مختارات من الكتب

عفلق والبيطار وتأسيس حزب البعث العربي

من كتاب البعث وثورة آذار (5)

  •   
  •   
  •   

مروان حبش: عفلق والبيطار وتأسيس حزب البعث العربي .. من كتاب البعث وثورة آذار


 أنشآ عفلق والبيطار  ندوة صغيرة يغلب عليها الطابع الثقافي أطلق عليها اسم (شباب الإحياء العربي، كانت تستهدف هذه الندوة تكوين نخبة من المثقفين تستطيع ً أن تحدث النهضة العربية.

  ولكن سرعان ما اندلعت الحرب العالمية الثانية وضُرب الحظر على جميع النشاطات السياسية والثقافية في سورية، وبقيام حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 في العراق ضد الاحتلال الإنكليزي والأسرة الهاشمية وتردُدِ صداها العميق في سورية، أثارت على الفور حركة وطنية عامة، وخلال هذه الأحداث اندمجت مجموعة ندوة عفلق- البيطار وأغلب أعضاء مجموعة الأرسوزي- باستثناء الأرسوزي نفسه الذي لم يشترك في هذه الحركة-  في حركة واحدة هي “حركة نصرة العراق”، وكان عمل هذا التجمع الجديد من المثقفين والطلاب هو تنظيم المظاهرات الطلابية لدعم الانتفاضة في العراق وعلى الرغم من أن هذه  الانتفاضة لم تعمر طويلا فقد استمر عفلق والبيطار بعدها في ممارسة نشاطهما السياسي ضمن هذا التجمع العابر أو المؤقت.

   في عام 1942، ومن باب المصادفة -حسبما يقول “جلال السيد”- إنه التقى مع الأستاذ ميشيل عفلق واستمرت اجتماعاتهما وبحثا كثيراً من المواضيع الفكرية والنظرية، ثم أصبح الأستاذ صلاح الدين البيطار ثالثهم في المنهج والتفكير وسائر النظرات. وفي وقت من هذا العام طرح الأستاذ عفلق على شريكيه فكرة تأسيس حزب جديد يكونون نواته والمشرفين على تنظيمه، وبعد اجتماعات لاحقة تم الاتفاق بينهم على أن يكون اسم الحزب ( البعث العربي).

   في عام 1943 قدم الأستاذان عفلق والبيطار استقالتيهما من التعليم، احتجاجاً على القمع الذي كانت تمارسه سلطات المستعمر الفرنسي ضد الطلاب, وفي الواقع فإن هذه السنة كانت نقطة الانطلاق لتأسيس حركة البعث.

   وفي تلك الفترة كان الحلفاء الإنكليز والفرنسيون الأحرار يحتلون سورية ولبنان وكانت جيوشهم معسكرة في مختلف أنحاء المشرق العربي. وكانت الكتلة الوطنية على رأس الحركات المنادية بالاستقلال دون أن يكون لها مرتكزات سياسية وتنظيمية وكان إلى جانبها على الساحة السياسية السورية أحزاب عقائدية أهمها:

ـ  الحزب الشيوعي السوري: كان في هذه الفترة في أوج انتشاره وكانت سلطات المستعمر تغض

الطرف عن نشاطه، ولكن هذا الحزب لم يكن يمثل الطموحات العربية لأمرين: أولهما، كونه حزباً ينادي بالأممية ويرى في القومية طرحاً برجوازيًا تجاوزته التطورات التاريخية،  وثانيهما، ارتباطه في سياسته وأطروحاته بالمركز الأممي وبالتالي فإنه  ينفذ ويأتمر بتعليمات مركز الأممية بغض النظر عن توافقها مع مصلحة الشعب والوطن، كما أن أيديولوجية هذا الحزب لا تنبع من مثل وقيم الشعب العربي ولم ير الشباب العربي فيها ما يمثل طموحاتهم لذا بقي محدود الانتشار ولم يستطع أن ينتشر إلا بصعوبة وفي أوساط معينة وخاصة الأقليات الأثنية والدينية.

ـ  الحزب السوري القومي الاجتماعي:كان هذا الحزب، على الرغم من الحظر الاجتماعي المضروب عليه، يقوم بنشاط سياسي واسع وينادي بوحدة ما أسماه “الأمة السورية” التي تعيش في مناطق ما عرف بسورية الطبيعة وضمنها جزيرة قبرص، وبعد ذلك، العراق، وكان مؤسس الحزب أنطون سعادة قد استمد كثيراً من أفكاره وخاصة البنية التنظيمية من الأحزاب الفاشية التي كانت تنشط في أوروبا.

ـ  حركة الأخوان المسلمين:كانت على وشك التأسيس على يد الشيخ مصطفى السباعي، وكانت هذه الحركة قد استمدت أفكارها من حركة الإخوان المسلمين في مصر، وكانت تحاول باستمرار إدانة النضال الوطني والأفكار التقدمية والقومية. وتعمل وفق أيديولوجيتها على إقامة التعارض بينها وبين الانتماء القومي في محاولة للعودة إلى أيديولوجية الخلافة التي سقطت فكرياً وسياسياً بعد تحرر الأقطار العربية وانفصالها عن الدولة العثمانية، وأخذت هذه الحركة تدعو إلى محاربة كل فكر قومي وعلماني.

   في هذه الظروف تكونت(الحلقة) السياسة الجديدة وأُطلق عليها شباب البعث العربي التي كان من أبرز وجوهها عفلق والبيطار وجلال السيد ومدحت البيطار، وقد اتخذ الأربعة المذكورون من أنفسهم لجنة تنفيذية لحزب البعث العربي وأعلنوا المباشرة بالتنظيم وقبول المنتسبين، وأعلن عفلق والبيطار، في بيان أصدراه،  ولادة الحزب، وفي هذه السنة تقدمت هذه المجموعة بطلب إلى السلطة للحصول على ترخيص بإصدار صحيفة خاصة بها ولكنها لم توفق في ذلك واقتصرت النشاطات الرئيسة للحركة، في ذلك الوقت، على الدعوة للفكرة العربية من خلال تنظيم الاجتماعات الصغيرة العدد وبإصدار البيانات المعادية للاحتلال الفرنسي والمطالبة بالاستقلال الكامل لسورية.

   كان البعثيون الأوائل يفضلون، دائماً، استخدام عبارتي الشباب والحركة وكانت هذه الأخيرة تعني لهم تعبئة وتوعية شباب الأمة العربية، ووجدت هذه الحركة الفتية مناسبة تساعدها على رصِّ صفوفها وتوضيح هُويتها ولفت الانتباه إلى وجودها  في انتخابات تموز 1943 التي خاضتها بشخص الأستاذ ميشيل عفلق كمرشح استقلال ولم يكن الهدف هو الحصول على مقعد في البرلمان بقدر ما كان همها التعريف بتوجهاتها القومية والسياسة، وكان البرنامج الانتخابي بمثابة المحاولة الأولى لبلورة بعض الاتجاهات السياسية التي تمخضت عنها أيديولوجية حزب البعث العربي، وفي بيانه إلى الشعب قال عفلق مرشح الشعب: (ندخل الانتخابات لا باسم طائفة ولا مدينة ولا مصالح قريبة أو ظروف سياسية عاجلة بل باسم فلسفة قومية نريد أن تكون إفصاحاً صادقاً عن الحياة العربية في حقيقتها الخالدة.

ـ نمثل الروح العربية ضد الشيوعية المادية.

 ـ نمثل التاريخ العربي الحي ضد الرجعية الميتة والتقدم المصطنع.

 ـ نمثل القومية التامة المعبرة عن حاصل الشخصية ضد القومية اللفظية التي لا تتعدى اللسان ويناقضها مجموعة السلوك.

ـ نمثل رسالة العروبة ضد حرفة السياسة.

ـ نمثل الجيل العربي الجديد).

     وفي المناسبة نفسها وجه عفلق نداءً إلى إخوانه المسيحيين داعياً إياهم إلى الانخراط في حركة القومية العربية وإلى اعتبار الإسلام ثقافة قومية مرتبطة ببيئتهم الطبيعية وتاريخهم واعتبار حياة الرسول العربي الكريم خلاصة لحياة العرب … وهي الممثلة للنفس العربية في حقيقتها المطلقة.

   ومما يجب لفت الانتباه إليه أنه في هذه المرحلة أُطلق لأول مرة الشعار البعثي (أمة عربية واحدة   ذات رسالة خالدة)، وذلك في بيان صادر عن الأستاذين ميشيل عفلق وصلاح البيطار بتاريخ 14 تشرين الثاني 1943حول الاعتداء على استقلال لبنان.

   كما يجدر التنويه أن البيانات والنشرات كانت تصدر باسم مكتب البعث العربي وموقعة إما فردياًُ أوثنائياً أو أكثر من “ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، مدحت البيطار، جمال الأتاسي”.

   كما أن أول بيان صدر باسم “حزب البعث العربي” هو بيان بعنوان “لن يعود الفرنسيون الطغاة” بتاريخ 9 حزيران 1945، بعد العدوان الفرنسي على المدن السورية: دمشق، حماه، حمص، حلب، دير الزور، الرقة، درعا.

   من خصائص مرحلة تأسيس البعث أنه كان يرى أن العبء الأكبر في النضال ضد الاستعمار الفرنسي والرجعية المتعاونة معه قد تحمّله الطلاب الذين كانوا في ذلك الوقت يشكلون القوى الحية والمناضلة في سورية، ويكوِّنون، أيضاً، العنصر المحرك للعمل القومي.

   هذا الجانب الذي رافق تأسيس حركة البعث العربي كان له عميق الأثر في البنية النهائية للحركة سواء على الصعيد السياسي أم على الصعيد الأيديولوجي ولسوف يطبع هذا الأثر المرتبط بظروف النشأة والتكوين مجمل حياة الحزب فيما بعد.

   إن تكوين الحركة من فئة الطلاب والمثقفين كان وسيبقى إلى فترة طويلة من السمات المميزة لهذه الحركة وكان مجال عملها وتأثيرها واسعاً وفعالاً في المدارس الثانوية والجامعة السورية منبت الزعماء السياسيين ومعقل العروبة وموئل المعارضة ضد الاحتلال الأجنبي والقوى السياسية التقليدية، كما قال  رئيس المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي جلال السيد.

   وفوق كل ذلك كانت العفوية والحماس من أبرز مظاهر الحركة،  ولم تعط إلا قدراً يسيراً من الأهمية لبنيتها الفكرية والتنظيمية، وبقي ما يتحدث به وما يكتبه الأستاذان عفلق والبيطار هو الموجه الفكري والسياسي لأعضاء البعث، لذا لم يتم بناء جهاز حزبي صلب مسلح بمنطلقات فكرية وسياسية واضحة ومتماسكة، ولسوف يترك ذلك آثاره لفترة طويلة على الحزب خصوصاً في سورية.

    لقد أرسيت القواعد الأيديولوجية الأساسية لحركة البعث أثناء المرحلة الأولى من تأسيسها ما بين 1943ـ 1944 ومن خلال خوض معارك متعددة، سواء على الصعيد السياسي أم على الصعيد الأيديولوجي ضد جميع القوى السياسية التي كانت موجودة دون استثناء، من الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين، إلى السوريين القوميين مروراً بالكتلة الوطنية وقوة الاحتلال.


اقرأ :

زكي الأرسوزي وتأسيس الحزب القومي العرب عام 1939 (4)

مروان حبش: الحزب القومي العربي (3)

مروان حبش: عصبة العمل القومي  (2)

مروان حبش: نشأة وتكون حزب البعث العربي (1)


اقرأ ايضاً :

مروان حبش: حركة 23 شباط – الدواعي والأسباب – المقدمة (1)

مروان حبش: حركة 23 شباط – الحزب في السلطة (2)

مروان حبش: حركة 23 شباط.. سقوط حكم حزب البعث في العراق (3)

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق