موضوعات مختارةوثائق وبياناتسلايد

كلمة فاروق الشرع في اليوم الثاني لمؤتمر مدريد للسلام

  •   
  •   
  •   

 

سيدي الرئيس جيمس بيكر،
سيدي الرئيس بوريس يانكين،
السيدات والسادة،
    كنت أود أن أقرأ بياناً خطياً أعددته رداً على كلمة رئيس الوفد الإسرائيلي التي ألقاها في الأمس، لكن رئيس الوفد الإسرائيلي، الذي غادر غير مكترث بهذا المؤتمر التاريخي ولعملية السلام، قد انحرف عن الموضوع الرئيسي الذي عقد على أساسه هذا المؤتمر، وهو تحقيق سلام عادل وشامل ودائم في منطقة افتقدت الأمن والاستقرار والتنمية المتوازنة لعقود طويلة من الزمن.
في الأمس تساءل بعض الصحفيين الغربيين أن كلمة الوفد السوري ربما كانت متشددة؛ وأنا قلت لهم أنها لم تكن متشددة، وإنما كانت تعبر عن الحقائق والوقائع المجردة كما هي، وتحديت بعضاً منهم عندما قلت لهم أنني سأستغرب جداً إذا تمكن الوفد الإسرائيلي من أن يرد على أية فقرة من كلمتي. كان هذا التحدي في مكانه، لأنني لم أتهم إطلاقاً إسرائيل بما ليس فيها، ولذلك لم يستطع رئيس حكومة إسرائيل أن يرد على أي كلمة أو عبارة وصفت فيها السياسة الإسرائيلية في منطقتنا.
في خطاب رئيس الوفد الإسرائيلي في الأمس، بالرغم من ابتعاده عن الموضوع اليوم، لا بد من توضيح بعض الحقائق، بأن هذه الحقائق بالنسبة لنا ولراعيي المؤتمر وللأسرة الدولية بأسرها أمور هامة تتعلق بمستقبل المنطقة وسلامها وأمنها واستقرار وأمن العالم بصورة عامة.
لذلك أقول باختصار أن رئيس حكومة إسرائيل لم يذكر في خطابه أبداً قراري مجلس الأمن رقم 224و338. هذا يعني أنهم ليسوا في الأساس الذي عقد بناء عليه هذا المؤتمر، كما تشكل رفضاً حتى للدعوة التي وجهها راعيا المؤتمر، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، عندما قالا في هذه الدعوة أن المؤتمر يعقد على أساس القرارين 242 و338. كما أنه بالطبع وتحصيل حاصل أنه لم يتحدث عن “الأرض مقابل السلام” لأنه قال بكل صراحة أنه لا يريد السلام. ومن يحقق في كلماته سوف يستنتج فوراً أنه قال: إذا جاء الجانب العربي إلى المؤتمر أو إلى المباحثات ليتكلم عن الأرض فسنصل إلى طريق مسدود.
    بالطبع لا أريد أن أدخل في المسار التاريخي الذي استخدمه رئيس الحكومة الإسرائيلية في الأمس، لأنه كان مساراً مزيفاً وملفقاً، لا يستند إلى الوقائع ولا يعود إلى المؤرخين المحايدين في العالم، وبشكل خاص المؤرخين الأوروبيين والأميركيين الذين تعاطفوا كما هو معروف مع إسرائيل. هو يسجل تاريخاً خاصاً به بعقليته. 
    على سبيل المثال هو يقول بأن اللاجئين الفلسطينيين غادروا فلسطين لأن الحكومات العربية طلبت منهم ذلك. المهم أن هذا غير صحيح، ولن يكون هناك وثيقة واحدة بين يدي الوفد الإسرائيلي تؤكد ذلك. وثانياً، لو افترضنا جدلاً أن هؤلاء الفلسطينيين قد غادروا بأوامر من الحكومات العربية في ذلك الوقت، فلما لا يسمح لهم رئيس الوفد الإسرائيلي الآن، الذي يتحدث عن السلام ويطنب في ذلك دون أي مضمون، أن يعودوا إلى أراضيهم. الحكومات العربية الآن توافق على ذلك، بل تطالب بذلك أيضاً.
    أشار رئيس الوفد الإسرائيلي أمس صراحة إلى أن فلسطين هي الوطن الحقيقي الوحيد لجميع يهود العالم، واعتبر أن اليهودي الذي يعيش في أي بلد آخر في العالم، مهما كان هذا البلد مضيافاً- مثلاً الولايات المتحدة فعلاً هي مضيافة بالنسبة لكل اليهود، وعاملتهم كما عاملهم العرب في تاريخهم- هو في منفى “دياسبورا”، أي أن اليهودي في الولايات المتحدة ليس مواطناً أميركياً؛ لن يكون ولاؤه -كما يدعي رئيس حكومة إسرائيل- للولايات المتحدة، وإنما لإسرائيل، لأنه مجرد مقيم عابر هدفه الذهاب إلى إسرائيل بالرغم من كل ما قدمته له الولايات المتحدة من مساندة ودعم داخل الولايات المتحدة وفي الساحة الدولية. أيضاً هم يريدون المواطن اليهودي السوفياتي أن لا يقيم في الاتحاد السوفياتي… أنا على ثقة بأن كلامه لا يعبر عن حقيقة الأمر. هناك الكثير من اليهود الشرفاء في الاتحاد السوفياتي، في الولايات المتحدة، في أوروبا، الذين يتمسكون بولائهم لهذه الأوطان التي عاشوا فيها وترعرعوا فيها.
    وبالتالي يستنتج الإنسان أن مجرد التركيز على هذه النقطة هي رغبة حقيقية من قبل رئيس حكومة إسرائيل أن يبقى هذا التوتر، ليس في منطقتنا وإنما في العالم أجمع. أن يبقي المسألة اليهودية حية في الأذهان هو لا يريد أن يعامل اليهود بالمساواة… هو يريد دوماً أن يرى أن اليهود مضطهدون وأن اليهود معذبون، خلافاً للواقع العالمي. الآن بالعكس هناك محاولات… حتى عندما يتحدث وعلى سبيل المثال على اليهود السوريين… اليهود السوريون ينطبق عليهم القانون السوري كأي مواطن سوري، مسلماً كان أم مسيحياً، لكن إسرائيل تريد أن نعطي ميزات للمواطن السوري لأنه يهودي… هم يعرفون حقيقة الأمر، والعالم كله يعرف، ومن زار سوريا يعرف، والمؤرخون يعرفون أن اليهودي السوري يعيش تماماً بكامل المساواة والحرية التي يعيش فيها المواطن السوري. أنا سأستشهد باختصار شديد بفقرة من تقرير لوفد برلماني أوروبي زار دمشق منذ تقريباً شهرين… سأقرأ النص…
    هذا الوفد البرلماني قدم للبرلمان الأوروبي، في أحد اجتماعاته الحديثة، عن اليهود السوريين ما يلي: تمتلك سوريا حرية دينية مذهلة بالنسبة لمن يعرف قليلاً البلاد العربية المسلمة. لقد كان اطلاعنا على هذا الوضع مثار دهشة كبيرة، فالحرية الدينية تامة في سوريا، لأن الدولة تعتبر نفسها علمانية، فاليهودية والكاثوليكية والديانة الأرثوذكسية والإسلامية بطوائفها المتعددة تعبر عن نفسها في سوريا، وتمارس شعائرها الدينية بحرية كاملة.
    وبالطبع إنهم يوزعون منشورات -من قبل السفارات الإسرائيلية في أوروبا- على الكثير من دول العالم، ليتحدثوا عن اضطهاد اليهود، ثم يدفعون بمجموعة من الناس ليخرجوا للتظاهر أمام السفارات السورية… حوالي عشرين أو خمسين شخصاً يحملون لافتات كاذبة بأن السوريين اليهود مضطهدون في سوريا أو رهائن في سوريا… كلام سخيف وتافه.
    السيد الرئيس:
 أيضاً أود الوصول إلى نقطة هامة طالما أن موضوع المؤتمر هو السلام، رئيس الوفد الإسرائيلي بكلمته أمس اعترف بأنه لن يعيد أي جزء من الأرض كما أشرت، وخاصة عندما أشار إلى المساحة التي تتعلق بفلسطين… أشار إلى مساحة تتجاوز مساحة فلسطين التي كانت تحت الانتداب، وهذا يعني أنه يؤكد على احتلال الضفة الغربية وغزة والقدس والجولان. لمن يحقق سيكتشف هذه الحقيقة.
    العرب هم الشعب الوحيد الذي عاش في فلسطين عبر آلاف السنين. حتى عندما جاء اليهود من الجنوب قادمين عبر سيناء، كان الفلسطينيون هناك موجودين في فلسطين… ولا أريد أن أدخل في هذه الحقبة… واستمروا حتى الآن.
    ثم أتساءل فقط تساؤلاً واحداً: إذا كان رئيس حكومة إسرائيل يقول أنه من حق اليهودي أن يعود إلى فلسطين بعد غياب أكثر من ألفي عام، فكيف لا يحق للفلسطيني الذي غادرها منذ أربعين سنة؟ أيهما أكثر واقعية: عودة الفلسطيني الذي لا يزال يعرف بيته، وبعضهم يملك مفتاح هذا البيت؛ أم الحديث عن عودة اليهود الذين كانوا قبل أكثر من ألفي عام؟ هذه المغالطة مساحتها هي في الفارق بين الأربعين عاماً والأربعة آلاف عام التي تحدث عنها رئيس حكومة إسرائيل في الأمس. 
    وتحدث عن حرية العبادة… نحن نعرف جميعاً، وفي الإعلام، وفي وسائل الإعلام العربية، كيف أنهم يشجعون المتطرفين الإسرائيليين لتدمير الأماكن المقدسة… حرق المسجد الأقصى، ومحاولة نسف المسجد الأقصى… ويدعون أن هناك محاكمات صورية لهؤلاء الناس.
سيطرة إسرائيل على القدس ليست ضماناً لأي من الأديان الثلاثة، وفي أن تبقى هذه المدينة مقدسة وآثارها الروحية خالدة ومدينة السلام، طالما أنها تحت سيطرة الإسرائيليين وأقدام عسكرهم.
    السيد الرئيس:
 كنت أود أن أركز على السلام الذي جئنا من أجله، ولكن قبل ذلك سأريكم صورة قديمة لشامير عندما كان عمره 32 عاماً. تقول المعلومات، وهي موزعة في أوروبا في ذلك الوقت: عمره 32 عاماً، طوله 165 سنتيمتراً، ثم بقية المواصفات التي تعرفونها جميعاً. وهذه الصورة وزعت لأنه مطلوب للعدالة… هو نفسه اعترف بأنه كان إرهابياً… هو نفسه اعترف أنه مارس الإرهاب وساهم في اغتيال وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادونت في عام 1948 كما أذكر. هو يقتل وسطاء السلام ويتحدث عن سوريا ولبنان والإرهاب.
    وأنا سأعطيكم أيضاً مثالاً آخر على هذا الموضوع: إسرائيل خطفت عام 1954 طائرة مدنية سورية، وأسقطت طائرة مدنية ليبية. المشكلة أنه ليس لدي الوقت الكافي للحديث عن الممارسات الإسرائيلية الإرهابية، التي تحتاج إلى مجلد وليس فقط إلى ربع ساعة، ولكن أود أن أشير بسرعة إلى أن إسرائيل خطفت طائرة مدنية سورية في عام 1954 كانت تقل ركاباً مدنيين بين القاهرة ودمشق. وإسرائيل أسقطت طائرة مدنية ليبية في عام 1973 كما أذكر، وقتلت أكثر من مائة راكب مدني كانوا فيها. إسرائيل أيضاً خطفت طائرة سورية منذ ست أو سبع سنوات، وكان على تلك الطائرة وفد سياسي سوري. ولولا أن سارعت سوريا لتقديم شكوى لمجلس الأمن وإثارة القضية، لما أطلقت سراح تلك الطائرة المدنية.
    أنا أجبت في الأمس عن مفهومنا للإرهاب، ونعتقد أنه لم يستطع أن يرد على أي كلمة فيها. ولا أريد أن أزعجكم بالمزيد من التفاصيل؛ إذا كان البعض يريد، يستطيع العودة إليها.
    هو يقول أن حرب 1967 هي حرب دفاعية، وفي وسائل الإعلام يقولون أن العرب هم الذين هاجموا إسرائيل في عام 1967… هم يحتقرون المؤرخين كثيراً… وأود أن أقول بكلمة أخيرة أنه بغض النظر عن من هو الذي احتل ومن هو الذي بدأ في الحرب، فإن نص واضح، سيدي الرئيس، بأن يمنع اكتساب أرض الآخرين بواسطة الحرب. إذاً هذه الأراضي يجب أن تعود.
    وفي النهاية، وبكلمة بسيطة سيدي الرئيس، نحن جئنا من أجل السلام… سوف نستمر للعمل من أجل السلام، انطلاقاً من إيماننا بهذا السلام. ونعلن بثقة وتصميم عزمنا على العمل من أجل سلام عادل وشامل، يحرر الأرض ويضمن الحقوق والأمن للجميع. وسوف تستغرب كثيراً إذا تهرب الجانب الإسرائيلي من متابعة المباحثات الثنائية، أو اختلقت أعذار من قلبه لمنعها من الاستمرار في مدريد. أنا آسف سيدي الرئيس، أطلت ولكن كان لا بد من توضيح هذه الحقائق. المعذرة، وشكراً لكم.

مدريد في الأول من تشرين الثاني 1991م.
 
المصدر:
 مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 8، خريف 1991، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق