مختارات من الكتب

جميل مردم بك .. 29 أيار 1945 اليوم الأحمر الأسود

تميم مردم بك- صفحات من حياة جميل مردم بك (17)

  •   
  •   
  •   

في 29 أيار 1945 في يوم لا ينسى من تاريخ سورية المسطّر بالدماء والدموع والابتسام.
قامت فرنسا بعد صحوتها من النزع الأخير وبعد أن كال لها جيش هتلر أقسى الضربات، وكان مندوبها السامي في ذلك الوقت “أوليفا روجيه Oliva Roger”، وكان يجمع بين القيادة العسكرية وبين وظيفة مندوب فرنسا في سورية، وكان مقر قيادته وأركان حربه في واجهة مجلس النواب (وقد تهدم وأنشئت مكانه اليوم عمارة كبيرة جديدة) وكان في كل مساء يحتفل برفع العلم الفرنسي على سارية القيادة.

أبلغ أوليفا روجيه الحكومة أنه سوف يقوم بجولة بعد رفع العلم. وكان سعد الله بك الجابري رئيساً لمجلس النواب، فصرف النواب وذهب هو إلى حيث يقيم “في فندق أوريان بالاس Orient Palace”، ولكن الحكومة بقيت مجتمعة في السراي. “(في ساحة المرجة)”.

حضر جنود (السنغال) التابعين لفرنسا وبيدهم السواطير، واستاقوا رجال الشرطة التي تحمي مجلس النواب إلى الرصيف المقابل وطلبوا منهم بفظاظتهم المعهودة أن يشتركوا في تحية العلم الفرنسي.
رفض مفوض الشرطة السورية “سعيد القهوجي” ورفض رجاله هذا الطلب، فقتلوه هو ومن معه وبقي إبراهيم الشلاح الذي تظاهر بالموت، ثم وجهت المدفعية إلى بناء مجلس النواب من الشارع. وبدأ إطلاق النار من كل حدب وصوب وفي جميع المفارق والطرقات، قام الطيران الفرنسي بقصف قلعة دمشق حيث مقر قيادة الدرك، وسقطت بعض القنابل على سجن القلعة فأصابت الكثير من السجناء وشباب الحرس الوطني، قام جنود فرنسيون بإشعال الحرائق وبدأ القصف العشوائي في جميع الاتجاهات. وقد كان القائد العام للدرك الكولونيل “هرانت مالوكيان” المشهور بمواقفه الوطنية.

انتشر الذعر في كل مكان ودارت معارك في شوارع دمشق واستشهد الدكتور مسلم البارودي وهو يسعف الجرحى في ساحة الحجاز (حيث أقيم نصب تذكاري له عند محطة الحجاز).

كان مقرراً أن يعقد النواب جلسة في الساعة الخامسة بعد ظهر ذلك اليوم لسماع بيان جميل مردم بك رئيس الوزراء بالوكالة عن تطورات الموقف، لكن الدبابات المرابطة أمام المجلس حالت دون وصول أكثرية النواب واكتمال نصاب المجلس، فأجّل رئيس المجلس سعد الله الجابري الجلسة إلى موعد آخر، وانصرف رئيس الوزراء بالوكالة إلى إرسال مذكرة لوزراء الدول المفوضين في دمشق.

وكان السيد جميل مردم بك قد أرسل برقية إلى المستر تشرشل يشرح له فيها الأعمال الإرهابية التي تقوم بها فرنسا في سورية فورد جواب البرقية في مساء يوم 29 أيار، يطلب فيها تشرشل بذل الجهد للمحافظة على السكنية والنظام.

بعد أن انصرف النواب من الجلسة المؤجلة دعاهم جميل بك ووجوه المدينة لمقابلته في دار الحكومة لإطلاعهم على برقية تشرشل، وفيما كان الاجتماع معقوداً وقد شارفت الساعة على السابعة مساءً، إذ بالنار الفرنسية تطلق من كل مكان وعلى كل مكان ولاسيما على دار الحكومة ومجلس النواب وفندق الأوريان بالاس وذلك لإبادة النظام بكامله. وهنا لا بد من ذكر قصة طريفة عن خروج سعد الله الجابري من فندق الأوريان بالاس إلى لبنان ناجياً من مكيدة فرنسا:

كان من زوار دمشق يومئذ غبطة بطريرك موسكو، وكان يقيم في فندق الأوريان بالاس ضيفاً على الحكومة السورية (الذي قال: إن هذا القصف يشبه إلى حد بعيد ما كان ينزله الألمان بمدينة ستالينغراد) وقد تدخلت مفوضية الاتحاد السوفييتي بإنقاذ البطريرك ونقله من دمشق إلى بيروت ورافقه السيد سعد الله الجابري بعد أن ارتدى لباس أحد رجال الدين ومرّ أمام أعين الفرنسيين وركب سيارة البطريرك وغادر إلى بيروت حيث عقد مؤتمراً صحفياً…

اشتد القصف على دار الحكومة فما كان من جميل بك وصحبه إلا الانسحاب تحت ستار الظلام إلى دار خالد بك العظم في سوق ساروجة بدعوة منه والمعروف عن خالد بك كرم ضيافته…

قضت دمشق ليلة من أحلك لياليها فقد قطع المحتل الكهرباء والهاتف بين جميع المدن السورية والعالم، حيث كانت مصلحة الهاتف تابعة لقيادة الجيش الفرنسي في ذلك الوقت.
اجتمعت الحكومة والوجهاء في تلك الليلة في دار خالد بك العظم الذي يروى ما حدث في مذكراته الجزء الأول منها صفحة 295 فيقول:

اقترح جميل مردم بك أن نذهب كلنا إلى داري في سوق ساروجة حيث ننتظر الفرج فوافق الجميع وبدأت عمليات التسلل التي رافقها لحسن الحظ توقف لإطلاق الرصاص لمدة كافية لعبورنا منطقة الخطر.

وبعد ربع ساعة التقينا في داري التي كانت مكتظة باللاجئين إليها… حتى أربى عددهم على المئة شخص، وكان أول ما قام به السيد جميل مردم بك أن تناول سماعة الهاتف وأخبر أهله بأنه سليم، وأنه في داري، وحذا حذوه الكثيرون، فعلم الفرنسيون، باستراق السمع على المخابرات الهاتفية الملجأ الذي لجأت إليه الحكومة والنواب. فصبوا مدافعهم من المزة علينا، فتساقطت القذائف على الدور المجاورة وانهارت على ساكنيها الآمنين…

كان كل ما علمناه عن رئيس الجمهورية أنه لا يزال مريضاً ولا يبارح داره. وقد اقترح البعض انتقال الحكومة إلى مكان أكثر هدوءاً واقترح البعض خروج الحكومة إلى عمان حيث تواصل جهودها من هناك ضد العدوان.

عمد جميل بك إلى إعداد العدة للسفر إلى عمان بصحبة الحكومة، وأرسل ابن عمه الدكتور حيدر بك مردم بك مع بعض الموظفين إلى شرق الأردن لإعلام حكومتها بقرب وصول رئيس الحكومة وأعضائها.

يتابع خالد بك ما جرى في تلك الليلة فقال: رغم كل المخاوف التي انتابت الجميع فإن ذلك لم يحول الحضور دون الشعور بالجوع عندما اقترب منتصف الليل. وصار بعض الحاضرين يعملون على تدارك قطع الكعك أو الخبز لسد حاجتهم الملحة… ولعل كثرة القنوط واليأس تجعل المرء غير حافل بما يحيطه من أخطار فيستسلم إلى القدر تاركاً الأمور تجري لمستقرها. ومن الناس من تثور أعصابه فيصبح يقظاً متحفزاً. “ومنهم من يستطيع التغلب على توتره، وكان جميل مردم بك من هؤلاء الأخيرين، إذ استرخى على معقد والتف بعباءة وطلب إلى الجالسين معه في الغرفة أن يرحلوا عنها أو يكفوا عن الكلام ليأخذ حاجته من النوم”.

انتشر في الحي خبر التجاء أعضاء الحكومة وبعض النواب إلى منزل خالد بك، فجاءت وفود تطلب من جميل بك التكرم بالانتقال إلى حيّ آخر يتخذه مركزاً لحكومته خوفاً على حياته وحياتهم.

قرر جميل بك الانتقال إلى حي الصالحية الذي بقي خالياً من الجيش الفرنسي. وفي الهزيع الأخير من الليل جاء فخري بك البارودي بلباسه العسكري ـ إذ كان برتبة عقيد ـ وكان قد أصيب في عنقه نتيجة القصف.
استيقظ جميل بك صباحاً وتناول طعام الإفطار بهدوئه المعروف، ثم جرى التخطيط لعملية مغادرة دار خالد بك إلى دار شكري بك في الصالحية، واتجه مع بعض صحبه إلى القابون ثم إلى حيّ الأكراد فالصالحية واجتمع هناك بشكري بك القوتلي.
تقول ابنة العم سلمى مردم بك رحمها الله في كتابها أوراق جميل مردم بك:
كان على مردم بك أن يذهب لمقابلة الرئيس فاستقل سيارته فوراً مع السائق وحارس واحد واتجه إلى حيّ الأكراد في مجازفة خطيرة، من أجل أن يرى بنفسه ماذا يحدث هناك.

وقد كان لظهوره في حي الأكراد أثر سحري، فالأكراد الذي يمجدون الشجاعة التفوا حول الحكومة وقدموا خدماتهم لمقاتلة الفرنسيين. وقد سجل لهم مردم بك مشاعرهم ولقبهم بأنهم أبناء صلاح الدين الذي ألحق الهزيمة بالمحتلين الأوروبيين للأراضي العربية…

وعلى باب بيت رئيس الجمهورية شكري بك وجد مصفحة بريطانية يقودها الجنرال البريطاني كلارك وقد جاء لحماية الرئيس بعد أن تدهورت حالته الصحية، وكذلك لحماية القائم بالأعمال الأمريكي، وقد اجتمع به جميل بك وفوجئ القائم بالأعمال برؤية جميل بك وقال: إن الفرنسيين أبلغوه أن الحكومة قد لجأت للفرار. وفهم أن الانكليز لا مانع لديهم من حماية الحكومة إذا طلب أعضاؤها ذلك. أجاب مردم بك: “أنه في اليوم الذي يجد نفسه بحاجة لحماية وهو يتجول في عاصمة بلده، فإنه سيتخلى عن جميع مسؤولياته تجاه سورية”. وتم إبلاغ احتجاج الحكومة إلى ممثلي الدول الأجنبية، وصارت تعقد الاجتماعات بدار جميل مردم بك في شارع نوري باشا في منطقة الجسر الأبيض، على بعد خطوت قليلة من دار المندوبية العامة الفرنسية. وانقلب منزله إلى مقر لوزارة الخارجية. وقد تمكن جميل بك من إيصال الرسائل إلى جميع رجال السلك الدبلوماسي العرب والأجانب وأثبت لهم أن الحكومة بكامل هيئتها لا زالت موجودة.

وصل وزير بريطانيا المفوض لدى سورية المستر “آلن شون Schone” إلى دار مردم بك… وكان مطلعاً على تطور الأحداث يوماً بيوم. وقال له مردم بك: إن ما يحدث تحت سمعكم وبصركم لا يحتاج لوصف… وإذا لم تتدخل بريطانيا حالاً فإنها ستخسر سمعتها لدى العرب. إن العرب أصبح لهم مخلب وناب بعد أن اجتمع شملهم وتأسست جامعتهم العربية وما زال طريق الهند يمر من بلادهم.

قصد الوزير المفوض شون منزل شكري بك فوجده طريح الفراش قال له الرئيس القوتلي: “إذا لم توقفوا هذه المجزرة سأخرج إلى الشارع لأموت مع شعبي، وأُشهد العالم كله بأنكم أنتم الإنكليز المسؤولون عن هذه الجريمة الإنسانية”.
في صباح اليوم الثالث أي 31/ أيار وصل إلى علم جميل بك بأن اجتماعاً يضم من يُسمون أنفسهم بالعقلاء قد اجتمعوا في منزل أحدهم وهو لا يبعد كثيراً عن منزله، وأن هذا الاجتماع تم بتشجيع من الفرنسيين من أجل أن يلتمسوا من الجنرال أوليفا روجيه وقف القصف عن المدينة مع الوعد بأن الوزارة الجديدة ستؤلف منهم. لقد أرسل جميل بك لهم واحداً فقط من رجاله، وهو هاشم السقباني، الذي ذهب أمام دار الاجتماع وأبلغهم بأن الحكومة مطلعة على ظروف اجتماعهم وأنها تعرفهم بأسمائهم وتعرف الغاية من اجتماعهم. لذلك فهو ينقل إليهم رغبة الحكومة بأن يفضوا هذا الاجتماع بالتي هي أحسن، وإلا فإنهم يتحملون النتائج إذا ما بلغ الخبر للشعب الهائج. فانفض الاجتماع قبل أن يبرح الرجل مكانة…

في الساعة الخامسة مساءً أذاعت محطة لندن العربية بأن المستر أنطوني إيدن قد تلى في مجلس العموم البريطاني الرسالة التي وجهها المستر تشرشل إلى دوغول من حيث أن الأوامر قد صدرت إلى الجيش التاسع البريطاني من أجل إعادة القوات الفرنسية إلى الثكنات. وكان ذلك معناه على أرض الواقع الإلغاء التام للدور الفرنسي في سورية. يقول دوغول في مذكراته: لو كان هدف الإنكليز هو مجرد وقف إطلاق النار لوقفت الأمور عند هذا الحد، ولكن الإنكليز كانوا يريدون أمراً آخر. ومنذ أن تبلغ الإنكليز أن فرنسا قد أوقفت استعمال السلاح، لجؤوا إلى مسرحية كانوا قد هيأوا لها مسبقاً من أجل إذلال فرنسا علناً.

وقد تم حصر عدد القتلى والجرحى في هذه الأيام الثلاثة كالتالي: عدد القتلى والجرحى 2688، منهم 1900 في دمشق والباقي في المحافظات الأخرى، علماً بأن الكثيرين من الجرحى كتموا أسماءهم تجنباً للمعاملات الرسمية.
“وهكذا خرج الأمر من يد فرنسا وضاعت جهودها في استعمار سورية بالقوة حسب مخطط باريز، ولكنها مع ذلك لم تقطع الآمال في إعادة الاحتلال ما دام في الميدان الدولي مجال، أيّ مجال”.

في اليوم الأول من حزيران أثبتت الحكومة السورية لرجال السلك السياسي بأن أي مركز فرنسي لم يصب بأذى ولا يحمل آثار إطلاق رصاص. واصطحب جميل بك بنفسه أعضاء البعثات السياسية وطاف بهم في أرجاء دمشق. لم يشاهد أحد منهم أي أثر للاعتداء الذي ادعاه أوليفا روجيه. وطافوا في المناطق التي قصفتها القوات الفرنسية وشاهدوا الجثث التي كانت ما تزال ملقاة في باحات سجن القلعة وفي مهاجع المساجين. وكل ذلك اشتمل عليه الكتاب الأسود الذي أصدرته الحكومة السورية عام 1946.

وبتاريخ 4 حزيران استدعى الجنرال دوغول السفير البريطاني المستر “داف كوبر” وبعد أن طلب منه الجلوس قال له: “إنني اعترف بأننا لسنا على مستوى الدخول معكم في حرب ولكنكم أهنتم فرنسا وقمتم بخيانة الغرب وهذا ما لا يمكن أن يكون موضوعاً للنسيان”. وقف داف كوبر وخرج.

في 26 آب قدم فارس الخوري رئيس الوزراء استقالة حكومته التي كان فيها جميل مردم بك وزيراً للخارجية وصدر مرسوم جمهوري بإعادة تكليفه تشكيل الوزارة الجديدة التي استغني فيها عن جميل مردم بك، ولم يستغرب أحد ذلك بسبب التناقضات القائمة ومسايرة شكري القوتلي الذي كان يرغب بتزعم الحكم دون مراعاة للوضع والظروف التي تمر بها البلاد. وبعد شهر وخمسة أيام استقالت الحكومة.

في 30 أيلول صدر مرسوم جمهوري بتكليف سعد الله الجابري لرئاسة الوزارة وأعيد انتخاب فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب. واستبعد جميل بك من الوزارة الجديدة.

في 3 آذار 1946 جرى التوقيع في باريز على اتفاق بريطاني ـ فرنسي ينص على البدء بإجلاء القوات الفرنسية والبريطانية عن سورية اعتباراً من الحادي عشر من شهر آذار على أن ينتهي جلاء آخر جندي يوم الثلاثين من نيسان.
“أنجزت القوات الفرنسية والإنكليزية جلاءها عن الأراضي السورية في يوم الأربعاء 17 نيسان 1946 فأصدرت الحكومة السورية قراراً باعتبار هذا اليوم عيداً وطنياً للجمهورية السورية باسم عيد الجلاء”.

وخرج أفراد الشعب السوري إلى الشوارع يتسلقون أسطحة المنازل ليشاهدوا الأعلام الخفاقة ترفرف في الأعالي، ويتجولون في الشوارع يهتفون حتى بحت حناجرهم بحرية سورية واستقلالها. وهل هناك أجمل من يوم الجلاء؟؟…
“وانتخبت سورية عضواً في مجلس الأمن الدولي عضواً غير دائم فكانت سورية أول بلد عربي تحرر في آسيا وأفريقيا دون أي امتياز أجنبي”.

وبذلك انتهت مرحلة من مراحل الاستعمار وفرض السيطرة على هذا البلد، الذي بدأ قبل ربع قرن، وبدأت مرحلة الاستقلال والكرامة والشرف، وسقطت آخر ورقة من أوراق الانتداب على سورية.
هذا وكان شون السفير البريطاني في دمشق قد حذر جميل مردم بك من السماح للبنوك الأميركية من العمل في سورية وإبعاد الرأسماليين الأميركان عن الاقتصاد السوري. ولهذا رفضت الحكومة السورية منح الإذن لشركة ترانس أريبيا (التابلاين) بمد خط أنابيب النفط السعودية إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سورية، مما زاد من غضب الأميركان. وجاء بعد ذلك حسني الزعيم بعد انقلابه على الحكم وسمح بمد هذا الخط!!….

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق