You dont have javascript enabled! Please enable it!
وثائق سوريا

كلمة عبد الرحمن الشهبندر في حفل تأسيس حزب الشعب عام 1925

كلمة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في حفل تأسيس حزب الشعب الذي جرى في أوبرا العباسية بدمشق يوم الجمعة في الخامس من حزيران عام 1925م.


نص الكلمة:

(من دواعي التفاؤل أن يرى المرء هذا الجمع المبارك ليحيي فيه أول كتلة وطنية انتظمت انتظاماً عليناً لخدمة البلاد وتأييدها في جهودها بعد احتلالها.

إن هذه الخطوة الجديدة في حياتنا السياسية هي خطوة واسعة لأن البلاد التي ليس فيها تنظيم يجمع كلمة أهل الشأن، هي بلاد مشتتة لا رأي لها، ومن لا رأي له حريّ بأن يهمل ويلقى جانباً.

وقد حمل علينا الغرب حملة شعواء بقولهم، إن العرب -وهم على جانب عظيم من الذكاء وحسن النية- عاجزون على التعاون والعمل المشترك لبلوغ هدف معين، وربما توقع بعضهم جرياً على هذه القاعدة، أن يدب الخلاف إلى هذه الكتلة وهي في مهدها، بيد أن علينا أن نبرهن لهم، أن الحوادث التي علمتنا، وأن الضغط الخارجي الذي تلاقيه أمتنا لأقوى من أن يسمح باستمرار هذه النقيصة فينا.

يمتاز هذا العصر بمييزات جمة أوضحها من الوجهة الاجتماعية تنظيم الجماعات إلى كتل متجانسة في مساعيها وغاياتها. فالتجار والصناع وأصحاب الحرف مثلاً تجمهروا إلى نقابات، وحملة العلم وأهل الفن ورجال السياسة إلى جمعيات وأحزاب، والدول إلى متفقات وأحلاف، وكل ذلك في سبيل التعاون ولجعل النتائج نافذة لا تضمحل أمام الصدمات.

إن وقع الأقدام منتظماً على قياس زمني مضبوط يهدد الجسور الضخمة بالانهيار لأن في التجمع والتنظيم من القوة النافذة مالا تحلم به الفردية المبعثرة، والفوضى المنتشرة، وطابور واحد من الجند المدرب خير من الألوف وعشرات الألوف من أولئك الهمج المشتتين الضاربين في الفيافي الذين لم يتعودوا الأنصياع في خيامهم ولا ألفوا الأنقياد في حركاتهم.

ومن سوء الظن الذي لا مبرر له أن يدعي المرأ أن الأمة قد قصرت في تنظيم نفسها حتى الآن، أيلام الجنين إذا لم يتنفس، والمكبل إذا لم يتزحزح? ألا تجعل تلك الكمامات الموضوعة على الأفواه والأغلال الملفوفة على الأعناق مثل هذا التنظيم متعذراً؟ على أن الاعتراف بتأليف حزب علني سداه المطالبة بالسلطات القومي ولحمته تأييد الوحدة في البلاد هو ولا شك طور من الأطوار الجديدة في تاريخ الحياة السياسية في سورية.

راجت على الألسنة في غضون الحرب العالمية ألفاظ سحرية كثيرة اتخذها المتحاربون أحبولة لصيد الأمم الواجمة. فقولهم حرب الديمقراطية، وحرب التحرير، وحرب الأقوام، ولا غرم ولا غنم، إلى آخر ما هنالك من الألفاظ الجذابة والمعاني الخلابة، التي لا نريد الخوض في البحث عن اخلاص واضعيها. ومن أجملها وقعاً في النفوس قولهم “تقرير المصير” إذا أرادوا به أن تكون إرادة الشعب باعتباره وحدة حرة ذات كيان خاص، هي الحكم الأخير في تقرير مصيره، والبت في أمره، بدلاً من جعله سلعة تتهاده الأيدي الغاصبة، وبياعة تعرض في أسواق الاستعمار للمساومة والمقايضة.

حقاً إن فكرة “تقرير المصير” فكرة سامية تدل على علو كعب الموحين بها، بيد أن هذا السمو نفسه كان عقبة كؤوداً في سبيل تحقيقها، لأن السياسة إذا لم تتمشى دائماً في سبيل تحقيقها، لأن السياسة إذا لم تتمشى دائماًُ  وراء الأبالسة الماكرين فهي قلما تحتذي بالملائكة المطهرين، ولا نبالغ إذا قلنا إن اتخاذ السمو قاعدة لحل الخلاف في البيئة السياسية المنحطة لا يخلو من الفشل الذي يصيب اتخاذ الشرف أساساً لتقسيم الأسلاب بين اللصوص.

من منا يشك مثلاً أن الاستمرار على الاستعداد للحرب بالغواصات والطيارات والدبابات والغازات الخانقة ستؤدي حتماً إلى الحرب؟ هل بقي أحد من أهل الصحافة يؤيد تلك البداهة القائلة أن التسلح هو خير ضمان للسلم؟

أليس شحذ المدي بأيدي العصابات المتوحشة وغمس الحراب بالسموم النباتية برهاناً على قرب وقوع الكارثة؟ وأنه لأسهل على عصبة الأمم، وهي بعجزها الحاضر، أن تحول دون الخصامبين المتوحشين الضعفاء من أجل نحقن الدماء بين الذين اتخذوا أسمى آيات العلم والفن وسيلة لأهدافها.

يمثل هذه القواعد التي محصها العلم وأثبتها الاختبار أريد أن استرشد في تقرير مصير البلاد التي تغذينا بلبانها وعلى حبها عشنا وفي حبها نموت

العامل الجغرافي:

قال لي الدكتور “لاد” وهو من الأساتذة المعروفين في نيويورك “ألستم كمن يقطع الصخر الأصم في مقاومتكم الحال الراهنة في بلادكم..؟”.

وقلت له: “هلم بنا إلى المصور الجغرافي علنا نجد فيه ما ينشطنا”. فقمنا إلى مكتبته الجميلة وعلى أحد جدرانها مصور آسيا الصغرى وبلاد الغرب، فأشرت إلى سورية بسبابتي وقلت هنا باب الغرب إلى الشرق، وباب الشرق إلى الغرب، وسيكون ها الممر من الوجهة البرية عند الدول صاحبة الشأن أعظم من ترعة السويس من الوجهة البحرية.

ثم ذكرت أنني قضيت شهرين اثنين في سنة 1915 في الصحراء قبل أن أبلغ شط العرب، ولكن بعد اكتشاف طريق المسافة الشاسعة في أقل من يومين، وهكذا أصبح المرء بين عشية وضحاها ينتقل من شواطئ البحر المتوسط إلى لب بلاد الشرق.

والسبيل الوحيد للمساواة في مراعاة المصالح الدولية فيه هي تسليمه لأهله بحيث يكون باباً مفتوحاً للجميع، ومن ثم إن هذه البلاد يحدها من الشمال والشرق والجنوب دول شرقية مستقلة أو شبه مستقلة، وبعضها ذات لحمة واتصال بأنساب أهلها، أفلا يتعذر الدفاع عنها مالم يكن هؤلاء الأهل عاملاً أصلياً في هذا الدفاع؟.

ومالم يكن راضين عن الحال في بلادكم فكيف تستطيع قوة أن تجبرهم على الدفاع عنها دفاعاً من صميم أفئدتهم؟ ألا يجب حينئذ تطبيق نظرية “إسماعيل فاضل باشا” وخلاصتها تطويق سورية، بنطاق من قلاع صغيرة.. “بلوكوسات” تقام على أبعاد متقاربة لحمايتها من نفسها ومن جيرانها؟ إننا نتثاقل من مشينا من غير هذه الأحمال الثقيلة فما بالك لو وضعناها؟

العامل الاجتماعي

يحصل هذا من تماس الشعوب واتصالها بعضها ببعضها، وهو أشد فعلاً في تطور الأمم من العامل الجغرافي، قد تنتج طريقة الجوازات وإقامة السدود على طريقة “السد الصيني” في منع الغرباء من الدخول إلى البلاد التي تأباهم حكوماتها، ولكن ما من سبيل إلى منع الأفكار الجديدة من التسرب إلى الأذهان المستعدة، خصوصاً متى بلغت الأمة درجة من الوعي العام يتعذر معها إسدال الستائر على الأفهام، هل يتوصل الدهاء السياسي ياترى إلى إقامة حاجز ضيق بين العراق والأناضول مثلاً بحيث يتمكن من الإذلال والمأجورين والجواسيس وأسيادهم من إقناع العراقيين أنهم متمتعون باستقلال تام ناجز كما يتمتع الترك؟

 إن الأمراض الإجتماعية التي تنزل بالأمة الواحدة كالفوضوية مثلاً يعجز الجو الصحي عن منعها من الدخول إلى الأمم الأخرى، فهل يعقل أن القسو ووسائل الإرهاب مع التدجيل تستطيع الوقوف دون تسرب الفضيلة، ولو قدر لبشر أن يقف سداً دون الحرية فما أحرى بالسلطان عبد الحميد الثاني أن يكون ذاك الرجل، ولكن حنكة رجال “المابين” ودربة رجاله الجواسيس وراء ذلك دروس “ماكيافلي” التي كان يلقيها عاهل يلديز على أعوانه مزقتها رياح الحرية لما هبت في سلانيك.

إن رؤوس الأصنام في المعابد هي أول من يهتز لصوت الأنبياء لأن الجدران مهما كانت منيعة لا تقوى على صوت الحق.

العامل الجنسي

إن سكان هذه البلاد على اختلاف العشيرة يمتون بأصولهم إلى الجزيرة العربية، ومهما كانت عيوب هذه الجزيرة فإن فضيلتها البارزة هي أنها تطبع أبناءها على الحرية، فالحرية هي غريزتنا، ولأهون على البشر أن يخفوا منا ملامحنا، ويلاشوا ألواننا وتقاطيع وجوهنا وقاماتنا، وشكل شعورنا، من أن يزيلوا هذه الغريزة من نفوسنا، وقد رأيت بعض الأزرياء يحاولون غمط هذه الفضيلة بضربهم الأمثال على استبداد الترك أحقاباً في بلادنا.

إن الترك لم لم يستعرض في عاداتهم وتقاليدهم ويعاملوا الأهلين كما يعاملون سكان الأناضول أنفسهم لما استطاعوا أن يؤسسوا لهم في بلاد العرب عرشاً ثابتاً، ومنذ خالطوا أوربا ودرسوا طرق استعمارها ودار في خلدهم أن يجعلوا الجزيرة مستملكة والعرب أتباعاً، وأن يقضوا على اللغة العربية وكنوزها التي لا تفنى. منذ ذلك اليوم تقدمت شهداؤنا الأشاوس إلى المشانق برؤوس مرفوعة وصدر رحبة تثبت للعالم أن تحت الرماد الذي ذره الترك حجراً يلتهب من رضا الحرية.

العامل الاقتصادي

تكاد تكون جميع الإنقلابات التي حدثت في عصر التاريخ ناشئة عن العامل الاقتصادي، والشقاء الذي أناخ بكلكله على سواد الشعب الأفرنسي في أواخر القرن الثامن عشر، كان مثل البؤس الذي خيم على الفلاح الروسي في أوائل هذا القرن وفي كلا البلدين أنتج استثمار الطبقة الأرستقراطية للطبقة العاملة نتيجة واحدة هي الثورة.

إن كيان أوربا يهدد في يومنا هذا في حرب عوان تدعى “حرب الطبقات” وخلاصته، أن تسعة أعشار الأمم الغربية، وهم العمال يشتغلون آناء الليل وأطراف النهار لإشباع العشر الباقي وإملاء جيوبهم، وهم الممولون، إن منافع الممولين في البلدان المختلفة تتضارب فتنتصر لها الطبقات التي تعيش على فضلاتها كالطبقة الملكية مثلاً، ما يؤدي إلى نزول الكارثة على رؤوس العمال المساكين فنراهم يساقون إلى المجازر سوق الأنعام من غير ذنب اقترفوه.

وقد كانت نتيجة الصراع الأوربي الأخير أن نحواً من ثلاثين مليوناً من أفتى البشر وجلهم من الطبقة الثالثة ذهبوا على مذابح الأطماع المالية، فهل يعادل الشرق الأوسط جميعه ياترى بما فيه الأناضول والآستانة هؤلاء الرحلين البائسين؟

لو أمسكنا عشرة من المارين في أي شارع من شوارع العواصم الأوربية لرأينا تسعاً منهم يستنكرون الحالة الشرسة التي عليهم معظم الحكومات الغربية، وهم إذا ما سمعوا بالمظالم والمغانم التي تجنى بأسمهم قالوا ليس بين شعوب الأرض شيئ من سوء التفاهم، وإنما هو صراع رأس المال.

ومهما كان عذر الفاتحين في احتلال البلدان الغربية عنهم، فإن الزيوت والأنهار، والشلالات، والأحجار، والأتربة، والمعادن، والأخشاب، والحبوب، هي “عند التحليل النهائي” وراء الدعاية الفارغة التي يتظاهرون بها، ومعنى ذلك أن رؤوس الأموال استرخصت الموارد الوطنية فاندفعت تطلب لها مستودعاً في الخارج يدر عليها اللبن والعسل، فلم تر خيراً من البلاد، واتخاذ سكانها عمالاً بالأجور الرخيصة.

إن تسرب أموال البلاد المغلوبة أمرها من جيوب أبنائها يوماً بعد يوم سينتهي بهم إلى الإفلاس حتماً، وإذا كنت أعتقد أن الشيوعية وضع لا يلتئم مع الغزيرة الشرقية فإنني لا أعتقد أبداً أن الاشتراكية المعقولة تناقض عقيدة الشرقيين وسينتهي الافلاس بالبلاد المستعمرة إلى حشرهما في صف العمال، ليتعاون الجميع على تحرير الإنسانية البائسة من مخالب الأصفر الرنان.

هذه هي العوامل الأربعة الكبرى، ولا ينكر أن لكل واحد منها على أنفراده علاجاً مؤثراً، فللعامل الجغرافي، الحرس والسدود والقلاع، وللعامل الاجتماعي، الإرهاب والسجون، وكم الأفواه وعقل الأقلام، وللعامل الجنسي، رشوة العقل وبناء المدارس الفاسدة ونشر التربية الذليلة، وللعامل الاقتصادي، استئجار الصحف النفعية وبث الدعوة الكاذبة.

غير أن مقاومتها جميعاً تطلب قوة لا تفي عند الحساب الدقيق مناهضيها، ولا يظن أحداً أنني من المغرورين الذين لا يعرفون أوربا، ولا يقدرون قوتها حق قدرها، أو لا يحيطون بالانظم التي وضعتها لاستثمار البلاد المستضعفة غير أن يقيني بغلبة القواعد العلمية هو يقين كالراسيات لا يتزلزل ، استطاعت شركة السكة الحديدية بين بيروت والشام أن  تسير قطرها على ظهور لبنان العاتية لواسطة المسننات رغم أنف الجاذبية، ولكن في اليوم الذي يحفر فيه نفق “حمانا” يموت ظهر البيدر لأن الاستمرار على مقاومة الطبيعة عناد يكلف أصحابه الكلفة الباهظة، ويؤدي في آخر الأمر إلى الفشل.

ولا يتأتى النجاح من مقاومة الطبيعة،ومصارعتها، بل من مجاراتها والتكيف بحسبها، فإذا وحد طريقان يؤديان إلى الطاحون أحدهما سهل حدر والآخر وعر قردد، فمن البلاهة أن يرغب الطحان في الوعورة عن السهولات إلا إذا كانت وجهته غير المطحنة.

إن الليالي حبالى والمستقبل حافل بأنواع الاحتمالات فعلى الأقوام المظلومة التي تطلب الهواء الطلق والنور المشرق والحياة الرفيعة، أن تجعل لكيانها قيمة مادية في الميزان الدولي، وأن تبقي قبس القومية مشتعلاً دائماً اشتعال نار فارس لتضئ به في الملحمة القادمة، إذ يكون الظلام دامساً والدليل جائزاً، والغلبة يومئذ للمتقين).

المراجع والهوامش:

(1). الحكيم (حسن)، عبد الرحمن الشهبندر، حياته وجهاده، الدار المتحدة للنشر، الطبعة الأولى بيروت عام 1985م، 109- 115



 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى