أحداث

اجتماع حافظ الأسد وكمال جنبلاط في آذار عام 1976

اللقاء الثامن

اجتماع حافظ الأسد وكمال جنبلاط في آذار عام 1976

نشرت مجلة “المجلة” وثائق سرية حصلت عليها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وهي تسلط الضوء على اغتيال الزعيم  كمال جنبلاط في مارس/آذار 1977، ومنها تفاصيل عن اجتماعاته مع حافظ الأسد، جاء فيها:


طلب ياسر عرفات من كمال جنبلاط الذهاب إلى دمشق للقاء الرئيس حافظ الأسد، لكن الأخير رفض استقباله قبل وقف القتال.

ومع اشتداد حدة المواجهات، دعت أطراف وشخصيات لبنانية بارزة دمشق إلى التدخل لوقف تمدد جنبلاط، وعلى رأسها البطريرك الماروني مار أنطون بطرس خريش. وافق الأسد على استقبال جنبلاط، تزامنا مع تحرّك سريع من مجلس الأمن الدولي، وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية الفرنسية، وتصاعد حالة الغليان الداخلي في لبنان، ما جعل الأنظار تتجه إلى دمشق بانتظار موقفها.

عشية اللقاء، اجتمع الأسد بوزير الخارجية عبد الحليم خدام واللواءين حكمت الشهابي وناجي جميل وقائد تنظيم “الصاعقة” زهير محسن، لبحث الوضع الميداني في لبنان.

على الجانب الآخر، تمنى حلفاء جنبلاط عليه أن لا يخرج مختلفا مع الأسد، إذ يقول جورج حاوي (عضو المكتب السياسي لـ”الحزب الشيوعي اللبناني” أثناء الحرب ثم أمينه العام) في مقابلة ضمن برنامج وثائقي عن الحرب اللبنانية: “بادرت جنبلاط بالقول: رغم أنني أعارض هذا اللقاء، لكن بما أنك قررت المضي فيه، أرجوك لا تخرج منه وأنت على خلاف مع حافظ الأسد. ناقش معه بكل صراحة حتى النهاية، لكن إذا وصلت إلى طريق مسدود، فمن الأفضل أن توافق على ما يطرحه. أعتقد أن حافظ الأسد سيكون صريحا جدا معك، وأنا على علم بظروف معينة تمنعه من الموافقة على برنامجنا. لذا إما أن يُلغى اللقاء، أو إذا تم، فأرجو أن لا تختلف معه. وقد وعدنا جنبلاط بأنه سيبذل كل جهد ممكن، وأكد تفهمه لموقفنا. ودعناه بعدها وغادر (إلى دمشق)”.

في السابع والعشرين من مارس/آذار 1976 وصل جنبلاط دمشق برفقة عباس خلف ومحسن دلول ورياض رعد من “الحزب التقدمي الاشتراكي”، واجتمع بالأسد لمدة سبع ساعات ونصف. حاول الأسد إقناعه بضرورة وقف القتال والبحث عن سبل تنفيذ التسوية السياسية المتفق عليها، مؤكدا أن سوريا لا تتمسك بالرئيس فرنجية “ولكنها تتمسك بوحدة لبنان”.

بدأ اللقاء في أجواء ودية وأبدى الأسد اهتماماً بمعرفة مستجدات الحراك الذي يقوده أحمد الخطيب، من خلال “جيش لبنان العربي”.

روى جنبلاط أنه التقى بالخطيب ورأى فيه “خميرة وطنية”، ثم انتقل النقاش إلى تركيبة الجيش اللبناني، والممارسات السائدة بداخله من طبقية وتمييز بين الضباط والمجندين.

وحسب جنبلاط، فإن هذه العوامل هي التي دفعت الخطيب إلى تأسيس ما يشبه الجيش الشعبي، والذي التف حوله الجنود.

أشار جنبلاط إلى ظاهرة تجييش الشباب، وامتد حديثه ليشمل النظام التعليمي والتربوي في لبنان والاختلافات بين المدارس ومناهجها، مما أدى إلى انحسار تعليم المبادئ والأخلاق. وأكد أن “الجيل الجديد ينزع إلى التغيير الشامل”، وأن وعي الشباب ارتفع نتيجة انخراطه في القتال، وأصبح منضبطا أكثر لكنه “لم يصل إلى المستوى المطلوب، وهذا لأن الشباب لم يتربوا في المدرسة”. تابع في الحديث عن إشكالية التعليم، مشيرا إلى أن “التعليم الطائفي في لبنان يكرس الانقسام ويعزز الهويات الطائفية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. المدارس الطائفية في لبنان تدرس تواريخ متناقضة، وكل طائفة تروي التاريخ من وجهة نظرها الخاصة، مما يعمق الانقسام ويكرس الصراع”.

ومن جانبه، أبدى الأسد تفهما لهذه الإشكالية، مشيرا إلى أهمية توحيد المناهج التعليمية وبناء رواية تاريخية وطنية جامعة كمدخل أساسي لبناء هوية وطنية لبنانية.

إاستفسر الأسد عن القتال الدائر في بيروت، وخصوصا معارك منطقة الفنادق، فشرح جنبلاط الواقع الميداني بالقول: “الحركة الوطنية حققت تقدما ملموساً في معارك بيروت، و(الكتائب) تكبدت خسائر فادحة”. وفي محاولة لفهم أهداف الحركة الوطنية، طرح الأسد سؤالا مباشرا: “إلى أين تريد الحركة الوطنية الوصول؟ هل تهدف إلى إقامة نظام اشتراكي كامل في لبنان؟”.

أعجب جنبلاط بالسؤال ورد قائلا: “فعلا… هي ثورة شعبية ولها دور اجتماعي وسياسي، لذلك من الصعب أن تتوقف إلا في حال إقناع الناس بحد معين من المكاسب”. وشبّه ما يجري بـحرب الاستقلال في الولايات المتحدة الأميركية، مؤكدا أنه “من غير الممكن أن تسير الأمور على ما يرام في حل (نص على نص)”.

ثم حدّد الحد الأدنى من طموحات الحركة الوطنية بقوله: “على الأقل يجب أن نصل إلى مستوى نستطيع فيه فرض نظام سياسي جديد، يمكن من خلاله تطوير البلد بشكل ديمقراطي”. وأضاف أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى “نوع من الحسم العسكري حتى لو لم يكن شاملا”.

أجابه الأسد: “لم تكن المصلحة هي التي دفعتنا لنتدخّل (في نهاية عام 1975). طبعا بلا شك هناك مصلحة بين الثورة في سوريا والمقاومة والحركة الوطنية في لبنان، لكن في حينها لم نفكّر كثيرا بعقولنا.  عندما أدخلنا القوات السوريّة إلى لبنان، لم يكن هناك علم لدى الحركة الوطنية بذلك، ولا الثورة الفلسطينية لم يكن لديها خبر”.

اعترف الأسد بأن سوريا كانت الخاسر الأكبر من تدخلها وقال: “في حساب المصلحة والربح والخسارة، سوريا خاسرة بالتأكيد، لكن في الحقيقة نحن بشر… شعب واحد نعرفكم وتعرفوننا. الثورة بهذا الشكل بالفعل هي ثورة شعبية، وفي هذا العصر يجب أن تصل ثورة من هذا النوع إلى بناء اشتراكية كاملة لا حلول وسطا فيها. ولكن، من المستحيل تحقيق النصر العسكري الشامل دون تحقيق تغيير جذري في كل مناحي الحياة. هذا الأمر يتحقق بنضال ديمقراطي لا بحسم عسكري”.

عاد جنبلاط ليؤكد في مداخلة طويلة أن ما يحدث في لبنان هو “حرب تحرير شعبية تهدف لفرض نظام سياسي جديد”، وكشف عن هدفه الاستراتيجي المتمثل في “السيطرة على كامل الجبل وصولاً إلى بكفيّا معقل آل الجميّل”.

وأضاف: “في الجبل اليوم سقطت خمس قرى، وإذا بقيت هذه التطورات يمكن أن نصل إلى بكفيّا بعد يوم أو يومين، ومن هناك ننزل إلى بيت مري، ونستطيع أن نسيطر على النفط الذي هو عصب الحركة”.

سأله الأسد عن الهدف النهائي، فأجاب جنبلاط: “فرض نظام سياسي جديد بالقوة”. تطرق إلى الطائفية، معتبراً أن لبنان يمر بمرحلة “انتصار العلمنة على الطائفية السياسية”. وتحدث عن ضرورة إجراء إصلاحات سياسية وتعديلات تطال مجلس النواب، طارحا فكرة التمثيل النسبي، وقيام مجلس شيوخ إلى جانب البرلمان، يتم تسمية أعضائه من النخب والشرائح اللبنانية المختلفة.

قاطعه الأسد ليسأل عن الوضع الدولي بالنسبة للبنان، فأجابه جنبلاط: “أعتقد أننا تعدينا مرحلة التدخل الإسرائيلي، إلا بحجة الوجود السوري في لبنان. وهنا من الجيّد أن يتم تخفيف وجود الجيش السوري قليلا لكيلا نعطي حجة لإسرائيل”. حذر الأسد من أن تخفيف وجود الجيش السوري “قد يقلب الميزان العسكري على الحركة الوطنية”، لكن جنبلاط أصر على موقفه قائلا: “الميزان العسكري اليوم مع الحركة الوطنية، وأنه من غير الوارد أن تتدخل إسرائيل”. فاتح الأسد جنبلاط بأن قضية لبنان قد تعرض على مجلس الأمن من قبل الأميركيين والأوربيين، وتحدث عن الحراك البريطاني – الأميركي القائم في لبنان. أسهب بشرح موقفه من تدخلات الولايات المتحدة: “الأميركيون يعرفون، ونحن قلنا لهم، إننا إذا أردنا أن نتدخّل سنتدخّل، ولن نأخذ أو نعطي لا معهم ولا مع غيرهم. وعندما تدخلنا لم نأخذ رأيهم”. ثم تطرق إلى موقف الولايات المتحدة من علاقة الموارنة بسوريا: “الأميركيون لا يريدون أن يسمع الموارنة كلام سوريا… يريدونهم كما كانوا سابقا. لا شك أن في لبنان هناك لعبة دولية كبرى”. وفي ما يتعلق بموقف إسرائيل، أوضح الأسد: “الإسرائيليون أيضا هددوا عندما تدخل جيش التحرير الفلسطيني، والخطر من الفلسطينيين أكبر من الخطر من السوريين”.

وفي شرحه لسبب التدخل السوري، قال الأسد: “عندما دخلنا في البداية، دخلنا لأسباب قومية، ونحن كل شيء نريده من لبنان هو العروبة. يمين أم يسار، كل ذلك له تقييم عندنا، لكن عروبة لبنان هي رقم واحد بالنسبة لنا. نحن في أي وقت مهما تكن الأخطار التي تترتب علينا سنتخذ هذا الموقف سواء صارت حرب محليّة أو حرب عالمية. في أي وقت نرى فيه مبررا أخلاقيا ووطنيا وقوميا لاتخاذ أي موقف سنتخذه بمعزل عن نصائح الأميركيين والإنكليز والروس سواء كانوا أصدقاء أم خصوما”.

ثم وصف الأسد دور سوريا في الأزمة بأنه “وساطة حياد إيجابي” قائلا: “نريد أن نتكلم مع كل الأطراف، فلا يمكن أن تكون وسيطا دون أن تتكلم مع كل الناس. الوساطة شيء، وأن نقول إن هناك ثورة ندعمها شيء آخر”.

انتقد الأسد فكرة الانتخابات النسبية التي طرحتها الحركة الوطنية، محذرا من أنها قد تعمق الانقسامات الطائفية في لبنان: “ستطرح في لبنان قائمة شيعية، وقائمة سنية، وقائمة درزية، وقائمة مارونية، وقائمة كاثوليكية… وهذا الأمر يزيد الطين بلة. شخصيا، لا أذكر أنكم طرحتم قضية طائفية الرئاسات الثلاث، لا في تصريحاتكم ولا في أحاديثكم. نحن في سوريا والله، حريصون على نسف هذه الأسس، لكن عندما قام لبنان، هكذا قام”.

وذكّر الأسد بأن أغلب المطالب التي حملتها الوثيقة الدستورية ليست غريبة عن البرنامج السياسي للحركة الوطنية، واستعاد لقاءه السابق مع الرئيس سليمان فرنجية، قائلا: “قلت له عندما ذهبت إلى لبنان (في 7 يناير/كانون الثاني 1975)، إن المرء عندما يصبح رئيسا للجمهورية يصبح رئيسا وأبا للجميع”.

عبّر الأسد عن اعتقاده بأن مطالب جنبلاط– وإن كانت تحمل بعدا إصلاحيا مشروعا– بدت أحيانا وكأنها تميل إلى فرض الشروط، أو طرح “طلبات تعجيزية في لحظة توازنات دقيقة”. قال الأسد: “أنا أعتقد أن النقاط التي كانت مطروحة قد تحقق منها 90 في المئة، وأعني التي كانت مطروحة بشكل جدي، والوساطة لا تسمح بأكثر من ذلك”. كما لفت الرئيس السوري إلى أن الحركة الوطنية اللبنانية نفسها غير متجانسة في فهم آليات العمل وأساليبه: “أعتقد أنكم لو تركتم بعضكم فترة بعد هذه المناقشات والاجتماعات، وعدتم وجلستم مع بعضكم ستجدون أنه ليس لديكم فهم موحد حول كثير من هذه الأمور المطروحة”.

وتابع الأسد حديثه باستعراض المنعطفات التي مرت بها الأزمة اللبنانية بعد الوثيقة الدستورية، وأشار إلى ما طرحته لاحقا “حركة عزيز الأحدب” الانقلابية الفاشلة التي وصفها بغير المريحة: “إن ما تحقق في الوثيقة كان جيدا في ضوء المعطيات القائمة في لبنان، ثم جاءت (حركة عزيز الأحدب) فيما بعد وطرحت إقالة رئيس الجمهورية، ولكن حسب معلوماتي فإن هذا مطروح من قبل الحركة الوطنية قبل أن تطرحها حركة الأحدب”.

وانتقل الأسد بعد ذلك إلى تقييم قضية رئاسة الجمهورية اللبنانية، مشيرا إلى محادثات سابقة أجراها مع جنبلاط، قال فيها: “كل الناس يعرفون أن علاقتنا بالأستاذ كمال قديمة وليست جديدة، وتتذكر وقتها قلت لك ما معناه أنه لا شيء يستحق هذه المعركة الآن، فأصلا رئيس الجمهورية في نهاية رئاسته. حتى في الولايات المتحدة الأميركية يكون الرئيس مشلولا خلال الأشهر الأخيرة، بل وفي السنة الأخيرة من رئاسته، فبالأحرى رئيس جمهورية في لبنان وهو في الـ3–4 أشهر الأخيرة من رئاسته”.

ومن النقاط التي أراد الأسد توضيحها أن موقف سوريا من المسألة الطائفية لم يكن نابعا من حسابات دينية: “يهمنا أن لا يشعر أحد بأننا منطلقون من منطلقات دينية. هؤلاء الآخرون (المسيحيون) عرب مثلهم مثل المسلمين، ويجب أن تستوعبهم الحركة العربية. لا يجب أن نترك عندهم هذا الشعور”.

تابع الأسد في مداخلته الطويلة، متحدثا عن الاتهامات الموجهة لسوريا في الصحف اللبنانية، لا سيما عبارة “النفوذ السوري” التي اعتبرها مسيئة بحق سوريا. رفض الأسد تصوير سوريا كدولة أجنبية تمارس الهيمنة، معللا: “يقال: النفوذ السوري في لبنان يحجم فلانا ويقوي فلانا آخر… يخلخل نفوذ كمال جنبلاط، ويؤثر على نفوذ ياسر عرفات! نحن نخجل من مثل هذه الأقوال”.

وتابع الأسد متحدثا عن العلاقة المعقّدة مع منظمة التحرير الفلسطينية، مؤكدا أن دعم سوريا لـ”فتح” سابق على تأسيس حركة “الصاعقة”، قائلا: “حتى في وقت من الأوقات عندما كانت (فتح) محاربة، كنا نقدم مساعدات كبيرة لها”. وأشار إلى العلاقة الشخصية التي تربطه بأبو عمار (ياسر عرفات) ورفض الاتهامات التي تروّج لفكرة أن سوريا تسعى لاحتواء القرار الفلسطيني، ساخرا: “إذا كنا نفتش عن احتواء أحد، فماذا يمكن أن يجلب لنا احتواء الثورة الفلسطينية؟ كيف نحتوي قضية نعيش من أجلها ونبذل كل جهودنا ودمائنا واقتصادنا من أجلها؟”.

وعن ياسر عرفات قال: “صحيح أنه يخطئ كثيرا… لكن لا يجوز أن نبرز شخصا ونضربه في اليوم التالي”.

ذكر الأسد أن المقاومة الفلسطينية نفسها طلبت “هليكوبترات للهجوم على تل الزعتر” وأكّد أنه “غامر من أجل لبنان”. نفى أي صراع بين سوريا و”فتح” أو جنبلاط، قائلا: “لا أعرف كيف يمكن لقوة سورية أن تتضارب مع قوة الحركة الوطنية. لو رأينا أن قوتنا تتعارض معهم، لما تعاملنا معهم من الأساس”.

كما روى الأسد أن ياسر عرفات طلب منه دعم إقالة سليمان فرنجية، لكنه رفض قائلا: “إذا استقال، فلن أتمسك به”. وأضاف لجنبلاط: “أفهمت أبو عمار أن لا تلجأوا إلى استخدام القوة لأنها لن تحل المشكلة.

عرض الأسد بتفصيل شديد لقاءه مع “التجمع المسيحي”، وقال: “أفهمتهم أنه إذا كانت مهمتهم أن يجلبوا لي قرارات فقط كناقلي بريد، فهذا غير مجدٍ”، رافضا أن يبدأ الحل من الجيش.

وحذّر الأسد جنبلاط من التورط في مغامرات غير محسوبة، قائلا: “إذا لم يكن الهدف هو بناء نظام اشتراكي حقيقي، فلا مبرر لاستمرار القتال”. ثم حذّر من خطر التدويل: “نحن على أبوابه، وهو بطابع ديني”. وفي الوقت الذي عبّر فيه عن رفضه لأي تفكير بالتقسيم أو تدويل للأزمة، كشف عن اتصالات يومية تجريها الإدارة الأميركية مع سوريا، معتبرا أنها “تعمل على تعميق الطائفية في لبنان. واشنطن لن تُفاجأ إذا دخلت القوات السورية إلى لبنان، بل ربما تراهن على ذلك لإعادة صياغة التوازنات الطائفية”.

بدوره، تحدث جنبلاط مطولا وأكد أن الخلاف بين اللبنانيين هو “أزمة نظام، لا مجرد خلاف سياسي أو أمني. نحن في لبنان تعودنا على حرية الانتقاد، والعلاقة مع سوريا كانت في الماضي أكثر توافقا. لكن مع بداية الوساطة السورية في لبنان، ظهرت بعض الاجتهادات والاختلافات في وجهات النظر”.

وأشار إلى أن الجيش هو “عمود النظام الطائفي وبقاء المارونية السياسية”، واصفا الدولة اللبنانية بأنها “مهترئة على كافة الصعد، سياسيا واقتصاديا وإداريا وقضائيا”.

وأشار إلى أن النظام القائم لا يمكنه الاستمرار، وأن كثيرا من الإصلاحات التي طرحتها الحركة الوطنية باتت تحظى بقبول واسع، حتى من خصومها السياسيين، مضيفا أن “جذور المشكلة تكمن في النظام نفسه، وبمجرد بناء نظام وطني تقدمي ستزول كل الأزمات الأخرى، بما فيها الاحتكاك مع الفلسطينيين”.

غادر الأسد القاعة لإجراء مكالمة هاتفية، فتداول جنبلاط أثناء غيابه مع أعضاء الوفد اللبناني رأيه بما دار بينهما من حديث. رأى أن التدويل غير وارد “حاليا” بسبب الفيتو السوفياتي والصيني، كما أشار إلى حالة الإرباك في صفوف “الكتائب”، مستشهدا بدعوة بيار الجميّل للناس بالعودة للقتال، معتبرا أن هذه المناشدة دلالة على الانهيار المعنوي

استأذن الوفد المرافق لجنبلاط بالخروج، ليبدأ اجتماع مغلق بين الأسد وجنبلاط. شهد هذا اللقاء الفصل الأخير في العلاقة بين الرجلين، حيث احتدم الجدل وبرز التباين بين رؤيتين مختلفتين تماما. وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي اجتمع فيها الأسد وجنبلاط وجها لوجه دون حضور أي طرف آخر، ولا حتى كاتب المحضر. كان اللقاء مسجلا وقد تم تفريغه وحفظه لاحقا.

بدأ جنبلاط بشرح وجهة نظره، ملقيا باللوم على الموارنة الذين، بحسب تعبيره، لا يريدون تغيير النظام حفاظا على مصالحهم. واتهم إسرائيل والمخابرات الأميركية بتحريكهم، ورأى أن التدخل العسكري الحاسم من قبل “الحركة الوطنية” كان سيُنهي الصراع سريعا: “لو تلقّوا ضربة قوية في اليوم الأول أو الثالث، لكُنّا انتهينا منهم خلال شهر، قبل أن يتمكنوا من جلب كل تلك الأسلحة التي جلبوها”. وانتقد الوساطة السورية، وخصوصا دور وزير الخارجية عبد الحليم خدام في نقطة فصل النيابة عن الوزارة، قائلا: “في هذه النقطة أضع اللوم على الأخ عبد الحليم لأنه كان يأتي ويضغط على (الحركة الوطنية) ويترك أولئك (الكتائب). لماذا يكون الإنسان قويا فقط على أخيه؟ هذا غير معقول”. أصرّ جنبلاط على ضرورة “دحر (الكتائب) والتخلص من المؤسسة الصهيونية–الكتائبية”، فحذّر الأسد من أن “استمرار القتال سيخلق عداء وتزداد الأحقاد. الفظائع وقعت من الطرفين، لكن جرائم “الكتائب” كانت غير مقبولة، وهم سبقوا الآخرين في ارتكابها”.

اتهم جنبلاط سوريا بتجاهل “الحركة الوطنية” والعمل على إرضاء اليمين اللبناني، معتبرا أن “الحركة الوطنية” كانت الأقرب للتفاهم مع دمشق لولا “مزاجية عبد الحليم خدام”.

واعترف جنبلاط بخطئه في عدم زيارة سوريا حينها، وشرح كيف تحولت النقاط الخمس إلى سبع عشرة نقطة، مفنّدا اعتراضاته عليها. كما انتقد دور خدام في إيصال رسائل توحي بتدخل سوريا في تشكيل حكومة رشيد كرامي، متسائلا: “لماذا تتدخّل سوريا في قضية تافهة مثل تشكيل الحكومة؟”.

اشتكى جنبلاط من أن الوسطاء السوريين “أقرب للكتائب ولشخصيات مسيحية… أقرب لهؤلاء مما هم قريبون لنا”! وأبدى تذمّره من تعامل بعض أجهزة المخابرات السورية مع (الحركة الوطنية)، مشيرا إلى وجود سوء فهم وتشويه للمواقف: “في الحزب هنا، علاقتنا معهم طيبة، ولكنها ليست هي العلاقة التي تربطنا بشخصك، وهذه أقولها بصراحة”!

بدوره، أكّد الأسد أن الأمر يتعلق بكيفية نقل المعلومات وليس بموقف رسمي. وحاول الأسد تهدئة جنبلاط قائلا: “أنا أعتقد أن الموضوع ليس موضوع حساسية، بل هو موضوع كيف تُنقل المعلومات”. وأوضح أنه لم يوصِ بشيء ضد “الحركة الوطنية” أو ضد جنبلاط شخصيا: “(الحركة الوطنية) أنا لا أخاف منها، ولا توجد أية توصيات ضدها، ومن جانبك أنت تحديدا لم يكن هناك تحفظات ولم أوصهم بأي شيء”.

انتقل النقاش إلى قضية السلاح، حيث اشتكى جنبلاط من أن حركة “فتح” تحد من توريد الأسلحة للحركة الوطنية، معتقدا أن سوريا تقف وراء ذلك.

نفى الأسد أي علاقة له بهذا الأمر، فاستطرد جنبلاط في شرح كيف حجزت منظمة “الصاعقة” شحنات أسلحة وتأخرت في الإفراج عنها رغم دفع ثمنها. “كل هذه الملابسات التي أتحدث عنها كونت لدينا فكرة أن السوريين يريدون فرض رأيهم علينا! والسوريون لم يعودوا ليتعاطوا مع (الحركة الوطنية)! بتنا نشعر أن السوريين يريدون وضعنا خارج المعادلة”.

تطور النقاش إلى جدال حول الطرف المسؤول عن بدء الصراع، وأصرّ جنبلاط على أن الحل يكمن في “كسر شوكة (الكتائب) لكي يرتاح لبنان وترتاح سوريا. لا يوجد شيء أهم من الانتصار الساحق العسكري”. وهنا استشهد بتجربة حزب “البعث” في سوريا، ليرد الأسد بأن انتصار البعثيين كان “على الحكم وليس على فئة”.

ثم تحول النقاش إلى إمكانية بناء دولة اشتراكية كاملة في لبنان، ورأى الأسد “مخاطر كبيرة في ذلك” بينما أصر جنبلاط على إمكانية تحقيقه “على الطريقة اللبنانية”. أكد الأسد أن “تغيير رئيس الجمهورية وإقرار قوانين جديدة أمر يسير، لكن إقامة نظام اشتراكي كامل أمر غير معقول”. طلب منه التفكير في “نظام اشتراكي في لبنان أو الوقوف في منتصف الطريق”. وعندما سأله الأسد عن معنى عبارة “منتصف الطريق” أجابه جنبلاط: “يعني انتخاب رئيس جمهورية نتفق عليه بشرط أن يقبل العلمنة وإلغاء الطائفية السياسية، وأنا أقنع المسلمين بذلك”. فأجاب الأسد بأنه مع نظام اشتراكي كامل، “لكن هذا الأمر مرهون برغبة (الحركة الوطنية)”.

ناقش الطرفان استراتيجية التعامل مع الكتائب، فأصر جنبلاط على أن “الرحمة لا تنفع معهم”. أجابه الأسد: “هؤلاء مسيحيون قبل أن يكونوا جيشا، وإذا قهرت (الكتائب) يعني أنك قهرت المسيحيين في لبنان”. حاول جنبلاط المراوغة للحصول على موافقة على ما أسماه “سحق محدود”. لكن الأسد ظل رافضا. عاد جنبلاط لوصف فظائع “الكتائب”، لكن الأسد رفض منطق الانتقام بقوله”: “وهل تريد تقليد هذا النهج؟”. دافع جنبلاط عن موقفه قائلا: “لا بد لكل فريق متعصب وفاشيستي من هذا النوع أن يتلقى الضربة القاضية، وإلا لن يتعلم. كيف تريد أن نعيش نحن وإيّاهم إذا لم نؤدبهم؟”. رد الأسد: “لقد مشينا معكم كما تريدون لمدة 11 شهرا، لستم أنتم من مشى معنا. حسب معلوماتي، لا أحد متحمس للقتال غير الأستاذ كمال جنبلاط”. تجاهل جنبلاط كلام الأسد وطلب سلاحا محجوزا لدى سوريا، ليرد الأسد متهكما: “كي تذبحوا أكثر؟ استمرار القتال يعني التقسيم بالتأكيد، لأنه لا حل آخر”.

تساءل الأسد عن موقف جنبلاط إذا تدخّلت إسرائيل، مطالبا: “لا تدعوا مصالحنا تتعارض مع مصالحكم”. رد جنبلاط بأنه لا يرى مبررا لتدخل إسرائيل، ولو كانت ستتدخّل لكانت فعلت عند دخول الجيش السوري في ديسمبر/كانون الأول 1975. اعتبر أن الأوروبيين يحاولون منع سيطرة سوريا على لبنان، ليرد الأسد: “على العكس، هم يطلبون منا ذلك. نحن ندخل لتثبيت الأمن ونخرج”.

توقّع الأسد إرسال قوات دولية، فيما رأى جنبلاط إمكان استخدام الفيتو السوفياتي والصيني. سأله الأسد: “هل ستحاربون كل دول العالم؟”. فرد جنبلاط: “نعم، سنحارب”. عاد جنبلاط للجدل: “ألا تريدوننا أن نأخذ حقوقنا؟ منذ 140 عاما ونحن نتحمّل ضغطهم وظلمهم (المسيحيين)، ألا نستطيع أخذ حقوقنا من خلال معركتين أو ثلاث؟”. ردّ الأسد: “أخذ الحقوق لا يتم بالقتل، وطرح هذا الكلام يعني أنك ستخسر العالم كله. مشكلة لبنان الآن قوانين تحتاج إلى تطوير ورئيس جامد، لكن عندما تطرح أنك مظلوم من 140 عاما وستردّ الظلم بهذا الشكل، فهذا منطق لا يقبله عقل ولن يكون العالم معه”.

الهواجس الطائفية

عاد جنبلاط للحديث عن القيود الطائفية في النظام السياسي اللبناني، واصفا الواقع بأنه “تمييز عنصري، حيث إن قائد الجيش يجب أن يكون مارونيا. ردّ الأسد موضحا: “ألغينا هذا الشيء في الوثيقة الدستورية وبقي موضوع رئيس الجمهورية. من غير المعقول أن تنتظروا منا أن نكون معكم دون نقاش، هذا غير معقول. نحن لم نفرض عليكم رأيا ولم تفرضوا علينا أنتم أيضا، لكننا ناضلنا معكم من أجل مطالبكم لمدة 11 شهرا، ونعتقد أن الأمور وصلت إلى ذروتها. الحل مطلوب ونعتقد أنكم لستم على صواب بالاستمرار في القتال”. عاد جنبلاط إلى تكرار موقفه قائلا: “لقد مشينا معكم وعلى رأيكم ولم نكن مقتنعين بالحوار، ولا بحكومة توازن وطني، ولا بألف شيء آخر. وحتى الآن نحن غير مقتنعين”. وهنا سأله الأسد: “إذن أنتم لستم مع وقف إطلاق النار؟”. رد جنبلاط:

“لا، ليس الآن، نحن مع وقف إطلاق النار بعد أن نسيطر على الكحّالة. إذا قبلنا بوقف إطلاق النار قبل أن نصل إلى هناك، لن تبقى حركة وطنية في لبنان. ضع المسألة على ظهري أنا، فأنا لن أظهر كعنصري. أنا ذاهب لأنهي الثلاث أو أربع قرى مسيحيّة وننتهي من هذا الأمر”.

أجابه الأسد: “من غير المعقول أن ألتقي أنا وإيّاك ويستمر القتال”. رد جنبلاط: “أنا لم آتِ هنا لأجل هذا الشيء. سوف يقول الناس: تدخّل الأسد ليمنع انكسار (الكتائب). سيروا برغبتنا هذه المرة”. رد الأسد: “لكن الوضع الآن مأزوم كثيرا”. فأجابه جنبلاط: “إذن، من الأفضل أن أذهب إلى البيت، وأعلن للناس أنني ذهبت إلى الرئيس الأسد ووجدته مصرا على وقف إطلاق النار”.. ليقاطعه الأسد منفعلا: “هل تظن أن الموضوع عشق بيني وبين (الكتائب)؟ لو أنّ هناك فقط ألفي كتائبي يجب أن نكسبهم. لا أحد قادر على أن يفرز (الكتائب) عن قسم واسع من جمهور المسيحيين”. أكد جنبلاط قدرة “الحركة الوطنية” على التمييز بين المسيحيين و”الكتائب”: “نحن قادرون أن نفرزهم”.

اعتبر الأسد أن سكوت سوريا عن عدم إيقاف القتال يعني أنها ستؤلب الرأي العام العالمي ضدها، ونتيجة ذلك دخول القوات الدولية إلى لبنان. فاجأه جواب جنبلاط: “أنا أفضّل أن تدخل القوات الدولية إلى لبنان على أن لا نتمكن من أن نفتح طريقنا إلى الكحالة”. انتفض الأسد قائلا: “لن نلتقي معكم إلى الأبد إذا سرتم في هذا الطريق. لن نلتقي معكم لأن هذا الخطأ لا يمكن أن نقع فيه. صدقا وشرفا، أنا سأفعل كل ما أستطيع أن أفعله ضدكم لأنني أعتبر هذا الأمر مؤامرة على سوريا أولا، على سوريا! العالم كله يعرف أننا موجودون في لبنان وأننا قمنا بمبادرة، وتأتون أنتم وتقفون ضد هذه المبادرة بهذا الشكل؟ أنا أريدك لأجل أن نتفق على وقف إطلاق النار. انتصرتم في عشرة معارك، ونحن لو أردنا منع تطوير هذه المعارك، لفعلنا”.

انفجار اللحظة الأخيرة

بذل جنبلاط كل ما في وسعه لإقناع الأسد باستمرار العمل العسكري وكسر “الكتائب”، بينما ظلّ الأسد يحاول إقناعه بضرورة وقف القتال. راح جنبلاط يشير إلى تحوّل المشاعر لدى المسلمين في لبنان في حال تدخّل سوريا لوقف القتال، فأكد الأسد استعداده لتحمّل المسؤولية قائلا: “حتى لو صارت مشاعرهم ضدنا لا مشكلة”. طالب جنبلاط: “دعونا نستعِدْ كرامتنا حتى لا يبقى “الكتائب” يقتلون سوريين وعربا وغيرهم”. وعرّج إلى سوريين قتلوا على الهويّة من قبل “الكتائب”… “منذ قيامته، قام لبنان على نظرية لا غالب ولا مغلوب، ولهذا لم يصبح وطنا واحدا”. فعارضه الأسد: “على العكس، لبنان كان قائما على أساس غالب ومغلوب، أما نحن الآن فنقول لا غالب ولا مغلوب”.

نوّه الأسد إلى ما قاله بابا الفاتيكان عبر الإعلام عندما نادى بحماية المسيحيين في لبنان، محذرا من تسويق القضية كصراع بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما تريده إسرائيل. رد جنبلاط بأنه لم يألُ جهدا في توضيح قضيته، حيث قال إنها قضية اجتماعية ومطالبة بالعلمانية ورفع ظلم سياسي، فردّ الأسد: “إذا كان بيار الجميل قد قال إنه مع العلمانية، واتفقنا مع فرنجيّة على الاستقالة، ماذا سنقول للعالم؟”. ليجيب جنبلاط: “تتوسطون وتدعونهم يوقعون على إلغاء الطائفية، وعلى العلمانية”. انتفض الأسد مجددا قائلا إن الوثيقة الدستورية لم يجفّ حبرها بعد، وتم التوصل إليها نتيجة القتال، فماذا بعد؟

وصل الحوار إلى حائط مسدود، فقال جنبلاط إنه لا يستطيع فعل شيء يعاكس ضميره. وقال للأسد: “نحن نعتز بصداقتك”. فردّ الأسد: “هذا الأمر يتعلّق بكرامتنا، فافعلوا ما ترونه مناسبا، لكن يبدو أن مصالحنا متعارضة”. رد جنبلاط: “وما لي ومصالحكم؟”. أجابه الأسد: “أعتقد أنك تسير ضد مصالحك، أو يبدو أن فهمنا للمصالح مختلف ومتعارض. في الحقيقة عندنا حاليا حوالي 70-80 ضابطا في لبنان، هل أرسلناهم ليكونوا متفرجين؟”. وتابع الأسد: “الآن بعد لقائي وإياك، كما أعتقد، إما أن تكملوا حتى النهاية أو المفترض، وهكذا أتصور، أن تتوقفوا”. ردد جنبلاط للمرة الثالثة: “أنا لم آتِ لنبحث هذه الأشياء”. ردّ الأسد: “وماذا تتوقع أن نبحث إذن؟”. قال جنبلاط إنه جاء ليرى كيفية تطوير النظام السياسي في لبنان ليصبح تقدميا، وإن كان بالإمكان الاستمرار بنفس النهج، واستطرد قائلا: “أنا لا أريد أن أصل إلى قريتي فقط، أريد أن أكمل كل الطريق”. عبّر الأسد عن تعجّبه من عدم قدرته على إقناع جنبلاط و”الحركة الوطنية” بالعدول عن خطتهم، وبعد تذكيره بالدعم السياسي الذي قدمته سوريا تساءل الأسد: “ماذا تريدون أكثر؟ أخ كمال، نحن لم نفعل شيئا إلا بالاتفاق مع (الحركة الوطنية)، ولو استلمت (الحركة الوطنية) الحكم في لبنان، نستطيع أن نرمي الحمل على لبنان أكثر، لأنه سيصبح دولة مواجهة حقيقية”.

الفشل في الإقناع والانفصال الهادئ

سأل جنبلاط سؤالا مباشرا: “هل تريدون أن تنكسر (الكتائب) أم لا؟ كمبدأ، كفكرة؟”. أجابه الأسد: “رأينا أنها كُسرت كحزب”. عاد جنبلاط لاشتراط إكمال بعض المعارك الصغيرة في منطقة الكحّالة بهدف فكّ الحصار عن بعض الموالين للحركة الوطنية وتحقيق هدف سياسي، فقال له الأسد إن الحصار يمكن أن يُفكّ من خلال اتصال هاتفي ووساطة، وأنه مضطر لإبلاغ جهات عديدة بنتائج مبادرته لوقف إطلاق النار. لكن جنبلاط عاد ليشكّك في قدرة سوريا على ذلك، قائلا: “لن يردّوا على طلبكم”. أكمل في طرح الأمثلة عن ذبح المسلمين وجرائم “الكتائب”، ليقول في النهاية: “المسلمون في لبنان تهمهم كرامتهم”. فرد عليه الأسد متهكّما: “هكذا يبدو وكأنك أنت مسلم وأنا لا أعرف من أين! لا أعتقد أنك مسلم أكثر مني”.

أُدخلت في نهاية الاجتماع ورقة إلى الأسد، فقرأها: “اتصل البطرك خريش بوزير الخارجية، وقال إنهم اجتمعوا وأكدوا على وجوب استمرار الوساطة السورية. وفي حال فشل الوساطة فإنهم يخافون من حرب أهلية، وسيقومون بالحفاظ على سلامة لبنان بكافّة الوسائل”. استنتج الأسد من كلمة “الحفاظ على سلامة لبنان” بأن المسيحيين سيقاتلون، لا سيما أن الاجتماع، بحسب برقيّة البطرك، تم بحضور الرئيس فرنجيّة. التفت إلى جنبلاط وسأله: “أخ كمال، ما الذي يستحق استمرار القتال؟ لا أجد أن هناك شيئا يستحق. في أي مرتبة من الصداقة تضعوننا؟ وأي صداقة هذه إذا كانت نظرتكم لسوريا هكذا؟”.

قاطع جنبلاط الأسد بشكل يوحي برغبته في إنهاء اللقاء، فسأله الأسد: “أفهم أنكم تصرون على مواصلة القتال؟”. أجاب جنبلاط بأنه سيمضي لتحرير القرى المحاصرة، فعاد الأسد لإقناعه للمرة الأخيرة بإمكانية الحل عبر السياسة والوساطة، فأجاب جنبلاط أنه لو اضطر لوقف القتال “سوف أُفهم الناس أنني لن أعمل بالسياسة في لبنان بعد الآن”. ليردّ عليه الأسد: “لا تستطيع إلا أن تعمل بالسياسة”. طلب جنبلاط في محاولة أخيرة: “دعونا نقصف قصفا بسيطا حتى لا يرفع رأسه (بيار جميّل)”. لكن الأسد أجابه بشكل حاسم: “أستاذ كمال، الآن بعد أن اجتمعت أنا وإياك، صار للأمر معنى آخر”. فرد جنبلاط للمرة الرابعة: “أنا لم آتِ لأنكم طرحتم قضية وقف إطلاق النار، بل لأضعكم في صورة الوضع في لبنان لا أكثر. وسنرى كيف يمكن أن تستمر الوساطة السورية”. ختم الأسد قائلا لجنبلاط: “سيأتي إليك زهير محسن، التقِ به وتناقشا. أهلا وسهلا بك، أرجو أن تريح أعصابك قليلا”.


لم يمرّ اللقاء الأخير بين الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد وزعيم “الحركة الوطنية اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” كمال جنبلاط في مارس/آذار من عام 1976 في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، بسلاسة. إذ اصطدم الطرفان برؤيتين متناقضتين لمسار الأحداث في لبنان. وأبدى الأسد امتعاضه الشديد من إصرار جنبلاط على مواصلة الحرب ضد حزب “الكتائب” بهدف “تطهير لبنان من اليمين المسيحي”، فيما عبّر الأسد عن رفضه لهذا المسار، مؤكدا أن إلحاق الهزيمة الكاملة بالمسيحيين أمر “ممنوع” ولا بدّ من التراجع عنه فورا.

بعد عودته إلى بيروت، عقد جنبلاط اجتماعا مع حليفيه في “الحركة الوطنية”، جورج حاوي عن “الحزب الشيوعي” ومحسن إبراهيم من “منظمة العمل الشيوعي”. وروى لهما تفاصيل ما جرى معه في دمشق. بحسب رواية حاوي في مقابلة ضمن برنامج وثائقي عن الحرب اللبنانية: “حاول جنبلاط أن يبرهن أنه لم يسعَ إلى الصدام مع الأسد، بل بذل جهدا لتفادي الخلاف. وقد بذل حافظ الأسد على ما أعتقد كل ما أوتي من حكمة وحنكة وشجاعة لإقناع كمال جنبلاط بالعكس، وبذل كمال جنبلاط كل ما أوتي من حكمة وحنكة وكفاءة لإقناعه بالحسم”.

قيل إن جنبلاط وافق على الاجتماع مع الأسد بعد أن أبلغه ياسر عرفات بأن الرئيس السوري موافق على الحسم العسكري، وبأن عليه (جنبلاط) الذهاب إلى دمشق لتحديد نوع المساعدة. وفي الوقت نفسه كان عرفات قد أبلغ وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام بأن جنبلاط موافق على وقف القتال، ويريد أن يعلنه من دمشق. بعد لقاء الأسد-جنبلاط بيوم واحد، في 28 مارس التقى عرفات بالأسد وكان يرافقه صلاح خلف (أبو إياد) ومحمود عباس (أبو مازن)، الرئيس الحالي للسلطة الوطنية الفلسطينية.

استمر الاجتماع بضعة ساعات، كان الأسد خلالها حاسما حول مسألة وقف إطلاق النار في لبنان، محذرا من أن “سوريا لا تستطيع البقاء متفرجة، ولا يجوز أن يسيل الدم الفلسطيني أو اللبناني من أجل طموحات سياسية أو توريطات خارجية”. وقال الأسد لعرفات: “على المقاومة أن تختار بين وقف القتال واستمرار تحالفها مع سوريا، وبين استمرار القتال واستمرار تحالفها مع كمال جنبلاط. بدوره، تعهّد عرفات بطلب وقف إطلاق النار من جنبلاط قائلا: “سنقول له: لقد قاتلت من أجل حماية الثورة، وهي الآن بألف خير، لذلك نطلب منك قبول وقف إطلاق النار. وإذا رفض سنسحب قواتنا وستصدر قيادة المقاومة بيانا حول ذلك”.

كيسنجر ينفي علاقة الولايات المتحدة بمناورات جنبلاط 

وفي التاسع والعشرين من شهر مارس اشتد القتال على جميع الأراضي اللبنانية وبدأت أفواج من المسيحيين بالمغادرة عبر مرفأ جونيه إلى قبرص، أو برا إلى سوريا. في صبيحة الأول من أبريل/نيسان 1976، أبرق وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر إلى لأسد نافيا “الكذبة الفاضحة والخبيثة” التي تقول إن الموفد الأميركي دين براون حثّ جنبلاط على مواصلة القتال. وقد جاء في برقية كيسنجر:

“لقد أعلمنا جلالة الملك حسين صباح اليوم أنه قيل للرئيس الأسد إننا نشجّع جنبلاط على مواصلة القتال في لبنان. نودّ أن نعلم الرئيس الأسد أن هذه كذبة خبيثة وقحة، هدفها في كل الاحتمالات بذر بذور الشقاق بين الولايات المتحدة وسوريا. وكما ذكر كل من الرئيس (جيرالد) فورد وبشكل قاطع لجلالة الملك حسين صباح اليوم، إننا نعمل بوضوح لتحقيق وقف إطلاق نار وحل وفق ما عبّر عنه الاقتراح السوري بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني.

علاوة على ذلك، ينبغي أن يعلم الرئيس الأسد أن السفير براون لديه تعليمات دقيقة وحازمة بأن يكون قاطعا بصورة مطلقة مع جنبلاط وغيره فيما يتعلّق بنيّة الولايات المتحدة الثابتة، بأن تتخذ كل خطوة عمليّة لتحقيق وقف إطلاق النار، وأن جنبلاط ومؤيديه هم الذين سيُعانون من العواقب إذا استمروا في مقاومة ذلك. ولا يمكن أيضا أن يكون هناك أيّ شك في جهودنا المستمرة للمساعدة على تحقيق حلّ سياسي سريع متلائم مع المقترحات السورية في يناير وفق ما ذكرنا للرئيس الأسد. لدينا الثقة بأن الرئيس الأسد لن يُضلّل بمثل هذه المناورات الجنبلاطية.

أراد كسينجر أن يقول للأسد إن لدى براون تعليمات واضحة بالقول لجنبلاط ومؤيديه إنهم سيتحملون عواقب مقاومة صيغة الوثيقة الدستورية. إلا أن باتريك سيل في كتابه “الأسد والصراع على الشرق الأوسط” يدّعي أن براون عبّر لجنبلاط عن تشاؤمه إزاء إمكانية التعايش بين المسلمين والمسيحيين في لبنان مستقبلا، مما فسره جنبلاط على أنه دعوة أميركية الى التقسيم وبالتالي استمرار الحرب.

إعلان القطيعة والغضب 

في اليوم ذاته أصدرت القيادة السورية بيانا مطوّلا تشرح فيه ملابسات الوساطة السورية في لبنان. وهاجمت المنحى الذي سار به جنبلاط، الذي كان قد بدأ بدوره في مهاجمة سوريا من خلال لقاءاته وعبر وسائل الإعلام. ومضى في طريقه باستكمال الخيار العسكري، وخلَفَ ياسر عرفات بتعهده عدم الوقوف مع جنبلاط، وتابع بالمناورة رغم تحذيرات الأسد.

بدأ الأسد بتكثيف اتصالاته مع شخصيات سياسية ذات خلفيات قومية وإسلامية ويسارية، وأراد تشكيل جبهة جديدة مضادة لجنبلاط، لضرب الحاضنة الشعبية التي استند إليها الزعيم الدرزي داخل الطيف الوطني اللبناني. ولم يتوقف الأمر عند التنسيق السياسي، بل أفاد كثيرون ممن التقوا الأسد بعد اللقاء الأخير مع جنبلاط، بأنه أبدى غضبا علنيا من مواقف الأخير، وراح يصفه بأوصاف تعكس حجم التوتر الذي خلّفه ذلك اللقاء.

صدمة اللقاء الأخير… احترام تبدّد 

بتاريخ 4 أبريل 1976 التقى الأسد بالسياسي الناصري كمال شاتيلا والنائب نجاح واكيم، وهما من السياسيين اللبنانيين الصاعدين آنذاك، وكان هذا اللقاء من جملة اللقاءات التي حاول الأسد من خلالها دراسة موقف جديد من القوى غير المحسوبة على اليمين أو اليسار، لا سيما القوى الصغيرة. إذ كان الأسد يحاول دعم هذه القوى وتقويتها بهدف تعويمها بعد خلافه مع جنبلاط، وقد طغى على اللقاء جو انتقادي هجومي حاد ضد جنبلاط. رأى الأسد في حديثه مع شاتيلا وواكيم أن كمال جنبلاط “شخصية سياسية متقلّبة بشكل يتجاوز المألوف حتى في الساحة اللبنانية”.

ارتبطت هذه النظرة عنده ليس فقط بتغير مواقف جنبلاط وتحالفاته بين القوى اللبنانية المتصارعة، بل أيضا بتبدّل خطابه حول قضايا أساسية كالقومية والهوية، وبحسب الأسد: “لم يتردد جنبلاط في التذكير بأصوله الكردية ومحاولة توظيف مسألة الأقليات لإبراز تمايزه السياسي”. بينما ظلّت نظرة سوريا، بحسب الأسد، قائمة على أن القومية العربية “تصهر فيها كل المكونات، وترفض أي نزعة انعزالية أو مطالبة كل أقلية بكيان مستقل”.

بدا من رواية الأسد أن اللقاء الأخير بينه وبين جنبلاط كان محطة فارقة، إذ قال: “لم يحصل بعمري كله أن صَغُرَ احترامي له كما حصل باللقاء الأخير”. كان هذا التعبير حادا للغاية، يعكس خيبة أمل الأسد من جنبلاط، رغم تاريخه التقدمي. أشار الأسد إلى أن جنبلاط “تحدث عن القوات السورية أكثر مما تحدث الآخرون”، رغم أن دخول هذه القوات في ديسمبر/كانون الأول 1975 كان دعما لموقع جنبلاط ضمن الحركة الوطنية.

دافع الأسد عن قرار التدخل العسكري السوري في لبنان، موضحا أنه قال لجنبلاط إن هدف دمشق كان إيقاف سفك الدماء، لا الانتقام. وقال بوضوح: “سوريا عندما دخلت إلى لبنان لم تذهب للانتقام، إنما لإيقاف القتل وإجبار الآخرين على عدم الاستمرار بالذبح والقتل”. وحمّل جنبلاط مسؤولية اختلال ميزان القوى بعد التدخل السوري، قائلا إن سوريا توقعت أن تستفيد الحركة الوطنية من التغيير بالاتجاه الصحيح، غير أنها “ذهبت باتجاه آخر”.

وأخذ الأسد على جنبلاط لجوءه للتحالف مع قوى وشخصيات مثل إبراهيم قليلات، زعيم ميليشيا “المرابطون” الناصرية (السنية)، واستخدامه للشارع الإسلامي كورقة ضغط في صراعه السياسي. يصف الأسد هذه التحركات بأنها “متاجرات” لا تليق بقيادي يفترض به تجاوز الحسابات الضيقة، وشدّد على أن “المسلمين في لبنان لا يمكن إلا أن يكونوا مع سوريا”. كما شدّد الأسد على أن التقدمية التي تبناها جنبلاط لم تُترجم عمليا إلى تجاوز للانقسامات أو ارتقاء فوق “العقد الطائفية والشخصية”، واعتبر أن الحركات السياسية، مهما اختلفت، ليست كيانات من “الخونة”، رافضا توصيف خصوم جنبلاط أو حتى الكتائب بهذا المنطق.

شهادة الأسد 

في 15 مايو/أيار 1976، وقبل أسبوعين من الإعلان الرسمي عن دخول القوات السورية إلى لبنان، التقى الأسد بوفد من حزب “الكتائب” ضمّ كريم بقرادوني وجورج سعادة، بحضور وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام. قدّم الأسد رؤية مركبة لطبيعة علاقته وتقييمه لكمال جنبلاط، مستعيدا تفاصيل لقائه الأخير به. وقال الأسد:

“حين جاء جنبلاط إلى هنا… في الحقيقة، لم نكن نرغب بمجيئه. نريده نعم، لكن نريده أن يأتي وقد انساق في الاتجاه الذي نسير فيه، نريد إيقاف القتال. تابعنا تصريحاته، وهناك تصريحات سيئة بالنسبة للقتال. أنا أعرف جنبلاط منذ زمن، ولكن كل لقاءاتي معه كانت بروتوكولية غالبا، حتى في السابق عندما كان يأتي بعد بدء القتال، كان يبدو في معظم الأحيان مستمعا، ثم يستشير ويظهر أنه مع الرأي الذي يُقال. هكذا كان دائما، ولهذا كوّنت عنه فكرة ربما لم تكن دقيقة. فيما مضى، كان يملك حرية أكثر من آخر مرة رأيته فيها، لأنه في الواقع كان يفتقر إلى أي منطق، إلى أبسط الحجج… ونحن لا نسير في شيء لا نقتنع به.

ويبدو أن جنبلاط كان متعبا، مضطربا، غير طبيعي بالفعل. قلت له أكثر من مرة: وضعك ليس طبيعيا، عليك أن ترتاح. قال لي كلاما لا يُقال في الحقيقة، إما أنها مجموعة عُقد، أو أبعد من ذلك. وأصرّ على تلخيص الأمر بقوله: منذ أحد عشر شهرا ونحن نسمع منكم: أعطونا أسبوعين، بمعنى أن اللقمة وصلت إلى الفم، دعونا والأمر سينتهي… قال نحن الآن في عينطورة ثم نصعد إلى ضهور الشوير ومن الشوير ننزل إلى بكفيا ثم إلى الكحالة. قال لي إنه سيضع مدفع 130 ملم ويقصف جونية. تحدّث باستراتيجية: فقط دعونا ثم بعد ذلك نفعل ما تريدون. قلت له: بعد هذا لا نريد شيئا، وماذا سنفعل بعد ذلك ولماذا؟

قال: بعد ذلك تعالوا وافعلوا ما تريدون. فقلت له: نحن نريد هدفا للعملية، ما تحدثت معي به حول السير من قرية إلى قرية وتذبح هؤلاء الناس… من هؤلاء الذين تذبحهم؟ لماذا نذبح على أساس طائفي؟ واضح لأنهم مسيحيون، هل هناك غير ذلك؟ أنت تعلم أننا في سوريا لا يمكن أن ننطلق من هذا المنطلق… أفهم أن ثورة تقوم ضد حكم، تقتل الوزراء والنواب، لكن بهذا الشكل؟! قرى وشعب… أمر لا يجوز، ما الثمن الذي سيقدَّم لشعب لبنان؟ حرب قذرة لها طابع طائفي، هذا أكثر شيء مزعج، أمر لا يمكن أن أتصوره”.

وبعد أن استعرض وقائع اللقاء أمام بقرادوني وسعادة، عبّر الأسد عن حجم الفجوة التي أحدثها موقف جنبلاط، قائلا: “غريبة كانت نفسيته بالفعل… كانت جلسة قاسية، وأنا أيضا شددت عليه حتى تعبت أعصابه، حتى شعرت: يا ترى، هل هو صراع بين شيء بنفسه يريد تحقيقه؟ رغبة شخصية مثلا، بين موقفنا وبين مواقف آخرين أيضا؟ في رأيي كمال جنبلاط، حتى يخسرنا بهذا الشكل يجب أن يكون هناك شيء كبير. أنا بالفعل أتصور نفسي مكانه، أعتقد أنه من أجل أن أخسر سوريا، وسوريا بوضعها الحالي، يجب أن يكون الأمر كبيرا جدا. هكذا أتصور، وأنا كشخص في مكان كمال جنبلاط لي أهداف سياسية وحزب، ولي علاقات طويلة مع سوريا، فمن أجل أن أتخذ موقفا أخسر به سوريا”. اختتم بوصف أجواء اللقاء: “مناقشتي معه كانت طويلة ولم تكن مريحة. كانت متعبة جدا. تحدث لي عن فخر الدين وعن وحدة لبنان، وكرر ذلك عدة مرات، ربما هذه دروس سعيد عقل، والله أعلم”.

هل كان اللقاء الأخير سبب اغتيال جنبلاط؟ 

تظهر المحاضر الرئاسية أن اللقاء الأخير بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط كان نقطة تحول مفصلية في علاقة الرجلين، إذ أدى الى التصادم والقطيعة الكاملة. ومن غير الممكن تجاهل أن التدخل الرسمي للجيش السوري في 1 يونيو/حزيران 1976 جاء على خلفية هذا الصدام، على الرغم من أن المحاضر تؤكد وجود قوات وضباط سوريين في لبنان قبل هذا التاريخ بنحو ستة شهور، أي منذ نهاية عام 1975.

 

لم يكن اللقاء الأخير هو السبب المباشر لاغتيال جنبلاط في 16 مارس/آذار 1977، إنما وضع اللبنة الأولى في قطيعة حاسمة استمرت حتى النهاية. لم يخفِ الأسد غضبه وسخطه على جنبلاط، وعبّر عن عدائه العلني له أمام كل من التقى به، ووجّه انتقاداته اللاذعة ضده كما اتخذ خطوات ميدانية واضحة لعزله سياسيا داخل لبنان. وفي المقابل، صعّد جنبلاط منذ اليوم التالي للقائه الأخير بالأسد خطابه المعارض، مستهدفا الأسد بشكل مباشر وشخصي. استعدى الأسد على أرض المعركة أولا، وفي الصحافة وفي لقاءاته ومداولاته السياسية المتعددة، ما عزز من حالة العداء وأغلق الباب أمام أي مصالحة. وعلى وقع هذا التصعيد، ظل الأسد يدفع بسياسة تهميش جنبلاط ومخاصمته، في حين لم يتردد جنبلاط في المجاهرة بعدائه للنظام السوري.

بعد أقل من عام على اللقاء الأخير، قُتل كمال جنبلاط على مقربة من حاجز للجيش السوري في منطقة الشوف. ورغم أن منفذي الجريمة استخدموا سيارة بلوحات عراقية، فلم يُقنع هذا الغطاء أحدا، وظل السؤال الكبير: من قتل كمال جنبلاط؟ نَفَى النظام السوري مرارا أي مسؤولية عن الاغتيال، لكن تقارير عديدة اتهمت أجهزة المخابرات السورية بالوقوف خلف العملية، وتواترت الروايات عن تنفيذ الجريمة بأوامر من رفعت الأسد، مع العلم بأن مثل هذا العمل لا يمكن أن يمرّ دون علم حافظ الأسد أو دون إحاطته وأخذ موافقته عليه، نظرا إلى طبيعة النظام السوري.

في 4 مايو 2015 أدلى وليد جنبلاط بشهادته أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي كانت تحاكم المتهمين باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، مشيرا إلى أن التحقيقات اللبنانية رجّحت تورط جهاز المخابرات السورية في مقتل أبيه، التي كانت يومها بقيادة العقيد إبراهيم حويجة، إلى جانب دور اللواء محمد الخولي، رئيس جهاز المخابرات الجوية. وبعد ما يقارب نصف قرن، وفي الذكرى الثامنة والأربعين لاغتيال كمال جنبلاط عام 2025، أعلنت الحكومة السورية الجديدة، عقب سقوط نظام الأسدين، عن اعتقال إبراهيم حويجة، في خطوة اعتبرها كثيرون بداية لكشف حقيقة الجريمة النكراء التي هزّت لبنان والمنطقة لعقود.

 المراجع والهوامش:

(1) الشاغوري (قاسم)، الأسد "يستجوب" جنبلاط عن خصومه في لبنان... ويرفض عودة "البعثيين" إلى سوريا (4-5-6)، المجلة 17 تموز 2025

(2) الشاغوري (قاسم)، الأسد "يستجوب" جنبلاط عن خصومه في لبنان... ويرفض عودة "البعثيين" إلى سوريا (6-6)، المجلة 17 تموز 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى