وثائق سورية

بيان القيادة القومية لحزب البعث حول الذكرى الثامنة لقيام الوحدة مع مصر عام 1966

بيان القيادة القومية لحزب البعث بمناسبة الذكرى الثامنة لقيام الوحدة مع مصر عام 1966

نص البيان:

ان ذكرى قيام دولة الوحدة التي تطل علينا اليوم، هي احدى الذكريات العظيمة الخالدة في تاريخ أمتنا كله، وهي يوم مشرق من أيام كفاحنا الطويل، ونصر كبير نعتز به ونفخر.

إن الحدث العظيم الذي تم تحقيقه في الثاني والعشرين من شباط عام 1958 كان تتويجاً لنضال عظيم وطويل. فلقد ناضل شعبنا نضالاً شاقاً ومعقداً ودامياً ضد الاستعمار وضد الرجعية وضد نظريات التجزية والاتجاهات المنحرفة التي تكرسها، وضد الطبقات الاجتماعية صاحبة المصلحة في بقائها والسياسيين والانهازيين المنتفعين منها.

كما ناضل نضالاً شاقاً لإيجاد نظرية علمية تقدمية للوحدة ولتجسيد هذه النظرية في حركة سياسية جماهيرية فاعلة تضع هدف تحقيق الوحدة في مقدمة أهدافها وتعمل له من غير كلل أو تراجع أو يأس.

كما كان أيضاً الحركة التي قادت الجماهير وعبأتها من أجل تحقيق الوحدة، فمنذ أن تأسس حزبنا تبنى مناضلوه في سائر أرجاء الوطن العربي تراث نضال الشعب القومي الوحدوي وطوروه، وأغنوه بالمضمون التقدمي الديمقراطي الاشتراكي، ولفوا حول الدعوة الوحدوية كل العناصر المخلصة والشريفة.

وعندما استطاعت الإرادة العربية أن تحرر بعض الشيئ من هيمنة الاستعماريين وتسلط الرجعيين، وعندما نمت الحركة الشعبية في أكثر من قطر عربي.. حيث انتصرت إرادة الثورة في مصر على النظام الملكي الإقطاعي المتسخ، واندفعت الجماهير في سورية لتدرك قلاع الدكتاتورية العسكرية، وعندما قويت شكيمة الثورة الجماهيرية في الجزائر وغيرها من أقطار المشرق، ورفع حزبنا شعار تحقيق الوحدة بين سورية ومصر لتكون نواة للوحدة العربية الشاملة وانموذجاً ثورياً لها.

ولقد كان الكفاح الذي خاضه حزبنا من أجل تحقيق شعار الوحدة والذي خاضته الجماهير العربية وكل المواطنين العرب الشرفاء والفئات الوحدوية المخلصة، تعبيراً عن وحدة الإرادة العربية النازعة إلى تحقيق الثورة الكبرى.

هذه الثورة التي لا يمكن أن تكون حقيقة وعظيمة وخالدة وتاريخية بغير ثورة الوحدة، بغير تحقيق الوحدة، كما كان تجسيداً لمعركة المصير الواحد.. مصير الأمة العربية في كل مكان.

وفي عشية تحقيق الوحدة توفرت لنجاحها ظروف موضوعية عديدة. فلقد كان المد الجماهيري الثوري قوياً وعاتياً وشاملاً، وقد عجزت القوى الاستعمارية والرجعية والدكتاتورية عن سحقه بل وعن لجمه وتجميده.

وكانت الحركات الجماهيرية الثورة في أوج قوتها وانتصارها كما كان تفاؤل الجماهير كبيراً.. وكانت قوى الاستعمار والرجعية والإقليمية والانتهازية تتراجع وتندحر.

وكان من المؤمل أن تكون دولة الوحدة قاعدة صلبة شكلاً ومضموناً لاستئناف النضال الوحدوي والتحريري والاشتراكي العربي لتعزيزه وترسيخه، وأن تصبح هذه الخطوة الثورية العظيمة على مستوى قيمتها التاريخية الخالدة، وأبعادها التي وعتها الجماهير العربية.

وعلى الرغم من أن قيام دولة الوحدة في عام 1958 قد هز الوجود العربي هزاً عنيفاً، وألحق بالقوى الاستعمارية والرجعية والإقليمية خسارة فادحة وعزز مكانة العرب على الصعيد الدولي، وأظهرهم كقوة مادية ومعنوية كبيرة.. إلا أنه ما أن مضت بضعة شهور حتى بدأت المسيرة الثورية الوحدوية الاشتراكية تتعثر وتتجمد وتنكمش، بدلاً من أن تستمر وتقوى وتزداد حيوية وعمقاً.

إن الأخطاء التي وقع فيها حكم الوحدة معروفة، ولقد أنشغلت الجماهير العربية في دراستها ومناقشتها وتحليل أسبابها وسبيلها منذ بداية وقوعها وبعد نكبة الانفصال بصورة خاصة، وهي ما تزال حتى اليوم منشغلة بها.

إن الوضع الذي آلت إليه دولة الوحدة بعد فترة وجيزة من قيامها قد ساعد كثيراً على انتعاش القوى الاستعمارية والرجعية والانفصالية داخل دولة الوحدة وخارجها.. كما ساعد أيضاً على تفتيت القوى الثورية الوحدوية الاشتراكية ولجمها عن أداء دورها الطبيعي في حماية الوحدة  ومكتسباتها الاجتماعية.. الأمر الذي يسر لأعداء الوحدة، لأعداء الاشتراكية تحقيق مؤامرتهم الخبيثة في 28 أيلول 1961، تلك المؤامرة التي فصمت الوحدة، وأقامت في سورية نظاماً انفصالياً رجعياً استعمارياً مهترئاً وأصبح مركزاً للتآمر على كل ما هو وحدوي واشتراكي وتقدمي.

إن ذكرى قيام الوحدة تظل علينا اليوم والأمة العربية تمر بمرحلة خطيرة تكاد تشبه في سيئاتها تلك المرحلة التي اجتازتها في منتصف العقد الخامس.

إن القوى الرجعية قد انتعشت.. وإن رياح الأحلاف والتجمعات الاستعمارية والرجعية المشبوهة تهب من جديد، والصهيونية العالمية تقوى وتعزز تحالفاتها من أجل تثبيت مواقعها على حساب قضايا العرب المصيرية وحقوقهم.. بينما القوى الوحدوية الثورية في حالة مؤلمة من الفراق والتبعثر والتشتت.. وبينما العالم الثالث تجتاحه موجة يمينية شاملة ويظهر فيه تقهقر نسبي في حركة الثورة والتقدم.

إن الجماهير العربية تواجه معركة مصيرية خطيرة في هذه الأيام. وهي مطالبة بأن تخوض هذه المعركة وأن تجتازها بنجاح لتعيد زمام المبادرة إلى قوى الوحدة والثورة والتقدم، ولتدحر مرة ثانية قوى الاستعمار والصهيونية والرجعية. كما أن الحكومات والحركات التقدمية والمنظمات العربية مدعوة لأن تتكاتف ضمن مخطط عملي وإطار من الالتقاء والتعاون لمواجهة الأخطار الكبرى التي تحدث بأمتنا العربية اليوم بأهدافها المصيرية.

إن النضال من أجل الوحدة.. هو أعظم المرتكزات التي ترتكز إليها هذه الجماهير في تحقيق هذا النجاح المطلوب.. فبغير الوحدة لا يمكن في الواقع تحقيق أي نصر تاريخي حاسم ودائم.. وبغيرها تبقى الانتصارات الجزئية ناقصة ومهددة.

إن هذه الذكرى يجب أن تكون حافزاً لنضال جديد من أجل الوحدة.. نضال  يتخطى تجارب الماضي الخاطئة.. كما يتجاوز السلبيات القائمة في الوقت الحاضر.. والعقبات الموضوعة أمام الجماهير.

إن المرحلة التاريخية الراهنة بحاجة إلى عمل ثوري جرئ من أجل الوحدة.. إلى عمل برئ من المناورات السياسية ومن المزاودات الفارغة. إلى عمل تاريخي أصيل.. يتحقق على يد الجماهير.. وتبقى دائماً بيدها.

إننا بحاجة إلى نضال يعيدنا إلى تلك الأيام التي عشناها قبل تحقيق الوحدة .. أيام النصر.. أيام التقاء قوى الثورة والتقدم .. وأيام التفاؤل .. والإيمان.

إن الجماهير وحركاتها الثورية هي المطالبة اليوم بأن تمسك بزمام هذا العمل، وأن لا تعتبره عملاً قاصراً على الحكومات. إن النضال الوحدوي الجديد يجب أن يبدأ من بين الجماهير وأن يبقى بيدها، وكما أن تحقيق أية خطوة وحدوية جديدة يجب أن تتم بعد أن ترسم الجماهير معالمها وحدودها، فتأتي الحكومات فيما بعد لتنفذها.

إن إبعاد الجماهير عن تسلم زمام مصيرها، وعن قيادة معاركها القومية الكبرى، هو الذي أدى إلى نكسة الوحدة.. في حين كانت هي التي صنعت الوحدة وجعلتها واقعاً من بعد أن كانت حلماً.

إن الاستراتيجية الجديدة للنضال الوحدوي يجب أن تتخطى مجال الأحلام والتمنيات ويجب أن تبنى على عمل جدي علمي صبور ودائب رغم كل العراقيل والصعوبات والتعقيدات التي يطرحها الواقع الرهن.

فلتكن هذه الذكرى في اطلالتها اليوم حافزاً لنا من أجل نضال وحدوي جديد .. من أجل استراتيجية وحدوية علمية وجدية.. من أجل كفاح ملؤه التفاؤل والصدق والاخلاص.

ولتعش هذه الذكرى العظيمة

ولتعش أمتنا العربية.. وأهدافها الكبرى في الوحدة والحرية والاشتراكية

القيادة القومية

 المراجع والهوامش:

(1) صحيفة البعث- دمشق، العدد 903 الصادر يوم الثلاثاء 22 شباط عام 1966م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى