الباحث عمرو الملاّح

عمرو الملاّح :مشفى حلب الوطني.. تاريخ وذكرى

  •   
  •   
  •   

 

عمرو الملاح – التاريخ السوري المعاصر

 تميز سكان حلب بحبهم لوقف العديد من العقارات المرصودة لأعمال البر والإحسان أو إقامة المؤسسات لتقديم الخدمات الإنسانية للمحتاجين، ومنها “مشفى الحميدية للغرباء”.

وتعود فكرة إنشاء هذا المشفى إلى العام 1883 حين تداعى أهالي حلب في عهد الوالي العثماني الإصلاحي التنظيماتي المشير حسين جميل باشا (المتوفى سنة 1889)، الذي شغل منصب والي حلب في العام 1879 وامتدت ولايته حتى العام 1886 لإقامة مشفى لمعاينة الفقراء والمحتاجين من سكان المدينة والغرباء من الوافدين إليها مجاناً. وبُدئ بجمع الإعانات والأموال من أهالي المدينة لبناء هذا المشفى، وتقرر أن يُقام على أنقاض أول دار للعدل عرفتها حلب في عهد السلطان العادل نور الدين محمود زنكي (1118 – 1174) غربي القلعة وهدمها الزلزال المدمر الذي ضرب المدينة في العام 1822. وشُرع في أشغال حفر الأساس والبناء. ولكن سرعان ما توقف العمل في بناء المشفى بسبب نقص الإمكانات المادية.

وجرت في عهد الوالي الإصلاحي التنظيماتي الوزير محمد رائف باشا (1836-1911) الذي تولى حلب في العام 1895 وامتدت ولايته حتى العام 1900 إحياء فكرة إقامة المشفى. وبالفعل، فقد شكلت في العام 1896 لجنة عهد إليها بمتابعة بنائه واستئناف جمع الإعانات المالية. ومن ثم تتابعت عمليات البناء والتعمير على المشفى إلى أن انتهى بناؤه في العام 1897، وفقاً لما أورده مؤرخ حلب الشيخ محمد راغب الطباخ في كتابه المرجعي “إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء”. ثم دشن المشفى رسمياً ووضع حيز الخدمة في العام 1318هـ/ 1900م، على نحو ما ذكر الكتاب السنوي لولاية حلب (سالنامه)، الموافق لأواخر عهد الوالي العثماني رائف باشا، بينما كان الوجيه الحلبي البارز بشير أفندي الأوبري رئيساً للبلدية.

وقد أُطلق عليه في طور التأسيس اسم “مشفى الحميدية للغرباء” (حميديه غربا خسته خانه دائره سي) نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني.

وكان ثاني المشافي الحديثة التي عرفتها حلب في العصر الحديث بعد “المشفى العسكري” الذي كان يعرف أيضاً باسم “مشفى الرمضانية العسكري”.

وقد شُيّد مشفى الحميدية للغرباء وفق العمارة الأوروبية الحديثة التي انتشرت منذ نهايات العصر العثماني في استانبول والحواضر العربية الكبرى، مع بعض اللمسات الإغريقية (اليونانية القديمة) الظاهرة في الشكل الهرمي لجملون السطح المصنوع من القرميد الأحمر الذي يعلو المبنى. وتظهر الصور الملتقطة للمشفى في الثلاثينيات من القرن المنصرم أن الشكل الهرمي لجملون السطح الذي يعلو المبنى قد أُزيل وصار مستوياً في بدايات مرحلة الانتداب الفرنسي.

وكان المشفى يمتد على مساحة واسعة تقدر بعشرين ألف متر مربع، وتحيط به حديقة واسعة أو بستانان كبيران، على حد وصف مؤرخ حلب الطباخ، بلغ طول كل منهما 84 م وعرضه 20 م.

وصف مؤرخ حلب الشيخ محمد راغب الطباخ مشفى الحميدية للغرباء في كتابه المرجعي “إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء” قائلاً:

“مستشفى جسيم شرع في بنائه قبلا لأجل تداوي الغرباء الفقراء، وهو عبارة عن 32 حجرة، وبيتين عظيمين، وصالونين طويلين، وبيت لغسل الثياب، ومكان لغسل الأموات، وحمامين كل واحد منهما 8 مغاطس، وحجرتين بستار للثياب، واجزخائية (صيدلية)، وحجرة لفحص المرضى، وحجرتين لفحص العيون والعمليات الاعتيادية، وبستانين كبيرين في طول 48م وعرض 20م، من اتجاه المستشفى ومن طرفيه، وهما مزدانان بالأعمدة اللطيفة ومسيجان بجدار مع دهليز جميل، وحجرتين للبواب، ومجموع مساحة هذا المستشفى مع مشتملاته 17913 ذراعا مربعاً.”

وتكون الكادر الطبي لمشفى الحميدية للغرباء في طور التأسيس من أطباء من ذوي الرتب العسكرية وكانوا من اختصاصات مختلفة (أطباء عامون – جراحون – صيادلة). كما كان المشفى يضم الأقسام التخصصية التالية:

1-  قسم الأمراض الباطنية؛

2- قسم الجراحة؛

3- قسم للطبابة الشرعية؛

4- قسم أمراض الأنف الأذن الحنجرة؛

5- قسم للأمراض العقلية؛

6- قسم لمعالجة المساجين؛

7- صيدلية.

ولما كان المشفى بحاجة إلى التمويل لاستكمال مقوماته والإشراف على إدارته، فقد تشكلت هيئة إدارية كانت بمثابة مجلس إدارة له برئاسة أحد كبار أعيان حلب، ويضم في عضويته أيضاً مدير المشفى وعدداً من علماء المدينة وأعيانها من أعضاء المجلس البلدي وغرفة التجارة والزراعة والصناعة.

وأول من تولى رئاسة مجلس إدارة المشفى الوجيه الحلبي البارز عبد الرحمن حلمي أفندي الحموي، وعرف من أعضائه مؤرخ حلب الشيخ كامل أفندي الغزي، والوجهاء أحمد آغا الملاح، وعلي خيرو آغا الزيتوني، ومصطفى أفندي سماقية، وعقيل آغا القاطرجي.

وبعد زوال الحكم العثماني تبدلت تسمية المشفى وبات يعرف باسم “المشفى الوطني”.

وفي مرحلة الانتداب الفرنسي جرت توسعة المشفى بإضافة كتلة من طابقين من جهته الخلفية مشابهة للمبنى الأصلي من حيث الكتلة العامة والعناصر التزيينية والفراغات، وبات يأخذ شكل الحرف “يو/ U”، وذلك في أواخر العام 1924 في عهد مرعي باشا الملاح حاكم دولة حلب العام آنذاك، وتم تدشين هذه التوسعة يوم الأحد 16 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1924، وفقاً لما هو مدرج في برنامج تدشين المشاريع العامة الذي وضعته مصلحة الأشغال العامة في حلب المنشور في صحيفة «الترقي السوري»، الحلبية لصاحبها الدكتور بهاء الدين الكاتب السبت 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1924 (ع101).

وأضيف للمشفى في العشرينيات قسم خاص لتصنيع الأدوية ألحقت به الصيدلية تولى الإشراف عليهما الصيدلي الدكتور محمد حلمي أفندي الجراح خريج المكتب الطبي الملكي (الكلية الطبية الملكية) بدمشق. كما جهز في الثلاثينيات بجهاز للأشعة السينية ومخبر لفحص المومسات، لكن بعد ذلك نقل هذا المخبر إلى مبنى خاص للأمراض الزهرية والتناسلية في محلة بحسيتا. وفي الأربعينيات نُقل قسم العينية من مشفى الرازي إلى المشفى الوطني وحل محل القسم المخصص للسجناء، وكان قسم العينية شعبة تابعة لقسم أمراض الأنف والأذن والحنجرة، ومن أهم الأطباء الذين عملوا في هذا القسم الدكتور ليون الأسمر. وقد تحولت هذه الشعبة بوجوده إلى مدرسة للتخصص بأمراض العيون وقد تخرج منها العديد من الأطباء، ونذكر منهم على سبيل المثال: د. سامي سحلول (حمص)، ود. عمر الشيشكلي (حماه)، ود. أديب الصواف، ود. عبد المنعم كلزية (حلب).

أما الأعمال التمريضية فكانت تضطلع بها مجموعة من الراهبات الفرانسيسكان حتى انتقالهن إلى مشفى الرازي في العام 1938 م.

وفي مرحلة لاحقة أغلق المشفى أبوابه، وحُول إلى مدرسة لتخريج الممرضات. كما كان المكان المعتمد لتدريب أطباء كلية الطب في جامعة حلب منذ إنشائها في العام 1967 ولغاية افتتاح المشفى الجامعي في العام 1972. وفي العام 1988 تحول الشفى إلى المعهد المتوسط الصحي.

وفي الأعوام القليلة الماضية جرى إخلاء المبنى. وعوضاً عن تحويله إلى متحف طبي نظراً لقيمته التاريخية والأثرية والمعنوية الكبيرة، طرح للاستثمار السياحي وحول إلى فندق حمل اسم “الكارلتون”، بعدما أجريت عليه عمليات صيانة وترميم وتأهيل حافظت على الشكل الخارجي للبناء، ولكنها لم تراع قيمته الأثرية والتاريخية من الداخل. وهكذا تحول هذا المعلم التاريخي ذو الفائدة الطبية العلمية إلى منشأة سياحية.

ومما يؤسف له أن هذه الآبدة التاريخية قد لحق بها تدمير منهجي ومنظم جراء الأحداث الأليمة التي تشهدها مدينتنا الحبيبة حلب وطالت البشر والشجر والحجر.

مصادر الدراسة

– سالنامة ولاية حلب، مجلد سنة (1321 هـ/ 1903 م)؛

– الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي، المؤسسات الصحية العثمانية الحديثة في سورية المستشفيات وكلية طب الشام، عمان 2002؛

– محمد راغب الطباخ الحلبي، إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، الطبعة الثانية، حلب 1988؛

– طه اسحاق الكيالي، تاريخ الطب والأطباء في حلب، 1999؛

– برنامج رسم تدشين المشاريع العامة في حلب، جريدة الترقي السوري، حلب، ع 101، تا 25/ 11/ 1924.

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

عمرو الملاح

كاتب ومترجم وباحث في التاريخ السوري المعاصر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي