من الصحافة

ما هي قصة فخري البارودي والحارس الليلي “أبو تيسير”

شمس الدين العجلاني

  •   
  •   
  •   

يعبق تاريخنا بقصص وحكايا لها بداية وليس لها نهاية، وتختزن الذاكرة الشعبية العديد منها.. وهنا حكاية الحارس الليلي أبو تيسير.
البداية
تقع حوادث حكاية أبو تيسير خلال الفترة الممتدة من عام 1939 إلى عام 1945م وهذه الفترة شهدت ذروة النضال ضد الانتداب الفرنسي على بلادنا.
أبو تيسير شاب في نحو الخامسة والثلاثين من العمر، فقير الحال، أمي لا يقرأ ولا يكتب، متزوج وله ولد وحيد هو (تيسير) وكان حليق الشاربين، قليل الكلام والثرثرة، شجاع وشهم، كان حارساً ليلياً في (كولبه) بحي القنوات قرب منزل الزعيم الوطني فخري البارودي، وذات مساء خرج الزعيم الوطني فخري البارودي من داره ليركب عربته السوداء التي تجرها الخيول ويقودها حوذي يلبس شروالاً أسود وصدرية مطرزة ويلف وسطه بشال جميل ويرتدي سترة كحلية، وبينما كان البارودي يهم بركوبها، أسرع أبو تيسير فألقى عليه التحية قائلاً له (سيدي بتأمروا شيء، أنا حاضر للخدمة) ويمد البارودي يده ويعطي أبو تيسير عشر ليرات سورية وينظر ملياً في عينيه قائلاً له: (دبر حالك بهل اليومين لحتى يخلص الشهر وتاخد معاشك أنا بعرف انو المعاش ما بكفيك) وكانت هذه الحادثة أول لقاء وتعارف بين الحارس الليلي البسيط أبو تيسير والزعيم الوطني فخري البارودي.. ومنذ اللحظة الأولى قرأ البارودي في عيون أبو تيسير شهامته ورجولته وحبه للوطن، وتمضي الأيام وتشتد الأزمة بين الوطنيين والفرنسيين المستعمرين، وتكثر عيون الجواسيس على تحركات الوطنيين وفي مقدمتهم البارودي، والبارودي يريد التواصل مع الحركة الوطنية، فيخطر في ذهنه الحارس الليلي أبو تيسير ويقول في نفسه (والله اجت والله جابها وطني وزكرت) ويطلب من بعض الأصدقاء (ومنهم المرحوم عدنان الملوحي) باختبار الحارس الليلي وجسّ نبضه لمعرفة ما إذا كان يوافق على العمل مع الحركة الوطنية ويخلص لها، خاصة وأنه يحمل صفة رسمية وكوخه (الكولبه) بقرب منزل البارودي.. ويروي عدنان الملوحي كيف استطاع أن يوطد علاقته مع أبو تيسير ويتأكد من وطنيته وإنه يمكن الاعتماد عليه في الحركة الوطنية وإعلام البارودي بذلك ورجاه أن يكون يد عون لهذا الحارس الليلي كونه فقيراً وشهماً ووطنياً.

مع الحركة الوطنية

بعد أن تأكد فخري البارودي من إمكانية الاعتماد على الحارس الليلي، وفي ذات مساء أرسل إليه أحد رجاله للقائه في داره، فردّ هذا الحارس الليلي على دعوة البارودي بأنه لا يستطيع الحضور أثناء عمله لأنه يخشى أن يبصر به أحد رجال الشرطة أو يشعر أحد بغيابه عن الكوخ والحارة، وخاصة أنه يرتدي اللباس الرسمي وإنه سوف يتسلل إلى دار البارودي في ظهر اليوم التالي باللباس المدني، أعجب البارودي برد أبو تيسير ونباهته.

وفي اليوم التالي جاء الحارس (أبو تيسير) لدار فخري البارودي ودار بينهما حديث طويل حول وحشية الاستعمار الفرنسي وموقف وعمل الحركة الوطنية للتحرر من هذا المستعمر، وفي نهاية اللقاء قال البارودي للحارس الليلي، سأكلفك من اليوم وصاعداً بمهمات وطنية فكان جواب أبو تيسير مباشرة للزعيم البارودي، (أنا من إيدك هي لإيدك هي)، ومنذ تلك اللحظة أصبح الحارس الليلي الأمي في عداد المجما هي قصة فخري البارودي والحارس الليلي "أبو تيسير"اهدين ضد الاستعمار الفرنسي.

شعر أبو تيسير بعد لقائه مع البارودي بنشوة عارمة تنتابه، فهو حارس بسيط فقير أمي لا يقرأ ولا يكتب يلتقي أحد زعماء دمشق ويجلس لساعات يناقشه، وهذا مما أعطاه القوة والجلد للمثابرة في تطوير نفسه والتفاني في خدمة الوطن، لذا عمد أبو تيسير للانتساب إلى إحدى جمعيات محو الأمية في دمشق، كما كان يرتاد الجوامع بقصد التعلم، وفي أوقات فراغه أو استراحته في كوخه (الكولبه) كان يقرأ الكتب المدرسية، ويقول المرحوم عدنان الملوحي إنه لعب دوراً كبيراً في تحقيق أحلام الحارس أبو تيسير عندما حرّضه على تعلّم القراءة والكتابة: (أسعدني كثيرا أنني عندما رأيته في كوخه في اليوم التالي، وجدته يحمل في يده كتاباً مدرسياً، ما أزال أذكر عنوانه “للصف الأول الابتدائي” وكان يطالع صفحاته في شغف)،

واستمر أبو تيسير في الدراسة إلى أن استطاع عام 1943م من نيل الشهادة الابتدائية.
التزم أبو تيسير بالعمل مع الحركة الوطنية إضافة إلى عمله كحارس ليلي، ولفت تفانيه في العمل نظر الزعماء الوطنيين، حتى أن الزعيم فخري البارودي قال يوماً عنه: (الحارس الليلي “أبو تيسير” يقوم بعمله السري الوطني على خير ما يرام، رغم الإرهاق الذي يصيبه من سهر الليل بطوله وعدم النوم الضروري والذي يحتاج إليه كثيراً في النهار، لا نريد أن نُحرم من جهد هذا الرجل الذي يقوم بعمل كبير يستحق عليه الشكر والتقدير).

لم يعد الحارس أبو تيسير أمياً بل أصبح متعلماً يقرأ ويكتب خلال عام واحد، وأصبح أيضاً مناضلاً وطنياً من خلال تلك المهمات السرية التي كان يقوم بها.. ونذكر أيضاً أن من العناصر المهمة التي ساعدت أبو تيسير على أداء مهامه هذه هو غضّ النظر عنه من قبل رئيس مخفر القنوات الذي لم يكن سيئاً ولا منحازاً للسلطة الفرنسية.. تطور عمل الحارس الليلي في صفوف الحركة الوطنية وأسندت له مهام كثيرة وأكبر من نقل الأخبار والرسائل بين الزعماء الوطنيين، ففي عام 1940 تعرّض رئيس مجلس المديرين (بمثابة رئيس جمهورية) بهيج الخطيب لعملية اغتيال، وقيل الكثير عن هذه العملية وأنها من تخطيط الوطنيين بقصد الضغط على الحكومة للاستقالة ولم تكن عملية اغتيال وقيل العكس، ولكن سلطات المستعمر الفرنسي أرادت استغلال هذه الحادثة بالتنكيل برجال الحركة الوطنية فاتهمت عدداً منهم بأنهم وراء الحادثة، مما اضطرّهم للتخفي عن أعين سلطات الانتداب ومن ثم هروبهم خارج البلاد، وما كانت عملية التهريب تتم لولا الزعيم الوطني فخري البارودي وتكليفه للحارس الليلي أبو تسير لمرافقتهم إلى الحدود العراقية والسهر على تأمين حمايتهم.. استمر أبو تيسير في عمله الوطني السري في صفوف الحركة الوطنية، وظل يصعد كل يوم في سلّم النجاح في مهماته التي يكلّف بها دون أن تكتشف السلطة الفرنسية أمره، أو تشتبه به، لأنه كان في نظرها مجرد حارس أمي ليس له علاقة بالسياسة من قريب أو بعيد.

آخر ظهور لأبي تيسير:

أبو تيسير لم يألُ جهداً في سبيل تحسين وضعه الاجتماعي والوظيفي فبعد أن حصل على الشهادة الابتدائية وترقى إلى رتبة رقيب ثم رقيب أول في الشرطة، ترك مهنة الحارس الليلي، وأصبح من أهم عناصر شرطة مخفر القنوات، كما عمل جاهداً على إتقان اللغة الفرنسية، وكبرت المهمات التي كان يكلف بها من الحركة الوطنية وخاصة من الزعيم الوطني فخري البارودي، فحين قصفت قوات الانتداب الفرنسي دمشق يوم 29 أيار من عام 1945، أراد كل من رئيس الحكومة جميل مردم بك والزعيم الوطني فخري البارودي إخراج الزعيم سعد الله الجابري رئيس المجلس النيابي إلى لبنان ليتابع من هناك نشاطه السياسي وفضح وحشية الانتداب الفرنسي وقصفه لمدينة دمشق، ومن ثم السفر إلى القاهرة لحضور اجتماعات حول العدوان الفرنسي على سورية، وفي اليوم الثاني للاعتداء على دمشق الواقع في 30 أيار عام 1945 وصلت سيارة السفير الروسي بدمشق السيد سولود ومعه بطريرك موسكو وسائر المشرق الكسي الأول إلى فندق الشرق في ساحة الحجاز ليحملوا معهم في السيارة الدبلوماسية التي يرفرف فوقها العلم السوفييتي، سعد الله الجابري ويخرجوه إلى لبنان، ويقول المرحوم عدنان الملوحي إنه كان شاهداً على حضور السيارة إلى قرب الفندق حيث شاهد رجلاً يجلس أمام السائق فلفت نظره هذا الرجل فيقول: (حدقت في وجهه ولم أتمالك نفسي فقلت له في صوت مسموع ” أبو تيسير هذا أنت ما الذي جاء بك؟؟ وإلى أين أنت ذاهب؟؟ ” فعضّ على شفته ووضع إصبعه على فمه يحذرني من اكتشاف أمره وافتضاح مهمته التي عرفتُ فيما بعد أنها كانت مهمة وطنية أسندها إليه السيد جميل مردم بك رئيس الوزراء ووزير الخارجية بعد أن تداول بهذا الشأن مع الزعيم السيد فخري البارودي، وقرّرا أن يوفد الرقيب الأول “أبو تيسير” مع السيد سعد الله الجابري إلى القاهرة كمرافق له وحراسته وحمايته.).. وكان آخر ظهور للرقيب الأول أبو تيسير عندما جرى الاحتفال الأول لعيد الاستقلال في طريق بيروت (شارع شكري القوتلي) يوم 17 نيسان من عام 1946، حين كان يقف على رأس مفرزة من الشرطة حول السرادق الذي أقيم لهذا الاحتفال، وعندما شاهد فخري البارودي أسرع إليه يقبله من جبهته وهو يقول: (كفى يا سيدي فها هو الأمل قد تحقق بفضل جهاد شعبنا وأمتنا وبفضل أمثالك من المخلصين).

أخيراً:

هذه حكاية من حكايات الوطن الذي يذخر بآلاف القصص والحكايا عن رجال أشداء تطال قاماتهم أعالي السماء، بذلوا الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الوطن ولم يطلبوا أجراً على كل ما قدموه للوطن وكم نحن بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال.. أبو تيسر وضع بصمته على تاريخنا النضالي ضد الاستعمار الفرنسي ورحل إلى أعالي السماء بهدوء ولم نعرف له عنواناً سوى الحارس الليلي أبو تيسير فكم نحن بحاجة إلى العودة لذاكرتنا الشعبية والبحث عن قصص وحكايا هؤلاء الرجال وتسليط الضوء عليهم. فثمة أشخاص مرّوا بهدوء في تاريخ سورية، قدموا الكثير، وربما قدموا أرواحهم في سبيل حماية وصون الوطن.

المصدر
شمس الدين العجلاني - الأزمنة، 21 آب 2011
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق