مقالات

وقائع عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي – براءة الزوجة (6/6)

شمس الدين العجلاني

  •   
  •   
  •   

الزمان: عام 1929
المكان: قرية الريحان
الضحية: فوزي الغزي
المتهمون: لطفية اليافي، منير الغزي، رضا الغزي، وجيه الغزي
وراء الكواليس: الجنرال هنري بونسو

وبعد، نتساءل هل حقاً هنالك قصة عاشق ومعشوق أدت إلى جريمة قتل.؟ أم هنالك أيدٍ خفية لعبت ورتبت وأخرجت هذه الحكاية وهذه الجريمة (الكاملة) التي لم يُحل لغزها إلى الآن؟ وبالتأكيد ليس لدينا جواب شاف كاف، كل ما استطعنا عمله هو إعادة هذه الحكاية إلى الضوء من جديد مع سرد بعض الحوادث والدلائل التي رافقت مجريات الحكاية ونشر الصور النادرة وما تناقلته الصحافة آنذاك عن فقيدنا الوطني فوزي الغزي. ونعود لنقول مجدداً إن محاولتنا هذه في إعادة الضوء على جريمة القرن العشرين نسعى من خلالها لبراءة الزوجة المظلومة ونتساءل إذا كان المفوّض السامي الفرنسي هنري بونسو له الدور في الخلاص من ذلك الزعيم الوطني الذي طالت قامته أعالي السماء، مع الأخذ بعين الاعتبار آراء ومواقف كل من الرئيس السوري حسني الزعيم ورجل القانون ووزير العدل أسعد الكوراني وما دار بينهما حول المظلومة لطفية، والسياسي والصحفي نذير فنصة والمحامي الباحث نجاة قصاب حسن، ونزيهة الحمصي زوجة أكرم الحوراني، في قضية اتهام زوجة الفقيد المظلومة لطفية اليافي.

رواية نذير فنصه:
كما مرّ معنا سابقاً أصدرت محكمة الجنايات بدمشق الحكم بإعدام المتهمين الثلاثة لطفية اليافي ورضا الغزي ووجيه الغزي كما حكمت على الصيدلي منير الغزي بالسجن سنة واحدة، وهنا تدخّل المفوض السامي الفرنسي هنري بونسو وأصدر أوامره إلى محكمة الجنايات بتخفيف هذه الأحكام إلى السجن المؤبد بدل الإعدام.؟ برغم ما كان يشهده الشارع الدمشقي من هياج ومظاهرات تطالب بإعدام المتهمين.!؟ نفذت لطفية الحكم، وبعد مرور حوالي العشرين عاماً خرجت من السجن بتاريخ 18 أيار من عام 1949م بمرسوم رئاسي من الرئيس حسني الزعيم.. ويروي نذير فنصه، وهو من الوجوه الإعلامية السورية الحلبية، ولد بحلب عام 1917 وتوفي عام 1997، عمل في الصحافة الحلبية والدمشقية، ولمع اسمه في عالم الصحافة والسياسة وذلك لعلاقة القربى مع الرئيس السوري حسني الزعيم الذي عيّنه سكرتيراً له بعد انقلابه العسكري كونه عديله ومن أقرب المقربين له.. أصدر فنصه العديد من الكتب من أهمها كتاب “أيام حسني الزعيم” والذي روى فيه كيف أطلق الرئيس الزعيم سراح المظلومة لطفية اليافي فيقول: (عندما كان الزعيم معتقلاً في سجن القلعة، بعد انتصار الديغوليين والإنكليز على القوات الفيشية الفرنسية، تعرّف في السجن على أرملة المغفور له فوزي الغزي، بطل الدستور السوري، كما كانوا يسمونه، وهي كماوقائع عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي - براءة الزوجة (6/6) هو معلوم من الجميع محكوم عليها، وعلى ابن عمها الصيدلي بالسجن المؤبد لإدانتهما بالقتل العمد إذ ثبت للمحكمة أنهما دسّا السم للشهيد الغزي عام 1928 “الصحيح عام 1929م”.. وكان يسمح لها بالتجول في أنحاء السجن بعد أن قضت السنوات الطويلة فيه، وأثبتت حسن السلوك وتقوم بخدمة بعض السجناء من “الذوات” لقاء أجر معلوم، ورق قلب الزعيم على هذه المرأة المسكينة، ووجد أنها قضت من العقوبة ما يكفي التكفير عن جريمتها، فوعدها إنه متى أصبح في يوم من الأيام رئيساً للجمهورية، فسوف يصدر مرسوماً خاصاً بالعفو عنها.. وتشاء الأقدار أن تتحقق نبوءة الزعيم في نفسه أو قلْ أن يتحقق هذيانه في السجن بعد سنوات معدودات فيصبح فعلاً رئيسا للجمهورية.. وقد برّ بوعده لهذه المرأة، وأصدر فور استلامه مقاليد الرئاسة مرسوماً بالعفو عن أرملة الغزي السجينة مدى الحياة.

رواية أسعد الكوراني:
محامٍ ورجل قانون حلبي، ولد في عكا عام 1907، تقلّد العديد من المناصب فكان نقيباً للمحامين بحلب، وأميناً عاماً للعدلية عام 1947 ووزيراً للعدلية والأشغال العامة عام 1949 زمن الرئيس السوري حسني الزعيم، أصدر مذكراته تحت اسم (ذكريات وخواطر ممّا رأيت وسمعت وفعلت) وهي مرجع مهمّ لكل من يهتم بتاريخ سورية الحديث، وأورد في مذكراته هذه رواية إطلاق سراح المظلومة لطفية اليافي ومن خلال روايته هذه جنح كثيراً إلى براءة المظلومة من الاشتراك في قتل زوجها، وهي شهادة مهمة جداً لابدّ من التوقف مطولاً عندها لأنها صدرت عن وزير سابق ورجل قانون يُشهد له بالعلم والنزاهة والاستقامة، ويقول الكوراني إن الرئيس حسني الزعيم صاحب الانقلاب السوري الأول طلب منه أن يضع له مرسوماً بالعفو الخاص عن قرينة الزعيم الوطني المشهور “فوزي الغزي”، وكان يلح في سرعة وضعه فلمّا سأله عن سبب ذلك، قال إنه قضى في السجن بدمشق شهوراً طويلة أيام الفرنسيين كانت فيها تلك السيدة “لطفية” تخدمه بغسل ملابسه وتنظيفها من دون أي مقابل، وقد وجب عليه الآن أن يقابل جميلها بالعفو بعد أن ظهرت له براءتها من الاشتراك في قتل زوجها..

وطلب الوزير الكوراني من الرئيس الزعيم أن يمهله بضعة أيام حتى يدرس ملفات ووثائق الدعوى.. وبعد انتهاء الوزير من دراسة الدعوى تبيّن له أن قاضي التحقيق الذي تولّى النظر فيها لم يكن على مستوى أهميتها حتى أنه اتجه فيها اتجاهات سياسية غريبة جداً.

والواقع أن الزوجة إذا كانت تبغي الطلاق من زوجها المرحوم فوزي فالأمر كان سهلاً عليها جداً ولا يتطلب القتل.. وإذا كانت تريد الاستئثار بثروته فهي أعلم من غيرها بأنه لا يملك سوى 300 ليرة ذهبية عثمانية وهو ليس بالمبلغ الكبير..‏ ثم إنها بفضل زوجها كانت تشغل مكانة عالية جداً في المجتمع، فكيف تسعى للخلاص من زوج له هذه المكانة من أجل الوصول إلى حبيب ضئيل الشأن.. ويتابع الوزير الكوراني، ومهما شاعت أقوال بغير ذلك فلم تتجاوز حدود الشائعات.. وإذا صح أنها وضعت برشامة السمّ في علبة علاجه وأعطته إياها حينما طلبها منها فمن غير الثابت أنها كانت على علم بمحتواها.. فركن القصد الجرمي في عملها كان بلا دليل، أو الدليل عليه كان موضع الشك ولكن محكمة الجنايات كانت متأثرة بسيرة الزوجة ومكانة الزوج، وبظروف تلك الأيام السياسية وبالشارع أيضاً وكانت ساحة المرجة حيث تقع دار القضاء تعجّ بالجمهور الصاخب وهو يصيح بطلب الإعدام فوراً..‏ وقام الكوراني بوضع مرسوم للعفو العام، ووضعه في نطاق ضيق جداً شريطة أن يكون المحكوم قد أمضى في السجن عشرين عاماً ولو كان محكوماً بالإعدام ثم أنزل الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وهذا ما ينطبق على المظلومة لطفية، ووضع المرسوم بين يدي الرئيس الزعيم الذي وقعه مباشرة، وبذلك خرجت المظلومة لطفية من السجن بعد حوالي الشهرين من صدور العفو العام بالمرسوم التشريعي 83 بتاريخ 18 أيار 1949.

رواية نجاة قصاب حسن:
هو المحامي والأديب نجاة قصاب حسن عمل في السياسة والإعلام والقانون والأدب والفن، ولد عام 1920 وتوفي عام 1997م، كنت اجتمع مع المرحوم بين الفينة والأخرى، في لقاءات اجتماعية غير منظمة، ونتجاذب أطراف الحديث في أمور مختلفة، وكان لدى المرحوم رغبتان لم يستطع أن يحققهما الأولى تتعلق ببراءة المظلومة لطفية، والثانية تتعلق بوفاة الرئيس السوري الشيخ تاج حيث كان لديه شكوك من أن وفاته كانت بفعل فاعل.؟ وعن لطفية حدثني ذات مرة أنه يجمع الأدلة على براءتها مما نسب إليها وأدينت به في قضية مقتل زوجها فوزي الغزي، وهو على قناعة بأن هذه الجريمة رُتب لها في الخفاء ولم تكن لطفية هي محركها الأساسي، وأذكر أنه كتب ذلك في أحد كتبه ولكنني بحثت كثيراً فلم أجتمع بما كتبه.

رواية نزيهة الحمصي:
هي زوجة ورفيقة درب السياسي الحموي الشهير أكرم الحوراني، حيث تزوجا عام 1950م، وكانت شاهداً على الأوضاع السياسية التي عصفت في بلادنا، ولدت بدمشق عام 1925، ورافقت زوجها في إقامته وفي ترحاله، كتبت مذكراتها، وأصدرها ابنها تحت عنوان “الجنة الضائعة” وقد ورد في مذكراتها قصة فوزي الغزي ولطفية اليافي مع العلم أن هنالك صلة قربى لها مع عائلة اليافي، وتقول في مذكراتها: (لعل هذا الجيل لم يسمع بفوزي الغزي الذي كان زعيم سورية بلا منازع أواخر العشرينات، كان الغزي أحد الزعماء القلائل الذين لم يلينوا ولم يهادنوا الفرنسيين، لم يكن مثل أولئك الذين تزعموا الشعب في تلك الفترة وما بعدها بحكم الوجاهة العائلية أو الثروة وكانوا يتصرفون بحذر خيفة أن تنقطع بينهم وبين المستعمر تلك الخيوط المرئية وغير المرئية في الوقت نفسه، والتي لابد أن تنشأ بين تلك الطبقة وبين كل وقائع عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي - براءة الزوجة (6/6)سلطة غاشمة خارجية كانت أو داخلية.
فوزي الغزي كان نمطاً فريداً بين أولئك جميع.. كان الكفاءة الحقوقية التي ساهمت في وضع دستور عام 1928 والتي أهلته لأن يكون مقرّر لجنة الدستور أمام اﻟﻤﺠلس التأسيسي، وعندما حلّ المفوض السامي هذا اﻟﻤﺠلس لمقاومته بعض المواد التي أراد الفرنسيون إضافتها للدستور كان فوزي الغزي في مقدمة الزعماء الذين وقفوا بصلابة تجاه هذا التلاعب بإرادة الشعب.
تُرى هل كانت أيدي الفرنسيين بعيدة عن حادث موته مسموماً بيد زوجته -كما قيل – أم أن الحادث قد أُخرج بحيث يظهر وكأنه نتيجة تآمر بين زوجة خائنة وعشيق مجرم؟ أترك ذلك لمؤرخ قد يهتم بتأريخ ما أهمله التاريخ.)
وقيل إن وزير الداخلية عام 1928 سعيد محاسن هو مَن أشرف على مجريات محاكمة المتهمين، وأن هذا الوزير بعد حوالي العشرين عاماً وزمن الرئيس السوري أديب الشيشكلي سُرّح من عمله على خلفية قضية الغزي؟.

هنري بونسو:
هو الدبلوماسي الاستعماري المحنك أوغست هنري بونسو ” Henri Ponsot ” ولد عام 1877 وتوفي عام 1963، وهو موظف من كبار موظفي وزارة الخارجية الفرنسية، حيث كان مديراً ثانياً فيها لإفريقيا والشرق، وله تجارب استعمارية في تونس، وكان من أطول المفوضين عهداً. عُيّن مفوضاً سامياً للجمهورية الفرنسية في سورية ولبنان في 14 آب عام 1926، فوصل إلى سورية 11 تشرين الأول عام 1926، استمر بمهامه كمفوض سام إلى تشرين الأول من عام 1933، وُصفت سياسته بأنها (سياسة الصمت) حتى إذا استتبّ لـه الأمر فاجأ الناس بالنكايات والمشاكسات تحطيماً لقوتهم المعنوية، لقد كان من المفروض وحسب الوعود الفرنسية أن يعالج بونسو الأمور بأسرع ما يمكن فيضع حدًا للحكم العسكري ويمنع ضباط الاستخبارات من الإتيان بأي عمل إداري كيفي، ويصون القضاء من المداخلة والعبث بالأحكام والحكام ويطهر الحكومة ويطلق وثاق الجرائد ويعفو عن المبعدين السياسيين، ولكنه لم يفعل على الرغم من وعوده…
مارس بونسو أيضاً سياسة الصمت عن المطالب الوطنية في الاعتراف باستقلال البلاد وانتخاب جمعية تأسيسية ووضع دستور لسورية كسباً للوقت ولترويض المعارضة وإفساد الناس وإفراغ الخزينة من احتياطها النقدي.. وحين قُدم إليه نسخة باللغة الفرنسية من الدستور السوري الذي أعده فوزي الغزي ورفاقه عام 1928 استشاط غضباً, وقال عبارته الشهيرة التي يقولها الفرنسيون في مثل هذه الحالة، ثم وضع مشروع الدستور في درج مكتبه وغادر إلى مقر إقامته في بيروت، وقام عام 1932 بتزوير الانتخابات النيابية مما أدى للاعتراضات بدمشق على هذا التزوير وقيام المظاهرات التي قمعها بوحشيته المعهودة، عُرف عنه بأنه شديد الحذر، متحفظ في علائقه، متحفظ في رسائله، لم يكن يولي أي أهمية للحكومة السورية التي كانت قائمة آنذاك، فقد روى نجيب الأرمنازي ذلك قائلاً: (كان المفوض السامي يصف الرؤساء الثلاثة بقوله كما روى لي رئيس الجمهورية حينئذ: أحدهم لا يقدم ولا يؤخر، وثانيهم إحدى الغرائب، وثالثهم ويعني رئيس الجمهورية الوحيد الذي يجدر بالتعامل، وهو الذي حُملت على قبوله حملاً.) هذا وكان رئيس الاستخبارات زمن المفوض بونسو الكابتين “كوله” وهو صديق شخصي له أما سكرتير المفوضية فكان المسيو “موغرا” الذي أطلق يده في حل القضية السورية.

وبعد:
على مدار الحلقات السابقة الخمس من “وقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي” استعرضنا كل ما يحيط بجريمة القتل التي أودت بحياة زعيم سورية الغزي مع مجموعة صور نادرة لم يسبق أن نُشرت، أردنا من كل ذلك الوصول إلى نقطة هامة ألا وهي براءة الزوجة لطفية اليافي من دم زوجها، آخذين بعين الاعتبار شهادات مهمة لرجال ونساء ممن عاصروا تلك الفترة وتبوؤوا مناصب تمكنهم من الاطلاع على خفايا الأمور، إضافة لحديثنا بشكل مفصل عن المندوب السامي الفرنسي آنذاك بونسو وأخلاقه وطباعه، وموقفه من القضية السورية والسوريين لأنه قد يكون هو وزبانيته الأيدي الخفية التي رسمت وخططت ونفذت مقتل فتى الشام فوزي الغزي؟.

المصدر
شمس الدين العجلاني - الأزمنة
الوسوم
 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


نيقولاس فان دام:  الأقليات الدينية المتماسكة .. العلويون
 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق