وثائق وبيانات

كلمة الحسين بن علي حول بيعة أهل سورية وسياسته حولها عام 1918

  •   
  •   
  •   

ايضاحات الملك حسين بن علي حول بيعة أهل سورية وسياسته حولها

  أرسل فيصل بن الحسين في الثالث من تشرين الأول 1918م برقية إلى والده الشريف حسين في مكة، تضمنت بعية السوريين لفيصل باسم جلالة الملك حسين.

وفي الثامن منه، رد الشريف حسين بن علي على البرقية برسالة جوابية نشرت في جريدة القبلة. 

وفي العاشر منه، استقبل الشريف حسين وفداً من الشخصيات التي كانت متواجدة في مكة، وكان بينهم بعض السوريين.

وذكرت جريدة القبلة التي كانت تصدر باسم الشريف حسين حينها، في العدد 220، أنه كان من بين السوريين موظفين وتجار دون ان تذكر أسمائهم او تشير إلى مناصبهم.

وذكرت الصحيفة : ( استقبل مولانا صاحب الجلالة الهاشمية في صباح يوم أمس أعيان وأركان البلاد وأركان حكومتها السنية بمناسبة البرقية الواردة من حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل حفظه الله والجواب العالي الكريم على تلك البرقية.

ومن الذين حصلوا على شرف تلك الحظوة أفراد السوريين المقيمين في مكة المكرمة من موظفين وتجار وغيرهم. فبعد أن تبركوا بلثم يد جلالة المنقذ أيده الله أمرهم جلالته بالجلوس ثم عرض حضرة نائب وكيل الخارجية الشيخ مساعد اليافي شكرهم للعرش الهاشمي الاسمى على ما تم من انقاذ بلادهم وأهلهم ودخولهم تحت جناح رأفة ولي النعم واستظلالهما بظل الراية العربية المنصورة الخالدة ان شاء الله تعالى الى يوم الدين).

ثم نقلت الجريدة حديث الشريف حسين في الاستقبال،حيث ذكرت: (وحينئذ تفضل حضرة صاحب الشوكة والمهابة المليك المعظم فوجه اليهم من درر الحكمة الهاشمية هذه الآيات البيانات فقال أيده الله وأمتع البلاد والعباد بتخليد ملكه):

نص كلمة الشريف حسين كما نشرت في جريدة القبلة:

(أنكم يا أبنائي كلكم مسلمون، وان من العقائد الإسلامية أن الأمور كلها مقدرة في سابق علم الله تعالى، فلا يحدث في في الكون الا ما سبقت به المشيئة الالهية من الأزل، على الطرز والوجه المحتم، وفي الوقت والساعة المعينة، فكل ما حدث وما يحدث من الأمور قد أعد لأوقات معدودة في أماكن محدودة.

ولقد علمتم الغاية الأساسية لنهضتنا التي هي أيضاً من المقدرات التي قضت بها المشيئة الصمدانية من الأزل احياء للبلاد ورحمة بالعباد، فاستخرنا الله تعالى في إنقاذ النية الخالصة لوجهه الكريم، غير طالبين الا رضاه. ولو أردنا راحة النفس ومتاع الدنيا لكان لنا من ذلك ما يكفينا بكل سعة فرجحنا السعي لنصرة قومنا وانقاذ أوطاننا وارضاء ربنا. وها هم التجار الذين بين ظهرانيكم يتذكرون أنه عندما ضرب نطق الحصر البحري على سواحل البحر الأبيض ساءني أن يقع بنو قومي السوريون في ضنك العيش فصرحت للتجار باسعاف تلك الديار على قدر الوسع وقد حصل ذلك بالغعل.

وأني أؤكد لكم يا أبنائي أنه لا فرق عندي بين أحد من بني قومي مهما اختلفت أوطانهم ونحلهم، فهم جميعاً في نظري بمنزلة الأشخاص المقيمين معي في هذا المنزل وتحت هذا السقف. وان خروج المتغلبة من تلك الديار قد أحدث لي وظيفتين جديدتين أحدهما اتخاذ كل الوسائل النافعة لعمران البلاد والثانية السهر على راحة أهلها وسعادتهم.

ولقد قلت أمس لفيصل في الجواب على برقيته الواردة من دمشق انه مادام السوريون قد حملوني هذا العبء الثقيل فقد وجب عليهم ان يعينوني على ما فيه راحة البلاد وسعادتها ورفاهها لاسيما وهم أبناؤها وأعرف الناس بما يلزم لها من الحاجيات، وهم الأجدر بتولى أمورها على أسلوب العرف فيها. وان العرف المنزلة الثانية في نظر الشرع حيث قال الله تعالى:” خذ العفو وأمر بالعرف”، ومن حق العرف أن تكون له هذه المنزلة في نظر الشرع، لأن الوقوف على عرف الأمم من أكبر أسباب النجاح في تحصيل سعادتها، وان العلم بعرف جهة من الجهات أحسن ثمرة من التبحر في العلوم النظرية من غير معرفة بوجوه تطبيقها وطرائق الاستفادة العلمية من قواعدها وفروعها. ولاشك ان أبناء البلاد أعرف بعرف بلادهم، ولذلك قلت انهم الأجد بتولى أمورها.

وإني ذكرت أبناء سوريا فلا أفرق بين أحد منهم بمذهب او غيره بل كلهم في نظري سواء لأن وحدة القومية هي جامعة التفاهم وتبادل المصالح والمنافع. وطالما قلت ان العرب عرب من قبل ان يكونوا مسلمين او مسيحيين أو موسويين وان العربي يمكن ان يصير مسلماً أو مسيحياً او موسوياً ولكن يستحيل عليه أن يصير جاوياً أو يونانياً . فإذا كان أحد قد أساء فهم هذه الحقيقة أو تفهيمها فيكون قد أساء إلى الحقيقة وإلى العرب الذين أثبت تاريخهم أن اختلاف الدين لا يمكن أن يكون سبباً لهضم حق أو لحط من كرامة أو لغير ذلك من مطلب الحياة الاجتماعية الهنيئة. وهل فيكم من لا يعرف أن النبي صلى الله عليه وسم قد أجاز لليهودي أن يتقص منه، مع أن الإسلام كان في ذلك الوقت في عنفوان قوته والصحابة من حوله صلى الله عليه وسلم يفتدونه بأرواحهم، فلم يكن كل ذلك ليكون سبباً يمنع اليهودي من طلب حقه بكل صراحة رغم ما استعمله من الخشونة في الطلب.

فالبلاد يا أبنائي هي لأهلها يتمتعون بكل حقوقها ويجنون من كل ثمراتها فلا يفرق بينهم في الحقوق والواجبات، الأخذ بوسائل الكسب والتمتع بالثمرات، أي سبب من الاسباب، ما دام كل فرد منهم يعرف الحق فلا يتعدى حدوده، ويقوم بالواجب ولوازمه فلا يتوانى عنه.

لقد كان القصد من هذه النهضة ارضاء الله تعالى واعطاء القومية العربية حقها من الخدمة بانقاذ بنيها وحفظ أوطانها. وان اذعان العرب لقوميتهم من أخص مآثرهم وأقدم سجاياهم فهم من عشاق الاستقلال القومي من قبل ومن بعد، كما قال القرشي “لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن” فإذا كان هذا حسهم في قوميتهم الجزئية فكم بالحري أن يكونوا في غيرتهم وحميتهم على جامعتهم العامة.

هذا وان الواجب الذي يترتب علينا وعليكم بعد تمام واجب الانقاذ هو بذل الهمة وتوجيه المساعي إلى إعمار البلاد وانعاشها واحياء مواتها. والله الموفق).

وعلقت الصحيفة في نهاية الخطبة ان الحضور نهضوا جميعاً وفتبركوا بلثم اليد التي هيأت للأمة العربية استقلالها بفضل الله ونعتمته، وخرجوا من الديوان الهاشمي العالي وهم لاهجون بما لهذه اليد من مآتي الخير والفلاح، وأعمال البر والصلاح.

المصدر
جريدة القبلة – السنة الثالثة – العدد 220 الصادر في العاشر من تشرين الأول  1918 م
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق