مختارات من الكتب

مروان حبش: نشأة وتكون حزب البعث العربي

من كتاب البعث وثورة آذار (1)

  •   
  •   
  •   

مروان حبش: نشأة وتكون حزب البعث العربيمروان حبش: حزب البعث العربي – النشأة والتكوين                               

   إن ما يراود المتتبع لنشأة حزب البعث العربي الاشتراكي، وما يملك عليه مشاعره كلها عندما يسير مع هذه النشأة خطوة خطوة  ويتحرى معالمها منذ البداية يشعر أعمق الشعور أن هذه الحركة- كما وصفها روادها المؤسسون-  “تغرف من نبع أصيل ومن ماء طبيعي، إنها دفقة كاملة من تدفقات الحياة، فيها منذ غرفتها الأولى جميع قسمات الحياة، جميع قسمات القوة، جميع أعضاء المخلوق الجديد”.

  إن حركة البعث منذ نشأتها حركة عميقة باقية، حركة كان لابد وأن يتردد صداها في التاريخ، وأن تخطّ كلمتها  في الحياة وتثير ملامحها الأنظار، وترسي بخطاها الجبارة الموعودة وهي ما تزال تحبو، إنها تحبو  أصيلة أصالة الحياة، أصالة القوة القادرة على تجديد الحياة، أصالة الصبوة العميقة إلى المثل الأعلى، تدرك مدّها الجبار منذ قطراتها الأولى وتشعر مع تباشير فجرها أنها حركة لاكالحركات وأنها تملك من القدرة على دفع الحياة مثل ما في الحياة نفسها من دفع.

  لم تبدأ حركة البعث العربي عملاً سياسياً اصطنعه عدد من الأشخاص وأخذوا يملؤونه بالمحتوى والأهداف، وإنما بدأت صبوة إلى الانقلاب وانطلاقة نحو الثورة وإدراكاً لمصير أمة ثم أوجدت لهذا كله أُطره القادرة على حمله وتنظيمه السياسي الذي يقلبه إلى واقع ووجود. ولم يأتمر أفراد الحركة من أجل إيجاد حزب سياسي  أو حركة سياسية يتداول في أمرها العديد من الأشخاص ذوي الاتجاهات المتباينة ويبنون أهدافها بناء هندسياً جامداً بل تجسدت الفكرة التي يزأر بها الوجود العربي وينتظر من يستخرجها.

  تجسدت الفكرة في أفراد قلائل وانغرست في جوارحهم ووعيهم وأخذت تقلقهم وتحرضهم وتشع رويداً رويداً لتستقطب من حولهم جميع أولئك الذين خُلقوا ليفهموا الكلمة التي يقولها الوجود العربي وليحملوا الرسالة التي يناديهم إليها هذا الوجود، وهكذا بدأت الحركة من الحياة، حياة الأمة العربية ومعاني وجودها ومستقبلها وأخذت تلف حولها كل من اتصل بهذه الحياة وكل من يهيؤه تكوينه لحمل قدرها، ولم تكن الحركة تجميعاً لأشخاص قرروا أن يخوضوا غمار السياسة ولا كانت من صنع أفراد أرادوا أن يقودوا العمل السياسي وإنما كانت تعبيراً عن وجود، عن آمال تعصف في أعماق النفس العربية، عن ثورة تستعر لتحطم الزيف والفساد وتخلق الكيان السليم، أما مبدعوها فهم كل الذين استطاعوا أن يدركوا المعاني العميقة لذلك الوجود وكل الذين ثارت نفوسهم على الواقع الفاسد المريض.

   لقد وُجدت حركة البعث ليكون مؤسسها كل جماهير الشعب العربي التي تفتحت على الغد العربي الكبير، لقد عبرّ من خلالها أفراد قلائل في البداية عن مطامح الأمة بأسرها وعن إرادة الشعب العربي بكامله، وعن صبوات الغد المشرق، ولم يكن هؤلاء الأفراد سوى مترجمين لمشاعر الملايين وممثلين للعدد الكبير، لقد كانوا منذ البداية، وهم  قلة قليلة، رسل الملايين يشعرون أنهم يحملون مسؤولياتهم الجسيمة، لقد كانوا يشعرون أنهم رسل التاريخ العربي وأن التاريخ العربي هو الذي يتكلم على لسانهم وأن المصير العربي هو الذي ينطقهم ويحركهم.

   من هنا كان عمل الحركة في بدايتها عمل تعرّف وجذب، تعرّف على النواة القادرة على الاتصال العميق بجوهر الرسالة التي يلح عليها الوجود العربي، وأخذت هذه النواة تتكون شيئاً بعد شيء، والتفّت حول نداء الأمة العربية، الطليعة التي تملك من عمق الوعي العربي وبأس العقيدة وسمو الخلق ما يجعلها جديرة بأن تقتحم ساحة العمل السياسي بسلاحها الفكري وسلوكها النضالي متميزة عن القوة الوسطية التي رانت على الوجود العربي بعد عهود طويلة من التخلف والاستعمار، ٍوما لبثت هذه النواة حتى أدركت أن حركتها الصامدة لا تستطيع أن تبلغ أهدافها البعيدة وتكمل نضالها الشاق الطويل إلا عن طريق تنظيم سياسي جدير بفكرتها وقادر أن ينقل عقيدتها إلى عمل منظم وأن يوجِد الإرادة الشعبية السليمة، المنظمة والهادية لإيمانها العميق، لذا قررت منذ البداية أن الفكرة القومية لكونها فكرة الحياة والواقع، لا بد أن تنقلب إلى عمل في الحياة والواقع، وأن العقيدة الناضجة تحتاج إلى أداة منظمة لإنجازها، وهكذا انطلقت في التنظيم الحزبي ليكون هذا التنظيم هو الفكرة وقد انقلبت إلى واقع، وهو العقيدة وقد ملكت قنواتها التي تحيلها إلى قوة وتحفظ جهودها وتعبئ  طاقاتها تعبئة منتجة.

   إن حزب البعث العربي الاشتراكي يقف كواحد من القلة التي تستحق تسميتها من بين العديد من الأحزاب السياسية التي انتشرت في الوطن العربي المعاصر وذلك بسبب عقيدته وتنظيمه وفعاليته، بينما تدور أكثر الأحزاب الأخرى في فلك الشخصيات وهي على استعداد دائم للمساومة وقبول التسويات، فإن البعث يؤكد كمدرسة للفكر على تأصيل مبادئه في العروبة مع الاستعانة بالمصادر الاشتراكية الإنسانية.

نشأة وتكون حزب البعث العربي

   إن حزب البعث لم يكن مفاجأة للعرب من حيث المبادئ ومن حيث الفلسفة القومية و السلوك لأن هناك منظمات وأحزاب وجمعيات سبقته، فجاء هو يحاول استدراك ما فات تلك المنظمات والأحزاب والجمعيات، وهو ليس امتداداً لها، بل آمن بفكرة الانقلاب على الواقع المُعاش.

   1ـ في العهد العثماني نظم العرب جمعيات تهدف إلى الدفاع عن حقوقهم أو استقلالهم الذاتي أو الكامل وكانت الموجة القومية قد هبت نسيمها على الدولة العثمانية التي كان أكبر وأهم شعب من شعوبها هو الشعب العربي وكان رد الفعل عند العرب شديداً من سلوك الأتراك، مما دفع ببعض المفكرين والسياسيين والنواب العرب في مجلس النواب التركي  إلى تأسيس جمعيات سرية كان هدفها الدفاع عن الوجود العربي، ثم عن استقلال العرب وحقوقهم، وكانت جمعية الفتاة العربية أبرز المنظمات وأنشطها لهذا التحرك، وفي الحرب العالمية الأولى، تآمر الحلفاء على العرب وثورة الشريف حسين بعد أن وعدوا بدعم أهداف الثورة التي أعلنت استقلال العرب ووحدتهم وخاصة وحدة الحجاز ونجد وبلاد الشام وإعادة مجد الأمة العربية، الأساس الذي بنيت عليه الثورة التي انضم إليها وقادها العديد من الضباط العرب والمثقفين خريجي المدارس العليا وبعض شيوخ القبائل العربية، ولكن الحلفاء كانوا  قد تآمروا وقسموا البلاد العربية حسب اتفاقية سايكس- بيكو ثم استعمروها.

   كانت سورية من أبرز البلاد العربية من ناحية الفكر السياسي والعمل القومي، وقد قام بها أبّان فترة الاستعمار ائتلاف لمجموعة من المنظمات الكبيرة والصغيرة القديمة والحديثة تحت اسم الكتلة الوطنية وهذه الكتلة قادت النضال ضد الاحتلال الفرنسي في سبيل الاستقلال القطري ـ أي استقلال سورية ـ وما كانت تحركاتها بعيدة عن الفكرة القومية والوحدة العربية لكن لم يكن مجال لبحث المسألة مع الدولة المستعمرة (فرنسا) فارتدى نضال الكتلة رداء القطرية أو الإقليمية، ولم يكن للكتلة الوطنية برنامج اقتصادي أو اجتماعي أو عقائدي، وإنما كان لها برنامج غير مسطر حفظه الشعب كله هو الاستقلال التام ثم الوحدة السورية اللبنانية في أول الأمر وبعد ذلك حصل تنازل عن الوحدة مع لبنان واقتصر الشعار على الاستقلال للقطر السوري.

    إن كفاح هذه الكتلة كان عنيفاً ضد الفرنسيين حتى أنها لم تعط فرصة للهدوء والراحة لهم ولكن حصل بعض الفتور في نضالها مما دفع بمجموعة من أعضائها، وخاصة الشباب منهم، إلى الانشقاق عنها، واجتمعوا عام 1933 في بلدة قرنايل في لبنان وأعلنوا تأسيس حركة سياسية أطلقوا عليها اسم عصبة العمل القومي.


مصادر البحث

سلسلة نضال البعث.

في سبيل البعث للأستاذ ميشيل عفلق.

البعث، جلال السيد.

البعث، سامي الجندي.


اقرأ :

مروان حبش: حركة 23 شباط – الدواعي والأسباب – المقدمة (1)

مروان حبش: حركة 23 شباط – الحزب في السلطة (2)

مروان حبش: حركة 23 شباط.. سقوط حكم حزب البعث في العراق (3)

الوسوم
 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


نيقولاس فان دام:  الأقليات الدينية المتماسكة .. العلويون
 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

مروان حبش

وزير وعضو قيادة قطرية سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق