شهادات ومذكرات

ناظم القدسي : السادات حارب للوصول الى كامب ديفيد 

فيصل الشبول

  •   
  •   
  •   

نشرت في صحيفة الحياة في الحادي عشر من تشرين الثاني 1998م، وعنوان المادة من المصدر:

حديث عمره 10 سنوات مع الرئيس السوري السابق الذي رحل قبل أيام . ناظم القدسي : السادات حارب للوصول الى كامب ديفيد 


رحل الدكتور ناظم القدسي رئيس الجمهورية السورية السابق في العاصمة الأردنية عمان في السادس من الشهر الجاري عن ثمانية عقود ونيف.

أقام القدسي في عمان 11 عاماً ابتعد خلالها عن الشؤون العامة تماماً ولم يدل خلالها بأحاديث الى وسائل الإعلام.

أما قصة هذا اللقاء معه فتستحق الذكر. كان ذلك في النصف الثاني من شهر حزيران يونيو العام 1989 في موعد انعقاد المؤتمر السنوي للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية الذي يرعاه الأمير حسن ولي عهد الأردن ويضم في عضويته شخصيات اسلامية بارزة، من بينها الشاعر العربي المعروف عمر بهاء الدين الأميري الذي كان يزور الأردن كل عام لهذه الغاية، وكانت تربطني به علاقة شخصية.

وبعد انتهاء أعمال المؤتمر ذلك الصيف استضافت مؤسسة عبدالحميد شومان الشاعر الأميري في أمسية قرأ خلالها أحدث قصائده. وفي بداية الأمسية وبعدما قدم الدكتور أسعد عبدالرحمن مدير مؤسسة شومان آنذاك الشاعر فوجئ الحضور بالأميري يرحب بـ “صاحب الفخامة الدكتور ناظم القدسي الرئيس السوري الأسبق”.

في اليوم التالي طلبت من الأميري ان يقدمني الى الدكتور القدسي، فبادر فوراً الى الاتصال به هاتفياً ثم اعطاني سماعة الهاتف لأتحدث مع الرئيس السابق الذي أعطاني موعداً في اليوم التالي 27/6/1989 في منزل ابنه الذي يقيم فيه.

على مدى ساعة ونصف الساعة دار حوار مع الرئيس القدسي الذي سمح لي بتسجيل ملاحظاتي، لكنه طلب مني عدم نشر الحديث آنذاك، “لأنني لا أريد ان احرج أحداً”، واتفقنا على أن نتركه للمستقبل الى أن يأتي الوقت المناسب لنشره.

ومن مجمل الحديث معه استطعت ان أسجل ملاحظتين بارزتين على موقف الرجل من كل ما كان يجري في العالم العربي آنذاك:

الملاحظة الأولى: الحال الايمانية العميقة التي وصل اليها الرجل، فقد كان يكثر من عبارات “لا سمح الله” “استغفر الله” “حاشا لله” عندما يتحدث عن أي قضية عربية وعن أي مسؤول عربي. وكان يرى ان الحال الذي وصلت اليه الأمة هو بفعل بعدها عن الاسلام.

الملاحظة الثانية: إيمانه العميق بأن كل المشاكل التي تعانيها الأمة سببها اسرائيل والصهيونية العالمية وان اسرائيل تتدخل في تفاصيل حياتنا اليومية، لكنه لا يخوّن أحداً بل يعتبر ان دهاء الصهيونية وصل حد التدخل في شؤوننا من دون ان ندري.

تحدث الدكتور القدسي في بداية الحوار عن سجله السياسي، اذ شغل الكثير من المناصب قبل توليه منصب رئاسة الجمهورية، فقد كان نائباً في البرلمان ووزيراً ثم رئيساً للوزراء في عهد الرئيس هاشم الاتاسي.

صمت قليلاً، وبعد ضحكة قصيرة قال: “لم استمر في أي وظيفة شغلتها أكثر من عام واحد باستثناء رئاسة الجمهورية التي بقيت فيها لمدة سنة وثلاثة أشهر”.

وكان القدسي تسلم رئاسة الجمهورية السورية عقب الانقلاب الذي قاده العقيد عبدالكريم النحلاوي على “الجمهورية العربية المتحدة” في 28/9/1961، وأعلن بعده الانفصال السوري عن الوحدة التي قامت العام 1958 بين مصر بزعامة الرئيس جمال عبدالناصر وسورية بزعامة الرئيس شكري القوتلي.

قلت للرئيس القدسي: لماذا انفصلتم عن الوحدة؟

اجاب: “وحدنا، رشدي الكيخيا وأنا لم نوقع على الانفصال، لكن الاتجاه الانفصالي كان أقوى منا وكان له ما يبرره في ذلك الوقت”.

< ولماذا لا ترغب في نشر الحديث حالياً، هل ثمة شروط على اقامتك في عمان، أم انك لا ترغب في تعكير العلاقات الودية بين عمان ودمشق؟

– لم يضع الأردن شرطاً على اقامتي فيه، لكن من واجبي ان احترم الضيافة كما أن لدي أسباباً أخرى للصمت.

< هل أنت ممنوع من دخول سورية؟

– لست ممنوعاً، بل أنا مخير في العودة الى سورية ….

< هل وضعت مذكراتك عن تلك الفترة المهمة من تاريخ سورية والمنطقة؟

– أخشى ان اسيء في مذكراتي الى الأمة، خصوصاً انها تعيش حالة من عدم الاستقرار.

< ما العمل الذي ركزت عليه أثناء حياتك السياسية؟

– ما زلت متألماً أشد الألم بسبب ذلك العمل الكبير الذي لم ينجز، فعندما كنت رئيساً للوزراء في عهد الرئيس هاشم الأتاسي قدمت الى مجلس جامعة الدول العربية مشروعاً للوحدة العربية يقوم أساساً على توحيد الجيوش والجمارك، وطلبت ان يظل المشروع سرياً ولم أطلع عليه حتى رئيس الجمهورية الى أن يناقشه القادة العرب.

غير أن المرحوم رياض الصلح رئيس الوزراء اللبناني يومها كشف المشروع للصحافة قبل مناقشته من أي مسؤول عربي.

ضوء في آخر النفق

< وما هي خلاصة تجربتك السياسية؟

– الصهيونية تصور للعرب ضوءاً في آخر النفق، يمضون اليه ثم يكتشفون أنه سراب. ان كل ما يجري في منطقتنا ومن ضمنه الحرب العراقية – الايرانية من صنع اسرائيل؟

< هل تتهم قادة ايران أو العراق؟

– لا أعتقد بأن الخميني كان متورطاً مع اسرائيل، لكنه يتحمل قسطاً من مسؤولية الحرب لأنه لم يقبل بالصلح عندما عرض عليه للمرة الأولى. أما الرئيس صدام حسين فيتحمل المسؤولية ايضاً لأنه البادئ بالحرب.

< وكيف ترى الخلاص مما نحن فيه؟

– العودة الى الإسلام هي الأساس والمنطلق.

< هل ما زلت محافظاً على علاقاتك الشخصية مع الزعماء العرب الذين عاصرتهم؟

– احتفظت وما زلت بعلاقات طيبة مع عدد منهم وأذكر على سبيل المثال المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز الذي كنت أطلع من خلاله على أحوال الأمة.

قال لي الملك فيصل رحمه الله انه نبه الرئيس جمال عبدالناصر عبر وسيط الى وجود معلومات مؤكدة عن عزم اسرائيل شن عدوان على مصر قبيل وقوع نكسة العام 1967، وكاد عبدالناصر ان يفاجئ اسرائيل بهجوم مباغت قبل شهر حزيران يونيو، غير أن السفير السوفياتي في القاهرة طمأنه الى أن اسرائيل لا تفكر في الاعتداء على العرب إذا لم يبادروا هم بالحرب.

لكن اسرائيل بادرت بالعدوان وحدثت نكسة 1967، وقامت القيادة السوفياتية بإقالة رئيس جهاز الاستخبارات وظل الأمر سراً، لكن السؤال ظل قائماً وما يزال: هل نقل السفير السوفياتي في القاهرة رسالة خاطئة الى عبدالناصر أم ان السوفيات متورطون فعلاً في النكسة؟

< لمناسبة الحديث عن عبدالناصر، كيف عرفته؟

– جمال عبدالناصر زعيم كبير قدم لأمته الكثير، لكنه كان شديد الاعتداد بالنفس، وعندما بدأ يتزن ويكتسب وزناً واحتراماً كبيرين من أمته والعالم أخذه الموت المفاجئ.

< ماذا تقصد بالموت المفاجئ؟

– ارجح أن عبدالناصر مات مقتولاً، والطبيب الذي عالجه مقيم في براغ بعدما أخلى السادات سبيله، وقد التقيت في أبو ظبي كلاً من محمود رياض وخالد جمال عبدالناصر ولم يكن لدى أي منهما جواب على ما حدث.

اضافة الى ذلك فإن الظروف السياسية التي سادت مصر قبل وفاته ترجح مثل هذا الأمر، خصوصاً بالنسبة الى تعيين أنور السادات نائباً لرئيس الجمهورية، هذا التعيين الذي جاء مفاجئاً للعالم مثلما كان مفاجئاً لرفاق عبدالناصر.

وحتى بعد وفاته فإن التطورات التي وقعت في مصر والمنطقة تزيد من هذا الاحتمال خصوصاً حرب 1973 التي ان صحت التحليلات، لم تكن سوى مسرحية لكسب انجاز محدود يؤدي في النهاية الى كامب ديفيد. غير أن فصول المسرحية تطورت بعد عبور القناة فأحست اسرائيل بجدية الموقف وخطورته.

انني ارجح أن الولايات المتحدة واسرائيل كانتا وراء كل ما جرى في مصر آنذاك وبضمنها تعيين السادات، فلقد كان السادات وزوجته الأقرب الى عبدالناصر قبيل وفاته، فهل بدأ الأمر بعلاقة شخصية انتهت بابراز السادات سياسياً تمهيداً لتسلم الحكم في مصر؟

المصدر
فيصل الشبول، صحيفة الحياة، 16 / 11/ 1998
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق