مختارات من الكتب

جميل مردم بك وتعيين هنري بونسو مفوضاً سامياً

تميم مردم بك- صفحات من حياة جميل مردم بك (7)

  •   
  •   
  •   

تعيين هنري بونسو مفوضاً سامياً

في السابع والعشرين من تموز 1927م، أعلن المفوض السامي الجديد (المسيو هنري بونسو H. Ponsot) في بيان إلى الشعب السوري بأنه يلتزم بإصدار دستور للبلاد يقوم بوضعه ممثلون منتخبون من قبل الشعب.

تلقى زعماء سورية هذا البيان بكثير من الارتياح، وقاموا بعقد مؤتمر وطني في بيروت في الخامس والعشرين من تشرين الأول 1927م، وقرروا فيه خوض الانتخابات النيابية باسم “الكتلة الوطنية”.

والجدير بالذكر أن المفوض السامي بونسو قد أصدر عفواً عاماً عن الزعماء الوطنيين واستثنى منهم تسعة وثلاثين، منهم سلطان باشا الأطرش والدكتور عبد الرحمن الشهبندر.

استقالت حكومة الدامادا أحمد نامي في أوائل 1928 وعهد إلى الشيخ تاج الدين الحسني بتأليف الحكومة وإجراء الانتخابات لمجلس تأسيسي وإنهاء حالة الطوارئ. وقد جرت الانتخابات في 09/06/1928 وعقد المجلس التأسيسي أول اجتماعاته في دمشق وانتخب السيد هاشم الأتاسي رئيساً له وتم وضع الدستور الجديد المؤلف من 115 مادة في 07/08/1928 م.

لكن المفوض السامي هنري بونسو بادر إلى طلب إلغاء ست مواد وهي 2 ـ 73 ـ 74 ـ 75 ـ 110 ـ 112 من الدستور. وباختصار لهذه المواد:
تنص المادة /2/ البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية وحدة سياسية لا تتجزأ…
تنص المادة /73/ لرئيس الجمهورية حق العفو الخاص…
تنص المادة /74/ يتولى رئيس الجمهورية عقد المعاهدات الدولية وإبرامها…
تنص المادة /75/ يختار رئيس الجمهورية رئيس الوزراء ويعين الوزراء…
تنص المادة /110/ تنظيم الجيش الذي سينشأ يكون بقانون خاص…
تنص المادة /112/ لرئيس الجمهورية الحق في إعلان حالة الطوارئ…

أنذر المفوض السامي المجلس التأسيسي في التاسع من آب 1928م، بأن الإبقاء على هذه المواد من شأنه أن يخلق وضعاً يشوبه الغموض والتشويش، الأمر الذي يحول دون الوصول إلى النتائج العملية المأمولة.

رفض أعضاء المجلس التأسيسي هذا الإنذار فلجأ المفوض السامي إلى تعليق جلسات المجلس لمدة ثلاثة أشهر، ثم أتبعها بثلاثة أشهر أخرى، ثم إلى أجل غير مسمى، مما أدى إلى تأزم العلاقة بين سورية وفرنسا تأزماً شديداً امتد إلى ربيع 1930.
عزم هنري بونسو إنهاء هذه الأزمة فأصدر في 14/5/1930 قرارين:
الأول: يقضي بحل المجلس التأسيسي السوري.
الثاني: نشر دستور جديد يتضمن تعديل المادة الثانية من الدستور الموضوع بحيث تنص على ما يلي: “سورية وحدة سياسية لا تتجزأ”. كما تضمن مادة إضافية تحت رقم 116 نصها باختصار:
عدم تعارض أحكام الدستور مع التعهدات التي قطعتها فرنسا على نفسها فيما يختص بسورية، كذلك تعهدات فرنسا الدولية لا تطبق إلا ضمن الشروط التي تحدد في اتفاق يعقد بين الحكومتين.

قابل الشعب السوري هذا التعديل بموجة عارمة من الاحتجاج والسخط، وأضربت دمشق وسائر المدن السورية إضراباً شاملاً صامتاً لم تشهد له البلاد مثيلاً، وجرى اجتماع كبير في دارة فخري البارودي، غير أن الشرطة سدت جميع الطرقات المؤدية إلى بيته في حيّ القنوات، ووضع رجال الإطفائية مضخاتهم وقذفوا المتظاهرين بالماء، مما دفعهم إلى التحول إلى منزل جميل مردم بك للاجتماع فيه، فغصت قاعاته وغرفه بالناس من جميع الطبقات. وخطب جميل بك وقدم للحاضرين قراراً طلب إليهم التصويت عليه فصوتوا بالإجماع وهذا هو:
“إن جمهور سكان دمشق سواء المجتمعين في هذا المكان أو الذين تضامنوا معنا بالإضراب العام الهادئ الذي جرى اليوم، يقررون الاحتجاج على منع الجمعية التأسيسية من إكمال مهمتها… ونحن نعلن بناءً على ما تقدم، بأن الأمة السورية ستثابر على خطتها حتى تبلغ ما تصبو إليه وترمي إلى تحقيقه لما فيه خير البلاد واستقلالها”.

كما كان بين الخطباء زكي الخطيب وفخري البارودي وفائز الخوري والدكتور نجيب الأرمنازي ولطفي الحفار. وأُرسل هذا القرار إلى الصحف السورية والعربية لنشره فيها، ثم أبرق جميل بك إلى المسيو بونسو البرقية التالية:
“أرجوكم تبليغ هذه البرقية إلى عصبة الأمم، فقد كلفتني الجموع التي احتشدت اليوم وأيدتها مدينة دمشق بإضرابها الباهر، أن أرسل إلى عصبة الأمم احتجاجها على منع الجمعية التأسيسية من إتمام مهمتها، وعلى قرار تجزئة البلاد بإصدار خمسة دساتير مختلفة، وعلى المادة 116 التي تعطل الدستور وتغاير الاستقلال القومي، وعلى إبقاء الحكومة الحاضرة المؤقتة التي دامت سنتين برغم اشتداد كره الأمة لها، وعلى حرمان فريق كبير من السوريين من العودة إلى بلادهم، وعلى مصادرة الحرية بقوة السلاح، وهم لا يعترفون بأي إجراء لا يصدر عن طريق ممثلي الأمة الشرعيين”. مما جعل بونسو يعلن في 19/11/1931 عزمه على إجراء انتخابات نيابية عامة مجدداً في سورية، وأن المجلس النيابي الجديد سوف يقوم بإجراء مفاوضات مع فرنسا للوصول إلى معاهدة فرنسية ـ سورية على غرار المعاهدة الإنكليزية ـ العراقية لعام 1930.

في العشرين من كانون الأول 1931م  تم إجراء الانتخابات العامة، وتدخلت فرنسا فيها تدخلاً سافراً، نجم عن ذلك اضطرابات خطيرة في دمشق وحماة، مما أجبر الحكومة الفرنسية على إجراء انتخابات تكميلية في الثلاثين من آذار 1932م، كان من نتيجتها فوز (53) نائباً من المعتدلين و(17) من الوطنيين، وكان لهؤلاء الوطنيين الأثر الكبير في إقناع المعتدلين بالتعاون لتحقيق أماني الشعب في الوحدة والاستقلال.

وكان التطلع إلى كيان سوري وطني على غرار البلدان المجاورة تطلعاً وتوجهاً مشروعاً. فنقطة الانطلاق كانت الشرعية الدولية المتمثلة بعصبة الأمم، أما الخلفية الفكرية لذلك التوجه، فقد كانت متقاربة جداً بين مكونيها: تدرجاً من مناهضة الاستبداد، إلى اللامركزية، ومن ثم إلى العروبة، فالاستقلال وصولاً إلى الوطنية السورية، والرغبة في الوصول إلى الدولة السورية الحديثة على غرار الدول الأوروبية.

ولأنهم من حيث التركيب الاجتماعي كانوا يتحدّرون من عائلات نافذة اجتماعياً وسياسياً، فقد كانوا استمراراً لخط زعامة سابقة، لكنها مختلفة في المضمون والشكل. لذلك خاضوا معاً تلك التجارب التي وثقت الروابط بينهم، وأضحى تواثقهم معمداً بأحكام إعدام وسجون ونفي وتشريد وكانت مساهمة جميل مردم بك في ذلك بأوضح صورها.

شعر الوطنيون بضرورة تنظيم صفوفهم فقاموا بعقد مؤتمرهم العام في مدينة حمص، وقرروا في الرابع من تشرين الثاني 1932 القانون الأساسي “للكتلة الوطنية” ما ألذ وقع هذه الجملة على آذان الأمة السورية وأحلى ذكرها على لسانهم.

نصت المادة الأولى من القانون الأساسي للكتلة:
“الكتلة الوطنية هيئة سياسية غايتها تحرير البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية، وإيصالها إلى الاستقلال التام والسيادة الكاملة، وجميع أراضيها المجزأة في دولة واحدة ذات حكومة واحدة، وتأليف المساعي مع العمل القائم في الأقطار العربية الأخرى لتأمين الاتحاد بين هذه الأقطار”.

لقد كانت الكتلة الوطنية قمة النضال السياسي في التاريخ العربي المعاصر، وطريقة في المقاومة تخرج عن المألوف، فهي حركة نضالية على خلاف القياس أو على خلاف ما هو معروف في الحركات التحررية.

لم تكن حزباً سياسياً، وليست مجموعة من خلايا المقاومة. والذين عاصروا تأليف الكتلة الوطنية يعرفون أنها مجرد مجموعة من الزعماء، جمعيهم من الرعيل الأول وأكثرهم من ملاّك الأراضي الزراعية، اتفقوا فيما بينهم على حل الأحزاب التي ينتمون إليها وأن يقوموا بعمل مشترك للوصول بسورية إلى الاستقلال ووضع حد للانتداب.

وقد انتخب المؤتمر سبعة أعضاء دائمين مدى الحياة وهم السادة: هاشم بك الأتاسي رئيساً ـ إبراهيم هنانو زعيماً ـ سعد الله بك الجابري نائباً للرئيس ـ جميل بك مردم بك وشكري بك القوتلي والدكتور عبد الرحمن الكيالي وفارس بك الخوري أعضاء.

ولقد أعلن الزعماء الوطنيون عدم قبولهم بعقد أية معاهدة مع فرنسا قبل عودة الأجزاء المسلوخة عن الكيان السوري من قِبَل السلطة الفرنسية المنتدبة وكان مردم بك على رأسهم…
يقول لطفي الحفار: انبرى للخطابة جميل مردم بك وتلا اقتراحاً برفض مشروع المعاهدة لما تضمنته من الإخلال باستقلال سورية ووحدتها. وحين بلغت المناقشات ذروتها من الحدة، دخلت قوات الأمن قاعة المجلس، فغادرها رئيس المجلس والنواب إلى منزل رئيسه صبحي بركات.
لقد ارتبط مسار جميل مردم بك بتشكيل الكتلة الوطنية، التي كان فيها مختصاً بشكل متميز بدبلوماسيتها ومفاوضاتها الخارجية والعربية مع سلطات الانتداب والبلدان الأجنبية الأخرى حيثما استلزم الأمُر ذلك.

برع جميل بك وأنجز كما فشل لأسباب لا تتعلق بالمهارات، بل بالسياسات الدولية. “لذلك يمكن اعتباره بحق المؤسس الحقيقي للدبلوماسية السورية”، التي هي خبرات متراكمة إبان فترة طويلة، بدأت بمؤتمر باريز، وتطورت بملازمته فيصل بن الحسين في مفاوضاته الشاقة من أجل الدولة الأولى، وهذا ما جعله وطنياً يجيد الوصول إلى المستويات الممكنة، يأخذ منها القليل في حال الضعف والكثير في حال القوة، لكن دون تنازل أو مساومة من حيث المبدأ، خاصة عندما لاحت في الأفق إمكانية إنجاز الاستقلال، إذ كان قد راكم إنجازات متتالية للوصول إلى ذلك الإنجاز النهائي. وكان سلاحه ثقة رفاقه، وذكاءه وذهنه الحاد المتقد. كما كان سلاحه أيضاً لسانه وقلمه الذي ولع بصياغة المواقف والمذكرات تأكيداً للموقف وتثبيتاً للاتفاقات أو التوافقات، ناهيك عن الخلافات، ففي “أعلام العرب” نجد وصفاً كالتالي:
“يفاجئ الأحداث قبل وقوعها فيعالجها بمهارة فائقة فيظن البعض أن في مبدئه التواء.
ويرى أن السياسة الموضوعية خيط في السياسة العالمية الكبرى… لهذا أطلق عليه لقب ثعلب السياسة”.

في عام 1933، ولما كان جميل مردم بك وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني في عهد الرئاسة الأولى للجمهورية الأولى لمحمد علي بك العابد ورئاسة المجلس لصبحي بركات ورئاسة الوزراء لحقي العظم. تصادم مردم بك مع المجلس النيابي وكان سبب ذلك موازنة الدولة لعام 1933، حيث تقدمت الأكثرية النيابية بطلب إضافة مادة للموازنة تقضي بإسقاط جميع ديون الدولة ومؤسساتها عن المدينين. وكان هؤلاء النواب مدينون للمصرف الزراعي بقروض لم يقوموا بإيفائها، كما أن الكثيرين منهم لم يؤدوا ضريبة العشر التي كان يدفعها المزارعون قبل تطبيق نظام ضريبة الإنتاج الزراعي.

وقد اعترض مردم بك بصفته وزيراً للمالية على هذا الإعفاء… وألقى خطاباً هاجم فيه النواب وخاطبهم بقوله “يا أشباه الرجال”، ولم يصدر قانون الإعفاء إلا بعد أن استقال مردم بك من الحكومة بسبب فشل المفاوضات حول المعاهدة في 18/ نيسان 1933.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق