قضايا

إنقلاب الثامن من آذار 1963

إنقلاب الثامن من آذار 1963

الأوضاع قبيل الإنقلاب:

في مطلع عام 1963 سادت وبرزت تناقضات وتطورات عديدة مهدت وساعدت على قيام ونجاح إنقلاب الثامن من آذار، منها تلك التطورات التي ذكرها مروان حبش عضو القيادة القطرية السابق، وهي:

– وجود سلطة تنفيذية متناقضة وخاصة التناقض بين الدكتور ناظم رئيس الجمهورية وخالد العظم رئيس الوزراء، حتى بات لا وجود أو فاعلية لها.

– حالة التسيب والفوضى في الجيش بسبب التناقضات بين قادته الكبار، ومحاولة أكثريتهم التنصل من الدفاع عن العهد، وعدم قدرة قيادة الجيش على فرض سيطرتها وقرارها  على القوات المسلحة.

– التناقض المستمر، منذ بداية الانفصال، بين قيادات الجيش والحكومات المدنية.

– خلو الجيش من أكثر أنصار الانفصال، بعد التصفيات التي قام بها من نفذوه لبعضهم البعض.

– الحالة الوحدوية الشعبية “المدنية والعسكرية” الرافضة لحكم الانفصال.

– انقلاب العراق الذي قام به حزب البعث على نظام عبد الكريم قاسم في8 شباط 1963، وكان له دور كبير في زعزعة أنصار حكم الانفصال من مدنيين وعسكريين.

رغم محاولة استغلال الناصريين للبعثيين مرتين في 28 آذار -1-2  نيسان، وفي الإعداد لانقلاب النحلاوي ومجموعته أواخر تموز 1962، تبيّنت رغبة الناصريين في التخلص من البعثيين فيما لو نجحت محاولاتهم، رغم ذلك بقي التنسيق بين الضباط الوحدويين للانقلاب على الحكم، وبعد التشكيلات الأخيرة في قيادة الجيش حدثت تطورات هامة:

   -ارتباط أعضاء اللجنة العسكرية مع القيادة القومية للحزب واطلاع صلاح البيطار على قرب قيامهم بانقلاب وبدؤوا التنسيق معه.

   – تمرد زياد الحريري على أمر تعيينه ملحقاً عسكرياً بعد  بذل مساع مكثفة معه، قام بها صلاح البيطار والمقدم صلاح جديد، وطمأنته إلى نجاح الحركة وأنه مرشحهم لاستلام منصب كبير عقب الانقلاب.

   – انسحاب الناصريين من التحالف مع البعثيين، وبدأ راشد قطيني بمحاولة إقناعهم بأنه لم يعد هناك لزوم للانقلاب بعد استلام عدد من الضباط الناصريين مراكز مهمة في قيادة الجيش وأصبح بالإمكان المساهمة في ترتيب الجيش بما يخدم أهدافهم.

   أدرك البعثيون أن طرح راشد قطيني سيؤدي إلى انقلاب ناصري يهدف إلى تصفيتهم, كما أن القطيني من خلال موقعه الجديد سيدفع إلى تسريح من بقي في الخدمة من الضباط البعثيين الذين بُدئ بإعداد قوائم بأسمائهم لعرضها على قيادة الجيش, ولن يتورع عن إخبار قيادة الجيش، بمخطط الانقلاب وهو العارف بكل التفاصيل، وحينها يسهل له الطريق لتحقيق غايته.


تخطيط التنفيذ:

أجبرت هذه التطورات كلاً من اللجنة العسكرية البعثية وزياد الحريري إلى الإسراع في تنفيذ الإنقلاب، وأُبلغت قيادة الحزب بواسطة صلاح جديد عن موعد تنفيذ الانقلاب.

كما اجتمع صلاح جديد و عبد الكريم الجندي وأحمد المير محمود ليل 6/3 /1963 مع قيادة التنظيم الذي عُرف باسم التنظيم القطري وأبلغوهم، أيضاً، بقرب موعد الانقلاب وأن اللجنة العسكرية ترغب إليهم الالتزام بالقيادة القومية وعودة الوحدة إلى الحزب، وهكذا بدأ السباق مع الزمن. ...


التنفيذ:

   وفي دمشق أبلغت اللجنة العسكرية أحد أعضائها النقيب محمد رباح الطويل- قائد فوج مدفعية م/د المرابط في معسكرات القطيفة – السيطرة على معسكر القطيفة بالتعاون مع الضباط البعثيين في المعسكر، كما كُلف المقدم أحمد المير محمود بالدخول إلى مدرسة المدرعات في القابون بالتعاون مع الرائد غازي أبو عقل والضباط الآخرين المؤيدين للانقلاب، وكُلِّف بعض الضباط البعثيين في إدارة المركبات بدمشق بنشر بعض الآليات على مدخل دمشق الشمالي لعرقلة دخول أي قوات مؤيدة للانفصال، و تم تبليغ العديد من الضباط البعثيين العاملين وأصدقائهم التأهب للسيطرة على وحداتهم أو تجميدها في معسكرات قطنا والكسوة وحمص واللاذقية، وأُبلغ، أيضاً، الضباط المسرحون الاستعداد للالتحاق بالوحدات التي كانوا فيها، وأبلغت اللجنة العسكرية، الأستاذ صلاح البيطار، بموعد التحرك، وهو بدوره أبلغ بعض قادة الحزب،  وانتظر ومعه الأستاذ منصور الأطرش وآخرون، في منزل أحد أعضاء الحزب في الميدان، وصول القوات إلى دمشق *....


الإنقلاب:

   قام بعض أعضاء اللجنة العسكرية بمراقبة محاور وصول الوحدات إلى دمشق، ولقد تأخر وصولها بعض الوقت مما أثار بعض المخاوف لدى بعضهم، ولكنها زالت مع أول الفجر حيث بدأت طلائع الانقلابيين دخول المدينة من المحاور المحددة، وتأخر لبعض الوقت إذاعة الموسيقى العسكرية التي تمهد عادة للبيان رقم “1” ويعرف مستمعو الإذاعة من سماعها أن أمراً قد حدث.

البيان رقم:

   حان موعد نشرة الأخبار الأولى، وبدأت الموسيقى العسكرية، وأعلن المذيع للمستمعين انتظار بيان مهم. وكان الأستاذ صلاح البيطار قد وضع اللمسات الأخيرة على هذا البيان، الذي أذاعه الملازم أول سليمان حداد، ويُعلن عن قيام القوات المسلحة بالثورة على عهد الانفصال وإنهائه، وأُعلن البيان باسم المجلس الوطني لقيادة الثورة، ومن نصه يتبيّن أن الغلبة في الانقلاب هي للبعثيين، حيث ورد في المقطع قبل الأخير منه “ولكن الصياد، الشعب أدركها فقامت انتفاضة جيشه الباسل لتصحح الأوضاع وتقوِّم الانحراف وتضع سورية العربية في طريقها الصحيح، طريق الوحدة والحرية والاشتراكية “، كما أن البلاغ رقم 2 الذي صدر عن المجلس الوطني تضمن إعادة ضباط مسرحين إلى الخدمة، كانت غالبيتهم العظمى من البعثيين.

محاولات التصدي للإنقلاب:

  لم تفلح محاولات بعض الضباط بالتصدي لقوات الانقلاب، حيث حلّقت طائرات من مطار المزة العسكري فوق الوحدات التي دخلت إلى دمشق، فكَلف العقيد الحريري الذي وصل دمشق صباحاً، الملازم أول محمود حمرا الذي كان قد وصل على رأس سريته المدرعة إلى ساحة الأمويين، التوجه بوحدته نحو المطار والسيطرة عليه.

  وهناك محاولة قائد قاعدة الضمير الجوية العقيد الطيار هيثم المهايني، لقصف بعض الوحدات العسكرية أو لقصف محطة الإرسال الإذاعي في الصبورة، وتحركت وحدة عسكرية صغيرة ( دبابات ومشاة ) من معسكر القابون بقيادة المقدم أحمد المير والرائد غازي أبو عقل نحو تلك القاعدة الجوية، وحين وصولها أرسل قائد القاعدة الضابط الطيار عمر صنوفة للتعرف على هوية الوحدة وقادتها، ثم اجتمع المقدم المير محمود مع العقيد المهايني ووضح له أن الانقلاب ليس ناصرياً وطلب منه التعاون مع الحركة، ولكنه اعتذر وفضل إحالته على التقاعد، وكان له ذلك.

القوى المشاركة في الإنقلاب:

   تنحصر القوى التي خططت لانقلاب 8 آذار باللجنة العسكرية وبعض الضباط البعثيين العاملين، والعقيد زياد الحريري وأنصاره، ورغم ذلك لم يحتكر الانقلابيون هذا الانقلاب وحدهم، بل دعوا القوى السياسية الناصرية للمشاركة، وهذه القوى تتألف من:

– حركة الوحدويين الاشتراكيين، وغالبية أعضاء هذه الحركة من البعثيين، ولهم امتداد بعدد قليل من الضباط في الجيش، وأبرز هؤلاء الضباط العميد درويش الزوني، رئيس إدارة القضاء العسكري.

– حركة القوميين العرب، كان من الضباط المحسوبين عليهم في الجيش العقيد منيب الهندي، شقيق زوجة عبد الكريم النحلاوي، والرائد فايز الرفاعي، وكانا من أبرز الضباط الذين نفذوا انقلاب الانفصال على الوحدة، وممن بقي لهم في الجيش النقيب منيب الرفاعي شقيق الرائد فايز الرفاعي.

– الجبهة العربية المتحدة، أو ماعُرف “بالشركة الخماسية” لأن هذه الجبهة تتكون من خمس شخصيات سياسية: الدكتور عبد الوهاب حومد، راتب الحسامي، علي بوظو، ” وهؤلاء الثلاثة كانوا أعضاءً في حزب الشعب قبل الوحدة” نهاد القاسم، عبد الصمد الفتيح، وليس لهذه الجبهة تنظيم في الجيش.

– التيار الناصري، ويشمل قطاعاً واسعاً من الجماهير، كما يشمل العديد من الضباط في القوات المسلحة، وأبرزهم العميد راشد قطيني، والعميد محمد الصوفي …. ولكن هذا التيار لا تنظيم له .

مجلس قيادة الثورة:

 تم الاتفاق على ترفيع العقيد لؤي الأتاسي، السجين المحكوم عليه، إلى رتبة فريق وتسميته رئيساً لمجلس قيادة الثورة، وتسمية العقيد زياد الحريري بعد ترقيته إلى رتبة اللواء رئيساً لأركان الجيش. وفي اللقاء بين الشخصيات السياسية والقادة العسكريين عصر يوم 8 /3، لم ينجح الناصريون بتسمية مرشحهم نهاد القاسم لتشكيل الوزارة، لأنه كان قد تم الاتفاق مسبقاً، بين الضباط البعثيين والعقيد زياد الحريري على مؤسسات الحكم اللاحقة. وتقرر تسمية الأستاذ صلاح البيطار رئيساً لمجلس الوزراء، وأعلن في يوم السبت 9/3 أسماء أعضاء الوزارة التي ضمَّ عشرين وزيراً، بينهم 11 وزيراً بعثياً بمن فيهم الرئيس. ...


أوامر المجلس الوطني لقيادة الثورة:

أمر رقم 1

تاريخ 8 / 3 / 1963

اختصاص المجلس الوطني لقيادة الثورة بممارسة السلطتين التشريعية والتنفيذية

ان المجلس الوطني لقيادة الثورة يعلن ما يلي:...


عفلق وإنقلاب 8 آذار 1963:

عندما وقع إنقلاب الثامن من آذار عام 1963 كان ميشيل عفلق الأمين العام لحزب البعث في بيروت، وقد غادرها فوراً وتوجه إلى دمشق، وقد سمح له بالدخول إلى سورية رغم إغلاق الحدود. وكان قد صرح وهو في بيروت، وقبل وقوع الإنقلاب بأن سورية تنتظر أمراً خطيراً خلال اليومين القادمين، وأنه هو شخصياً يعد نفسه لهذا اللقاء التاريخي.


 الموقف العربي والدولي من إنقلاب 8 آذار 1963


اقرأ:

03.03.1963 الرئيس ناظم القدسي يتشارو مع الرئيس القوتلي في منزله
04.03.1963 جمعية الاقتصاديين العراقيين تناشد القدسي لإيقاف تنفيذ إعدام العسكريين
04.03.1963 ناظم القدسي يترأس إجتماعاً لمجلس الوزراء في القصر الجمهوري
04.03.1963 خالد العظم رئيس الحكومة يمارس عمله في مبنى المجلس النيابي 
05.03.1963 الرئيس ناظم القدسي يصدر مرسوم عفو عام
07.03.1963 أديب الداوودي سفيراً لسورية في عمان
07.03.1963  خالد العظم يرفض إعفاء مطيع السمان
08.03.1963 أنباء عن إعفاء الفريق عبد الكريم زهر الدين وإبعاد زياد الحريري
08.03.1963 دمشق في صبيحة الثامن من آذار عام 1963
08.03.1963  إنقلاب الثامن من آذار 1963
09.03.1963  مرسوم تحديد سلطات المجلس الوطني لقيادة ثورة آذار 1963
09.03.1963 صلاح البيطار يشكل الحكومة الأولى
09.03.1963 نص اعتراف الأردن بإنقلاب 8 آذار 1963
11.05.1963 استقالة حكومة صلاح الدين البيطار الأولى
27.05.1963 مرسوم إلغاء جوازات السفر بين سورية ومصر والعراق عام 1963

 

 

 المراجع والهوامش:

(1) مروان حبش: انقلاب 8 آذار 1963

(2) مروان حبش: انقلاب 8 آذار 1963

(3) مروان حبش: انقلاب 8 آذار 1963

(4) صحيفة الدفاع - عمان، العدد 8256 الصادر يوم الاثنين 11 آذار 1963

(5) الجريدة الرسمية – دمشق، العدد 12 الصادر في 21 آذار عام 1963م، صـ 2431.

(6) الجريدة الرسمية – دمشق، العدد 11 الصادر في 14  آذار عم 1963م، صـ 2253

(7) صحيفة الدفاع - عمان، العدد 8256 الصادر يوم الاثنين 11 آذار 1963

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى