شهادات ومذكرات

رهان مقبوضة .. من مذكرات محمد حسن بوكا (12)

  •   
  •   
  •   

رهان مقبوضة .. من مذكرات محمد حسن بوكا (11)


في أثناء الحرب العالمية الثانية كانت حالتنا المادية قد تدهورت مما اضطر والدي الى رهن داره في حارة العبيد ، بصورة بيع لتجنب شبهة الربا مع أنه كان يعد من الأغنياء في وسطه الاجتماعي .

 رهن البيت لشخص يدعى / محمود عزام وكان على شكل بيع وشراء قطعي فباعة بمبلغ 180 ليرة ذهبية واذا أراد اعادته يشتريه والدي بمبلغ 200 ليرة ذهبية بفارق 20 ليرة عن كل سنة .

و لم يتوفر المبلغ المطلوب إلا بعد سنتين فأراد والدي إعادة البيت بشراءه من محمود فأبى وطلب منا تسليم البيت ، فتوسط الأصدقاء له لاقناعه بتنفيذ ما قد اتفق عليه سابقاً ، إلا أنه رفض بشدة ورفع دعوة قضائية لاستلام البيت ، فكان القانون لصالحه مع اقتناع القضاة بأحقيتنا باعادة شراء البيت لكنه أخذ حكماً قضائيا بتنفيذ ذلك .

وفي يوم من الأيام آتى محمود عزام وبرفقته الشرطة ومأمورى تنفيذ الأحكام والحمالين لإخلاء البيت بالقوة ورمينا خارج المنزل ، ولم يكن والدي حينئذ بالبيت أو أحد من الرجال إلا والدتي وامرأة أخي عزت فاتصلت بالهاتف لإعلام الوالد الذى كان بعمله في سوق الخيل بالقرب من بيتنا فجاء مسرعاً مع أخوتي ووجد محمود عزام ممسكا بصينية القهوة التى اعدتها والدتي لهم ليقدمها الى الشرطة ومأمورى تنفيذ الأحكام ، فما كان من والدي إلا أن صفعه على وجهه طارت معه الصينة والفناجين وحصلت مشادة بيننا وبين الشرطة لمدة ساعتين حتى استعان المخفر بالشرطة المدنية .

وجرح من جرح واقتـيد الجميع الى مخفر شـرطة سـوق ساروجة وعندها تجمع بعض وجهاء الحي والأقارب يحاولون الوساطة بين الطرفين . وتأجل تنفيذ الحكم لتتم المصالحة وحل الموضوع ودياً ، لكن محمود عزام كان يصر على وجوب التنفيذ بالحال والجميع كانوا متعاطفين معنا ، فقام أحد أفراد الشرطة المجروحين يترجى رئيس المخفر بتأجيل الموضوع الى الغد حيث أصبحت الثانية عشر ليلاً ونحن منهكون من الصباح ، و توقيف عزام لأنه هو المتسبب في جرح وجهه .

 عندها ثار عزام ونفي أن يكون قد جرحه ، وهنا بدأ الضغط على عزام من الوسطاء ورئيس المخفر مما اضطره للقبول بتأجيل التنـفـيذ .

 وعندها اخلى سـبيل الجميع ولم يعمل ضبط  بالحادث .

وبعد عدة أيام كانت هناك جلسة في محكمة بداية الجزاء بالمرجة ، وأنا أمام باب المحكمة وجدت صديق والدي السيد / عبد القادرعربي كاتبي يتحاور مع عزام لحل الموضوع سلمياً وكنت الى جانبه وهو لا يعرفني فقال عزام مهدد : والله لأعمل كذا وكذا .. فما كان مني حينئذ وأنا ابن ثمانية عشرة سنة بقوتي أتمرن على الملاكمة وبعنفواني وحماسي إلا أن ضربته لكمة على وجهه ورفسـته برجلي ووليت هارباً .

دخل عزام الى قاعة المحكمة وهو يصرخ في وجه القاضي قائلاً إنهم يضربونني ياسيادة القاضي فرد عليه القاضي ببرود : ارفع دعوى .

لمّا علم والدي بالموضوع جمعنا وقال لنا بالحرف الواحد :

 اسمعوا إن هذا البيت بيتكم فعليكم المحافظة عليه حتى ولو أدى ذلك لقتل عزام .

فدب الحماس بنا فكنا كلما نراه نضربه حتى ذهب الى حيّ الشاغور ونادى :

 ياأهل الجيرة إن اخوكم يُضرب ويُسلب حقة ولا يلاقى أي مسـاعدة منكم !!.

وصل الأمر الى أحد زعماء الشاغور / محمود خدام السروجي ودعاه واستمع الى شكواه فطلب منه أن يذهب الى سوق ساروجة ويمشي هناك ويتبعه عدد من قبضايات الشاغور ليحموه عزوة له .

وبينما أنا أقف أمام حارة العبيد مع رفقائي تعجبتُ من مرور/ محمود عزام بحارتنا وبهذه الجرأة فقمت ولكمته عدة لكمات في وجهه فإذا بثلاث أشخاص كانوا معه يلبسون شراويل ومسلحين بخناجر على وسطهم لم انتبه لهم ، يركضون ورائي يريدون الإمساك بي إلا أنني كنت خفيف وسريع الحركة فلم يتمكنوا من اللحاق بي .

غير أن رفاقي بالحيّ تبعوني خوفاً عليّ وراقبوا هؤلاء الرجال فوجدوهم يدخلون بيت محمود عزام بالقرب من وزارة الصحة ، فتوجهت أنا ورفاقي الى دار عزام حاملين معنا حجراً بكل يدّ  لرميهم بها على الدار في الطابق الأرضي الذى له نوافذ زجاجية ، وفعلا وبوقت واحد رمينا الحجارة عليهم فخرجوا الينا ليمسكوا  بنا ولكنهم لم يستطيعوا لسرعتنا وخفة حركتنا.

بعد يوم وبينما أنا جالس في دكان والدي في فترة الظهيرة فؤجئت برجال من حيّ الشاغور متهجمين عليّ ويسألونني أين أبوك ؟

فقلت لهم : بالبيت . فقالوا ليّ : اســتدعيه .

فاتصلت به هاتفيا وأنا أعلم أنه بالبيت في فترة القيلولة وأخبرته بالموضوع فاعلمني أنه سيحضر فوراً .

جاء والدي الى الدكان بعد اسـتيقاظه فجأة من النوم لابسا طربوشه الأحمر وعيناه كلون طربوشه يتطاير منها الشرر ، ودخل قائلا السلام عليكم فردوا السلام وبدأوا بالسؤال : لماذا …. ولم يكملوا كلامهم قاطعهم والدي بقوله :  اتفضلوا اجلسوا وسنتكلم بما تريدون ، والتفت اليّ وأمرني أن احضر كراسي لهم من مقهانا المقابل للدكان .

ولما جلسوا قال والدي سأشرح لكم الموضوع  بالتفصيل والحكم لديكم وأنا موكلكم بما ترونه مناسبا ً لحل الموضوع حتى لوكلفني ذلك تنفيذ حكم المحكمة ، وشرح لهم القصة بالتفصيل .

 فطلبوا منه تكليف عمي أحمد – أبو فياض – لوجاهته بمتابعة الموضوع ، إلا أن والدي الذي كان عنده خبرة بالرجال شعر أنهم محل المسؤولية والثقة وارتاح اليهم ، فأحب أن يرفع من قدرهم فقال لهم : بل أفوضكم أنتم .

بعد بضعة أيام استدعوا والدي الى حيّ الشاغور بحضور محمود عزام لحل الموضوع واتفقوا على أن يدفع والدي مبلغ 240 ليرة ذهبية لعزام تشمل ثمن البيت مع فرق سنتين وأن يعيد تسجيل البيت باسم الوالد . ويسلم المبلغ الى شخص ثالث ضامن وذلك في الإجتماع المقبل يوم الجمعة بالشاغور .

وفي الموعد المحدد من يوم الجمعة في حيّ الشاغور حضر والدي ومعه 240 ليرة ذهبية ولكن عزام لم يحضر !..

 جرى البحث عنه الى أن وجدوه فاعلمهم بأن موكله المحامي / إحسان الشريف لم يوافق على الإتفاق .

فغضب أهل الشاغور بعدما اتفقوا بجلسة رجال الحلّ والعقد ..

وقالوا لوالدي : إن حسابه الأن معنا وليس معك فاتركه لنا سـنقوم بالواجب .

بعدها قررنا أنا وأخي محمد علي أن نهاجمه في داره حيث كان يعيش وحيداً بعدما هجرته زوجته من بخله وسوء خلقة ، وبالفعل حاصرناه في منزله طيلة النهار فلم يتجرأ على فتح باب داره ، الى أن استسلم وذهب الى عمي أبو فياض وطلب منه التوسط لدى والدي وقبض240 ليرة ذهبية واعاد الدار لنا وسجلها باسم زوجة أخي عزت لأمور قضائية ، وبذلك انتهت مشكلة البيت .

  تجاوزنا هذه المحنة وتم تحويل المقهى الى كراج سفريات الى حلب وحمص واللاذقية يمتلك أخي عزت باصاً سعة خمسون راكباً وأخي عبد الكريم باصاً آخر كانا اشتروهما بالتقسيط ، وباقي أعمال الكراج خدمات لباصات أخرى يملكها بعض الأفراد ، وبعدها صدر قانون من مديرية شرطة المرور بتوحيد كراج انطلاق الباصات للمحافظات في كراج الوالد في سوق الخيل مما أدى الى فرض دخول شركاء أخرين مع الوالد في الكراج ، كان من بينهم شريكه أبو مصطفى الخرفان ، و في أحد الأيام نشب خلاف بين الشركاء ووالدي  .

 وبينما كان جالساً والدي في الكراج سـبه ابن شريكه محمد أمين الخرفان . فانتظر والدي حتى اجتمع أبناءه الكبار وهو جالس يشرب النرجيلة ، فقال على الفور: إن هذا قد سـبنى فأدبوه ، وما أن سمعنا بهذا حتى انهلنا عليه بالضرب حمية وعزة للوالد ، وكان بديناً ومصارعا قوياً فأنهكناه ولم يستطع المقاومة ، والوالد جالس ويؤشر ببربيش النرجيلة ويقول : اضربوه …  دون اكتراث ، جاءت الشرطة واقتادتنا الى مخفر شرطة المرجة للتحقيق بالحادث فانحصرت الشكوى بالمشاجرة بين أخي محمد علي ومحمد أمين الخرفان وانتهى الموضوع بأن جاء والد الشاب أبو مصطفى معتذراً من والدي على تصرفات ولده أمام الجميع وتم حل الموضوع .

رهان مقبوضة .. من مذكرات محمد حسن بوكا (12)

  أول راديو في بيتنا :

في أثناء الحرب العالمية الثانية 1942- 1945هرب بعض الزعماء الأكراد من تركيا الى سوريا وتعرفوا على والدي حيث كان المقهى مركزاً للاكراد بسوق الخيل وكان منهم جلال بيك بدرخان باشا وغامران بيك ونشأت صحبه بينهم وبين والدي وعرض عليه جلال بيك أن يجلب له جهاز راديو من ألمانيا وبعد أسابيع وصل صندوق كبير يحمل جهازي راديو فوق بعض ، العلوي منهما للوالد وكان لونه أسود والآخر لجلال بيك ولونه بنى .

تم تركيب الجهاز وثبت أنتين له في أخر دور- الطيارة – في منزلنا ، وكنا نستمع الى الأخبار من محطة المانية تبث باللغة العربية لعدة ساعات .


انظر:

من مذكرات محمد حسن بوكا (1) – تعريف

من مذكرات محمد حسن بوكا (2) – مرحلة الطفولة

من مذكرات محمد حسن بوكا (3) – التاجر الصغير

من مذكرات محمد حسن بوكا (4) – مجيد الفوال

من مذكرات محمد حسن بوكا (5) – المرحلة الابتدائية

من مذكرات محمد حسن بوكا (6) – مرحلة الشباب

العرفان بالجميل .. من مذكرات محمد حسن بوكا (7)

التلميذ المدلل .. من مذكرات محمد حسن بوكا (8)

مقابلة الشيخ تاج الدين الحسني .. من مذكرات محمد حسن بوكا (9)

مرضي بذات الجنب .. من مذكرات محمد حسن بوكا (10)

الحياة العائلية ما بين 1940- 1950 .. من مذكرات محمد حسن بوكا (11)

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى