ولد إسماعيل الحريري في الشيخ مسكين في درعا عام 1860م.
يعود نسبه إلى الشيخ علي بن برهان الدين أبي النصر الحريري، ولقب بالحريري نسبة إلى منطقة حرير من أعمال البصرة.
أولاده محمد خير الحريري، وسالم الحريري.
كان عضواً في مجلس المبعوثان – الدورة التشريعية الثانية (المشروطية الثانية) 1912م(1).
ناهض سلطات الانتداب الفرنسي، وقاد المعارك وحرك الشباب، ويشتهر بالحوار الذي دار بين غورو وزعيم حوران الشيخ إسماعيل الحريري في معاهدة الشيخ مسكين(2).
ساند إسماعيل الحريري الثورة السورية الكبرى ووقف ضد الانجرار إلى الفتنة بين السهل والجبل في عام 1925م من تاريخ الرابع من أغسطس، طلب المندوب الفرنسي شلفر زعماء حوران فحضر منهم إلى دمشق: الشيخ إسماعيل الحريري، والشيخ مصطفى المقداد وغيرهم طالبًا من زعماء حوران التسليح ومقاتلة الدروز مقابل إعلان استقلال سهل حوران والإعفاء من الضرائب، والذي تم اعتقاله على إثر رفضه.
لجأ سنة 1926 إلى شرق الأردن بعد أن صدر حكم الإعدام بحقه وتم تحديد إقامته في قرية السلط الأردنية، ومنحه الأمير عبدالله الأول حق اللجوء السياسي، وبذلك تمت حمايته من الحكم الصادر بحقه، هو ومرافقيه من المجاهدين، وكان يصدر توجيهاته للثوار في سورية من الأراضي الأردنية(3).
توفي عام 1956م.
(1) السوريون في مجلس المبعوثان – الدورة التشريعية الثانية (المشروطية الثانية) 1912
(2) نص الحوار الذي جرى بين إسماعيل الحريري والجنرال غورو:
غورو: لقد كنتم على خطأ فادح في موقفكم السلبي ضد فرنسا، وهي أعظم دولة، وكنتم أنتم السبب في خراب حوران، وهذا ما نأسف له.
الحريري: إن زعماء حوران لا يحتاجون إلى نصائح من فرنسا، لأن الشعب الحوراني لا يثق بأحد إلا حين يرى النوايا سليمة في القلب.
غورو: من هو المسؤول الذي أوعز لشعب حوران بعدم الخروج لاستقبالنا، وقد جئنا نمنحكم العفو والحرية بصدد عصيانكم على فرنسا العظيمة التي سحقت ألمانيا وهي أكبر دولة في العالم.
الحريري: ليس بوسعنا إكراه الشعب الحوراني على استقبالكم بعد أن أصبحت دياره خرابًا، وهي ليست نعمة ليحمدكم على صنعها.
غورو: إنك لا تستحق أن تكون زعيمًا على حوران، وأطلب منك الاستقالة، لأن هناك من يفهم السياسة الفرنسية وهو أجدر بها منك.
الحريري: إن الزعامة ليست ملكًا للدولة أو للحكام، ينعمون بها عند الرضا ويسلبونها عند السخط، وإن حوران لا تدين بالطاعة إلا لمن يضع مصلحة البلاد فوق كل المصالح.
(3) صهيب المقداد، التاريخ السوري المعاصر، الخامس عشر من نيسان 2023م.
شرارة الثورة السورية الكبرى: القائد إسماعيل الحريري وتحدي الانتداب الفرنسي (1920 – 1926)
شكلت منطقة حوران جنوب سوريا جبهة استراتيجية حاسمة إبان مواجهة التوغل والانتداب الفرنسي. وبرز في هذه المنطقة اسم القائد الشيخ إسماعيل الحريري، الذي تزعم عائلات حوران الكبرى ونجح في تعبئة المئات من الثوار لشن حرب عصابات منظمة أنهكت خطوط الإمداد الفرنسية، وخلقت تنسيقاً عسكرياً وتكاملاً مع باقي قادات الثوار في المناطق الاخرى
ترسم الوثائق العسكرية والمخابراتية الفرنسية المستخرجة من أرشيف الدفاع بباريس والأرشيف الدبلوماسي في نانت، إلى جانب الصحافة الفرنسية الصادرة آنذاك، مسيرة هذا القائد ومعاركه الشرسة والأحكام والانتهاكات التي طالته وطالت عائلته وممتلكاته.
الاعتقال المبكر وسجن قلعة بصرى (1920)
لم تكن مقاومة الشيخ إسماعيل الحريري وليدة عام 1925، بل بدأت منذ بواكير دخول الاحتلال الفرنسي إلى سوريا عقب معركة ميسلون عام 1920. وبسبب مواقفه المناهضة للسياسة الاستعمارية الفرنسية ورفضه الامتثال لأوامر الجنرال “غورو”، تم اعتقاله وإيداعه سجن قلعة بصرى الشام الأثرية التي حولتها قوات الانتداب إلى معتقل عسكري ومقر قيادة.
وتوثق الصورة التاريخية النادرة في كتاب “صور من حوران – القرن التاسع عشر والقرن العشرين” لحظة إطلاق سراح الشيخ إسماعيل الحريري من سجن قلعة بصرى عام 1920م، حيث يظهر في وسط الصورة بلباسه العربي التقليدي (العباءة والكوفية والعقال المزدوج) وبجانبه نجله الصغير آنذاك الشيخ محمد خير الحريري، وجهاً لوجه أمام الجنرال غملان وعدد من الضباط والجنود الفرنسيين المدججين بالسلاح.
موقف للتاريخ: تشير التدوينات التاريخية المؤرشفة في وزارة الدفاع الفرنسي لجيش الشرق الفرنسي أن الجنرال غورو طلب من الشيخ إسماعيل الحريري التخلي عن الزعامة أو السير وفق السياسة الفرنسية، فكان رده الصارم:
“إن الزعامة ليست ملكاً للدولة أو الحكام ينعمون بها عند السخط، بل هي زعامة وراثة تقليدية في بيئتنا، وحوران بأجمعها لا تدين بالطاعة إلا لمن يضع مصلحة البلاد العليا فوق مصالح الجميع”. وهو ما أكد الخط الأحمر لأبناء حوران بعدم التعامل مع المحتل.
التواريخ الدقيقة للمعارك والعمليات العسكرية (1925)
ومع اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925، عاد الشيخ إسماعيل الحريري ليتصدر المشهد المسلح في السهل الحوراني. ودُوّنت العمليات العسكرية التي خاضها وثواره بدقة في التقارير الفرنسية الرسمية، ولا سيما في “يوميات الزحف والعمليات” (JMO) لجيش المشرق:
1. معركة غباغب (5 – 6 أغسطس / آب 1925)
تلت هذه المعركة مباشرة اندلاع الثورة في الجبل. حيث أطلق إسماعيل الحريري شرارة العمليات العسكرية في السهل عبر قطع خطوط الإمداد العسكري وسكة الحديد المتجهة جنوباً، مما شكل ضربة استراتيجية مبكرة للفرنسيين لمنع وصول التعزيزات.
2. معركة الدلي (سبتمبر / أيلول 1925)
اشتدت حدة المعارك في منتصف شهر سبتمبر مع محاولات الجيش الفرنسي المستمرة لإعادة السيطرة على الطرق القريبة من مدينة “الشيخ مسكين” وتأمين ممراتها بعد أن شلّ الثوار حركتها.
3. معركة الشيخ مسكين وتدمير سكة الحديد (أكتوبر / تشرين الأول 1925)
تعتبر هذه الفترة الذروة العسكرية لثورة حوران بقيادة إسماعيل الحريري. دارت في هذه المعركة مواجهات طاحنة لصد الأرتال الفرنسية المتقدمة نحو درعا. وبحسب تقرير المخابرات العسكرية الفرنسية (S.R.) لقطاع حوران الصادر في أكتوبر 1925، نجح الحريري في تعبئة مئات المجموعات المسلحة.
• هذا نص تقرير استخباراتي فرنسي والنسخة الاصلية موجودة في أرشيف أرشيف مركز نانت (Centre des Archives diplomatiques de Nantes – CADN
وترجمته الحرفية:
تقرير مصلحة الاستخبارات (.S.R) – قطاع حوران (أكتوبر 1925)
بحسب المعلومات الواردة من عملائنا في الشيخ مسكين، فإن المدعو إسماعيل الحريري، أحد زعماء العائلات الكبرى في حوران، قد نجح في حشد عدة مئات من المتمردين المسلحين. وتؤكد الاستطلاعات الجوية أن جماعات الحريري تشن عمليات حرب عصابات مكثفة، حيث تضايق طوابيرنا المتحركة وتخرب بشكل منهجي خط السكة الحديدية الاستراتيجي دمشق-درعا. ويُصنف الحريري من الآن فصاعداً على أنه المحرض الرئيسي وزعيم عصابة متمردة، رافضاً أي خضوع، ومنسقاً تحركاته مع مبعوثي سلطان الأطرش لتوسيع نطاق التمرد.”
