من الصحافة

عدنان المالكي .. انتصر في “تل المالكي” واغتيل في دمشق

شمس الدين العجلاني

  •   
  •   
  •   

لابدّ من قراءة تاريخنا بتأنٍ، وقراءة أيامنا الماضيات بكثير من الحذر والحيطة، فقد يكون الكثير من تلك الصفحات كتب “بحد السيف” بمعنى أن كاتبها هو الأقوى على الساحة السياسية آنذاك!
دراسة واستيعاب الأحداث التاريخية وتداعياتها، يساعد على معرفة الواقع الراهن والاستفادة من الأخطاء وتحاشي الوقوع في مزالق أفخاخ يرسمها لنا لاعبو الشطرنج في السياسة الدولية.
تاريخنا العربي السياسي يقع في الكثير من تفاصيله في خانة الغموض وعدم الشفافية!؟ وتجهيل الذاكرة الشعبية، وإخفاء الحقائق، حياتنا السياسية مليئة بالمؤامرات والدسائس والاغتيالات، ولم نعرف بعد خفايا وملابسات هذه المؤامرات والدسائس والاغتيالات!
في سورية لم يزل الغموض يكتنف الاغتيالات التي تعرضت لها شخصياتنا السياسية والعسكرية، وفي أحيان كثيرة تمت محاكمة أداة التنفيذ وبقي القاتل الحقيقي سراً غامضاً!؟ ولعل ذلك يتجسد في الحديث عن اغتيال العقيد عدنان المالكي. تلك القضية التي كانت شاغلَ السوريين ولم تزل! والتي طالت “من وراء الكواليس” رموزاً سياسية وعسكرية ودولاً شقيقة وأجنبية!؟
قد يكون من الأمور المعقدة وذات الحساسية المرتفعة، الحديث عن استشهاد العقيد الوطني المحبوب عدنان المالكي في الملعب البلدي بدمشق أثناء مباراة لكرة القدم يوم 22 نيسان عام 1955، وقد يطال الحديث عنه حزباً من أهم الأحزاب على الساحة الشامية ورجالاً من القوات المسلحة الذين تبوؤوا أعلى المراكز؟
حين استشهد المالكي اتهم على الفور الحزب القومي السوري الاجتماعي وسارت الإجراءات بسرعة وفي نفس يوم الاستشهاد قامت حملة اعتقالات واسعة لجميع القوميين الاجتماعيين في كل أنحاء سورية، وبدا الأمر واضحاً أن المطلوب استئصال الحزب القومي السوري الاجتماعي جذرياً من الساحة السورية، وأطلقت شعارات واتهامات شنيعة بحق الحزب.. وحدثت اتهامات متبادلة وجدل عنيف بين الأحزاب الوطنية خلقت صراعاً فيما بينهم فدفعوا جميعهم ثمنه ولفترة طويلة… ونلحظ هنا أنه بعد ثلاث سنوات من الحملة على الحزب القومي السوري ، أُجبر حزب البعث العربي الاشتراكي أن يحل نفسه كما قامت حملات ملاحقة واعتقالات كثيرة طالت الشيوعيين السوريين بهدفعدنان المالكي .. انتصر في "تل المالكي" واغتيل في دمشق تصفيتهم بأشكال مختلفة؟.
على عجل شُكلت محكمة للنظر في قضية اغتيال عدنان المالكي وسماع أقوال المتهمين والشهود، وعلى عجل انتهت المحكمة وأدانت من أدانت وبرأت من برأت، بالرغم من أن أوراق دعوى العقيد المالكي المرفوعة للتمييز بلغت 25 كيلوغراماً، مؤلفة من خمسة آلاف صفحة، وخمس أضابير، ومئة مصنف، وبلغت لوائح التمييز 300 صفحة ومطالعة النيابة 128 صفحة وقرار المحكمة 131 صفحة.

فهل كان المطلوب آنذاك إنهاء إجراءات المحاكمة سريعاً وتجريم من اتهم والقضاء على الحزب القومي السوري الاجتماعي كهيئة سياسية حزبية لها فكرها المغاير لباقي الأحزاب السياسية؟ أم فعلاً هذا الحزب هو من قاد عملية الاغتيال بدلالة أن المتهم الأول في مصرع المالكي هو أحد أعضاء الحزب القومي السوري!؟ إضافة للاعترافات التي استمعت لها المحكمة؟! ومن جهة أخرى لم يزل السؤال مطروحاً والإجابة عليه تشعبت؟! لماذا اغتيل عدنان المالكي؟؟؟

هل الاغتيال كان بسبب صراع المالكي مع عدد من ضباط الجيش وعلى رأسهم شوكت شقير وغسان حديد؟

هل أرادت مصر والولايات المتحدة الأميركية التخلص من ضابط عروبي وطني؟ هل كان وقوف المالكي ضد الأحلاف التي كانت مطروحة في تلك الأيام على الساحة العربية كحلف بغداد “مثلاً” سبباً في الاغتيال بهدف إزاحة أهم خصوم حلف بغداد السوريين؟ هل كان اغتيال المالكي عقاباً على صفقة السلاح مع تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي للجيش السوري؟ أم انتقاماً من مكانة سورية في مؤتمر باندونغ؟ وهل هنالك أصابع نسائية ترتسم وراء الكواليس؟

أسئلة وأسئلة طُرحت وتطرح وملف اغتيال الشهيد عدنان المالكي لم يزل مفتوحاً!؟.

في قراءة للروايات التي كُتبت عن اغتيال عدنان المالكي هنالك اختلافات وتناقضات فيها، ولم يكن من المـــــؤكد أن الحزب القومي السوري كان وراء عملية الاغتيال.. لقد تركزت الأنظار والدراسات والتحليلات كلها على القاتل الذي أطلق النار على المالكي ولم يُكشف القاتل المستفيد الحقيقي حتى الآن.!؟ وقد يقول قائل، إن كل ما تبع جريمة اغتيال المالكي، لم يكن هدفه كشف من دبر ونفذ وقتل العقيد عدنان المالكي، بقدر ما كان من يستطيع توريط القوميين في هذا الاغتيال على كل المستويات!!!

سنخوض في الحديث بالتفصيل عن استشهاد عدنان المالكي، عن علاقة الحزب القومي السوري بذلك… ونتساءل هل هنالك دول ومنها العربية وراء الاغتيال!؟ هل هنالك دول وأشخاص وأحزاب وراء جريمة اغتيال المالكي!؟ من الذي أطلق النار على المالكي!؟.

سنتحدث عن شهادات من عاصر الحدث، عن أقوال الصحف الصادرة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عن هذا الاغتيال، ونتحدث عن أقوال عائلة محمد شمس الدين المالكي ساعة وقوع الاغتيال!؟. خفايا كثيرة نحاول إماطة اللثام عنها من خلال ما تحمله الذاكرة الشعبية السورية عن الحدث معتمدين على الصور النادرة التي لم يسبق أن نشرت! ولن نقف عند الممنوع والمحظور، سنضع أمام القارئ مجموعة من الوثائق والتفاصيل والخفايا والآراء قد تبرِّئ القاتل من القتل، وقد تدين القاتل بالقتل!!

من خلال الوثائق والشهادات نروي اغتيال شهيد العروبة عدنان المالكي: ولنا في قول رسولنا العربي (صلى الله عليه وسلم) قدوة: “إن اجتهدت فأصبت فلك حسنتان، وإن أخطأت فلك حسنة واحدة”.

عائلة عدنان المالكي:عدنان المالكي .. انتصر في "تل المالكي" واغتيل في دمشق

أسرة المالكي من الأسر الدمشقية المعروفة بدمشق، وتعود جذورها إلى المغرب العربي، وهي ذات جذور إقطاعية، جاءت دمشق منذ قرابة 300 عاماً، والد الشهيد عدنان المالكي هو محمد شمس الدين “كان يبلغ من العمر 81 عاماً حين اغتيل ولده” ، والمعروف آنذاك بـ(شمس باشا)، كان يعمل بالزراعة، وانتخب رئيساً للغرفة الزراعية خلال عدة دورات انتخابية.

وإبان الثورة السورية كان يمد الثوار السوريين بالمال والسلاح والمؤن، وله مواقف مشهودة ضد الانتداب الفرنسي، والتحق “مع ولده فؤاد الذي كان يبلغ 14 سنة” بالخارجين للمشاركة في معركة ميسلون، وأحرقت أرضه ومحاصيله الزراعية عدة مرات بسبب مساندته للثوار ضد الانتداب، وهو رجل متبين في دمشق وغوطتها وكان مرجعاً لحل المشاكل التي قد تقع بين الفلاحين في الغوطة، حيث اشتهر بخبرته الواسعة في الزراعة وبصدقه واستقامته، وكان صارماً جداً في معاملته لأولاده، وساعياً دؤوباً لتأمين جميع حاجات وطلبات أولاده، ويختلف في الآراء والأفكار في القضايا العامة والحوادث السياسية مع أولاده.

هنالك أمور خاصة لعائلة محمد شمس الدين، وهنالك أسرار لها (كما لكل منّا سره) استقيت شيئاً وجيزاً من هذه الأمور والأسرار من حديث شخصي مع عدد من أفراد عائلة الشهيد المالكي، ولم يمانعوا بنشرها، ولربما هذه الأمور تضيء شيئاً معتماً في سيرة حياة الشهيد.

خلّف محمد شمس الدين من الأولاد، محمد فؤاد ( توفي وعمره بحدود ثلاثة وأربعين عاماً، كان الولد المميز من قبل والده ومتزوجاً من نهلة المالكي وهو مهندس كهرباء توفي بسبب ضربة شمس حادة عام 1949)، وداد (توفيت وعمرها بحدود 70 سنة وكانت لها شخصيتها القوية ولها مطلق الصلاحية ضمن العائلة) شوكت (توفي وعمره بحدود 92 سنة وكان رجلاً طيب القلب ليس لديه مشاكل وخاصة بين رياض وعدنان، أسس معملاً للسكر في مدينة حمص تزوج من عائلة دياب ويقولون عن زوجته إنها متسلطة وليست على علاقة طيبة مع أولادها)، جودت ( توفي صغيراً لم يتجاوز 14 سنة)، عصمت (توفيت وعمرها بحدود 40 سنة)، صفوت (توفيت وعمرها بحدود 80 سنة)، وعدنان (اغتيل وعمره 36 سنة)، ورياض (وتوفي وعمره بحدود 86 سنة وهو من مواليد 1922م، وكان صاحب رأي منفرد ضمن العائلة، وكانت تقول عنه والدته إن “رأسه يابس” وكان بعثياً ويدعم البعثيين مادياً ومعنوياً توفي وله ابن صغير بتاريخ 19 أيلول منعدنان المالكي .. انتصر في "تل المالكي" واغتيل في دمشق عام 1967م واسمه شمس الدين من مواليد 1961م، هو نفس اليوم الذي توفي فيه الجد محمد شمس الدين) ولم يزل على قيد الحياة، ثروت وهي من مواليد 1924م، وصبري وهو من مواليد 1927م، كانت عائلة محمد شمس الدين تسكن في حي المهاجرين الجادة الثالثة ومن ثم انتقلت بالقرب من السفارة التركية بدمشق، والقيود المدنية للعائلة (صالحية).

وعائلة محمد شمس الدين على خلافات دائمة فيما بينها وكانت الغيرة دائمة بين أفراد الأسرة وبخاصة بين عدنان ورياض، عانت العائلة من مرض الملاريا، وأكثر أفرادها توفي بسبب مرض السرطان.

محمد شمس الدين كان يملك أرضاً في الغوطة الشرقية في قرية الافتريس، وانتقل محمد شمس الدين للإقامة فيها، وفي أواخر أيامه عاد لمنزله بدمشق.
ابنة محمد شمس الدين ثروت تحتفظ بالعديد من الوثائق والصور التي تخص العائلة وما يخص الشهيد عدنان المالكي، ليس للعائلة تربية دينية، حتى الجد محمد شمس الدين لم يشارك في جنازة الشهيد ولم يصلِّ عليه في الجامع، ولكن رياض (محامٍ ونائب في البرلمان) أصغر أولاد محمد شمس الدين التزم الصلاة والجامع في آخر أيام حياته وتقول إحدى قريبات الشهيد (رياض لا ينتمي إلى الإسلام.!؟ وتعود وتقول ولكن في آخر أيامه التزم الجامع).

ونشير هنا إلى رسالة وجهتها والدة الشهيد عدنان المالكي إلى جوليت المير الأمينة الأولى في الحزب السوري القومي الاجتماعي والمتهمة في قضية اغتيال المالكي، وتلت هذه الرسالة المحامية ملك كبارة في جلسة المحكمة التي عقدت بتاريخ 26 -10 – 1955.

عدنان المالكي:

شاب ذكي طموح وقد لا يختلف عن قادة الانقلابات العسكرية في سورية من حيث الطموح والمغامرة والتهور!؟ شارك أو تعاون مع عدد من قادة الانقلابات العسكرية، ودخل في تحالفات وصراعات مع الأحزاب السياسية القائمة آنذاك.

ولد بدمشق في حي المهاجرين عام 1919م ودرس المرحلة الابتدائية والثانوية في مدارس دمشق، واشتهر بتفوقه الدائم وجرأته الأدبية وحبه للرياضة، كان منذ صغره ميالاً للجندية وشديد الشغف بمطالعة سيرة أبطال التاريخ العسكري وبدراسة تاريخ المعارك الحربية الكبرى.

أنهى دراسته الثانوية عام 1937م والتحق بالكلية العسكرية في حمص وتخرج منها عام 1939م، وخدم في الجيش السوري زمن الانتداب وزمن العهد الوطني، وفي قطاعات مختلفة حيث كانت تسند إليه مهام تدريب الجنود والرقباء، كما عين مدرباً في الكلية العسكرية. وفي عام 1948 حين نشبت حرب فلسطين ترك التدريس بالكلية العسكرية في حمص وانضم إلى الجيش بالجبهة حيث تولى قيادة إحدى سرايا المشاة.

وأمام “التل الأسود” الحصين المجاور لمستعمرة مشمار هايدن قاد عدنان سريته مقتحماً التل الأسود ثم مدافعاً مستميتاً عن هذا التل الذي أُطلق عليه منذ ذلك التاريخ اسم “تل المالكي”.. وبعد الجلاء ساهم مساهمة فعالة في تأسيس الجيش السوري حيث أسس مدرسة صف الضباط، وخرّج أولى دوراتها وكان مديراً لدورات عدة في الكلية العسكرية.

عُرف عن المالكي وطنيته الصادقة منذ الصغر، وكان مصدر إزعاج للانتداب الفرنسي فلم يألُ جهداً خلال خدمته بالجيش تحت إمرة القيادة الفرنسية من نشر الروح الوطنية بين مرؤوسيه من ضباط ونقباء وجنود مذكراً إياهم دوماً أن الجيش للوطن، وكان نشاطه الوطني هذا يقلق القادة الفرنسيين وكانت له مواقف مشهورة معهم، فوضع تحت الرقابة الشديدة إلى أن تفاقمت الحوادث بين السوريين والقوات الفرنسية فالتحق بالقوات السورية ومن ثم عُين عضواً في لجان تسليم قوات ومعدات الجيش الخاص من قبل الفرنسيين إلى الحكومة السورية.

تعرض المالكي عدة مرات خلال حياته للاعتقال والسجن والتسريح من الجيش. وهنالك رسائل كثيرة أرسلها الشهيد إلى والدته من السجن صدرت في ذلك الوقت ضمن كُتيّب خاص، فقد اعتقل بأمر من الشيشكلي في سجن المزة مع عدد من الضباط والسياسيين منهم، عبد الغني قنوت وبرهان قصاب حسن وبشير صادق والمحامي رياض المالكي والمحامي شفيق عدنان، وبقي المالكي في السجن حوالي سبعة أشهر أحيل بعدها الى التقاعد والإقامة الجبرية في منزله، ومن ثم رحل الشيشكلي وأعيد المالكي إلى الجيش.

كان الشهيد رافضاً مغادرة البلاد للدراسة في فرنسا، ولكن ذهب لإجراء دورة في المدرسة الحربية العليا في فرنسا والتي أهلته شهادتها لحمل لقب ضابط (ركن مجاز) ويقولون أُرسل إلى هذه الدورة لإبعاده عن دمشق آنذاك، وكان متفوقاً في هذه الدورة وترتيب نجاحه الثاني على الدورة، بينما كان ترتيب شمعون بيريز 62 وأمين النفوري 12، وفي فرنسا (كما يروي أقرباء الشهيد)، تعرّف على امرأة فرنسية فعشقته، ولكنه لم يرغب بالزواج إلا من سورية، وحين عاد لدمشق، تعرف على فتاة وخطبها قبل استشهاده بفترة وجيزة، قيل اسمها سميرة شريتح من منطقة اللاذقية وتعيش في صيدا، بينما يذكر شقيقه رياض أنها لبنانية ومن آل الحجار، وأغلب الظن أن اسمهما هدى الحجار وهي من مدينة صيدا اللبنانية، كان للشهيد مرافق من عائلة زيتونة وهو من سكان اللاذقية ويعرف الكثير عن الشهيد ولا أعلم إن كان على قيد الحياة أو توفي، وكان يسكن في حي الطابيات وهو أعلى حي في مدينة اللاذقية يطل على البحر المتوسط. للشهيد سيارته الخاصة وهي من نوع فورد زرقاء اللون، استعملها شقيقه رياض فترة من الزمن ثم وضعت في المعمل الذي يملكه شقيقه صبري.

نال المالكي خلال حياته سبعة أوسمة منها وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى، ووسام الاستحقاق اللبناني، ووسام الكوكب الأردني من الدرجة الثانية، وبعد استشهاده مُنح وسام الشرف بدرجة فارس.

المصدر
شمس الدين العجلاني، الأزمنة، 14 كانون الأول 2012
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق