أحداث
اجتماع حافظ الأسد مع كريم بقرادوني وجورج سعادة – أيار عام 1976

في 15 مايو/أيار 1976، وقبل أسبوعين من الإعلان الرسمي عن دخول القوات السورية إلى لبنان، التقى الأسد بوفد من حزب “الكتائب” ضمّ كريم بقرادوني وجورج سعادة، بحضور وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام.
قدّم الأسد رؤية مركبة لطبيعة علاقته وتقييمه لكمال جنبلاط، مستعيدا تفاصيل لقائه الأخير به. وقال الأسد:
“حين جاء جنبلاط إلى هنا… في الحقيقة، لم نكن نرغب بمجيئه. نريده نعم، لكن نريده أن يأتي وقد انساق في الاتجاه الذي نسير فيه، نريد إيقاف القتال. تابعنا تصريحاته، وهناك تصريحات سيئة بالنسبة للقتال. أنا أعرف جنبلاط منذ زمن، ولكن كل لقاءاتي معه كانت بروتوكولية غالبا، حتى في السابق عندما كان يأتي بعد بدء القتال، كان يبدو في معظم الأحيان مستمعا، ثم يستشير ويظهر أنه مع الرأي الذي يُقال. هكذا كان دائما، ولهذا كوّنت عنه فكرة ربما لم تكن دقيقة. فيما مضى، كان يملك حرية أكثر من آخر مرة رأيته فيها، لأنه في الواقع كان يفتقر إلى أي منطق، إلى أبسط الحجج… ونحن لا نسير في شيء لا نقتنع به.
ويبدو أن جنبلاط كان متعبا، مضطربا، غير طبيعي بالفعل. قلت له أكثر من مرة: وضعك ليس طبيعيا، عليك أن ترتاح. قال لي كلاما لا يُقال في الحقيقة، إما أنها مجموعة عُقد، أو أبعد من ذلك. وأصرّ على تلخيص الأمر بقوله: منذ أحد عشر شهرا ونحن نسمع منكم: أعطونا أسبوعين، بمعنى أن اللقمة وصلت إلى الفم، دعونا والأمر سينتهي… قال نحن الآن في عينطورة ثم نصعد إلى ضهور الشوير ومن الشوير ننزل إلى بكفيا ثم إلى الكحالة. قال لي إنه سيضع مدفع 130 ملم ويقصف جونية. تحدّث باستراتيجية: فقط دعونا ثم بعد ذلك نفعل ما تريدون. قلت له: بعد هذا لا نريد شيئا، وماذا سنفعل بعد ذلك ولماذا؟
قال: بعد ذلك تعالوا وافعلوا ما تريدون. فقلت له: نحن نريد هدفا للعملية، ما تحدثت معي به حول السير من قرية إلى قرية وتذبح هؤلاء الناس… من هؤلاء الذين تذبحهم؟ لماذا نذبح على أساس طائفي؟ واضح لأنهم مسيحيون، هل هناك غير ذلك؟ أنت تعلم أننا في سوريا لا يمكن أن ننطلق من هذا المنطلق… أفهم أن ثورة تقوم ضد حكم، تقتل الوزراء والنواب، لكن بهذا الشكل؟! قرى وشعب… أمر لا يجوز، ما الثمن الذي سيقدَّم لشعب لبنان؟ حرب قذرة لها طابع طائفي، هذا أكثر شيء مزعج، أمر لا يمكن أن أتصوره”.
وبعد أن استعرض وقائع اللقاء أمام بقرادوني وسعادة، عبّر الأسد عن حجم الفجوة التي أحدثها موقف جنبلاط، قائلا: “غريبة كانت نفسيته بالفعل… كانت جلسة قاسية، وأنا أيضا شددت عليه حتى تعبت أعصابه، حتى شعرت: يا ترى، هل هو صراع بين شيء بنفسه يريد تحقيقه؟ رغبة شخصية مثلا، بين موقفنا وبين مواقف آخرين أيضا؟ في رأيي كمال جنبلاط، حتى يخسرنا بهذا الشكل يجب أن يكون هناك شيء كبير. أنا بالفعل أتصور نفسي مكانه، أعتقد أنه من أجل أن أخسر سوريا، وسوريا بوضعها الحالي، يجب أن يكون الأمر كبيرا جدا. هكذا أتصور، وأنا كشخص في مكان كمال جنبلاط لي أهداف سياسية وحزب، ولي علاقات طويلة مع سوريا، فمن أجل أن أتخذ موقفا أخسر به سوريا”. اختتم بوصف أجواء اللقاء: “مناقشتي معه كانت طويلة ولم تكن مريحة. كانت متعبة جدا. تحدث لي عن فخر الدين وعن وحدة لبنان، وكرر ذلك عدة مرات، ربما هذه دروس سعيد عقل، والله أعلم”.[/R].



