مقالات

د. عادل عبدالسلام (لاش): نزوح الشراكسة من الجولان في صيف 1967

  •   
  •   
  •   

د. عادل عبدالسلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر

نزوح الشراكسة من الجولان في صيف1967 .. النكبة التهجيرية الشركسية الثالثة

تسبب الغزو الإسرائيلي عام 1967 واحتلال الجولان وأجزاء سورية من جبل الشيخ، في تهجير نحو 18000 شركسي مع معظم سكان الجولان العرب والتركمان وغيرهم. و لقد تعرض هؤلاء للضرر المادي والنفسي المباشر، لكن الضرر تجاوزهم إلى بقية شراكسة سورية والعالم بشكل غير مباشر. ولا تختلف مأساتهم هذه عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين الذين سبقوهم في المصاب والمصائب. والحديث عن نكبة سنة 1967 وعملية التهجير القسري، التي دعيت نزوحاً، طويل ومؤلم ليس هذا

البحث مكانه، ويحتل في أعمالي المخطوطة مساحة واسعة مستقلة، أجتزئ منها ما ينسجم مع المقام .

لم تمض سنتان على عودتي من الإيفاد سنة 1965، وعملي مدرساً في قسم الجغرافية في جامعة دمشق ، حتى داهم الغزو الإسرائيلي سورية. فبعد مهاجمة الطائرات الإسرائيلية مصر في فجر يوم الاثنين في الخامس من حزيران من عام 1967، وبعد احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية، هاجم الإسرائيليون الجولان السوري بعد يومين من بدء الحرب. ثم وفي الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين من يوم الجمعة التاسع من حزيران بدأ الهجوم الإسرائيلي على سورية، وتقدم الغزاة باتجاه مدينة القنيطرة حاضرة شراكسة سورية، التي تم الاستيلاء عليها قبل ظهر يوم السبت في العاشر من حزيران. وكان راديو دمشق قد أعلن سقوط القنيطرة قبل ساعات من دخول القوات الإسرائيلية إليها. وفي السابعة والنصف من مساء اليوم نفسه تمت الموافقة على وقف إطلاق النار، وانتهاء حرب الأيام الستة، التي احتل فيها الإسرائيليون الجولان والضفة الغربية وسيناء، أي ما مساحته أربعة أضعاف مساحة إسرائيل.

تسببت هذه الحرب بنزوح قرابة 150.000 جولاني عن ديارهم خلال ثلاثة أيام. وكان بين هؤلاء أبناء القرى الشركسية ومدينة القنيطرة على الشريط الشرقي من الجولان. وكما هو معروف كان شراكسة الجولان يشكلون أكبر تجمع شركسي في سورية. وبوصول أخبار تؤكد نزوح الشركس ووصول أعداد كبيرة منهم إلى أوعار حوران ومنطقة الحارة منها بالذات، كنت في مقدمة من وصلتهم أخبار فاجعة أهلنا، ومن هبوا للعون والإنقاذ. فقمت مع طالبي (حسن أيوب جراندوقوة) في صباح يوم الأحد 11-حزيران -1967 بجولة لاستنفار رجالات شركس دمشق ووجهائها، والعاملين في الجمعية الخيرية الشركسية بدمشق، الذين قدموا المساعدة والعون كلٌ بما يقدر عليه.

كانت المهمة الأولى، التي فرضها النزوح علينا في دمشق، هي نقل الآلاف المتدفقة من سكان القرى الشركسية من أوعار الحارَّة في منطقة حوران إلى دمشق، وقد استغرق الأمر قرابة الأسبوع، وذلك بالتزامن مع استنفار شراكسة دمشق وريفها، وإعلام شراكسة سورية والأردن وتركيا بالمصاب. عن طريق الجمعية الخيرية الشركسية وغيرها. و كانت المهمة الثانية التي بدأ تنفيذها مع وصول أول فوج من النازحين، هي تأمين مكان إقامة مؤقتة لهم.

وفي اليوم الثاني ، الأثنين في 12 –حزيران 1967 والنازحون يتدفقون، تم عقد اجتماع كبير في مقر الجمعية الخيرية الشركسية بدمشق حضرته أعداد غفيرة من رجالات شراكسة سورية ضاق بهم المقر والطريق أمامه. وتم فيه تشكيل لجنة شعبية عــــرفت بـ ( اللجنة الشعبية العليا للنازحين الشركس) ترأسها سليمان ناجي ومحمد علي عزمت، وكلفتُ بأمانة سرها. ولقد أجمع الحضور على مبدأ أساسي هو(عدم توطين الشركس في الخيام والمخيمات مهما كان الثمن)، وهكذا كان. وبعد عملية إحصائية دقيقة اعتمدتُ استمارة وضعتُها، حوت سؤالاً عن إمكانية استضافة نازحين من قبل شركس سورية، غادر الالآف منهم المدارس وحلوا ضيوفاً على أقارب وأصدقاء وفاعلي خير. كما أبدى بعضهم رغبة في استئجار مساكن رخيصة في دمشق وخارجها، فتمت مساعدتهم. فلم يبق في المدارس أكثر من ألفي نازح. ومع اقتراب موعد افتتاح المدارس، قامت اللجنة والجمعية بتأمين سكن مؤقت للنازحين في مبنى مستشفى قيد البناء في بلدة التل القريبة من دمشق. وبعد القيام بمسح اجتماعي لهؤلاء تبين أنه لا معين ولا نصير لهم سوى الله. فبدأ البحث عن حل مشرف لهم، فتم تاييد فكرة مشروع بناء مساكن لهم على أرض يقدمها سكان تجمع شركسي ما. فوقع الاختيار على مرج السلطان، التي قدم سكانها الأرض للجمعية. ولقد شمل حافظ الأسد المشروع برعايته منذ بدايته وحتي تسليم مفاتيح 74 مسكناً للنازحين عام 1971. وهنا لابد من ذكر زيارة الوفد الأردني للنازحين برئاسة رشيد حاتخ، ومن ثم الدعم المالي السخي الذي قدموه لهم، على أن يصرف لهم بعد عودتهم إلى الجولان، والذي سلم للجمعية فيما بعد ومنذ قرابة نيف وسنة. أما شراكسة تركيا فلقد تبرعوا بالمقاتلين والسلاح، تلبية لنداء المتحمسين من الشركس لاستئناف القتال بحرب مغاوير وعصابات،. كما نشطت في فترة متأخرة، منظمة أجنبية تعرف بمنظمة تولستوي في المنطقة، شجعت عدداً من الشركس وغيرهم من النازحين المعدمين للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بحثا عن حياة أفضل.

وبالاختصار…وبصورة عامة وبعد التعرف على الموقف ودراسته من كافة جوانبه تم تقسيم معالجة الوضع الطارئ والمستعجل إلى مراحل هي:
1 – تأمين وسائل نقل جماعية لترحيل النازحين من حوران إلى دمشق، وبمراجعتي وزارة الداخلية وغيرها لم ألق أي تجاوب، فبحثت عن المساعد الأول في شرطة المرور (أبو محمود) شمس الدين محمود حاجبي (من شراكسة منبج)، الذي قام بتوجيه حافلات (باصات) من النقل الداخلي لمدينة دمشق إلى حوران. ونصحني بتزويد كل حافلة بمسلحين كيلا يهرب السائقون، وهكذا كان.
2 – تحضير استمارات في مكتبي في الجامعة ، بذاتية كل نازح، يملؤها من يرافق كل حافلة عائدة إلى دمشق. تُسلم في دمشق لمجموعة من الشباب والشابات الشركس، الذين شكلتُ منهم خلية وغرفة عمل في منزلي في المهاجرين.
3 – البحث عن أماكن إقامة وإيواء لآلاف النازحين. فكان الحل إيواؤهم في مدارس مدينة دمشق في منطقة المهاجرين والشركسية والشيخ محي الدين، حيث يعيش الكثير من الشركس أصلاً، الحل الآني الأمثل. وهنا لابد لي من التقدم بجزيل الشكر لمن هب لمساعدتنا من سكان المهاجرين وجمعية (عمو القنواتي) في جامع الشمسية وبقية الأحياء الدمشقية، وللأستاذ محمود الأيوبي معاون وزير التربية حينذاك، والذي سلمنا مفاتيح 24 مدرسة لإيواء نازحينا، من دون الرجوع إلى أية جهة عليا. ما عرضه للمساءلة فيما بعد. إذ تحمل كامل الأمر على مسؤوليته الشخصية، بغياب من بيده الأمر. وهكذا تم إيواء النازحين.
4 – تأمين الطعام والشراب والمنامة للنازحين. وقد تم ذلك بشكل لم يكن يتوقعه أحد، نتيجة تعاون سكان المناطق المذكورة، الذي كانوا يستقبلون القادمين من حر حوران وحزيران بسطول الليمون والعصائر المبردة. وبالأطعمة الساخنة. إضافة إلى الحرامات ومستلزمات النوم. جزاهم الله كل الخير، وجنبهم ويلات الحروب.
5 – تحويل منزلي في المهاجرين إلى مقر عمليات لتنظيم الخدمات، ريثما يتدخل المسؤولون ويتولوا المهام المنوطة بهم. وتحويل مدرسة طارق بن زياد مقرعمليات لاستقبال النازحين الشركس.
6 – الاتصال بالهلال والصليب الأحمر والمنظمات الدولية العاملة في هذا المجال بدمشق، وقد تم ذلك في اليوم الثالث، الذي بدأ فيه وصول المعونات.
7 – الدعوة لعقد اجتماع شعبي موسع في 14حزيران 1967 حضره شراكسة سورية أو مندوبين عن تجمعاتهم. لبحث النكبة التي حلت بالنازحين، وتوزيع المهام والأعمال الواجب القيام بها، ومن ثم تقرير مصير النازحين ومستقبلهم ريثما يتخذ المسؤولون الرسميون قراراتهم بشأنهم وبشأن بقية نازحي الجولان. وقد جرى الاجتماع التمهيدي الذي دعيت إليه في منزلي. في حين عقد الاجتماع العام في مقر الجمعية الخيرية الشركسية في شارع ابن النفيس. وبعد مناقشة الأوضاع المختلفة وتوزيع المهام والاتفاق عليها، برزت مسألتان خطيرتان: الأولى السماح أوعدم السماح بالمغادرة لنحو 3000 شركسي لا زالوا في قراهم في الجولان لم يغادروها بعد. والثانية، والتي تقدم الحديث عنهما وتكرر النقاش حولها هي استعداد أعداد كبيرة من المقاتلين الشركس في تركيا للمجيء إلى سورية والقتال مع إخوانهم لاسترجاع الجولان ،على أن يجري تسليحهم فس سورية. ولقد رُفض الطلب الثاني لأن ذلك شأن دولي وسيادي يجب أن يتم بالتوافق بين سورية وتركيا. كما تمت الموافقة في الشأن الأول على مغادرة الباقين والنزوح إلى الداخل السوري. وكان الجمع قد انقسم إلى فريقين؛ مؤيد ورافض. لكن رأي مجلس الكبار بالسن والحكماء الشركس كان لصالح المغادرة، وقرار هؤلاء لا يرد في التقاليد الشركسية. وكنت مع رأي عدم مغادرتهم الجولان.
8 – تمخض عن هذا الاجتماع ضرورة تشكيل ( لجنة عليا لشؤون النازحين). وتم انتخابها، وكان رئيسها الأعلى القائد العام لدرك سورية المتقاعد محمد علي عزمت، والضابط المتقاعد سليمان ناجي، وأمين سرها الدكتور عادل عبدالسلام، ثم اجتماع ثان عقد في مدرسة في نوري باشا بدمشق يوم الجمعة بتاريخ 16 حزيران 1967 حضره ممثلون عن القرى والتجمعات الشركسية في الجولان، انتخب فيه إضافة إلى المذكورين أعلاه: الدكتورحكمت حلمي، والأستاذ أبو بكر بارسباي (رئيس الجمعية الخيرية الشركسي)، والأستاذ المحامي فؤاد أفه موغات أعضاء، كما تم فيه انتخاب ممثل واحد عن كل قرية.
كانت اللجنة المذكورة لجنة شعبية صرفة منتخبة بأسلوب ديمقراطي نموذجي عرف عن الشركس في جميع عهود تاريخهم الطويل الممتد آلاف السنين. تم انتخابها وتشكيلها ذاتياً ومن دون إشراف أو رعاية من قبل أية مؤسسة حكومية فلم تكن لها أية صفة على الصعيد الرسمي، الأمر الذي استغله بعض ذوي النفوس المحلية الضعيفة للنيل منها ومحاولة عرقلة نشاطاتها في خدمة النازحين ورعايتهم، عبثاً. لكن هذا الوضع غير الرسمي في دولة ذات مؤسسات وروتين وبيروقراطية معروفة، تداوي جراح خسارة معركة أفقدتها جزءاً من ترابها، ويشعر القائمون عليها بالمرارة والنقمة…… خلق للجنة والعاملين معها صعوبات جمة في مجالات طلب العون لتقديم الخدمات المختلفة لمجموعة من النازحين. وتسيير أعمالهم لدى شتى الدوائر والمؤسسات. و مع ذلك، ومع غياب الدور الرسمي في أيام المرحلة العصيبة التي أعقبت الحرب، شكلت اللجنة العليا لجاناً فرعية و أوكلت بعض الأعمال إلى أشخاص مسؤولين لتنفيذ المهام المختلفة التي كانت اللجنة تسعى لإنجازها، وذلك في الاجتماع الذي عقد في مدرسة الأمل في حي نوري باشا الذي حضره ممثلون عن القرى والتجمعات الشركسية في الجولان. (كافة الوثائق محفوظة عند صاحب السيرة).

ويعليه يمكن حصرمهام اللجنة بعد الصدمة الأولى بما يلي:

– توفير مستلزمات الحياة والعيش للنازحين، من حيث تأمين الغذاء والكساء والمأوى مع الحفاظ على الكرامة، والنظافة والعناية الصحية والاجتماعية والتعليمية- الثقافية. في إطار المبدأ الذي التزمت به اللجنة، والتزم به كل شركسي في بلدان الشتات، وهو ( العمل على عدم إيواء أي شركسي في خيمة، أو توطينه في مخيم ).

– العمل على تقليل أعداد النازحين المقيمين في المدارس إلى الحد الأدنى الممكن.

– مساعدة كل من لديه القدرة المادية من النازحين، ويرغب في ترك المدارس، الملاجئ الأولية الطارئة، على إيجاد السكن المناسب، استئجارًا، بل وفي حالات قليلة ، شراءً في مدينة دمشق وخارجها.

– دعم ومساعدة جمعيات سكنية بدأت بالتشكل فيما بعد على يد العديد من النشطاء الشركس الذي عملوا في مجال توفير الأرض وبناء مساكن متواضعة عليها بأسعار معتدلة، بل ومتدنية وبالتقسيط في أراضي في محافظة ريف دمشق، في قدسيا، وفي شمال شرق دمشق باتجاه برزة، وفي الكسوة الشرقية والكسوة الغربية و في وغيرها. (جاءت هذه المرحلة متأخرة ).

– العمل على توفير مساكن للمتبقين من النازحين في المدارس، وليس لهم أي معيل أو قريب أو معين. وذلك في أقرب فرصة ممكنة قبل موعد افتتاح المدارس في مطلع شهر أيلول من عام 1967.
ومع بقاء قرابة 100 أسرة في المدارس، واقتراب موعد تسليم المدارس إلى وزارة التربية، وتعثر إيجاد مساكن لهذه الأسر،

عقدت عدة اجتماعات مصغرة في منزلي، ( حيث كانت تطبخ المشاريع لعرضها على اللجنة )، واجتماعات للجنة وغيرها موسعة في مقر الجمعية الخيرية الشركسية في دمشق، واستقر الرأي على زيارة مواقع التجمعات الشركسية في محـــــــــــافظات ريف دمشق و حمص وحماه وحلب والرقة والحسكة، بحثاً عن إمكانية توزيع الأسر على أسر شركسية، أو إيوائهم في مساكن خالية. وإن لم يكن، فالبحث عن أرض مناسبة يتبرع بها أصحابها، لتشييد مساكن عليها.

ولقد أجمع الكل على استبعاد فكرة توزيع النازحين عل التجمعات الشركسية، واستقر الرأي على بناء تجمع سكني لهم تابع للجمعية الخيرية الشركسية، التي كان لها باع كبير ولرئيسها حينذاك، الأستاذ أبو بكر برسباي في تقديم المعونات العينية والنقدية لهم ولغيرهم من المحتاجين، على الرغم من رصيد الجمعية المالي المتدني جداً. و لقد وقع الاختيار على قطعة أرض في شمال شرقي قرية مرج السلطان، قدمها أصحابها من أهالي قريتي مرج السلطان ( الواقعة شرق مدينة دمشق بنحو 17 كم ). ومن ثم سار نشاط اللجنة والجمعية وغيرهما من العاملين في مسألة النازحين على محورين أساسيين هما:

– المحور الأول: أيجاد مساكن مؤقتة ريثما ينتهي بناء المساكن في مرج السلطان.

– المحور الثاني: توفير المال اللازم لبناء المساكن ، والانتهاء من تشييدها بسرعة للاستقرار النهائي بانتظار العودة إلى الجولان.

عثرت اللجنة في بحثها عن مأوى مؤقت لنازحي المدارس على بناء قيد الاستكمال ( على الهيكل او العظم كما هو متداول) لمستشفى في بلدة التل القريبة من دمشق. وبعد زيارتنا له وجدت اللجنة إمكانية تحضيره لسكن مؤقت، بعد تزويده بالكهرباء ومنافع سكنية أخرى سريعة التنفيذ. فقام أعضاء من اللجنة والجمعية الخيرية وكنت من بينهم بزيارة المسؤولين عن المبنى وعن مشروع الفرنك الذي بني المستشفى وسيكمل من ريعه في التل. وبعد محادثة قصيرة، وافق المسؤولون عن المستشفى وبإيجابية مؤثرة على إعارته لسكنى النازحين مؤقتاً مشكورين. لكن اللجنة واجهت اعتراضاً وموقفاً سلبياً من محافظ القنيطرة، وهو من أبناء بلدة التل وهو صلاح عزيز (القهوجي)، والذي عاد لممارسة مهامه في مبنى وزارة الداخلية. وكان اعتراضه يندرج تحت جحة ضمانة إكساء المبنى من قبل اللجنة والجمعية، مع ضمان إخلائه بعد تأمين المساكن الدائمة للنازحين. وطلب مقابل ذلك سند ضمانة بقيمة مليون ليرة سورية. ولقد استشاط رئيس اللجنة سليمان ناجي غضباً وكاد أن يهين المحافظ، فهدأت من روعه في مكتب معاون وزير الداخلية (العقيد النابلسي) أحد طلاب سليمان في الكلية العسكرية. ولقد اقنعته بحجة قانونية، مفادها أننا لا نمثل أية جهة رسمية معترف بها من قبل الدولة، بل نحن لجنة شعبية، ولا يستطيع المحافظ أن يقاضينا إن تخلفنا. وهكذا قبلنا، أحــد رئيسي اللجنة ( سليمان ناجي)، و أنا أمين سرها بالاتفاق، ووقعنا على السند. وعلى إثر ذلك تم استنفار المتطوعين من الشركس المختصين بأعمال البناء وغيره، لتزويد المبنى بالضروريات الأساسية المؤقتة للسكن، من تمديدات كهرباء وماء ومراحيض، وأبواب ونوافذ، خاصة والشتاء على الأبواب والموقع جبلي. ومن ثم تم نقل النازحين من المدارس في مطلع شهر أيلول من عام 1967، إإلى المبنى حيث جرى توزيعهم على غرفه.
وهكذا أنجزت اللجنة والجمعية بنود المحور الأول. لكن العمل على المحور الثاني كان متصلاً، ويسير متزامناً من أعمال المحور الأول. إذ عقدت اللجنة عدة اجتماعات في مقر الجمعية نوقشت فيها إمكانيات الجمعبة واللجنة لبناء مساكن للنازحين على أراضي مرج الساطان لم تسفر عن نتائج إيجابية، بسبب العجز المادي لبناء المساكن. فتقرر عقد اجتماع مصغر في منزلي في المزة، وبدعوة مني. حضره الناشطون والمهتمون جديا ً بوضع الحلول المناسبة والممكنة للموضوع، من أعضاء الهيئة الإدارية للجمعية الخيرية الشركسية، و أعضاء من اللجنة الشعبية العليا للنازحين. وتركز الحديث في ذلك الاجتماع على موضوع بناء المساكن، ووسائل توفير المال لهذا الغرض. فتبين أن أموال الجمعية والتبرعات لاتكفي لبناء مسكن واحد. ولما كانت تبرعات شراكسة الآردن وقدرها 35000 دينار أردني مشروطة بعودة النازحين إلى ديارهم، ومودوعة في مصرف إردني، لجأ المجتمعون إلى طلب العون من الدولة، واقترحت الإعلان عن مشروع بناء المساكن تحت رعاية الرئيس حافظ الأسد. فإن وافق على وضع حجر الأساس للمشروع وافتتاحه برعايته، توقع الجميع إمكانية إيعازه لمن بيده الأمر بتقديم بعض العون إن لم يكن كله للمشروع. وقد عرضت نتائج مقررات الاجتماع على الجميع بما فيهم ممثلو النازحين من القرى الشركسية والقنيطرة. فلاقت الاستحسان والموافقة. فاتصلنا أنا ورئيس الجمعية أبو بكر برسباي بالمهنس سليم زيوار لوضع مخطط لمجمع المساكن المزمع تشييدها، مع تزويده بكامل مباني الخدمات الاجتماعية والتربوية والصحية والدينية وغيرها.

وقد قام المهندس سليم بما أسند إليه من عمل على أحسن وجه وفي الوقت المحدد، مشكوراً ومن دون أي مقابل. وبالتزامن مع هذه الجهود كان العمل على تأمين الوصول للسيد الرئيس حافظ الأسد متصلاً، إذ وُفق الوسطاء الشركس من المقربين منه ومن القصر الجمهوري إلى الحصول على موافقته على رعاية المشروع، وعلى دعمه. بَعد إطلاعه على مجسم المخطط من قبل المهنس سليم زيوار ود. عادل عبدالسلام، ومناقشته معهما بعض الأمور المتعلقة باليد العاملة في المشروع، و إعلامه أن من سيعملون في بناء مساكن المشروع هم من المتبرعين الشراكسة وبدون أي مقابل. وتم تحديد موعد حجر الأساس في يوم الثامن من تموز من عام 1971. الموافق لـ 12 جمادى الأول 1391. وعلى إثر ذلك تمت بعض أعمال البناء ( حفر أساسات لبعض الجدران، ورفع عدد منها نحو متر عن الأرض) لتكون يوم وضع حجر الأساس شاهداً على بدء العمل في المشروع. ولقد أناب الرئيس حافظ الأسد عنه رئيس الأركان العامة اللواء مصطفى طلاس. وفي الاحتفال الضخم الذي أقيم على الأرض التي ستبنى عليها المساكن في شمال شرق مرج السلطان بهذه المناسبة، حصلت مفارقة غير مقصودة، فبعد إلقاء كلمة الجمعية من قبل أبو بكر برسباي، وكلمة النازحين من قبل فاروق مقاو، وكلمتي باسم مرج السلطان، ألقى اللواء طلاس كلمته، وأنهاها من دون ذكره أي شئ عن استعداد السلطات تقديم المساعدات للمشروع. وتذكر ذلك حين ترك المنصة وعاد و جلس في مقعده، و كنت جالساً إلى جانبه. فأخبر ني بذلك، فاستأذنت منه لتدارك الأمر وصعدت إلى المنصة وأعلمت الحاضرين بما كان الجميع بانتظار سماعه. وأضفت (من عندي) أنه يطلب الاجتماع بمهندس المشروع ومديره. وبالفعل عقد اللواء طلاس معي وسليم زيوار اجتماعاً في مكتبه في مبنى الأركان العامة للجيش والقوات المسلحة في ساحة الأمويين، لمناقشة الميزانية المقدرة للمشروع، التي وضعناها المهندس سليم وأنا. وتمت الموافقة عليها، على أن تقدم الدولة المواد كلها، وتقوم الجمعية الخيرية الشركسية واللجنة الشعبية العليا بتوفير اليد العاملة وغيرهم. وكان الموعد الذي وضعته الجمعية لتسليم المساكن لمستحقيها، بعد سنة من وضع حجر الأساس، وهكذا كان، وأناب اللواء طلاس عنه اللواء عدنان نجار في تسليم المفاتيح للنازحين.

وهكذا اختتمت هذه المرحلة من نشاطاتي ونشاطات رفاقي، والجمعية الخيرية الشركسية واللجنة الشعبية العليا للنازحين في خدمة المجتمع. وقد انحلت اللجنة بعد ذلك تلقائياً، تماماً كما تشكلت باندفاع تلقائي عفوي وحماس شعبي. وتابعت الجمعية الخيرية أعمالها ومهامها في مساعدة المحتاجين وتقديم المعونات للنازحين وغيرهم. وهنا لابد من الإشارة إلى أنني أحتفط بأوراق تلك المرحلة من معاناة الشركس في أرشيفي بمرج السلطان. وأنها وما تحويه موضوعة تحت تصرف الباحثين، وأن مكتبتي مفتوحة لهم.
مقتبس من الأصل الموسع الغني بأدق التفاصيل ، مرج السلطان 2007

عادل عبد السلام لاش
دمشق : 4 – 2 – 2020

الوسوم

عادل عبد السلام

الدكتور عادل عبدالسلام لاش من أبناء قرية مرج السلطان، من مواليد عسال الورد عام 1933. يحمل دكتوراه في العلوم الجغرافية الطبيعية من جامعة برلين الحرة. وهو أستاذ في جامعة دمشق منذ عام 1965. له 32 كتاباً منشوراً و10 أمليات جامعية مطبوعة، بالإضافة إلى أكثر من 150 مقالة وبحث علمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق