من الصحافة

فخري البارودي ويهود دمشق

شمس الدين العجلاني

  •   
  •   
  •   

 قبل عامي 1947 و 1948 كان من المتعذر الفصل بين الطائفة اليهودية  و أهل البلاد كون سورية تتمتع على مر العصور بالتسامح الديني ، لذا تغلغل اليهود  في المجتمع الشعبي السوري وتكلموا لغته واخذوا الكثير من عاداته وتسموا بأسماء أهل دمشق وتكنوا بكنياتهم ، وفي الوقت نفسه حافظوا على تقاليدهم وعقائدهم ولغتهم التي كانوا يستخدمونها بشكل خاص في يوم السبت ، وقد شغلوا فيما مضى  مناصب هامة في الدولة فكان منهم أصحاب البنوك،و الأطباء المرموقين و النواب في المجلس النيابي..

لكن الظرف السياسي والكارثة التي لحقت بالعرب من جراء تقسيم فلسطين ومن ثم قيام الكيان الصهيوني كان لهما الأثر الكبير على العلاقة بين يهود سورية وأهل البلاد ..ثم جاءت حرب 1967 لتفتح باب الهجرة اليهودية على مصراعيه فتضاءل عددهم إلى 6 الآف يهودي دمشقي.

ومن ثم جاءت حرب تشرين، و الضغوطات الصهيونية التي مرست على يهود سورية  كل ذلك كان له أثره على العلاقة بين الطائفة اليهودية و أهل البلاد ، ولكن كل ذلك لم يدع سورية الى اتخاذ اجراءات كيديه او غير قانونيه تجاه الطائفه اليهودية ، وهذا ما سوف نشير له في الحلقات القادمة وعلى لسان أبناء الطائفه اليهودية السورية  الموجودون حاليا خارج سورية ، وخير دليل على ان الطائفة اليهوديه السورية كانت جزءا من نسيج المجتمع السوري ما تضمنته مذكرات الزعيم الوطني فخري البارودي ، و ما رواة الآخرون عن فخري البارودي ..

فخري البارودي :

هو فخري محمد حسن بن محمد الظاهر، لقب بالبارودي نسبة إلى جده الذي عمل في مصنع للبارود. ولد فخري البارودي في دمشق عام 1886م.

شب في مدارسها ونهل من علومها، شخصية إنسانية جريئة المواقف، أبرز صفحاتها الوطنية الخالصة، أول من صرخ بوجه الاستعمار وفضح مطامعه في فلسطين فكانكتابه “كارثة فلسطين”. كان البارودي  ، واحداً من الذين انتبهوا في وقت مبكر إلى كارثة فلسطين، فأعدّ كتابة هذا قبل أكثر من نصف قرن كرّسه للتحذير من خطورة الاعتراف بالكيان الصهيوني والتفاوض والصلح معه، حيث ذلك لن يكون إلا تنازلاً مجانياً، ومنزلقاً يمكن أن يؤدي إلى دمار الأمة!

هو سياسي لامع من أقطاب الكتلة الوطنية و النائب في البرلمان السوري لعدة دورات لمع اسمه  في الحياة السياسية لسورية فترة الانتداب الفرنسي سجن ونفي وعذب، نادى بالوحدة العربية فشدونا معه كباراً وصغاراً:

بلاد العرب أوطاني             من  الشام لبغدان

ومن  نجد إلى  يمن            إلى مصر فتطوان

الشرطي اليهودي :

 يقول فخري البارودي : كان الأمن شبه مفقود في تلك الأيام ، وكثيراً ما كان اللصوص يسلبون من يستفردونه في المحلات النائية من البلدة . ولم يكن في دمشق في الليل محل أمين ، إلا المواقع الممتدة من موقع السنانية إلى باب الجابية ، فالسنجقدار ، فساحة المرجة  أما بقية الأحياء فكان المار فيها ، خصوصا بعد منتصف الليل ، يحتاج إلى حراس وخفراء .

مرَ شرطي يهودي مرة في العمارة ، فصادف أبا فياض البغل وهو أحد الفتيان المشهورين بالرجولة – يعربد وفي يده خنجر ، يعترض به المارة ويضربهم بقبضة الحنجر على رؤوسهم ، ولا يجرؤ أحد على معارضته . فلما رأى الشرطي اليهودي تقدم إليه وضربه على رأسه بالقبضة ضربة قوية طفر منها الدم ، وغسل وجهه ورداءه .

    قال : البغل ضربني !

    قال : ولك ليس الذي ضربني بغل حيوان ، بل هو بغل إنسان !

    فقالت له : إذن اذهب واشلح بذلة السلطان مادمت لا تقدر على حمايتها !

مغاني دمشق :

و يتابع البارودي حديثه عن مغاني دمشق من اليهوديات قائلا : كانت أسباب التسلية العامة في عهد شبابي محدودة ، فهناك المقاهي ، وهناك ” التياترو” وهناك المغنيات . وقد اصطلح أهل دمشق على تسمية المغنيات البلديات بالمغاني ، واللواتي يأتين من مصر بالعوالم .

عرفت في شبابي عشرات من  ” المغاني ” اللواتي يحترفن الغناء والرقص ، وكان معظمهن من اليهوديات ، حتى إن إحداهن ” اشترتني ” بربع ريال . ذلك أنه كان في دمشق عادة غريبة ، تقضي على الأم بأن تبيع طفلها رمزيا من إحدى المغنيات ، فيحفطه الله عندئذ لأهله . هكذا ” باعتني ” والدتي من المغنية ” هانولا ” بربع ريال .

من أشهر مغنيات ذلك العهد : رحلو الترك ، رحلو سلطانه ، بنات الشطاح ( عائلة الشطاح من اهم العائلات اليهودية بدمشق ، و يوجد حتى الآن بيت دمشقي  كان ملكا لآل الشطاح في حارة اليهود ) ، نظيرة عنبة ، بدرية مواس ، بدرية سعادة (وكانت جميلة العينين ) ، بنات مكنو( و هن من أشهر مغنيات يهود دمشق ) ، حسيبة ومريم وروجينا ، وطيره ، وشفيقة ، وسمحة ، وحسيبة أتشي ، ومن أجملهن صلحة الأبيض . وكان غواتها من أرقى الدمشقيين ، حتى إن أحدهم كان ينام على عتبة بابها حتى الصباح ، إذا لم تستقبله !

    ومن المغنيات المسلمات ” رسمية جمعة ” ، وكانت كفيفة البصر ، تضرب بالعود ولا تحضر إلا حفلات النساء . ومنهنَ أيضا بنات ” علي عملك ” وفهمية ضاربة القانون ، وشقيقاتها اللواتي كن يضحكن الحضور ، وبنت ” أبو قفة ” وهي من الضاربات على النقرزان ، وبنات  ” مكنو ” ، وهن جوقة كاملة كن يقمن بأفراح دمشق ، من أعراس وسهرات ويستأثرن بالأفراح الكبيرة . وهن اللائي أقمن لي فرحة العرس ولم يصعدن المسارح إلا في أيام الحفلات التي كان يقيمها فرع جمعية الاتحاد الترقي .

وفي هذا السياق تحفظ جريدة “حمص” اسم الممثلة اليهودية رحلو شطاح  ، وقد جاء ذكرها في معرض الحديث عن النشاط المسرحي في يافا خلال شهر نيسان من عام 1911، ويرجح أنها بدأت مشوارها الفني كمطربة قبل أن تؤدي الأدوار النسوية في المسرحيات التي قدمت على خشبات المسرح الفلسطيني. و لربما كانت هذه اليهودية رحلو شطاح هي احدى بنات شطاح اشهر مغنيات دمشق .؟

طبيب يهودي يعالج البارودي :

و يروي لنا الدكتور صلاح الدين المنجد كيف أنقذ الطبيب اليهودي الدمشقي حياة الزعيم فخري البارودي قائلا  : إنها قصة مؤثرة حقّاً. فقد اتصل بي فخري بك، رحمهالله، في الساعة الثانية صباحاً بعد منتصف الليل، وقال بصوت لاهث خافت: الحقني سأموت إن لم تدركني.

فسألته: أين أنت؟ فأخبرني أنه في “نزل” قرب الزيتونة ( في مدينة بيروت ) اسمه “فندق بسّول” فاستغربتُ كيف ينزل في مثل هذا الفندق فقمت وارتديتُ لباسي، وسألتُ جاراً لي أيقظُته أن يوصلني إليه لأني لا أسوق سيارة، لكني قبل ذلك اتصلت بصديق لي اسمه الدكتور علاء الدين الدروبي، وهو أعظم طبيب في الأمراض النفسية والعقلية، وسألته ماذا يجب أن أعمل. فقال: بالقرب من فندق بسّول طبيب بارع جداً في أمراض القلب سأتلفن له الآن وأوقظه، وأرجوه أن يذهب حالاً إلى الفندق لفحصه. فاذهب أنت إلى “النزل” وستجده هناك..

فذهبتُ. وإذا بي أجدُ الطبيب قد سبقني يفحصه. فسألني: ما اسم المريض؟ قلت: فخري البارودي. قال: الزعيم السوري الكبير؟ قلت: نعم. فوجدته قد زاد من اهتمامه، والدقة في فحصه. ثم قال لي: يجب نقله الآن إلى المستشفى سأتصل الآن بالمستشفى لتجهيز غرفة له، مع جميع الأدوات اللازمة لإِجراء عملية له. ولكي يرسلوا سيارة الإِسعاف لنقله وهكذا كان. نقلناه ولكن الدخول إلى المستشفى له تدابير مُسْبَقة، كدفع بعض النفقات وغير ذلك. ولم أكن أحمل المبلغ المطلوب، ولا دفتر الصكوك، وأخبرتهم عن اسمي فلم يكتفوا وقالوا: هذا النظام. فاتصلت بكامل مروة وأيقظته وأخبرتُه. فتلفن لمدير المستشفى، فأدخلوه، وأجروا له العملية ونجحت بحمد الله. وعدتُ إلى داري وقد ظهر ضوء الصباح.

وكانت دهشتي عظيمة في اليوم الثاني عندما أعلمني الدكتور الدروبي، أن طبيب القلب الذي ذهب لإِسعافه، كان يهودّياً من يهود دمشق  ، وانتقاله إلى بيروت لم ينسه حب دمشق ورجالها…

وكنا نزوره كل يوم في المستشفى حتى شُفي وسُمح له بالخروج. وفي يوم خروجه ذهبتُ إليه، فأعطاني ورقة، وقال اقرأها فيما بعد.

فوضعتها في جيبي. ونسيتُها. وما قرأتها إلاَّ في االمساء. وإذا فيها بخطه.

جزاك  الله  عنّي  كل خَيْرٍ                   صلاحَ   الدين  يا  إبْن  الكِرام

لقد  أنقذتَ في الدنيا حياتي                   أخا  العَلْيا  من  الموتِ  الزُؤآمِ

سأدعو  الله أن يُبْقِيكَ ذُخْراً                   لِقَوْمكَ، في الصلاة وفي الصيامِ

تقبّل ياصلاحُ عميمَ شكري                    وحمدي ،  والتحايا، مع سلامي

المصدر
شمس الدين العجلاني، رابطة أدباء الشام، 29 كانون الأول 2007
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق