مقالات

عمرو الملاّح : مقهى الريجي بحلب ليس حوض ماء عين التل

  •   
  •   
  •   

عمرو الملاّح – التاريخ السّوري المعاصر

يعتقد بعض الباحثين المتأخرين أن “حوض ماء عين التل” المدشن في العام 1335 هـــ/ 1917 م على يد أحمد جمال باشا ناظر البحرية العثمانية وقائد الجيش العثماني الرابع كان يقع غرب ساحة باب الفرج، مستدلين على ذلك بظهور سياج معدني دائري مرتفع- يتوهمون بأنه كان بركة دائرية الشكل ذات نافورة مرتفعة- في مقدمة بطاقة بريدية قديمة ملتقطة لساحة باب الفرج من سطح مبنى كائن غربها، ويبدو فيها أيضاً برج الساعة الشهير المدشن في العام 1899 الذي يتوسط الساحة، بينما يظهر إلى اليمين من الصورة جزء من مخفر باب الفرج، في حين تبدو محلة بحسيتا خلف برج الساعة، وفندق الخديوية عن يساره (صورة 1).

عمرو الملاّح : مقهى الريجي بحلب ليس حوض ماء عين التل
صورة (1)

وكنت قد بينت في مقالة سابقة تحت عنوان “حوض عين التل بحلب.. هل كان قائماً غرب ساحة باب الفرج؟” بأن السياج المعدني الدائري المرتفع ذاته يظهر في العديد من الصور الملتقطة للمكان نفسه في ساحة باب الفرج، ومن الزاوية ذاتها، التي ترقى بتاريخها إلى العقد الأول من القرن العشرين، أي قبل تشييد “حوض ماء عين التل” بما يزيد على عقد من الزمان.

كما أظهرت في المقالة ذاتها بأن السياج المعدني الدائري المرتفع ذاته كان جزءً من المقهى الصيفي، الذي أنشأته إدارة الريجي (حصر التبغ والتنباك)؛ وذلك بالاستناد إلى صورة تعود لمطالع العام 1916، وتتضمن توثيقاً نادراً لبعض المشيدات التي كانت قائمة في الساحة وتطل على برج الساعة الشهير، وتحديداً لمسمياتها على النحو الذي كانت تُعرف به إبان الحرب العالمية الأولى في أواخر العهد العثماني مدونة باللغة التركية العثمانية بقلم التاجر الحلبي المعروف صبحي أفندي الجزماتي.

وتطالعنا صورة نادرة أخرى ملتقطة من سطح مبنى مخفر باب الفرج باتجاه الغرب، ويظهر فيها المبنى موضوع البحث، الذي شيدته إدارة الريجي (حصر التبغ والتنباك)، واتخذته مقهى بقصد الاستثمار يُعرف باسم “مقهى الريجي”، والمقام عند نقطة التقاء ساحة باب الفرج بالشارعين المؤديين إلى جسر الناعورة (المتحف) وباب الجنان أو جنين كما يلفظه الحلبيون (صورة 2).

عمرو الملاّح : مقهى الريجي بحلب ليس حوض ماء عين التل
صورة (2) المصدر: موقع Bit Mezat التركي

ويبدو خلف السور الخارجي للمبنى السياج المعدني الدائري المرتفع الذي كان يشكل الجزء الخارجي “الصيفي” من المقهى، بينما كان الجزء الداخلي أو “الشتوي” من المقهى يشغل الطبقتين الأولى والثانية من البناء ذاته.

وتظهر الصورة أنه روعي في تصميم هذا البناء الممازجة بين طراز العمارة الأوروبية من حيث الكتلة العامة وتأثيرات الريازة الإسلامية المتمثلة بالأقواس والأعمدة والفتحات، ومما تمتاز به واجهته الجميلة احتواءها على قنطرتين معقودتين محمولتين على عمود.

ومما هو جدير بالذكر أن الجزء الخارجي “الصيفي” من “مقهى الريجي” المقام أسفل هذا البناء ظل قائماً ويفتح أبوابه لاستقبال مرتاديه صيفاً وحسب؛ وذلك حتى السبعينيات من القرن العشرين حينما جرت إقامة كتلة بناء حديث في مكانه مكون من طبقتين حجبتا- مع الأسف- الواجهة الجميلة للمبنى القديم، وعندئذ، تبدل اسم المقهى من “الريجي” إلى “الساحل”، وهو الاسم الجديد الذي بات يُعرف به حالياً.

وفي ضوء استبعادنا بصورة قاطعة أن يكون “حوض ماء عين التل” مقاماً غرب ساحة باب الفرج، ومكان ما يُعرف باسم “مقهى الريجي الصيفي” السابق له بما يزيد على عقد من الزمان، والذي أنشأته في مطالع القرن العشرين إدارة الريجي، وأُزيل في السبعينيات لتقوم مكانه كتلة بناء حديث يشغله “مقهى الساحل” حالياً، يبقى السؤال مطروحاً: أين كان “حوض ماء عين التل” مقاماً في ساحة باب الفرج؟ وهل ثمة صور تظهر “حوض ماء عين التل”، الذي أقامه أحمد جمال باشا في ساحة باب الفرج في صيف العام 1917؟

والواقع إن العبارات الفرنسية، التي تحدد لنا هوية حوض ماء عين التل، وتظهر على البطاقات البريدية التذكارية الملتقطة لساحة باب الفرج، وتذكر “حلب- سوريا – ساحة باب الفرج – ذكرى مياه عين التل”، تكتسب قدراً كبيراً من المصداقية (الصورة 3) .

عمرو الملاّح : مقهى الريجي بحلب ليس حوض ماء عين التل
الصورة (3)

ولعلي أشير، بهذا الصدد، إلى أنه ليس ثمة سند تاريخي يمكن الركون إليه ويؤكد أن حوض ماء عين التل الظاهر في البطاقات البريدية تلك كان يعرف باسم ميضأة أو سبيل نافع باشا الجابري على نحو ما هو متداول في بعض الكتب المتأخرة؛ إذ تخلو الكتب المرجعية التي أنجزها مؤرخو حلب الغزي والطباخ والأسدي وتوتل من أي إشارة لما يسمى ميضأة أو سبيل نافع باشا(كذا!). ولعل وقوع حوض عين التل ضمن حرم الطريق العام في ساحة باب الفرج بجوار مبنى النافعية العائد بملكيته لنافع باشا الجابري ويحمل هذا الاسم نسبة إليه هو ما جعل بعض الباحثين المتأخرين يعتقدون أنه سبيل ماء أقامه نافع باشا الجابري هناك، وتلكم هي إحدى الحكايات والسرديات القصصية التي نُسجت حول نافع باشا الجابري واتخذ البعض منها وقائع تاريخية مثبتة، وتناولت بعضاً منها في مقالتي “نافع باشا الجابري… هل كان معارضاً للسلطان عبدالحميد الثاني أم مهادناً له؟”.

ومما يؤسف له أن حوض عين التل الجميل كان قد أزيل في العام 1929 بالتزامن مع الشروع في تمديد خطوط حافلات الترامواي لئلا يقف عائقاً أمام سيرها. وتظهر صورة تعود للعام 1937 من أرشيف المهندس الفرنسي ايكوشار على الشابكة ساحة باب الفرج، وقد توسطها برج الساعة، ويبدو فيها سبيل ماء ملحق بالبرج ومشابه من حيث طراز عمارته لحوض عين التل (الصورة 4). ولعلي أتساءل هنا هل من الممكن أن حوض ماء عين التل قد جرى تفكيكه في العام 1929، ثم نقلت حجارته، وجرى استخدام جدرانه من دون القبة في بناء سبيل ماء ملحق ببرج الساعة، بدلالة أن سبيل الماء المضاف لم يظهر إلا في الصورة الملتقطة للبرج في الثلاثينيات من القرن المنصرم أي بعد زوال حوض عين التل (الصورة 4).

عمرو الملاّح : مقهى الريجي بحلب ليس حوض ماء عين التل
الصورة (4)
الوسوم

عمرو الملاح

كاتب ومترجم وباحث في التاريخ السوري المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق