أحداثالفعاليات السياسية في سورية
حفل تكريم هاشم الأتاسي في مجلس النواب عام 1955م
حفل تكريم هاشم الأتاسي في مجلس النواب السوري عام 1955م
أقام الدكتور ناظم القدسي رئيس مجلس النواب حفلاً تكريمياً ووداعياً باسم مجلس النواب على شرف الرئيس هاشم الأتاسي رئيس الجمهورية المنتهية ولايته في حديقة مجلس النواب في الساعة السادسة من مساء الخامس من أيلول عام 1955م.
حضر الحفل رئيس مجلس الوزراء والوزراء والنواب وأعضاء السلك السياسي العربي والأجنبي.
كما حضر الحفل الأمير محمد نجل الملك سعود بن عبد العزيز على رأس الوفد السعودي الرسمي القادم لتهنئة الرئيس شكري القوتلي رئيس الجمهورية المنتخب، وكذلك السيد جميل المدفعي رئيس وزراء العراق الأسبق، بالإضافة إلى عدد من رجال الدولة والصحافة.
وقد حيت ثلة من الدرك الرئيس هاشم الأتاسي عند مدخل حديقة مجلس النواب، وعزفت الموسيقى النشيد السوري، واستقبله رئيس مجلس النواب ومكتب المجلس.
وبعد ذلك وقف الدكتور القدسي، وألقى خطاباً أشاد فيه بماضي الرئيس الأتاسي، وأعماله.
نص كلمة ناظم القدسي:
سيدي فخامة الرئيس الجليل
ساداتي المحترمين
انه لشرف عظيم أن أعرض لفخامتكم بلسان زملائي السادة النواب وبلساني، عما تكنه نفوسنا لفخامتكم، وما تحفظه قلوب أبناء الأمة التي أولتنا شرف تمثيلها من عظيم الاجلال وبالغ الاحترام لشخصكم الكريم، وما تشعر به نحوكم من عرفان الجميل للأيدي البيضاء التي أشديتموها والخدمات الجلى التي قدمتوها، في مختلف مراحل النضال منذ انبثاق نهضتنا القومية وانطلاق حركتنا الوطنية.
وقد ترأستم في عام 1918 ألف وتسمائة عشر المؤتمر السوري الذي انبعثت منه كلمة الأمة السورية معلنة تحررها، واستقلالها، وخلاصها من نير الاستعمار الذي رزحت تحته مدى أحقاب.
وشكلتم الوزارة السورية في عهد الاستقلال الذي تألبت عليه قوى المستعمرين فأنبرت الأمة في شتى الميادين تدافع عن حقها، وتدفع العدوان وتقاوم الطغيان.
فكنتم في سائر مواقفكم المشرفة، قدوة للعاملين المخلصين، وإماماً للمجاهدين المناضلين ومثالاً للقائد الحكيم والأب الرحيم والراعي الأمين.
وبعد طول الجهاد ترأسنا الجمعية التأسيسية عام 1928 ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين فوضعتم مع اخوانكم دستوراً للبلاد وتمثلت فيه مبادئ الحقوق السائدة انذاك فما لبثت السلطات المحتلة ان هبت للتدخل، فصمدتم مع اخوانكم.
وسار الشعب تحت لوائكم لمقاومة العدوان ومحاربة الطغيان فقدتمتموه بحكمتكم، وصادق وطنيتكم إلى تحقيق رغائبه الوطنية، ونبل أمانيه في الحرية، حتى كتب الله له النصر.
ورفعتم الأمة إلى سدة الرئاسة العليا فكنتم فيها كما كنتم في عهد النضال محط الآمال وملجأ الأمة في كل ما يحز بها من أمر.
ومازلتم لها السند والمرجع في الملمات، تجد فيكم الراعي الصالح والمرشد الناصح ترسمون لها بسيرتكم، وحسن سريرتكم، طريق الخلاص، و تأخذون بيدها لاجتناب العثرات بعقيدة واخلاص.
وإنه لمن أكبر دواعي الفخر والاعتزاز أن أشيد بمآثركم الحميدة وسيرتكم المجيدة، في هذا الحقل الذي يضم الكثيرين ممن كان لهم شرف العمل تحت لوائكم في مقاومة الأجنبي “شاركنا – الكلمة غير واضحة من المصدر” فيه أرواح الشهداء الخالدين المجاهدين الذين عرفوا فيكم كما عرفنا الاخلاص والإيمان والثبات.
وكل من عمل معكم في ساحات النضال أو ساهم في الحكم في عهد الاستقلال بذكر لفخامتك بكل فخر ما تتحلون وما تمتازون به من الصدق في القول والعمل والتفاني في خدمة الأمة، والحرص على مصلحتها وما تتصفون به من نكران الذات في سبيلها.
تسو سون الأمور بالحكمة، والروية والأناة حتى تشيع الطمأنينة ويسود الاستقرار.
وقد تم في عهدكم سن دستورنا العتيد الضامن لحقوق الأمة والحافظ لحريتها والمحقق لتقدمها فشملتموه برعايتكم، وقمتم على صيانته وتنفيذه بغيرة وحمية وروح عالية من التجرد والاخلاص وصمدتم أمام “الزعافرع- كلمة غير واضحة من المصدر”التي أرادت الإطاحة به والعبث بقدسيته، فكنتم صخرة الإيمان التي تحطمت عليها عواطف الأهواء والرغبات الجامحة، وأثبتم في جميع مواقفكم كيف يكون المثل الأعلى للحكم الديمقراطي الدستوري الصحيح وغدوتم في سيرتكم القدوة المثلى للحاكم العادل النصيح.
فنواب الأمة- والفخار يملأ جوانحهم يمجدون في شخصكم الكريم هذه المرحلة التاريخية التي اشتملت عليها حياتكم الحافلة بجلائل الأعمال وكرائم الفعال والتي خلدتم فيها صفحات مشرفات من تاريخ هذا الوطن، سائلين الله العلي القدير أن يجزيكم عن هذه الأمة خير الجزاء، وأن يحسن إليكم كما أحسنتم إليها وأن يحفظكم ذخراً للبلاد. وأن يجعل من عهد خلفكم فخامة السيد شكري القوتلي عهداً زاهراً بالمجد والقوة لسورية والعروبة، وأن يلهمنا الهداية والتوفيق للعمل الصالح المثمر، وأن يوفقنا جميعاً لما فيه مجد سورية، وعز الوطن العربي الكبير.
كما ألقى الرئيس هاشم الأتاسي كلمة، هذا نصها:
أيها السادة:
تأثرت كثيراً عندما اجتمع المجلس النيابي منذ بضعة أشهر لانتخاب رئيس الجمهورية، بالكلم الطيب الذي وجهه إلى دولة رئيسه، كما تأثرت بما أظهره نحوي أعضاء المجلس من عاطفة كريمة وشعور نبيل.
وإذا كنت لم استطع أن أوجه إليهم شكري في تلك الجلسة التي كنت غائباً عنها، فقد امتلأت جوانحي بعرفان الجميل لا حد له، وشكران الجميل للقلوب الكريمة التي مازالت تخفق في هذه البلاد، وقد ازداد تأثري هذا اليوم، عندما أعاد الرئيس بطيب ونبل كلمات خصني بها، ذاكراً جهودي المتواضعة، التي كنت أريد بها دائماً أبداً وجه الله ورضاء الضمير، ومصلحة الوطن.
وإني في هذه اللحظات، وأنا أخاطب ممثلي الأمة، وجمهوراً كريماً من الشعب السوري، لتعرض في خاطري الجهود العظيمة التي بذلها هذا الشعب خلال السنوات الطويلة لاحراز الاستقلال وصيانته، وإقامة بنيانه على أسس ديمقراطية دستورية تجاري الزمان في تطوره وتستخرج حاجات الشعب، وتميز قواه الحقيقية وآماله الخفية، ما بدل دلالة قاطعة على تمسك هذه البلاد بالحكم الدستوري والأوضاع الديمقراطية الصحيحة.
فما كادت تتألف الحكومة العربية في دمشق سنة 1918م حتى كان الاتجاه نحو اعطاء الحكم صفة تمثيلية نيابية، واجتمع المؤتمر العربي السوري الذي مثل مختلف أرجاء هذه المنطقة الجميلة، وأعنى بها سورية في حدودها الطبيعية، فوضعت دستوراً حراً ينظم طريقة الحكم على أفضل القواعد التي كانت معروفة يومئذ، ولكن سورية قبل أن تضع هذا الدستور موضع التنفيذ، تعرضت لقرارات التجزئة، وحكم أجنبي متعدد الأشكال تحت ستار الانتداب.
وبعد جهود متمادية انتظم عقد الجمعية التأسيسية سنة 1928 فوضعت دستوراً جديداً مستمداً من مبادئ الحق العام الذي كان سائداً بعد الحرب العالمية الأولى، وما لبثت أن اشتبكت مع السلطات الأجنبية حول المواد الست الشهيرة والتي اعتبرتها الجمعية روح الدستور وجوهره، لأنها كانت تتناول خصائص السيادة الداخلية والخارجية، ورفضت أن تقبل من عرض عليها من طي أو تأجيل لهذه المواد فعطلت الجمعية، وتفرق أعضاؤها مستأنفين نضالهم المتتبع، مقيمين البرهان على أن القوة لا تستطيع أن تقف سداً في طريق الشعوب الحرة، وإلى أن سجل الشعب السوري ظفراً مبيناً سنة 1936، وأنشأ عهداً وطنياً قائماً على أساس الاستقلال والحرية، ولكنه اشتبك مرة أخرى مع السلطات الفرنسية، التي قضت على هذا العهد حتى أعيدت الأوضاع الشرعية سنة 1943 وألغيت نهائياً المادة 116 الملحقة بالدستور التي لم يعترف بها الشعب السوري ولا ممثلوه.
ثم التأمت الجمعية التأسيسية سنة 1949 على اثر انقلابين عسكريين، فأقرت دستورها الجديد على أحدث القواعد الديمقراطية، ومناهج الحكم، التي تتمسك بحقوق الأفراد وحقوق الجماعات وقواعد المساواة والعدالة الاجتماعية، وينضوي تحت لوائها المواطنون الأحرار، الذين أشربت قلوبهم حب الخير لجميع طبقات الأمة.
فأنتهز هذه المناسبة، مناسبة الشكر والتقدير لأعرب عن أصدق ما في نفسي من رجاء وأمل، لأن تظل المثل العليا نصب أبصارنا، وأن نتخذها دليلاً نأتم به في غدواتنا وروحاتنا.
ويسرني بالغ السرور أن يتسلم مقاليد الرئاسة رجل عرف بصدق عزيمته، وعظيم اخلاصه لوطنه، وحرصه على مصلحة بلاده، ومصلحة البلاد العربية بأسرها، صاحب الفخامة الرئيس شكري القوتلي، وإني اسأل الله القادر على كل شئ أن يمده بمعونته حتى يحقق أفضل الأماني المعقودة على رئاسته الجديدة، سدد الله خطواتنا جميعاً ووفقنا لما فيه الخير والسلام.