جاء في تقرير المخابرات الفرنسية (أكتوبر 1925):
“تؤكد الاستطلاعات الجوية أن عصابات الحريري تشن حرب عصابات مكثفة، مستهدفة أرتالنا المتحركة، وتخرب بانتظام خط السكة الحديدية الاستراتيجي الواصل بين دمشق ودرعا. يُصنف إسماعيل الحريري اليوم كالمحرض الرئيسي وقائد العصابة المتمردة الذي يرفض الخضوع ويسعى لتوسيع نطاق الانتفاضة بالتنسيق مع مبعوثي سلطان الأطرش”.
قصف وتدمير منزل الحريري في الشيخ مسكين وصدور حكم الإعدام
بسبب الصدامات الدامية التي أوقعتها مفارز الثوار بجنود الفيلق الفرنسي الخامس (والتي أسفرت في إحدى العمليات عن مقتل 12 جندياً فرنسياً وجرح الجنرال ميشو ومقتل ليتونان مارشال)، شنت القوات الفرنسية حملات انتقامية واسعة.
وتشير وثائق المراسلات العسكرية الفرنسية (المكتوبة بقلم الملازم لاكور في سبتمبر 1925) إلى قيام القوات الفرنسية بإحراق منازل المتمردين وتخريب ممتلكاتهم؛ وكان على رأس هذه الاستهدافات قيام الطيران الحربي الفرنسي بقصف منزل الشيخ إسماعيل الحريري في بلدة الشيخ مسكين وتدميره بالكامل، فضلاً عن فرض عقوبات جماعية وغرامات حربية على قريته لرفضه الاستسلام.
وفي أواخر عام 1925، أصدرت المحكمة العسكرية الفرنسية في دمشق حكماً غيابياً بـ الإعدام بحق إسماعيل الحريري وأبرز رجاله وأقاربه (مثل زعل عبدالغني الحريري وقاسم العنجراوي وفارس الزعبي وغيرهم ممن دُوّنت أسماؤهم في سجلات ملاحقة الزعامات المحلية). وجاء في نص السجل العسكري الفرنسي:
• التهمة الموجهة: الخيانة العظمى، والاعتداء المسلح على القوات الفرنسية، وتخريب وتدمير البنية التحتية والمنشآت العسكرية (سكة حديد دمشق – درعا).
• التصنيف العسكري: تم إدراج الحريري ورجاله رسمياً كـ “خارجين عن القانون” (Hors-la-loi).
•
• الإجراء العقابي: صُدرت الأوامر للأرتال العسكرية المتحركة باستخدام كافة الوسائل الاقتصادية والعسكرية المتاحة -بما فيها الطيران الحربي- لقصف وتشتيت تجمعاته في السهل الحوراني.
الصحافة الفرنسية وموقفها من التمرد في حوران
تابعت الصحف الفرنسية في باريس وبيروت أخبار الثورة في حوران عن كثب، وحمّلت إسماعيل الحريري بشكل مباشر مسؤولية التمرد والعصيان في المنطقة.
على سبيل المثال
الترجمة للمقال الصحفي بهذه الصحيفة يذكر فقط اسماعيل الحريري بالاسم كونه قائد التمرد.
هذه ترجمة حرفية للمقال الرئيسي الظاهر في الصورة من صحيفة “La Liberté du Sud-Ouest” الصادرة بتاريخ 19 سبتمبر 1925:
آخر ساعة (Dernière Heure)
الوضع المقلق في سوريا
مجزرة بحق الفرنسيين
تنشر صحيفة “Le Matin” المعلومات التالية:
تلقت السيدة “ميريام هاري” (Mme Myriam Harry) للتو رسالة من المطران “ج. ب. قاضي” (Mgr J.-B. Cadi)، رئيس أساقفة حوران، تتعلق بالوضع الحالي في سوريا وتوضح الممرات الرئيسية فيها:
”كنت في حوران منذ خمسة عشر يوماً؛ والوضع هناك منذر بالخطر. حقق الدروز انتصارات معينة زادت من تفاقم المصائب في جميع أنحاء الأبرشية.
أما في حوران فقد
قُتل أو اختفى أكثر من 800 جندي فرنسي؛ وهناك 700 محاصرون في قلعة السويداء.
لم أتمكن من الذهاب إلى هناك لأنه لم يعد هناك أمن. لقد أُحرقت عشرات القرى في حوران. إن ( أسماعيل الحريري) ليس بريئاً في ذلك كله فهو قائد المتمردين، كما شارك في ذلك أيضاً عدة طاولات (جماعات) من دمشق. تواصل القرى في حوران سقوطها بيد المتمردين على السلطة الفرنسية الواحدة تلو الأخرى بعد تعرضها للهجوم.
يجري التحضير لبعثة فرنسية للزحف ضد الجبل، ولكن لضمان النصر، يجب تجهيز 15,000 رجل بشكل جيد، لأن الهيبة الفرنسية قد تضاءلت كثيراً منذ هزيمة 3 أغسطس.”
وايضا كمثال على اهتمام الصحف الفرنسية بذلك الوقت بما فعله الشيخ إسماعيل الحريري:
”جاءنا من بيروت أن إسماعيل الحريري (Ismail Hariri)، شيخ مشايخ حوران الحاضر في التمرد والعصيان منذ فترة طويلة، قد تقرر تقديم خضوعه بالقوة العسكرية الفرنسي”.
وتعكس هذه التقارير الصحفية كيف كانت الدوائر الاستعمارية ترى في الحريري المحرك الأساسي ورأس الحربة لقطع خطوط إمدادها جنوب دمشق.
رفض المفاوضات وشروط الهدنة (أوائل 1926)
مع استمرار استنزاف القوات الفرنسية، حاولت سلطات الانتداب عبر وسطاء محليين ومن وجهاء المنطقة إقناع إسماعيل الحريري بالقاء السلاح والدخول في عملية تسوية عسكرية.
إلا أن “التقرير السياسي والدبلوماسي الصادر عن المعتمدية الفرنسية العليا في بيروت” (أوائل 1926) يوثق فشل هذه المفاوضات بسبب الشروط الصارمة التي وضعها الحريري:
• التضامن الكامل مع جبل الدروز: رفض الحريري أي حل منفرد لحوران دون التنسيق الكامل والشامل مع قادة جبل العرب بقيادة الأطرش.
• الانسحاب الفرنسي: اشترط انسحاباً كاملاً للمفرقعات والقطاعات العسكرية الفرنسية من المراكز المتقدمة في حوران.
• العفو العام: إلغاء كافة الأحكام العسكرية الصادرة بحق الثوار (وعلى رأسها حكم الإعدام الصادر بحقه) كشرط أساسي لوقف الأعمال العدائية.
•
•
ونتيجة لهذا التعنت الوطني، أوصت التقارير السياسية الفرنسية بمواصلة الضغط العسكري الصارم على خاصرة الثوار والاستخدام الكثيف لسلاح الجو لمحاولة تفتيت التجمعات المسلحة ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها.
المراجع والأرشيفات المعتمدة
• أرشيف الدفاع الفرنسي (باريس):
• Archives de la Défense (SHD), Château de Vincennes, Paris, Série 4H (Levant 1920-1946), Dossier des opérations du Hauran, 1925.
• مركز الأرشيف الدبلوماسي (نانت):
• Centre des Archives Diplomatiques de Nantes (CADN), Fonds Beyrouth, Cabinet Politique, Rapports de la Syrie Sud, 1925-1926.
• الصحافة الفرنسية التاريخية:
• صحيفة Le Bas-Breton، العدد 24، الصادر بتاريخ 11 يونيو 1927، فقرة Aux colonnes – D’après Beyrouth.
• التقارير والمراسلات العسكرية (مرفقة بالملف):
• تقرير المخابرات العسكرية الفرنسية (S.R.) – قطاع حوران، أكتوبر 1925.
• مراسلات الملازم أول “لاكور” المستخرجة من سجلات مركز الجيش الفرنسي، سبتمبر 1925.
• سجلات المحكمة العسكرية بدمشق – قوائم الملاحقة ونصوص الأحكام الصادرة بنهاية عام 1925.
• المصادر المصورة والتوثيق المحلي:
• كتاب “صور من حوران – القرن التاسع عشر والقرن العشرين”، ص 56 (صورة إطلاق سراح الشيخ إسماعيل الحريري من سجن بصرى الشام عام 1920م).