مختارات من الكتب

نيقولاس فان دام: أعضاء الأقليات في القوات المسلحة السورية قبل عام 1963

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا (10)

  •   
  •   
  •   

فان دام (نيقولاس)، الصراع على السلطة في سوريا- الطائفية والإقليمية والعشائرية السياسية 1961- 1995.

الفصل الثاني – ظهور الأقليات في القوات المسلحة السورية وحزب البعث


نيقولاس فان دام: أعضاء الأقليات في القوات المسلحة السورية قبل عام 1963

 أعضاء الأقليات في القوات المسلحة السورية قبل عام 1963

تحت الحكم الفرنسي (1920- 1946)

لقد ساهم العديد من العوامل السياسية التاريخية والإجتماعية والاقتصادية في وجود تمثيل قوى لأعضاء الأقليات في القوات المسلحة السورية قبل استيلاء الضباط البعثيين على السلطة عام 1963م، ويرجع تاريخ أحد هذه العوامل إلى وقت أن كانت سوريا تحت الانتداب الفرنسي. وكما سبق وأن ذكر في المقدمة فإن الفرنسيين قد فضلوا تجنيد مختلف الاقليات الدينية والعرقية كالدروز، والإسماعيليين والمسيحيين والأكراد والشراكسة فيما يسمى بالقوات الخاصة للشرق الأدنى والتي تطورت فيما بعد لتصبح القوات المسلحة السورية واللبنانية. بيد أنه في نفس الوقت لم يتم تشجيع غالبية العرب السنيين السوريين مما يوحي بسياسة “فرق تسد” والتي كانت تهدف إلى منع أي طائفة من الوصول إلى مكانة قوية تجعلها تشكل خطراً على وضع الإدارة المركزية. إن سياسة التجنيد الفرنسية اتبعت تقليداً رسمته القوى الاستعمارية في العديد من الدول التابعة لها، أي البدء بتجنيد عاملين ثم ضباط من بين المجموعات العشائرية النائبة عن العاصمة المركزية، ومجموعات الأقليات، وخاصة المجموعات ذات التطلعات المحدودة نحو الاستقلال. وعادة ما كانت تلك المجموعات تنحدر من المناطق الأقل تطوراً من الناحية الاقتصادية. لذلك فقد جذبتهم الفرص المتاحة لهم داخل الجيش.

ومن ناحية أخرى فإن الفرنسيين قد مالوا لتجنيد أعضاء من عائلات كبيرة وذات نفوذ بالقوات الخاصة للشرق الأدنى، بغية ضمان ولاء طوائف الأقليات التي ينحدرون منها.

إن العائلات العربية السنية الثرية صاحبة الأراضي والعائلات ذات النشاط التجاري التي قادت الحركة القومية العربية أثناء الاحتلال الفرنسي قد دعمت بصورة غير مباشرة الإتجاه نحو التمثيل القوى لأعضاء الأقليات بالجيش السوري، وذلك برفضها إرسال أبنائها للتدريب العسكري، حتى كضباط، في قوة لاح لها أنها تخدم المصالح الإمبريالية الفرنسية، كما احتقرت في كثير من الأحيان الجيش كمهنة واعتبرت الكلية العسكرية بحمص كما وصفها باتريك سيل “مكاناً للكسالى أو المتمردين أو المتخلفين أكاديمياً او المغمورين إجتماعياً، وقليل هو شباب العائلات الشهيرة الذي يفكر في الإلتحاق بالكلية العسكرية، إلا في حالات فشلهم بالمدارس أو طردهم منها”.

وثمة عامل آخر إجتماعي إقتصادي ساعد في إبراز التمثيل القوى لأعضاء الأقليات في الجيش السوري، ألا وهو أنه بالنسبة للكثير من أهل المناطق الريفية الفقيرة (حيث كان يعيش معظم أفراد الأقليات) قدم السلك العسكري فرصة جيدة لتسلق السلم الإجتماعي والتمتع بحياة أكثر رفاهية عن تلك التي يوفرها القطاع الزراعي. وقد شكل هذا الحافز أهمية أقل بالنسبة لسكان المدن الكبرى ومعظمهم سنيون.

وأخيراً، فإن سكان المناطق المدنية كثيراً ما بدا لهم الأمر أيسر في تجنب الخدمة العسكرية عن أمثالهم بالمناطق الريفية، وذلك عن طريق سدادهم لرسوم الإعفاء من الخدمة.

الجمهورية السورية المستقلة ( 1946- 1958)

بعد أن نالت سوريا إستقلالها عام 1946 تزايد بشكل كبير عدد الملتحقين بالكلية العسكرية بحمص سنوياً. ويرجع ذلك اساساً للتوسع الكبير في أعداد المدارس التي أتاحت فرصة التعليم في المئات من القرى والمدن الصغيرة لأبناء الطبقات الأدنى.

وأصبحت المدارس الثانوية الجديدة ذات أهمية خاصة، حيث أن شهادة المدرسة الثانوية كانت ضرورية للالتحاق بالكلية العسكرية. وبينما كان عدد الملتحقين بالكلية قليلاً فيما مضى وكان معظمهم من الطبقات المتوسطة والعليا، إلا أنه وصل في الخمسينيات والستينيات إلى المئات، وكان معظمهم من الطبقات الفقيرة، والمتوسطة والمناطق الريفية. وقد ساعد هذا الاتجاه مرة أخرى وبصورة غير مباشرة في إزدياد عدد ضباط الأقليات (الفلاحين سابقاً).

وبمجرد أن يصل هؤلاء الضباط إلى مراكز قيادية كانوا يقومون باستدعاء أقاربهم وآخرين من مجتمعاتهم الطائفية والإقليمية والعشائرية ويمدون لهم يد العون ليتقدموا ويتم قبولهم بالكليات العسكرية والبحرية والجوية.

وبذلك يمكن تفهم وجود أعداد كبيرة من طوائف الأقليات ضمن العسكريين، وقد سيطر هؤلاء على الحياة السياسية السورية بعد عام 1949م، بالذات عندما بدأت سلسلة طويلة من الإنقلابات السياسية.

وقد وصف تقرير عسكري الوضع في الجيش السوري عام 1949م، بشئ من المغالات بأن كل القطعات التي لها أهميتها والعنصر الهام هي بقيادة أشخاص من الأقليات.

وبالرغم من حقيقة أن أعضاء الأقليات الدينية كان لهم تمثيل قوى غير متناسب في الجيش السوري وقد شغلوا مناصب قيادية هامة سياسياً واستراتيجياً، إلا أن أبرز الفصائل التي كانت تملك زمام السلطة قبل تقلد البعث لها في عام 1963م، كانت أساساً تحت قيادة ضباط سنيين. وهكذا، فإن زعماء الإنقلابات العسكرية الثلاثة الأولى في سوريا وهم اللواء حسني الزعيم (1949) وسامي الحناوي (1949) وأديب الشيشكلي (1949-1954) كانوا جميعاً سنيين. وقد كان للزعيم والحناوي خلفية كردياً أيضاً. ومن أجل الاحتفاظ بالسلطة إعتمد الزعيم والشيشكلي بالذات على مساندة الضباط الذين ينتمون لنفس الخلفية العرفية والإقليمية. وقد لعب الأكراد والشراكسة دورا ًهاماً تحت قيادة الزعيم، بينما استطاع العديد من الضباط القادمين من مسقط رأس الشيشكلي، وهو حموي، تسلق الوظائف العسكرية بسرعة تحت قيادته.

فترة الإنفصال (1961- 1963)

وخلال ما يسمى بفترة الإنفصال وصل الضباط السنيون الدمشقيون تحت قيادة المقدم عبد الكريم النحلاوي إلى أوج قوتهم. ولم يكن من قبيل المصادفة أنه كان باستطاعة ضباط دمشقيين (سنيين) القيام بإنقلاب ناجح في 28 سبتمر (أيلول) 1961، مما تسبب في انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة. وخلال فترة الوحدة، سواء كان ذلك بقصد او غير قصد، أسندت قيادة المناطق العسكرية السورية أساساً لهؤلاء الضباط الدمشقيين السنيين الذين بالتالي احتلوا مراكز قوية على نحو استثنائي.

 وهناك أمر آخر هام وهو أنه في الفترة التي سبقت الإنقلاب تولى النحلاوي، وهو دمشقي سني، مركزاً عسكرياً رئيسياً كنائب مدير شئون الضباط، حيث كان رئيسه المباشر مصرياً. وقد استطاع من خلال ذلك المركز أن ينقل الضباط الذين ساندوه إلى وحدات الجيش التي لها أهمية سياسية واستراتيجية لخطط الإنقلاب التي كان قد رسمها مع بعض زملائه من الضباط الدمشقيين. بالتالي، كان الإنقلاب أن يكون عملية “دمشقية بحتة”.

بيد أنه خلال فترة الإنفصال إنهارت سريعاً جماعة النحلاوي المكونة من ضباط دمشقيين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن النحلاوي بدأ لم يتلق الدعم الكامل من غير الدمشقيين. وقد حاول جاهداً دون حدوى في 28 مارس (آذار) 1961 أن يقوى قبضته المتراخية على جهاز الجيش والحكومة عن طريق إنقلاب عسكري. وبعد هذه المحاولة الفاشلة تم طرده من سوريا مع خمسة من أبرز زملائه العسكريين الدمشقيين. وقد أظهرت أحداث 28 مارس (آذار) 1962 كيف أن سلك الضباط السوريين قد استقطب حول قاعدة من الدمشقيين وغير الدمشقيين.

  وخلال الفترة اللاحقة تم تطهير معظم وحدات الجيش ذات الاستراتيجيات السياسية حول دمشق وغيرها من الضباط الدمشقيين. وكما جاء في وصف القائد الأعلى للقوات المسلحة السورية حينئذ، اللواء زهر الدين، الدرزي، فقد تم استبدالهم “بضباط لا يضمرون إلى دمشق وأهلها إلا الحقد والكراهية”. وربما كان معظم هؤلاء الضباط من ريف سوريا، حيث كانوا غالباً ما يعاملون بازدراء من قبل الدمشقيين.

إن عمليات التصفية العديدة الناجمة عن الصراع على السلطة السياسية بين الضباط ذوى المناصب العليا (ومعظهم سنيون) قد أضعفت التمثيل السني لحد كبير في الدرجات العليا لسلك الضباط. وبينما كان الضباط المنتمون للأقليات الدينية الناطقون بالعربية أقل نشاطاً في المجال السياسي خلال الخمسينيات، وبالتالي كانت معاناتهم من حرها ونارها أقل، فقد استطاعوا في الستينيات شغل مراكز هامة في القيادة التي أصبحت شاغرة من جراء الطرد المتتالي للسنيين من طرف أو من آخر(1).


(1) للإطلاع على هواشي وتعليقات ما نشر تحت العنوان أعلاه، يرجى مراجعة (فان دام (نيقولاس)، الصراع على السلطة في سوريا- الطائفية والإقليمية والعشائرية السياسية 1961- 1995/ ص 51-58)


 اقرأ:

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا – الفصل الأول :

نيقولاس فان دام (1): العوامل التي ساهمت في الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية في سورية

نيقولاس فان دام (2):  الإقليمية في سوريا خلال فترة الاستقلال

نيقولاس فان دام (3): الأقليات الدينية المتماسكة .. العلويون

نيقولاس فان دام (4): الأقليات الدينية المتماسكة .. الدروز والإسماعيليون

من كتاب الصراع على السلطة في سوريا – الفصل الثاني:

نيقولاس فان دام (5): التداخل الطائفي والإقليمي والعشائري والإجتماعي الإقتصادي

نيقولاس فان دام (6): التمثيل القوي لأعضاء الأقليات في حزب البعث

نيقولاس فان دام: (7) الحواجز الإجتماعية التقليدية أمام التوسع الطبيعي لحزب البعث

نيقولاس فان دام: (8) الشقاق الحزبي الإنصرافي داخل جهاز حزب البعث المدني

نيقولاس فان دام (9): انتخابات حزب البعث المحلية عام 1965

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق