من الصحافة

عبد الحميد السراج.. الرجل الذي آثر الصمت خمسين سنة!

غسان الإمام

 
 
 

كان على الطرف الآخر من الهاتف المقدم حسن شريتح مدير مكتب وزير الداخلية. قال لي بهدوئه المعتاد وصوته الخجول: «هناك أمر عرفي بوقف إصدار (الرأي العام) اعتبارا من هذه الليلة».

كنت سكرتيرا لتحرير «الرأي العام». وكان عليّ إبلاغ صاحبها ورئيس تحريرها أحمد عِسَّهْ. فالاستمرار في العمل تلك الليلة من قبيل العبث. فستصادر في الصباح. وتجمع من الأسواق، وهو أمر بالغ التكاليف لصحيفة كانت الأولى في سوريا، من حيث الأهمية. والنفوذ. ومن حيث الانتشار.

ترددت حائرا. ثم انتهزت خروج رئيس التحرير من غرفته، لأبلغه قرار جمال عبد الناصر رئيس «الجمهورية العربية المتحدة»، بحجب الصحيفة عن الصدور. تأثر الرجل كثيرا، لكن بدا ثابتا. واكتفى بالقول إن الرئيس لم يكن ليصدر هذا «القرار – الخطأ»، لولا إلحاح وزير الداخلية عبد الحميد السراج عليه.

كان ذكاء الصحافي الكبير مرهقا لدولة محدودة الذكاء. فقد أتعبها في القدرة على تفسير غموض كل افتتاحية يكتبها. فأراحت نفسها بالتخلص من الصحيفة، متهمة إياه ضمنا بالعداء للوحدة، وبالدفاع عن مصالح رجال الأعمال السوريين. ولم يكن ذلك مقبولا في دولة جديدة، بدأت تأخذ – لسوء حظ عبد الناصر – منحى اشتراكيا في الاقتصاد، تحت ضغط شركائه ووزرائه البعثيين.

لكن عبد الناصر ذا الوعي الشديد بأهمية الصحافة والإعلام، كان رفيقا بأحمد عسه. فقد ألحقه مع سوريين آخرين كتّابا في الصحف المصرية القومية (الحكومية). وكان عسه، في تقديري، لا يقل عن هيكل في التقنية الصحافية، من حيث أسلوب صياغة العناوين والأخبار. لكن في كتابة التعليق، كان تحليليا. غامضا. وجافا. فلم يلقَ الرواج لدى القارئ المصري الذي لقيه لدى القارئ السوري.

أما أنا الذي اعتبر ولادة صحيفة، أو موت صحيفة، بمثابة حياة أو موت لي، فقد ألحقت بصحيفة «الوحدة». وهي إحدى صحيفتين أصدرهما عبد الناصر في سوريا. ووضع الصحافة تحت إشراف الوزير عبد الحميد السراج. فاختارني السراج رئيسا للقسم الداخلي (المحلي). ونائبا لرئيس التحرير. ثم أمينا عاما لأول نقابة تأسيسية للصحافة تعترف بها الدولة في سوريا.

وفي سري، كان عجبي كبيرا. فها هو السراج يشرف على الصحافة. ومعها نقيضها: جهاز الأمن المدني المخيف. ومع أنه كان يتمتع بثقة عبد الناصر التامة، فقد كان كارها لطاقم أصحاب الصحف القدامى (معظمهم معادٍ للوحدة). ولا يؤمن تماما بحرية الصحافة. وعلى قدر علمي ومعرفتي، فلم يحدث أن أدلى السراج في حياته بتصريح، أو حديث.

وما لبثت الدولة أن أوقفت أيضا صحيفة «الجماهير» شقيقة «الوحدة» الرسمية. ولم تشفع لرئيس تحريرها الدكتور جمال الأتاسي نزاهتُه. وناصريته البديلة لبعثيته السالفة. فقد كان مثقفا فوضويا. وغير حازم، سواء في ممارسته السياسية أو الصحافية. فحشد في الصحيفة خليطا من الكتاب اليساريين السوريين والمصريين، غير المرغوب بهم لدى الدولة.

وأذهلني «الصحافي» عبد الناصر. كان يعيب على ميشيل عفلق وصلاح البيطار عدم قراءة الصحف، فيما تمكن هو من استيعاب نجوم الصحافة المصرية. وكلهم من مدرسة العملاق محمد التابعي، كهيكل. ومصطفى وعلي أمين. وإحسان عبد القدوس. وتسخيرهم لخدمة نظامه ووحدته مع سوريا. وأقام معهم علاقة يومية. وهو يعرف أنهم كارهون له. وللوحدة!

وكنت أشعر بذلك من خلال علاقة الزمالة الصحافية بهم. وباستثناء هيكل الذي كان مصريا ناصريا، أولا، ثم… ثم قوميا. عربيا. وحدويا، فقد بلغت الجرأة ببعضهم لسؤالي، عما إذا كانت هناك ثورة على عبد الناصر في سوريا. أو هي في طريقها للثورة عليه!

كان السؤال يحرجني. ويضايقني حقا. لكني لم أبلغ السراج، أو المسؤولين المصريين الكبار الذين يزورون سوريا. لعلمي أنهم يعرفون مدى كراهية نجوم الصحافة المصرية وعدائهم للنظام الناصري، بعدما فقدوا مؤسساتهم المؤممة، رغم أن عبد الناصر أبقاهم على رأسها، لمعرفته بمدى جاذبيتهم للقارئ العربي. بل كان يحرص على أن يرافقوه في زياراته الخارجية. وبالذات زياراته المتكررة لسوريا، لاطلاعهم على شعبيته الحقيقية الكبيرة لدى السوريين.

كان عبد الناصر «المصري» غير عبد الناصر «السوري». كانت قبضته على مصر قاسية. وكان ليبراليا، على درجة من التسامح في سوريا، سمحت بالمحافظة على جماهيريته لدى السوريين. ورغم السراج، فقد ترك عبد الناصر لأصحاب الصحف السورية حرية إصدار صحفهم، إذا ما طوروها. وزادوا عدد صفحاتها.

أمضي في تعريف ثلاثة أجيال عربية بجمهورية الوحدة الناصرية (1958 -1961)، مركزا على دور عبد الحميد السراج. عندما فر الرئيس أديب الشيشكلي أمام حركة انقلابية صغيرة ضده، فقد أنهى ضباط الآيديولوجيا، بمن فيهم السراج، ضباط فرنسا «الكلاسيكيين» الذين تركتهم وراءها.

أستطيع أن أرسم صورة سريعة للسراج آنذاك (1954): ضابط عسكري وسيم. رياضي قوي البنية. أشبه بشون كونري أول بطل لمسلسل أفلام المخابراتي جيمس بوند. تولى المقدم السراج رئاسة المكتب الثاني (المخابرات العسكرية) بعد فرار الشيشكلي ابن مدينته حماه. فحسده زملاؤه ضباط الآيديولوجيا. وكرهوه. ولم يستطيعوا الاستغناء عنه. فقد كان مصلحا ومصالحا بينهم. وأحبط كل المحاولات الانقلابية ضدهم. ووضع العهد شبه الديمقراطي (1954 – 1958) تحت رقابته الصارمة.

هذه المؤهلات المخابراتية الباهرة لم تكن كافية لترشيح السراج للقيام بدور الرجل رقم (1) لأسباب كثيرة: نفسيا، لم يكن مغامرا. عسكريا، لم يكن يملك كتلة كبيرة منافسة لكتل البعثيين. والشيوعيين. أو حتى للفاشيين السوريين القوميين. أو العلويين.

كانت ميول السراج القومية العربية طريقا لنسج علاقة وثيقة مع الرجل رقم (1). مع عبد الناصر أبرز المتنافسين العرب على الفوز بسوريا المضطربة آنذاك. وعندما قامت دولة الوحدة (1958)، كان السراج مرشحا للعب دور تاريخي. لكن عبد الناصر أزاح كل ضباط الآيديولوجيا، بمن فيهم السراج.

وخلافا لكل انتقاد يوجه إلى السراج على سلوكه المخابراتي، أشهد بأن الرجل كان على كفاءة إدارية كبيرة. وعندما دب الخلاف بين عبد الناصر والبعثيين، حل السراج محل أكرم الحوراني كنائب لرئيس الجمهورية، وكرئيس للمجلس التنفيذي (رئاسة الحكومة في الإقليم السوري).

استغل البعثيون البيروقراط النزاع المتفجر بين السراج والمشير عبد الحكيم عامر، لزرع العصي في عجلة الدولة. كان عامر، كما خبرته، عسكريا طيب القلب. فأوقع طموح ضباطه المحيطين به، بينه وبين عبد الناصر. ثم شجعوه على الانحياز لمطالب تجار الطبقة الوسطى السورية، في تطبيق اقتصاد السوق، فيما كان عبد الناصر يمضي قدما في تطبيق الاقتصاد الماركسي الفاشل في مصر.

وأصابني من البعثيين ما أصاب الدولة من «الخلخلة» في عجلاتها. فقد صعد البعثي جلال فاروق الشريف رئيس تحرير «الوحدة» إلى مقر رئاسة الجمهورية، ليضع نفسه والصحيفة تحت تصرف المشير عامر وضد السراج! وعلمت بذلك. وكان من واجبي نقل الخبر إلى السراج. تألم الرجل كثيرا. واستدعاني مع رئيس التحرير. ووبخه بحضوري بغضب شديد، مهددا بإغلاق الصحيفة إذا ما حاول جعلها أداة لتعميق الخلاف، بين أركان الدولة.

أَمِن عبد الناصر جانب ضباط الآيديولوجيا. للسخرية، قاد ضباط دمشق الانقلاب عليه وعلى المشير عامر. ثم ندموا. أودعوا في سجن المزة الدكتور ناظم القدسي الذي جاءوا به رئيسا لجمهورية الانفصال. وذهبوا إلى عبد الناصر باكين نادمين، مطالبين باستعادة الوحدة!

الواقع أن عبد الناصر ارتكب أخطاء كثيرة. وفي مقدمتها عداؤه للسعودية والأردن. وتحالفه مع نظام البعث الطائفي ضد دول الخليج. ولو أنه أبقى جهاز المخابرات العسكرية في عهدة السراج، لما تمكن العقيد عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب المشير عامر، من قيادة الانقلاب ضده وضد عبد الناصر.

خرج السراج من سجن الانفصاليين، ليغادر سوريا نهائيا. عاش السراج في مصر، بصمت مطبق خمسين سنة. ورحل في الأسبوع الماضي عن 91 عاما، حاملا معه إلى قبره أسرار عصر عربي حافل.

المصدر
غسان الإمام- صحيفة الشرق الأوسط، العدد 12747 الصادر في 22 تشرين الأول 2013
 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي