مقالات

ميشيل عفلق – القومية قدر محبب

  •   
  •   
  •   

القومية قدر محبب .. من مقالات ميشيل عفلق عام 1940


قلما يفكر المرء بالاشياء البسيطة مع ان في بساطتها سرا يفوق الاسرار. من ذا يفكر باسمه ووجهه؟ انهما قدر يلازمه طوال ثواني حياته. القومية كالاسم الذي يلصق بنا منذ ساعة ولادتنا ومثل قسمات الوجه المقدر علينا حتى من قبل ان نولد في وراثة أبوينا واجدادنا. إننا نألف اسماً ولا نجيب الا اذا نودينا به ولو كنا نفضل عليه اسماء احسن وقعا. كما نقبل بوجهنا ونستشف به خفايا نفسنا وصورة شخصيتنا ولو انه لا يحقق دوما كل شروط الجمال.

متى انتبه الانسان الى قدره يخرج من حالة الحياة السطحية ويدخل في جريان الحياة الحارة القوية، فاذا رافق عنده هذا الانتباه الى القدر، القبول به، اتخذت حياته اتجاها واتسمت بالرجولة.

القومية  للشعب كالاسم للشخص والملامح للوجه، هي قدر قاهر يسير مجموعة من البشر في مجرى من الحوادث والظروف فريد، وينسج عليه غلافاً من الصفات متميز الشكل. وكما ان من العبث ان يضيع المرء عمره في اللهف والاسف -لو ولدت في غير هذا البيت ووجدت على غير هذه الصورة- فان من الجهد الضائع ايضا ان يحاول الانسان التحلل من رباط قوميته التي احكمت شدها به اصابع القرون، ولكان اجدى به ان يقول: ما دامت طريقي معينة، ومسرح نشاطي محددا، فلاملأ كل خطوة من خطوات الطريق بأقصى جهودي، ولأظهر على هذا المسرح كل بطولتي، هذا هو قدري فلأكن به خليقا.

هبوا امرءاً تستيقظ فيه قوميته، ولم تتضح له ارادة هذا القدر فيقبل بها ويريدها، اي رجل هو؟ الى اي تاريخ ينتمي؟ ماذا يهبه الماضي من فخار ويرتب عليه الحاضر من مسؤولية؟ اية اماني تجتذبه الى المستقبل وتعلو به فوق حدود فرديته وانانيته؟ هل له مميزات تبين له في الحياة اتجاهه وتضيء له سبيله؟ او بتعبير آخر، هل له اسم، هل له ملامح؟

انني كلما فكرت في حالة امرىء كهذا ترتعد فرائصي ذعرا من صورة الشقاء الذي يضمه وصقيع العزلة التي تنأى به… اي ضيق في أفقه واي فقر في روحه، وأية تفاهة وشحوب في حياته؟ يعيش عمره وهو لايدري انه فرع من نبتة تغور اصولها في احشاء الماضي، و تمتد اغصانها على امتداد العصور، ولا يعلم انه واحد من الملايين الذين تعاقبوا خلال القرون والاجيال فحرثوا الارض وشادوا العمران واعملوا الفكر وأذابوا الارواح وحاربوا وسقطوا صرعى الحروب، كل ذلك ليكتبوا تاريخ امتهم سطراً سطراً، وليرفعوا بنيانها حجراً حجراً، وليوضحوا عبقريتها ويتابعوا رسالتها. وكل هذه الملايين جاهدت  وجالدت وصارعت العواصف وصمدت للنكبات لكي تخرجه من ظلمة العدم الى نور الحياة، لكي تلده هو، هذا الغافل الناسي، لتغني حياته بحياة الملايين، وتدعم نشاطه بجهود مئات الاجيال ولتحمله مسؤولية الماضي وشرف هذه المسؤولية، لتوجد له اسماً ينادى به وملامح تعرفه بين الامم، كي لا يبقى زيدا او بكرا من الناس، بل ليستطيع القول اذا تفاخرت الشعوب: انا عربي. قد يكون قاسياً هذا القدر الذي القى بنا في عصر الضعف والمذلة والتأخر والتفرقة،  بدلا من ان يوجدنا في عصر الوليد او الرشيد، فنستند الى دولة عزيزة منيعة، وشعب ناشط موحد الكلمة، وحضارة ساطعة الضياء. وقد يكون القدر احيانا قاسيا ولكنه عادل ابدا، فهو لا يوزع البطولة الا بنسبة الصعوبة، ولا يورث المجد الا بقدر الجهد. فلن تكون في نظره بطولة الذين يجاهدون اليوم ليحرروا بلادهم من استعمار الاجنبي وخطر التجزئة وينشلوها من هوة الجهل والفقر، بأقل من بطولة قتيبة وابن نصير. واذا كان عصر الرشيد والمأمون قد اتسع لانتاج الفلسفات والآداب، فسيكون كل واحد من ابطال اليوم في نظر الجيل الآتي موضوع ملحمة خالدة وتكون تضحيته منشأ فلسفة جديدة.

1940

ميشيل عفلق


انظر مقالات ميشيل عفلق:

في الثلاثينيات:

عهد البطولة1935
ثروة الحياة1936

في الأربعينيات:

 القومية حب قبل كل شئ1940
 القومية قدر محبب1940
في القومية العربية
1941
نفدي العراق1941

انظر ايضاً:

ميشيل عفلق: التنظيم الإنقلابي

ميشيل عفلق: البعث العربي هو الانقلاب

ميشيل عفلق: حزب الانقلاب

ميشيل عفلق: الدور التاريخي لحركة البعث

ميشيل عفلق: الحركة الفكرية الشاملة

المصدر
موقع في سبيل البعث
 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي