حيث قال له أتاتورك أن الأناضول مفتوحة له إن فشلت السياسة العربية أو احتاج لمساعدة. ومن مفارقات الزمن أن القاوقجي ذهب إلى تركيا مع عدد من قادة الثورة السورية عام 1927 للبحث في سبل التعاون مع الأتراك لمواجهة الفرنسيين. وكان موجودا في اسطنبول عندما زار أتاتورك المدينة ووقف الناس يرحبون بيخته «أرطغرول». وعلق القاوقجي في مذكراته عن هذا المشهد عندما قال إنه تأثر به ولم يجد بدا من مقارنته بين الفرص التي وفرها اتاتورك للأتراك والأوضاع التي يعيشها العرب. وكان القاوقجي يشهد في تلك الفترة التشكلات الإستعمارية الجديدة التي ظهرت بعد انهيار العثمانيين ودفاعه في هذه الفترة عن سوريا الطبيعية التي تضم الكيانات التي نشأت فيما بعد.

ما بعد الإمبراطورية

وفي رحلته بين سقوط الدولة العثمانية وحتى الكارثة الفلسطينية التي تحمل وزرها عندما قاد جيش الإنقاذ الذي أعده على عجل ودربه ونقله إلى فلسطين ليخوض المعركة الأخيرة والتي انتهت بالهزيمة، ومن ثم تقاعده عن القتال تحول إلى رمز قديم، أيقونة باهتة من زمن لم يعد فيه لخريجي الأكاديمية العسكرية في اسطنبول مكان ولا للضباط الذين عملوا مع الألمان في الحرب العالمية الأولى ونالوا احترامهم. ونعرف في ثنايا الحكاية مشاعر الضابط القاوقجي تجاه عنصرية الجيش التركي الذي دافع عنه وقاتل من أجله عندما قابل الضباط الألمان في طريقه إلى جبهة غزة- بئر السبع التي ظل العثمانيون يحاولون الدفاع عنها لأنها كانت الطريق إلى القدس وبالتالي النهاية. ففي القدس عامله الألمان كزميل ورفيق سلاح وهو ما يكشف عن ارتباطه طوال حياته العسكرية بالمدرسة الألمانية وعلاقاته الجيدة مع الضباط الألمان الذين قادوا العمليات العسكرية للجيش العثماني الرابع. بل وعندما حاول جمال باشا (السفاح) محاكمته بتهمة الخيانة لأنه جمع عددا من الضباط العرب في وحدته ببئر السبع واستدعي للقدس على عجل للمحاكمة وقف القائد الألماني معه ضد متهميه. كان العالم الذي تحرك فيه القاوقجي مفتوحا لم تكن حدود سايكس- بيكو قد قسمته، ففي رحلته لاستلام مهمته العسكرية في الموصل قرر السفر إليها عبر جبال تركيا وكردستان كمحاولة منه لمعرفة عالم الدولة وثقافتها ولم يسر في الطريق الذي يجتازه المسافرون عادة في ربوع الدولة من حلب ودير الزور للعراق. ويكشف قرار القاوقجي عن حس للمغامرة وعن وعي مبكر بهويته العروبية التي تشكلت في أروقة الأكاديمية العسكرية حيث شاهد عيانا التمييز والشك الذي يعامل به جنود وضباط الولايات العربية.

دولي

ظل القاوقجي جنديا ومغامرا وفي مفهوم اليوم جنديا دوليا يغير الجبهات ويخوض المعارك مع الجهة التي يرى فيها تحقيقا لحلمه. فهو وإن لم ينضم للثورة العربية التي أعلن عنها شريف مكة، الحسين بن علي ضد الأتراك إلا أنه التحق لاحقا بقوات الملك فيصل الأول وعمل في بغداد، كما قاتل مع الفرنسيين قبل أن يتمرد عليهم وينضم للثوار ويلعب دورا مهما في الثورة السورية. وخاض معارك في الغوطة والقلمون وجبل الزاوية. وظل يحلم بإشعال الثورة من جديد ضد الفرنسيين ولهذا ذهب إلى بغداد للحصول على دعم زملائه السابقين في الجيش العثماني.

مع ابن سعود

فهو في الحجاز مع ابن سعود الذي رشحه البعض ليكون خليفة العرب وحامل أمالهم. وعمل في السعودية على تنظيم الجيش السعودي الناشئ قبل أن يتهم بالجاسوسية ويحقق معه بسبب نكايات من كانوا حول ابن سعود والذي لم يعجبهم تدفق «السوريين» على الحجاز ونجد لمساعدة الدولة الجديدة والحلم ببناء الدولة العربية الواحدة. وكما كتب في مذكراته فقد شعر عندما وصلت السفينة إلى جدة على البحر الأحمر بإمكانيات لا حدود لها من أن حلمه سيتحقق ويهزم الإستعمار البريطاني والفرنسي ولكن الحلم تبدد. ونرى أن النبرة تغيرت عندما ترك القاوقجي السعودية قاصدا بغداد وليضع آماله في الملك فيصل الذي حاول أن يقنعه بدعم خططه لإنعاش الثورة في سوريا. مع أنه رفاقه لم ينضموا لجيش فيصل عندما دخل دمشق وظلوا أوفياء لسلاح الدولة المتهاوية وها هو في بغداد يضع آماله في فيصل الذي مات بسكتة قلبية في سويسرا عام 1933. وكانت وفاة الملك فيصل لحظة فاصلة في آمال القاوقجي والحركة العربية، خاصة أن الملك فيصل الأول لم يتخل عن حلم والده بدولة عربية واحدة. كما وأدت وفاته إلى فراغ في السلطة واقتتال بين الساسة في بغداد. ومن هنا بحث القاوقجي عن جبهة قتالية جديدة، ومنحته فلسطين إياها. فقد سافر إليها أثناء الثورة السورية من أجل تأمين الدعم للثوار وزارها أكثر من مرة عندما كان يعمل في بغداد. وبعد اندلاع الثورة الكبرى عام 1936 جهز مجموعة من المتطوعين العراقيين والسوريين والأردنيين ودخل فلسطين حيث عمل لدعم الثورة من جبال نابلس ومنطقة جنين. واستطاع توحيد فصائل الثورة تحت قيادة موحدة. وكانت تجربته في الثورة كافية لتحويله لنجم ومحل إعجاب للفلسطينيين. ورغم ذلك لم يفر القاوقجي العسكري من تعقيدات الوضع، وربما فشل في فهم السياسة الفلسطينية التي أخذت تتجه بعد نهاية الدولة العثمانية ودخولها تحت الانتداب ووعد بلفور باتجاه الاستقلال ومواجهة المشاريع اليهودية للاستيطان. وهذا يفسر علاقته المتوترة مع الحاج أمين الحسيني الذي دعاه بالمقام الأول للمساعدة في تنظيم الثورة.

خيارات العربي

تظل قصة القاوقجي كما تقدمها الأكاديمية ليلى بارسونس، المحاضرة في جامعة ماكجيل صورة عن خيارات العربي في ظل انهيار الدولة العثمانية وبدايات المرحلة الإستعمارية وإعادة رسم المنطقة. وهي وإن كانت قصة حياة جندي ظل يلاحق حلما ويغامر ويعاند الموت إلا أنها تجادلت مع أحداث المنطقة العربية مما يجعلها معقدة في الوقت نفسه. وتحاول بارسونس في كتابها «القائد: فوزي القاوقجي والكفاح من أجل الإستقلال العربي» موضعة القصة في سياق تجربته العثمانية ومشاركته في الثورات السورية والفلسطينية وأخيرا قيادته جيش الإنقاذ الذي أثر على صورة البطل وجعله في عداد المسؤولين عن الكارثة. وترى أن القاوقجي وإن لم يعترف بأخطاء في مذكراته إلا انه أخطأ أولا عندما قبل قيادة جيش هو في الحقيقة ليس جيشا. مع انها تقول إن حقيقة خلق قوة عسكرية من لا شيء في ظل غياب تعاون من المسؤولين العرب وعدم توفر الإمدادات يعتبر إنجازا. ومشكلة القاوقجي الثانية أنه أساء تقدير القوى اليهودية وأخطأ عندما هاجم المستوطنات اليهودية ولم يكن قادرا على ضبط قواته التي انخرطت في عمليات نهب بشكل أثر على سمعة الجيش وحولته في النهاية لكبش فداء. ولو رفض القاوقجي قيادة الجيش أو الفكرة من أساسها لما تشوهت سمعته بين الفلسطينيين ألذين ادخلوه قبل عام 1948 في ذاكرتهم الشعبية. وتعتقد بارسونس أن قرار القاوقجي القيادة نابع من التزامه بالدفاع عن فلسطين وظل يقاتل كما فعل مع الدولة العثمانية حتى النهاية. ولم يتوقف إلا عندما وقعت الدول العربية الهدنة عام 1948 و 1949. وتقول إن القاوقجي في ظل الكارثة التي حلت بالفلسطينيين والعرب كان هدفا سهلا. وفي لعبة التلاوم جرت شيطنته. فعلى خلاف القادة الذين ساهموا في الكارثة لم يمارس السياسة بل عاش على هامش الأحداث وراقب حروبا ثلاثة بين العرب وإسرائيل 1956، 1967 و 1973 وباستثناء بعض الأدوار السياسية التي قام بها في السياسة اللبنانبة وزيارته للارجنتين حيث كرمه خوان وإيفا بيرون إلا أنه انعزل وعاش في فيلا صغيرة في سان ميشال في بيروت مع زوجته الألمانية أناليس وأبنائه وظل رغم الجو المرفه حوله يشكو من قلة ذات اليد، فلم تكن الأموال التي يحصل عليها كافية لنفقات الحياة. وتشير بارسونس لرسالة كتبها إلى شكري القوتلي يشكو فيها من ضيق الحال. ومع أنه فكر بترشيح نفسه للبرلمان اللبناني عن مدينة طرابلس ووجد دعما للفكرة إلا أنه لم يمض بها. ولأن القاوقجي لم يقاتل من أجل دولة بعينها وحتى عندما قاتل في الثورة السورية عام 1925 كان مثل المقاتل الدولي فلم يجد مكانا في الرواية التاريخية الوطنية لهذه الدولة أو تلك. وهذا يفسر قائمة الاتهامات التي وجهت إليه في مرحلة ما بعد النكبة: جاسوس بريطاني وإسرائيلي وفرنسي وتعامله مع الملك عبدالله وأنه لم يكن يهتم إلا بسوريا. ووصف بالجبان وأنه رفض التعاون مع الجامعة العربية أو الفلسطينيين وأنه قاد جيشا من النهابين. في النهاية تنبع أهمية كتاب ليلى بارسونس من محاولة فهم صورة القائد في التباساتها التاريخية وطبيعة الخيارات التي فرضت على الشخصية ورؤيتها للأحداث وتجادلها مع مرحلة هامة في التشكل الحديث للدولة القطرية وصعود جيل من الساسة والعسكريين تجاوز ذكريات الدولة العلية. تقول زوجته أناليس أنها سمعته قبل وفاته يتحدث التركية وكأنه ينادي رفاقه ويقول لهم إنه فقد الطريق بعدهم، وبعد عام 1948 لم يعثر على وطنه أو نفسه.
Laila Parsons: The Commander: Fawzi Al-Qawuqji And The Fight For Arab Independence
Saqi, London 2016
295 pp.

* نشرت في صحيفة القدس العربي في 24 تموز 2017

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق