مختارات من الكتب

نيقولاس فان دام: الاحتكار البعثي للسلطة في سورية 1963

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا (11)

 
 
 

فان دام (نيقولاس)، الصراع على السلطة في سوريا- الطائفية والإقليمية والعشائرية السياسية 1961- 1995.

الفصل الثاني – ظهور الأقليات في القوات المسلحة السورية وحزب البعث

الاحتكار البعثي للسلطة في سورية 1963


نيقولاس فان دام: الاحتكار البعثي للسلطة في سورية 1963

في 8 مارس (آذار) 1963م، أطاح انقلاب بقيادة ائتلاف من الضباط البعثيين والناصريين والوحدويين المستقلين بـ “نظام الانفصال”، وما لبث أن ازداد عدد أعضاء الأقليات في سلك الضباط السوريين مرة أخرى على حساب السنيين.

وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن القادة البعثيين العسكريين الذين شاركوا في الإنقلاب قاموا باستدعاء العديد من الضباط وضباط الصف الذين تربطهم بهم أواصر عائلية أو عشائرية أو إقليمية لتعضيد مراكزهم الجديدة التي حصلوا عليها على وجه السرعة(1).

وكان معظم العسكريين الذين تم استدعائهم بهذه الطريقة ينتمون إلى الأقليات وخاصة العلويين والدروز والإسماعليليين، ولم يكن الأمر مثيراً للدهشة حيث أن معظم أعضاء اللجنة العسكرية البعثية المشرفة على نشاطات التنظيم العسكري كانوا من أعضاء الأقليات(2).

وقد تم وصف هذا الاسلوب في التجنيد فيما بعد في إحدى الوثائق الداخلية لحزب البعث بالآتي:

ألحت ظروف الثورة الأولى، ومرحلتها الصعبة على دعوة عدد كبير من العسكريين الاحتياطيين (ضباط وضباط صف) حزبيين ومؤيديين لملء الشواغر التي نجمت عن تصفيات الخصوم، ولتدعيم مواقف الثورة وحمايتها، ولم يسمح ذلك الالحاح آنذاك باعتماد أسس موضوعية في عملية الاستدعاء وإنما كانت عوامل الصداقة والقرابة، وأحياناً مجرد المعرفة الشخصية هي الأساس، مما أدى إلى تسرب عدد معين من العناصر الغريبة البعيدة عن منطق الحزب ومنطلقاته وسبب بالنتيجة – وبعد تجاوز المرحلة الصعبة – استخدم هذا الموضوع سلاحاً للطعن في نوايا بعض الرفاق والتشكيك بهم(3).

ويبدو أن الجزء الأخير من هذا الاقتباس يشير إلى إتهام بعض أعضاء اللجنة العسكرية بالقيام بتعزيز الجيش بأفراد جالياتهم، بناء على أسس طائفية (4). وطبقاً لأحد التقارير فإن الكثير من العلويين كانوا ضمن هؤلاء الضباط الذين كان عليهم شغل فراغات الجيش بعد تصفية القوى السياسية والمعارضة عقب إنقلاب 8 آذار 1963مباشرة. ولقد تم استبدال نحو نصف عدد الضباط المسرحين والبالغ عددهم حوالي 700 بعلويين(5). ومن الجديد بالذكر أنه أثناء الإنقلاب كان خمسة من اللجنة العسكرية البعثية من بين الأربعة عشر عضواً من العلويين. لذلك، فإنه ليس من المثير للدهشة أن يلعب الضباط العلويين فيما بعد دوراً هاماً في الجيش.

علاوة على ذلك فإن القيادة العليا للجنة العسكرية كانت تقع في قبضة ثلاثة علويين هم محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد(6). وقد شغل جديد منصب رئيس أركان الجيش السوري فيما بين أغسطس (آب) 1963 وسبتمر (أيلول) 1965، وأصبح الأسد قائداً للقوات الجوية السورية، أما عمران وهو الأكبر سناً بين الثلاثة فقد رأس اللواء سبعين المدرع المتمركز جنوب دمشق، والذي كان مقرراً أن يكون العمود الفقري لتنظيم البعث العسكري لبعض الوقت في المستقبل. وقد استطاع قادة اللجنة العسكرية العلويين الثلاثة أن يلعبوا دوراً عظيماً من خلال هذه المراكز العسكرية في التحويل البعثي الذي طرأ على القوات المسلحة السورية في الفترة التي تلت 8 مارس (آذار) 1961.

لقد استطاع قادة اللجنة العسكرية أن يعززوا على وجه السرعة مراكز القوى الجديدة التي تحصلوا عليها.

ويرجع الفضل في ذلك للتنظيم والتخطيط الكفئ ولجميع العسكريين الذين ساندوهم لدى استدعائهم. وقد نجحوا خلال أشهر قليلة في إزاحة أحد معارضيهم العسكريين من الناصريين والوحدويين المستقلين الذين كانوا مرة أخرى سواء كان الأمر مصادفة أم لا في الغالبية سنيين (7).

وجاء أوج احتكار البعثيين للسلطة في 18 يوليو (تموز) 1963 عندما قامت مجموعة معظمها من الضباط الناصريين السنيين تحت قيادة جاسم علوان بإنقلاب فاشل. ومعظم الضباط الذين آخمدوا هذا الإنقلاب، مع إرقة بعض الدماء، وكانوا ينتمون لأقليات وكان من بينهم ضباط علويون لعبوا دوراً متميزاً (8). وهذا الأمر كان له شأن ضئيل أو لم يكن له علاقة بالمرة بالطائفية، إلا أنه تم استغلاله على هذا النحو من قبل معارضي حزب البعث السياسيين الذين بغضوا أعضاء الأقليات الكثيرين بين الحكام الجدد، وحاولوا إضفاء الانطباع بأن عمليات التصفية المتكررة للضباط السنيين كانت تقوم أساساً على دوافع طائفية، محاولين بذلك التشكيك في حزب البعث، وإضعاف مركزه في نظر الغالبية من السكان السنيين.

وحقيقة أن أحد كبار الضباط العلويين كان من بين زعماء الإنقلاب الناصري الفاشل لم تنفص من وجهة نظر هؤلاء المعارضين المولعين بكشف المؤامرات والمكائد، فقد فسروا اشتراك الضابط العلوي محمد نبهان، وكأنه (بما يبدو ملائماً لهم؟) “في الواقع” فقد سعى فقط لخدمة مصالح رفاق عقيدته من البعثيين، وذلك عن طريق حث الضباط الناصريين على القيام بإنقلاب داخلي. وربما قام الضباط البعثيون بعد ذلك بانتهاز الفرصة السانحة لتصفية وإزاحة بقية الضباط الناصريين (ومعظمهم سنيون) من صفوف الجيش. إن إبطال الشعور بعدم الثقة الذي خلقته مثل هذه التفسيرات بين العديد من غالبية السكان السنيين تجاه هؤلاء البعثيين المنتمين لأقليات دينية كان أمراً عسيراً جداً بعد هذه المرحلة.


(1) منيف الرزاز، التجربة المر ةَّ، صـ 158، 159

(2) إن القيادة العليا للجنة العسكرية البعثية التي تأسست عام 1959م، خلال الوحدة بين مصر وسوريا من قبل ضباط منقولين لمصر تكونت في البدء من خمسة ضباط من بينهم ثلاثة علويين وهم محمد عمران وصلاح جديد، وحافظ الأسد، وأسماعيليان وهما عبد الكريم الجندي وأحمد المير. وعندما توسعت اللجنة العسكرية فيما بعد لتشمل 15 عضواً أصبح تشكيلها كالآتي: خمسة من العلويين وهم محمد عمران من المخرم (حمص)، وصلاح جديد من دوير بعبدا (اللاذقية) وحافظ الأسد من القراداحة (اللاذقية) وعثمان كنعان من ريف منطقة حلب (كان ينتمي  إلى عشيرة صغيرة كانت ترحل بين ريف حلب وريف لواء اسكندرون واستقرت في ريف حلب بعد عام 1939) وسليمان حداد من حمام الراحلة (اللاذقية)، واسماعليليان وهما عبد الكريم الجندي من السلمية (حماة)، ودرزيان من جبل الدروز وهما سليم حاطوم من ذبيين وحمد عبيد، وستة من السنيين منهم ثلاثة من حوران وهم موسى الزعبي ومصطفى الحاج علي وأحمد سويداني واثنان من حلب وهما أمين الحافظ وحسين ملحم وواحد من اللاذقية وهو محمد رباح الطويل. وكان لمعظم أعضاء اللجنة العسكرية أصول قروية ينتمون لعائلات  فقيرة، ما عدا صلاح جديد وعبد الكريم الجندي فكانا ينتميان لعائلات بارزة من الطبقة المتوسطة، حيث كان والد جديد مندوباً عن منطقة بانياس، وكان جده أحد زعماء اتحاد الحدادين للعشائر العلوية، وينتمي حافظ الأسد لعشيرة حافظ الأسد لعشيرة الكلبية العلوية. لمزيد من التفاصيل حول اللجنة العسكرية وخلفية أعضائها انظر: الجديد، 16 سبتمر (أيلول) 1966، محمد عمران، تجربتي في الثورة، صـ 18 ، 19، منيف الرزاز، التجربة المرة، صـ 87، سامي الجندي، البعث، صـ 85، محمد إبراهيم العلي، الغجرية (المرابي5)، دمشق 1995م، صـ 274- 294، مصطفى طلاس، مرآة حياتي، العقد الثاني، صـ 156 – 157.

Batatu, Hanna, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. A Study of Iraq’s Old Landed and Commercial Classes and of its Communists, Ba’thists and Free Officers, Princeton, 1978, pp. 144-207.

Bernard Vernier, Armée et Politique au Moyen Orient (Paris, 1966), p. 144; Bernard Vernier, ‘Le role politique de l’armée en Syrie’, Politique Etrangère, Vol. 29, 1965, p. 466; Van Dusen, Political Integration and Regionalism in Syria, p. 132; Intra- and Inter-Generational Conflict in the Syrian Army, p. 336-40, 409; Van Dam, ‘The Struggle for Power in Syria and the Ba’th Party (1958-1966)’, p. 10; Van Dam, ‘De Ba’thpartij in Syrië (1958-1966)’, Internationale Spectator, XXV 20, 22 November 1971, p. 1892. Macintyre, The Arab Ba’th Socialist Party, pp. 202, 248.

وهنا يطلق ماكينتاير على اللجنة العسكرية البعثية اسم لجنة الضباط العلويين دون وجه حق، فهو يفترض ان أعضاءها من العلويين فقط أو أن الأعضاء العلويين هم فقط الذين مارسوا السلطة الحقيقية. ولم يكن هذا هو الحال فيما يتعلق بالفترة السابقة لعام 1967 التي يصفها ماكينتاير، فإذا كان التمثيل القوى لأعضاء الأقليات الدينية في القوات المسلحة السورية لا يدخل في الاعتبار فإن وجود تسعة أعضاء منتمين لأقليات من بين الـ 15 عضواً إنما هو أمر عرضي، بيد أن هناك الكثير من الكُتاب الذين جادولوا في نقطة أن أعضاء الأقليات باللجنة العسكرية كانت تجذبهم لبعضهم البعض خلفيتهم الطائفية، قارن مطاع الصفدي، حزب البعث، صـ 312.

 Biegel, Minderheden in het Midden-Oosten, pp. 226, 227; Rabinovich, Syria under the Ba’th 1963-66, p. 25.

انظر ايضاً:

Macintyre, The Arab Ba’th Socialist Party, p. 249.

وقد اعتبر أمين الحافظ أن الخلفية المشتركة لأعضاء اللجنة العسكرية لم تلعب في البدء أي دور ولم تقم حتى بضمهم جميعاً في تنظيم سري واحد (مقابلة مع أمين الحافظ، بغداد، 12/ 9 /1973 ).

(3)   حزب البعث العربي الاشتراكي، القطر السوري، القيادة القطرية، أزمة الحزب وحركة 23 شباط وانعقاد المؤتمر القطري الأخير (دمشق 1966)، (من الآن فصاعداً أزمة الحزب وحركة 23 شباط)، ص 20، انظر الملحق ج.

(4) قارن:

Rabinovich, Syria under the Ba’th 1963-66, p. 76, n. 1.

(5)  Macintyre, The Arab Ba’th Socialist Party, pp. 247, 248.

(6) منيف الرزاز، التجربة المرة، صـ 87، 158. لم تصبح أمين الحافظ عضواً في اللجنة العسكرية إلا بعد إنقلاب 8 مارس (آذار) 1963م.

(7)   جميع الضباط الذين شملتهم عملية التصفية وهم الوحدويان المستقلان لؤي الأتاسي وزياد الحريري، والناصريون محمد الصوفي وراشد القطيني وفواز محارب، والذين كانوا أعضاء في المجلس الوطني لقيادة الثورة بصفته السلطة العليا للدولة عقب إنقلاب 8 مارس (آذار) 1963، وأيضاً جاسم علوان ومحمد جراح وهما ضابطان ناصريان بارزان، جميع هؤلاء الضباط كانوا سنيين.

(8)  من بين الضباط العلويين الذين ساعدوا في قمع الإنقلاب الناصري سليمان حداد، وسليمان العلي، وعلي مصطفى، قارن البعث، 19 يوليو (تموز) 1963


 اقرأ:

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا – الفصل الأول .. المقدمة :

1- العوامل التي ساهمت في الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية في سورية

2- الإقليمية في سوريا خلال فترة الاستقلال

3- الأقليات الدينية المتماسكة .. العلويون

4- الأقليات الدينية المتماسكة .. الدروز والإسماعيليون

 الفصل الثاني: ظهور الإقليات في القوات المسلحة السورية وحزب البعث

1- التداخل الطائفي والإقليمي والعشائري والإجتماعي الإقتصادي

2- التمثيل القوي لأعضاء الأقليات في حزب البعث

3- الحواجز الإجتماعية التقليدية أمام التوسع الطبيعي لحزب البعث

4- الشقاق الحزبي الإنصرافي داخل جهاز حزب البعث المدني

5- انتخابات حزب البعث المحلية عام 1965

6- أعضاء الأقليات في القوات المسلحة السورية قبل عام 1963

7- الاحتكار البعثي للسلطة في سورية 1963

 الفصل الثالث: الإستقطاب الطائفي في القوات المسلحة السورية بين السنيين والإقليات الدينية

1- التكتل الطائفي والإقليمي والعشائري في النخبة العسكرية البعثية

2- التمييز الطائفي ضد السنيين في القوات المسلحة السورية

3- فشل سياسة الطائفية العلنية كتكتيك.. إبعاد محمد عمران

4- الاستقطاب الطائفي في القوات المسلحة السورية عام 1965

5-  الاستقطاب الطائفي في القوات المسلحة السورية عام 1966

6- التنظيم السري للقيادة القومية المخلوعة عام 1966

 الفصل الرابع: تصفية الضباط الدروز ككل منفصلة داخل القوات المسلحة السورية

1- تنظيم سليم حاطوم السري

2- الاستقطاب الطائفي العلوي – الدرزي وإنقلاب سليم حاطوم

3- الدعاية الطائفية ضد العلويين

4- التصفيات اللاحقة لإنقلاب حاطوم الفاشل

5- تصفية الجماعات الحورانية البارزة

الفصل الخامس – الصراع على السلطة داخل الطائفة العلوية

1-  التنافس بين حافظ الأسد وصلاح جديد

2- الصراع على السلطة داخل الطائفة العلوية قبل عام 1970

3- الصراع على السلطة داخل الطائفة العلوية بعد عام 1970

الفصل السادس –  الشقاق الحزبي الطائفي والإقليمي في نخبة السياسيين السوريين: تحليل إحصائي

1-  تحليل إحصائي لمؤسسات السلطة السياسية السورية 1961- 1995

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي