سلايدالباحث عمرو الملاّح

عمرو الملاّح: دار بلدية دمشق في العام 1896..

تقرير مصوَّر لمجلة "ثروت فنون"

  •   
  •   
  •   

 

 عمرو الملاح – التاريخ السوري المعاصر

أولاً- لمحة عن المجالس البلدية في العهد العثماني المتأخر:

مع بداية حركه التحديث والإصلاح الحكومي المعروفة بـ(التنظيمات)، في إشارة إلى ما احتوت عليه من أنظمة وقوانين وتشريعات تقررت بإرادتين سنيتين (سلطانيتين) صدرت أولاهما في العام 1839 واشتهرت بمنشور (كلخانة) لأنها تليت في القصر المعروف بهذا الاسم، وصدرت ثانيهما في العام 1856 وعرفت بمنشور (التنظيمات الخيرية)، وبلغت ذروتها في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، اعتمدت الدولة العثمانية النماذج الغربية في تخطيط المدن وعمارتها.

وشهدت الستينيات من القرن التاسع عشر إحداث “دائرة البلدية” في استانبول وسواها من الحواضر العربية الكبرى في السلطنة العثمانية ومن بينها دمشق، وذلك بموجب نظام الولايات للعام 1864.

وتجلت مهام بلدية دمشق في توسعة الشوارع وانتظامها، وإحداث مجار للصرف الصحي، وجر مياه الشرب من عين الفيجة بالقساطل، وإقامة الأبنية والأسواق على الطراز الحديث، ووضع المخططات التنظيمية والخرائط التي تقيد أرباب المساكن والبيوت بإنشائها وفقاً لأسس هندسية محددة، ومن ذلك عدم السماح بالبناء بغير الحجر والآجر.

ثانياً- دار بلدية دمشق:

أقيمت دار بلدية دمشق في الجهة الغربية من ساحة المرجة، التي كانت مركز المدينة الإداري والخدمي ونقطة الانطلاق إلى جهات المدينة المختلفة.

وتظهر الصور الملتقطة للمبنى أنه كان مكوناً من طبقتين، ومشيداً على طراز العمارة الأوروبية الحديثة التي انتشرت منذ نهايات العصر العثماني في استانبول والحواضر العربية الكبرى، مع بعض اللمسات الإغريقية (اليونانية القديمة) الظاهرة في شكل الأسقف المائلة أو الجمالونية المصنوعة من القرميد الأحمر التي تعلو المبنى.

ومما هو جدير بالذكر في هذا السياق أنه التبس الأمر على بعض المؤرخين والباحثين المتخصصين في عمارة دمشق وعمرانها في أواخر العهد العثماني؛ فنسبوا إقامة مبنى دار بلدية دمشق إلى الوالي العثماني الإصلاحي التنظيماتي الوزير حسين ناظم باشا، وأنه بُدئ ببنائه عند بداية ولايته الأولى لدمشق في العام 1896 وانتهى في العام 1898.

والواقع أنني ظفرت بعدد شهر كانون الأول العام 1312 مالية (1314 ه/ 1896 م) من مجلة “ثروت فنون” المصورة الشهيرة التي كانت تصدر في الآستانة. ويتضمن العدد تقريراً مصوراً عن مدينة دمشق.

ووفقاً لما جاء في التقرير فإن دار بلدية دمشق قد انتهى بناؤها ودشنت في عهد الوزير الحاج حسن رفيق باشا والي سورية آنذاك، بينما كان رجل الدولة الدمشقي محمد فوزي باشا العظم رئيساً للبلدية.

ومن الملفت للنظر أن العدد يتضمن أقدم صورة نعرفها لمبنى دار البلدية المكون من طبقتين وذي الأسقف المائلة أو الجمالونية التي يتوسطها شعار الهلال والنجمة الذي كان رمزاً للدولة العثمانية. وتعلو صورة المبنى صورة لرئيس بلدية دمشق آنذاك محمد فوزي باشا العظم (1858-1919).
وبالرجوع إلى الترجمة الرسمية للوزير الحاج حسن رفيق باشا (1835-1901) المحفوظة في الأرشيف العثماني وجدت أنه قد تولى سورية في تموز من العام 1896 وامتدت ولايته عاماً واحداً لغاية تموز من العام 1897، وذلك بخلاف ما هو شائع في المراجع العربية من أن والي سورية في تلك الفترة كان الوزير حسين ناظم باشا.

كما تذكر المراجع العربية أن الوزير حسين ناظم باشا كان قد تولى سورية ثلاث مرات بلغ مجموعها ثلاثة عشر عاماً؛ فامتدت ولايته الأولى من العام 1895 ولغاية 1907، ودامت ولايته الثانية قرابة السنة في العام 1909، بينما استمرت ولايته الثالثة بضعة أشهر في العام 1911.

في حين وجدت أن الحوليات التركية العثمانية التي تستقي معلوماتها من الترجمة الرسمية للوزير حسين ناظم باشا المحفوظة في الأرشيف العثماني تذكر أنه تولى سورية مرتين بلغ مجموعهما أحد عشر عاماً وستة أشهر؛ فامتدت ولايته الأولى من تموز/ يوليو 1897 ولغاية آذار/ مارس 1906، بينما امتدت ولايته الثانية من كانون الأول/ ديسمبر 1908 ولغاية تشرين الأول/ أكتوبر 1910.

وفي ضوء ما تقدم، نجد أن تاريخ تدشين مبنى دار بلدية دمشق في ساحة المرجة في العام 1312 مالية (1314 ه/ 1896 م) إنما كان في واقع الأمر موافقاً لتاريخ إشغال الوزير الحاج حسن رفيق باشا منصب والي سورية في الفترة الممتدة من تموز من العام 1896 ولغاية تموز من العام 1897 تاريخ تعيين خلفه الوزير حسين ناظم باشا والياً على سورية للمرة الأولى. وذلكم لا يقلل، بالطبع، من أهمية منجزات ناظم باشا وما قام بتشييده من عمائر فخمة ما زال بعضها قائماً إلى يومنا هذا.

ومما يؤسف له أن مبنى دار بلدية دمشق ومبنى آخر مجاوراً له بُني في العهد الفيصلي وكان يعرف باسم طبابة المركز (صيدلية المشفى الوطني) قد أُزيلا في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي ويرتفع مكانهما حالياً كتلة اسمنتية ضخمة تعرف بناء الشربتلي ينتمي إلى أسلوب عمارة “اللا طراز” الذي شاع في بلادنا منذ الخمسينيات من القرن المنصرم. وبزوال دار البلدية خسرت دمشق معلماً معمارياً وأثرياً بارزاً.

 
مصادر:
 
– الصورة المرفقة مستقاة من مجلة “ثمرات الفنون” (اسطنبول)، ع 302، تا 12/12/1312 رومية [1314 هـ/ 1896 م].
– للاستزادة عن الوزير الحاج حسن رفيق باشا والي سورية في الفترة (1896-1897)، راجع:
Sinan Kuneralp: Son Dönem Osmanlı Erkân ve Ricali (1839-1922). Prosopoprafik Rehber. 2nd ed. Istanbul: Isis, 2003, p. 77
– للاستزادة عن الوزير حسين ناظم باشا والي سورية مرتين؛ أولاهما من تموز/ يوليو 1897 ولغاية آذار/ مارس 1906، وثانيهما من كانون الأول/ ديسمبر 1908 ولغاية تشرين الأول/ أكتوبر 1910، راجع:
Sinan Kuneralp: Son Dönem Osmanlı Erkân ve Ricali (1839-1922). Prosopoprafik Rehber. 2nd ed. Istanbul: Isis, 2003, p. 81
– للاستزادة عن رجل الدولة الدمشقي محمد فوزي باشا العظم رئيس بلدية دمشق في الفترة (1892-1900)، راجع: ابن الامين محمود كمال إينال، اوقاف همايون نظارتنك: تاريخچئه تشكيلاتي ونظارك تراجم احوالي، دار الخلافه العليه – اوقاف اسلاميه مطبعه سي، 1916، ص 223-224.

عمرو الملاّح: دار بلدية دمشق في العام 1896..

الوسوم

عمرو الملاح

كاتب ومترجم وباحث في التاريخ السوري المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق