فلسطين الجرح الدامي في فؤاد الأمة العربية
كانت فلسطين قبل حرب عام 1914 العالمية جزءاً من الدولة العثمانية وهي رقعة صغيرة من الأرض مساحتها نحو 26 ألف كيلو متر مربع. فلما انهارت الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وقعت فلسطين بين مخالب الاستعمار البريطاني من ناحية وجشع اليهودية العالمية من ناحية أخرى. وجعلت تتخبط بين هاتين القوتين العظميين وليس لها من ناصر ولا معين إلا الله.
ولم يكن لدى أهلها من وسائل المقاومة والدفاع ما يستطيعون به دفع أذى أو رد عادية.
وبالرغم من ذلك كله قامت جماعة من أبناء فلسطين المخلصين يبذلون جهودهم الضئيلة، وينظمون صفوفهم القليلة، ويؤلفون جبهة متواضعة أمام تلك القوى الدولية العاتية، وكان سلاحهم الوحيد الإيمان والإخلاص.
وبالرغم من عدم التكافؤ بين القوتين والجبهتين، فقد نشبت معركة هائلة طويلة المدى لم تلن فيها لعرب فلسطين قناة ولم تهن لهم عزيمة في كل أدوار الكفاح والنضال، مدة ثلاثين عاماً، حاول خلالها الاستعمار البريطاني ـ متآمراً مع اليهودية العالمية ـ بلوغ أغراضه ومقاصده في فلسطين بالوسائل الآتية:
حاولوا بادئ ذي بدء أن يحملوا عرب فلسطين على الرضوخ والإذعان لخطتهم الغاشمة والموافقة على سياسة إنشاء الوطن القومي اليهودي الذي وعدهم به بلفور.
فلما أسقط في أيديهم جعلوا أكبر همهم شراء أرض فلسطين بالمال وامتلاك البلاد عملياً بهذه الوسيلة، فألقوا بمئات الملايين من الجنيهات، فارتفعت أسعار الأراضي عشرات الأضعاف بل إلى مئات الأضعاف أحياناً. ولكن عرب فلسطين صمدوا أمام هذه التجربة أيضاً وقد بلغ ما بيع من الأراضي حتى انتهاء الانتداب البريطاني عام 1948 / 15 أيار فقط سبعة بالمئة من مجموع مساحة أراضي فلسطين.
ما انفك الإنكليز ـ منذ احتلالهم فلسطين ـ يساعدون اليهود بمختلف الوسائل على التسليح والتدريب والتنظيم العسكري، في حين كان كل ذلك محرم على عرب فلسطين.
بقي زعماء اليهود يعملون متعاونين مع البريطانيين على إيجاد الظروف الملائمة لإجلاء عرب فلسطين عن بلادهم وتسليمها لليهود، وقد تعهدوا على تسليم فلسطين لليهود خالية من سكانها العرب!!…
في شهر آذار 1942 خطب بن غوريون في تل أبيب قائلاً:
“إن الصهيونية قد انتهت من وضع خطتها النهائية وهي أن تصبح فلسطين دولة يهودية. وإن اليهود لا يستغنون عن أي قسم من فلسطين، حتى قمم الجبال وأعماق البحار”.
وفي ديسمبر 1944 عقدت اللجنة التنفيذية العامة لحزب العمال البريطاني مؤتمراً كان من أخطر المؤتمرات في تاريخ هذا الحزب، وبعد بحث قضية فلسطين اتخذت قراراً بالإجماع: “بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية، وإخراج أهلها العرب منها إلى الأقطار المجاورة”، ولم تعترض الحكومة البريطانية على ذلك المبدأ الأثيم.
لم تعد المطامع اليهودية الخطيرة في البلاد العربية المجاورة لفلسطين خافية، فإن زعماء اليهود المسؤولون جاهروا ويجاهرون بأن فلسطين لا تكفيهم، وأنها ليست إلا “مركز وثوب” لتحقيق أهداف الصهيونية العالمية، وهي الاستيلاء على بقية فلسطين والأردن وسورية ولبنان والعراق وسيناء والدلتا المصرية ومناطق خيبر وبني قريظة وبني النضير، وغيرها من الأراضي الحجازية المجاورة للمدينة المنورة، بما فيها قسم كبير من المدينة المنورة نفسها، بحجة أنها كانت موطنهم في القرون الماضية، وقدموا طلباً باستعمارها إلى الملك عبد العزيز آل سعود مقابل عشرين مليون جنيه ذهباً بواسطة الرئيس الأمريكي روزفلت، عندما قابله في فندق الفيوم القائم على بحيرة قارون في مصر عام 1945، ولكن الملك عبد العزيز رحمه الله رفض بكل شدة وإباء.
ولا يحاول اليهود إخفاء مطامعهم بل يتحدّون الأمة العربية كلها بوقاحة واستخفاف!… فهم ينقشون على واجهة الكنيست عبارة “أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”. ولا يتسع المجال للتفصيل في مطامع اليهودية والصهيونية في هذا الكتاب بل أكتفي بالأمور التي لها علاقة بجميل مردم بك، والأحداث التي جرت في فترة ما بعد استقلال سورية.
هكذا ضاعت فلسطين:
لم تكتمل فرحة سورية بالجلاء بسبب قلق أهلها والدول العربية على مصير فلسطين التي تفاقمت فيها موجات الغزو الصهيوني المتعاقبة وأحداث داخلية وصراعات مع اليهود.
دعا مجلس الجامعة العربية إلى عقد دورة استثنائية في بلودان بسورية في 8 حزيران 1946، حضرها ممثلون عن مصر والعراق والأردن واليمن والسعودية وفلسطين وسورية ولبنان. مثَّلَ سورية سعد الله الجابري ـ فارس الخوري ـ جميل مردم بك ـ ولطفي الحفار، وكان أمين عام الجامعة عبد الرحمن عزام باشا.
وفي اليوم الأول لانعقاد المؤتمر انبثقت عنه لجنة داخلية بناءً على قرار مجلس الجامعة مؤلفة من الأعضاء التالية أسماؤهم:
• الشيخ يوسف ياسين: عن المملكة العربية السعودية.
• حمدي الباجه جي: عن مملكة العراق.
• الدكتور فوزي الملقي: عن إمارة شرق الأردن.
• علي المؤيد: عن إمامة اليمن.
• صائب سلام: عن لبنان.
• جميل مردم بك: عن سورية.
• لطفي الحفار: عن سورية
وانتخبت تلك اللجنة الداخلية لطفي الحفار رئيساً لها وصائب سلام مقرراً. ومثل فلسطين جمال الحسيني.
بعد بضع جلسات معلقة ومداولات ومباحثات خرج المؤتمر بتوصيات… ما أنزل الله بها من سلطان!!!… ظن العرب بعدها بأن فلسطين ستعود لأهلها سالمة غانمة.
وبدأ الخلاف العربي وبدأت المشاحنات في طريقة حلّ الأزمة الفلسطينية.
في أثناء وجود سعد الله الجابري رئيس الوزراء في القاهرة على رأس وفد سورية، تأزم الوضع بدمشق ودب الخلاف بين سائر الوزراء. فأوفد شكري القوتلي رئيس الجمهورية رئيس ديوانه لزيارة الجابري في مصر الذي ألمّ به مرض مفاجئ. وقيل أنه أرسله ليطمئن عليه، وقيل لأخذ إعلان استقالته منه شفهياً.
“بعد أن زاد ألم المرض بسعد الله الجابري عاد إلى حلب. وفي صباح اليوم العشرين من شهر حزيران 1946 توفي زعيم العروبة رحمه الله وحزنت عليه البلاد حزناً شديداً؛ فقد كان خسارة كبرى لسورية. وقد أقيم للفقيد الكبير حفل تأبين على مدرج الجامعة السورية بدمشق 05/04/1948 حضره رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي ورئيس الوزراء جميل مردم بك رئيس لجنة التأبين والعديد من زعماء العالم العربي. وقد ألقى جميل مردم بك كلمة فيما يلي مقاطع منها:
سيدي الرئيس: أتقدم إليكم بوافر الشكر وعظيم الامتنان على تفضلكم بحضور هذه الحفلة التي نقيمها تخليداً لذكرى رفيق من رفاق الجهاد وأخ من أحب الأخوان.
وأرفع آيات الحمد إلى حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق عاهل مصر والسودان الذي تفضل فأوفد مندوباً خاصاً ليمثله في هذه الحفلة اعترافاً بما للفقيد الغالي سعد الله الجابري من مكانة مرموقة في نفوس أبناء الضاد.
وأقدم إلى صاحب الفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية جزيل الشكر على تفضله بإيفاد من يمثله تقديراً لما يتمتع به الراحل الكبير من مقام سَني في القطر الشقيق اللبناني.
كما وإنني أزجي من الشكر أَبْلَغَهُ ومن الثناء أغزره لكبار رجالات العرب الذين تكرموا بالحضور أو بإرسال كلماتهم مشاركةً لنا في هذا الرزء الأليم، الذي هو في الحقيقة رزء العرب أجمعين.
عاش الجابري ومات في سبيل هذا الوطن، لم يخفق قلبه إلا لمجد أمته، ولاصَبَتْ نفسه إلا لصيانة بلاده، ولا شعر بألم غير ألمها، ولا سعد إلا بسعادتها. ما عرف الوهن في اللقاء، ولا الخور في العزيمة والمضاء، ولا ألان قلبه يأس، ولا حطم إرادته طغيان.
كان المثل الكامل للرجولة، عف السريرة، متوقد الذكاء، سريع الخاطر، حاضر البديهة، لا يبالي ما يعترض طريقه في الجهاد من عقبات وعثرات، مضحياً بالنفس والنفيس في سبيل مَثَله القومي وهَدَفه الوطني، حتى زهد في متع الحياة، وما فكر إلا في بلاد الشام وطنه الصغير، وبلاد العرب وطنه الكبير.
وكانت كرامته بكرامة وطنه، بل كان يجعل كرامة الوطن فوق كل كرامة وعزة الوطن فوق كل عزة، كما كان في وفائه لصحبه وإخوانه نسيجٌ وحده، فلم يحاول أن يبني مجده الشامخ وشرفه الباذخ على أشلاء أخدانه وهياكل أترابه، بل أنه يقر بفضل كل ذي فضل، ويقدر عمل كل عامل مخلص، مصرحاً بذلك في خطبه وأحاديثه على رؤوس الأشهاد.
ولقد احتل مكانة سامية ومنزلة عالية لدى رجالات العرب في مختلف أقطارهم ومتباعد ديارهم، لما لمسوا فيه من المزايا الرفيعة والخصال المنيفة التي عزّ مثالها وبعد منالها، فهفت إليه القلوب وتطلعت إليه النفوس وانعقدت على حبه الخناصر وضمت على إجلاله الجوانح.
وكان في جميع المحافل الأجنبية مثال الرجل الجريء في صراحته، القوي في حجته الصلب في حق وطنه وأمته.
سيدي الرئيس: في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا ونضالنا القومي نفتقد سعد الله الجابري في إخلاصه وشدة مراسه وفيض عبقريته وذكائه فلا نجده، ونشعر بالفراغ العظيم الذي خلّفه فقده، فإذا غاب عنا وجهه وتوارى تحت أطباق الثرى شخصه فإن أحدوثته الذكية وسيرته الرضية وأعماله الطيبة ستبقى أبداً ماثلة لعيوننا، وسنمضي قُدماً لتحقيق ما تعاهدنا عليه من رفع اسم بلاد الشام عالياً، وتحرير البلاد العربية وتحطيم ما ترسف فيه من أغلال الرق وقيود العبودية، حتى تعود الأمة العربية سيرتها وتواصل رسالتها في خدمة الحضارة والإنسانية، لأننا نؤمن إيماناً ثابتاً لا يتزعزع بأن الناس قد ولدوا أحراراً ولا حق لأحد أن يسومهم ذل الرق وخسف الاستعباد أو يرضخهم إلى هوان الاستعمار وقيد الإسار.
وإن هذه الجمهورية السورية المستقلة التي ساهم سعد الله الجابري في تشييد بنيانها وترسيخ أركانها برغم حداثة عهدها وبداءة نشأتها سائرة نحو أهدافها الكبرى ومثلها العليا.
وإن جامعة الدول العربية التي كان لفقيدنا العزيز قسطه الوافر ونصيبه الكبير في مراحل تطورها ورفع صرحها الرفيع وتأثيل عزها المنيع، ماضية في سبيل جمع شمل العرب والدفاع عن حقوقهم وبلوغ أعز أمانيهم وأكرم آمالهم.
ذلك هو العهد الذي تنعم روح سعد الله الجابري بالوفاء به وتحقيقه، لا الدمع الصبيب والأسى الكثيب. وهو من نستمد من روحه السامية القوى لإتمام ما بدأناه وإنجاز ما حاولناه من تحرير دنيا العرب وتذليل كل عثرة تعترض سبيلهم وتعوق نهضتهم وتؤخر بعثهم، ومهما كانت الأنواء شديدة والعواصف ثائرة صاخبة فإن سفينة العالم العربي سائرة باسم الله مجراها ومرساها إلى الشاطئ الأمين، وهي بالغة بحول الله وعونه وبفضل إخلاص القادة والوعي القومي والشعور المرهف والآمال والآلام التي أورثنا إياها تاريخ مليء بالمفاخر الباقية والمآثر الخالدة، إلى ما تهفو إليه وترجوه.
فعلى رجال الحكم في بلاد العرب أن يتخذوا من حياة سعد الله الجابري مثالاً يحتذى، وأسلوباً يسطر على غراره وينسج على منواله إذا كانوا يحرصون على بلوغ الغاية وإدراك الوطر القومي والأرب العربي، ويرغبون في أن يخلد التاريخ أعمالهم وتبقى على الدهر صحائفهم، حتى لا تدهمنا الحوادث ولا تنغصنا المفاجئات ولا تبعد بنا عن إدراك أهدافنا الخطوب والنوائب.
فمن عاش كما عاش سعد الله الجابري، وتحلى بما تحلى به من وطنية في الحكم وفي خارج الحكم، واستقر في صميم الشعب كما استقر، وسهر على مصالحه كما سهر، وأدرك ما يضطرب في فؤاده ويهجس في نفسه أخلق به أن يحقق الأمل ويدرك الوطر ويبلغ الغاية ويخلد في ديوان الإنسانية وسفر النهضة القومية الوطنية.
شكّل جميل بك الوزارة الجديدة في 27/12/1946، وانعقد في القاهرة مؤتمر الجامعة العربية برئاسته وعضوية نعيم أنطاكي وزير الخارجية، وأهم الموضوعات التي عالجها المؤتمرون كان موضوع فلسطين، الذي أخذ يزداد سوءاً وتعقيداً وتآمراً سافراً من بريطانيا وأمريكا على حقوق أبنائها والعرب جميعاً.
في عام 1947 جرت في سورية انتخابات جديدة في 07/07/1947 فنجح قسم من لائحة “الحزب الوطني” المنبثق عن “الكتلة الوطنية” فاز فيها: فارس الخوري ـ سعيد الغزي ـ صبري العسلي ـ أحمد الشرباتي ـ جورج صحناوي ـ نسيب البكري ـ جميل مردم بك، ومن قائمة حزب الشعب: سامي كبارة ـ منير العجلاني ـ زكي الخطيب، والشيخ محمد المبارك من قائمة العلماء، وحبيب كحالة صاحب جريدة المضحك المبكي من الحزب القومي العربي، ونوري الابش ـ نوري الحكيم ـ محمد آقبيق ـ فريد أرسلانيان من المستقلين.
في 29 تشرين الثاني 1947 قررت هيئة الأمم المتحدة تقسيم فلسطين بين العرب الفلسطينيين واليهود الصهاينة. كان رئيس الوزراء آنذاك جميل مردم بك التي شكلها بتاريخ 06/10/1947. وفي منتصف شهر أيار 1948 وقعت كارثة فلسطين، ولم تجد البلاد العربية بداً من محاربة إسرائيل، فدخلت جيوشها فلسطين لإنقاذها من الغاصبين وحققت معارك رابحة، ولكن مجلس الأمن الذي انعقد في العاشر من حزيران فرض هدنة على الطرفين كانت في البداية مؤقتة ثم أعقبها هدنة بُنيت على المفاوضات، فأعلنت الأحكام العرفية في سورية، وسُمّي رئيس الوزراء جميل مردم بك حاكماً عسكرياً لها. وتم حل جيش الإنقاذ في 15/ أيار 1948 وتقرر استبداله بالجيوش النظامية.
زحفت الجيوش العربية من مراكز تحشّدها في الساعة العاشرة من صباح يوم 15 أيار 1948 إلى هدفها فلسطين، كما روى ذلك فوزي القاوقجي قائد جيش الإنقاذ في مذكراته. وكانت محطات الإذاعة في العواصم العربية تذيع خطب رؤساء الدول والحكومات على الشعوب واعدة إياها باقتراب ساعة تصفية الحساب مع اليهود، مؤكدة لهم النصر، ومظاهر الأفراح قائمة في كل مدينة عربية وفي كل قرية، ولم يكن أحد من العرب يشك في النصر الموعود، سوى القيادة العامة لهذا الجيش (ويذكرني ذلك بما حدث عام 1967 وخطابات عبد الناصر وصوت العرب إذاعة أحمد سعيد وغيرها من الإذاعات العربية)!!…
ابتهج الفلسطينيون وتحمسوا كثيراً لدخول الجيوش النظامية، لاعتقادهم أنه قد جاء الفرج واقتربت ساعة النصر النهائي. قام جيش الإنقاذ برفد الجيوش العربية بقواته وسلاحه وخبرته التي اكتسبها في معاركه السابقة، وجرت معارك ضارية منها معركة المالكية العظيمة التي رفعت معنويات الجيوش العربية. وتتالت الضربات على القوات اليهودية. يقول عبد الرحمن عزام باشا لفوزي القاوقجي عندما سأله: ما رأيك بطلب الهدنة؟ فأجابه فوزي: لست أرى معنى لها فنحن نتقدم على العدو في كثير من المعارك. فأجابه عزام باشا: “إن الأميركان والإنكليز يضغطون علينا ضغطاً شديداً، لنقبل الهدنة. وقوات الجيوش العربية يشكون من قلة العتاد، ويطلبون قبول الهدنة” قال القاوقجي: “إنني استغرب هذه الشكوى وهم لم يخوضوا بعد أية معركة كبيرة تستنفد العتاد وتحملهم على الشعور بالضعف”!!… قال عزام باشا: “إنه أمر لا بد منه؛ فالحكومات العربية مشتركة مع القواد في الرأي بضرورة قبول الهدنة” قال القاوقجي: “إن الهدنة معناها إعطاء فرصة لليهود ليزيدوا من تسلحهم…”
وفي نهاية الحديث قال القاوقجي لعبد الرحمن عزام باشا: “أرجو منك أن تبذل ما بوسعك لإحباط مشروع الهدنة فقد تكون مبدأ كارثة فلسطين”.
ساد الجبهة مع اليهود هدوء نسبي مرده إلى انشغال اليهود باستعداد واسع النطاق نتيجة ما يصلهم من أسلحة وعتاد وأفراد، بينما العرب في لهوهم يعمهون وفي اجتماعاتهم والمؤتمرات السياسية ضائعون وعن اليهود ساهون.
في 11 حزيران 1948 قام اليهود بهجوم مضاد بعد قصف شديد. ثم تلاه هجوم آخر في 20 حزيران. وكانت أمريكا وانكلترا ترسلان البوارج من البحر لقصف القوات العربية. وصمد العرب صموداً مشرفاً لكن عُقدت هدنتان: الأولى في 11 حزيران 1948 والأخرى في 18 تموز 1948، وانسحبت الجيوش العربية من فلسطين، وانقلب الوضع رأساً على عقب.
كان جميل بك قد عارض بشدة الموافقة على الهدنة الأولى والثانية، والتي كانت الموافقة عليها سبباً مباشراً للهزيمة. ولكنه اضطر في المرتين للموافقة تحت ضغط المصريين والعراقيين والأردنيين الذين كانوا لا يزالون يعانون من الاحتلال البريطاني.. وكانت الحكومة الوحيدة التي تساند سورية هي حكومة لبنان المستقلة التي يرأسها السيد رياض الصلح. وكذلك رفض اتفاقية الهدنة التي دعيت إليها سورية لتوقيعها في رودس.
وفي خضم هذه الأحداث أطلق اليهود النار على “الكونت برندوت”، وهو الوسيط الدولي الذي عينته الأمم المتحدة للتفاوض مع العرب والصهاينة.
وبما أنني لست في معرض التأريخ للكارثة الفلسطينية المفجعة، التي لا زال الشعب العربي يدفع دماء أبنائه ثمناً لها ويدفع ثرواته البشرية والمادية في سبيلها. لذلك لن أتوسع في تفاصيل أحداثها الدقيقة ومواقف رؤساء الدول العربية والعالمية من هذه المأساة.
في 22 آب 1948 شكل جميل مردم بك وزارة جديدة عقب استقالة وزارته السابقة في 18 آب. وفي 01/12/1948 قدم جميل مردم بك استقالة وزارته الأخيرة التي كانت مؤلفة من: جميل مردم بك رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية والدفاع، وسعيد بك الغزي وزيراً للمالية. ومحمد العايش وزيراً للاقتصاد الوطني. وقُدمت الاستقالة إلى رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي. وتألفت الوزارة الجديدة برئاسة خالد بك العظم الذي احتفظ بوزارة الخارجية والدفاع. ثم وقع انقلاب حسني الزعيم.
“قبل الحديث عن مجريات وأسباب انقلاب حسني الزعيم لا بد من الحديث عن كيفية عودته إلى الجيش بعد أن سُرح منه”.
ولي وقفة مع الأستاذ عدنان الملوحي في كتابه “أيام الشام” الذي يتحدث فيه عن أسرار ودقائق المجريات التي عاشها وهو الصحفي المخضرم والمواكب للأحداث عن قرب خلال الفترة العصيبة من حياة سورية.
يقول الأستاذ عدنان الملوحي:
في أحد أيام نيسان 1947 أقام أحد أنصار العهد الوطني حفلة كبرى حضرها حوالي ألف مدعو في مقدمتهم الرئيس شكري القوتلي وأقطاب العهد الوطني وكبار رجالات البلاد… في مزرعته الخاصة في غوطة دمشق.
كان الرئيس شكري القوتلي يجلس في صدر السرداق الذي أقيم في المزرعة يحيط به عدد من الوزراء والنواب وكبار المسؤولين ورجال الدولة، وكلهم يكنّون لفخامته التقدير والاحترام…
ولكني لاحظت بعض الفتور بين الرئيس القوتلي ورئيس الوزراء السيد جميل مردم بك. وبدا واضحاً أن بين الرجلين الكبيرين بعض الخلاف حول الموقف من قضية إعادة حسني الزعيم إلى الخدمة، كما فعل الرئيس القوتلي، بينما كان الرئيس مردم بك يرفض هذه البادرة ويحذر ويصف الزعيم بأنه متهور مغامر… وقد يُعرّض البلاد للخطر ويتصرف تصرفاً غير مسؤول. وكان رأي السيد جميل مردم بك في الحقيقة صائباً وصحيحاً أيضاً في هذا الأمر. وهو أن من كان يخدم في صفوف الجيش الفرنسي العدو، وتحت علمه الأسود، ويؤدي له التحية في الصباح والمساء، لا يصح أن يخدم أو يعاد إلى الخدمة في الجيش الوطني، خاصة وأن حسني الزعيم كان مدمناً على شرب الخمر وتعاطي القمار، ولم يُعرف عنه موقف وطني مشرّف في حياته على الإطلاق.
بينما كان الرئيس القوتلي برقة قلبه وحبه للإحسان إلى الناس يقول للرئيس جميل مردم بك: “عفا الله عما سلف… وحسني مسكين ودرويش ولا شوكة ولا دباحة… وبدو سلتو بلا عنب!!…”
يتابع الملوحي حديثه قائلاً:
وأذكر أن الرئيس جميل مردم بك أشار إليّ بيده وهو يجلس بجانب رئيس الجمهورية في صدر السرادق في تلك الحفلة الكبرى، فلما اقتربت منه نظر إلي الرئيس القوتلي بطرف عينه، فقال لي السيد مردم بك: (أحضر غداً الساعة الحادية عشرة إلى مكتبي في رئاسة الوزراء لتنضم إلى الوفد المرافق، ولتسافر معنا إلى لبنان حيث سأُمثل سورية في الاحتفال بعيد استقلال لبنان الشقيق وجلاء القوات الأجنبية عن أرضه..)
فرحت كثيراً وشكرت الرئيس مردم بك على بادرته الطيبة نحوي، وكان بيني وبينه معرفة طيبة… وإن لم أكن على اتفاق معه في الرأي، ولكنه والحق يقال، ذكي وألمعي وعلى قدر كبير من المعرفة بالسياسة، وإنك لتعجب لهذا الرجل النحيل القصير القامة الصغير الرأس، كيف استطاع أن يتقدم على سائر رفاقه من رجال الرعيل الأول، وأن يتولى رئاسة الحكومة وأكثر من ثلاثة وزارات معها في بعض الأحيان عدة مرات!!… وفي ظني أن السيد جميل مردم بك كان ذكياً إلى حد يفوق الوصف، وربما كان يفوق في ذكائه فيصل بن عبد العزيز وإن اختلف الكثيرون فيمن هو أذكى!!…
أعود إلى الحديث عن حسني الزعيم في كتاب عدنان الملوحي:
بعد نقل حسني الزعيم وتسلمه لمنصبه الذي قفز منه إلى السلطة، ساءت العلاقة كثيراً بين رئيس الحكومة السيد جميل مردم بك ورئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي، وكان من نتيجة ذلك وبسبب الدسائس التي كانت تحاك في القصر الجمهوري ضد السيد جميل مردم بك لحمله على الاستقالة، أن أضطر مُكرهاً إلى التخلي عن الحكم والسفر إلى منفاه الاختياري في القاهرة. وبذلك تمكن خالد بك العظم من تأليف الوزارة الجديدة.
يقول عدنان الملوحي:
في تلك الفترة العصيبة بعد هزيمة العرب في فلسطين 1948 رأيت من واجبي بل من صلب عملي ومهمتي أن أهرع إلى دار السيد جميل مردم بك رئيس الوزراء يومئذ، لأسأله عن هذا الذي يجري في الخفاء والعلن، على حد سواء، للإطاحة بالعهد الوطني والنظام الديمقراطي والقيام بانقلاب على أثر الهزيمة الأولى المُرّة في فلسطين، على يد الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية وصنيعتها إسرائيل… وسألته وهو في حالة من الذهول والإحباط بسبب ما جرى وما وقع، فقال لي وكأنه يحاول إيجاد المبررات والأعذار عن كل ما حدث: “لقد حذرت فخامة الرئيس، خاصة في الآونة الأخيرة، من مغبة عودة حسني الزعيم إلى الخدمة، ومن خطر بقائه في منصبه الذي يشجعه ويغريه للقيام بانقلاب تدفعه إليه وتغريه للقيام به الولايات المتحدة الأميركية، التي تخطط لإثارة الفوضى في سورية والبلدان العربية الأخرى، وللقيام بانقلاب فيها، لتقوية إسرائيل وتمكنها من الوصول إلى أهدافها العدوانية، وبالتالي لتحقيق أهدافها وهي التغلغل والتسلل إلى بلادنا العربية وفرض وجودها وسيطرتها عليها، ومع ذلك فإن فخامته لم يأبه لتحذيري، وها هم، يا بُني يريدون حملي على تقديم استقالة حكومتي ليخلو لهم الجو. وليجدوا في الوزارة القادمة، مجالاً للوصول إلى الانقلاب المنشود والموعود!!…
وأذهلتني المفاجأة، بل هذه المكاشفة والمصارحة، وقلت في نفسي: لعل السيد جميل مردم بك، وهو يقول ويصرح بذلك، لا يريد ترك الحكم، بل يريد البقاء فيه، لاسيما هو الذي اشتهر كثيراً بأنه متمسك أكثر من غيره بالحكم والسلطة. ولكن الرجل بحكم موقعه وتأثيره الكبير والمباشر على الأحداث ودوره الفاعل فيها، ربما كان حريصاً على أن يجنب البلاد ـ وهو أحد أبرز رجالاتها ـ خطر هذا الانقلاب الذي يحذر منه، والذي يهدد البلاد التي لم تنعم بالاستقلال والاستقرار إلا منذ عهد قريب لا يزيد عن عامين!!..
قال لي السيد جميل مردم بك والكلام لعدنان الملوحي: “ربما قدمت استقالة حكومتي لرئيس الجمهورية في وقت قريب جداً، وسأغادر البلاد بعد ذلك إلى القاهرة لأقيم فيها… وإذا قدّر لي، يا بُني، أن أعود، ولا أظن أنني سأعود، وإذا قُدّر لبلادنا أن تَسْلم من شر هذا الانقلاب الذي يطل برأسه الأسود، ولا أظن ذلك، وإذا استيقظ فخامة الرئيس من غفلته، ولا أظن ذلك…
لقد كنت على خلاف مع السيد جميل مردم بك، لتمسكه الشديد بالحكم والسلطة… ولكن الرجل، والحق يقال، كان ذكياً وشجاعاً، وكان ديمقراطياً أيضاً، وكان معارضاً شديد البأس للانقلابات والدكتاتوريات، وهو يعرف خطرها الشديد على البلاد، والتي تقلب الحياة رأساً على عقب وتسبب الدمار والإرهاب والفوضى والعذاب للشعب والأمة!!…
وإذا نادى السيد جميل مردم بك بإنقاذ البلاد من خطر الانقلاب وحذر منه، فإنني أُقدّر له هذا الموقف الذي لم يقفه يومئذ رجال العهد الوطني وعلى رأسهم رئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي، الذي كانت المياه تجري من تحته وهو لا يدري، وكان مع غيره من رجال العهد الوطني المحيطين به في غفلة عن هذا الخطر الداهم القادم، وكانوا يظنون أن السيد جميل مردم بك يحذر من خطر غير موجود ومن شيء لا أساس له!!…
بعد سفر السيد جميل مردم بك إلى القاهرة، وقد ودعته على سلم داره، قامت حكومة خالد بك العظم، كما هو معدّ ومخطط، وبدا واضحاً أن ساعة الانقلاب تقترب، وأن نهاية العهد الوطني والحياة الديمقراطية قد اقتربت هي أيضاً، وأن سورية مقبلة على أحداث خطيرة جسام… ولكن بعض الأعين كانت مغلقة وغافلة، ورئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي في غفلة عما يجري في الخفاء وعلى بعد خطوات منه!!…
وقد حدثت حالة من الفوضى والضياع والاعتقاد بأن البلاد على أبواب انقلاب، وأن حسني الزعيم سيقوم به نيابة عن الولايات المتحدة الأميركية!!…
لكن الرئيس شكري القوتلي كان يستبعد قيام انقلاب في سورية رغم أنه سمع به من بعض المقربين إليه ومن بعض الموظفين… وبدا واضحاً تماماً أنه كان لا يشعر بشيء مما يجري حوله، أو كان يُقنع نفسه بأنه لم يخطئ بإعادة حسني الزعيم إلى الخدمة!!…
يقول الأستاذ عدنان الملوحي:
وأنقل هنا أوراقي التي كتبتها واحتفظ بها منذ تلك الأيام من عام 1949 هذه الواقعة:
أرسلني ابن عمي الحاج رشيد الملوحي، وهو صحفي وطني قديم، ومن أقرب المقربين إلى الرئيس شكري القوتلي يوم 12/02/1949 إلى دار الرئيس القوتلي القريبة من داره في حي (بستان الرئيس) قرب محلة الجسر الأبيض، وقال لي: إنه تحدث إلى فخامته حول الانقلاب الوشيك الوقوع وقال له: “إن ابن عمي عدنان، قد علم بهذا الأمر الخطير من رئيس الوزراء المستقيل السيد جميل مردم بك الذي سافر إلى القاهرة بعد أن يئس من إقناع الرئيس القوتلي بوجوب إبعاد حسني الزعيم وإنهاء خدمته قبل أن يورط البلاد فيما ينوي توريطها به”.
وصلت بيت فخامة الرئيس وأدخلني رجل شركسي إلى غرفة الضيوف، ولم يلبث الرئيس القوتلي أن دخل من غير اكتراث ولا اهتمام، ووقفت احتراماً له وبادرني قائلاً: “أنت ما تزال يا بني صغيراً للخوض في مثل هذا الأمر الذي حدثني الحاج رشيد عنه وأنك على معرفة به، فأنا الذي أعرف كل شيء!! وأعرف أن حسني الزعيم لا يفكر في انقلاب ولا في شيء آخر وما يهمه هو تأمين عيشه وسلامته وسعادته، ولا شوكة له ولا دبّاحة… اذهب يا بني، وسلم لي على ابن عمك الحاج رشيد، وأرجو لك النجاح في عملك الصحفي الجديد”!!…
وانصرف الرئيس القوتلي وتركني وحدي ولم أجد بداً من الخروج والعودة إلى ابن عمي لأخبره بما وقع لي مع فخامته.
إن الغرفة التي عاد إليها الرئيس القوتلي، وهو البطل الوطني والمناضل الكبير من أجل الاستقلال، بعد أن ودعني على تلك الصورة التي وصفتها وأثرتْ في نفسي كثيراً، هي نفسها الغرفة التي اقتحمها عليه ليلة الانقلاب رجال حسني الزعيم وأيقظوه من نومه وحملوه إلى سجن المزة بلباس النوم جزاء ما قدمه لبلاده وشعبه وأمته وما بذله في سبيل استقلالها وسيادتها وحريتها.
ولعل عدم الخوض والاسترسال في ما ورد في كتاب عدنان الملوحي حفاظاً على كرامة وشرف المواطن العربي الأول كما سماه عبد الناصر. وأكتفي بما سبق ذكره وأنوه إلى أن أول عمل قام به حسني الزعيم غداة انقلابه هو توقيعه بناء على طلب أمريكا اتفاق “التابلاين” الذي رفض جميل بك وشكري بك توقيعه والذي كان من أحد أسباب الانقلاب.
وأختم الكلام عن حسني الزعيم بما ورد في كتاب محمد سهيل العشي “فجر الاستقلال في سورية منعطف خطير في تاريخها”:
يقول محمد سهيل العشي:
في حوالي 25 آذار 1949 استدعت السفارة البريطانية في دمشق السيد المحامي الأستاذ (عصام الإنكليزي) وأعلمته وجود محاولة انقلاب على القوتلي. وفي السابع والعشرين من آذار استدعت سفيرنا (إدمون حمصي) وطلبت إليه إبلاغ القوتلي بأن انقلاباً يعدّه حسني الزعيم قائد الجيش ضده.
“نادى الرئيس شكري القوتلي حسني الزعيم في مساء 29/03/1949 ليلاً، فدخل إلى مكتبي وقال: خيراً يا سهيل ماذا يريد فخامة الرئيس؟ أجبته: لا أدري لكنه يريدك فوراً. ورافقته إلى مكتب الرئيس في الطابق العلوي، وعدت إلى مكتبي وبعد حوالي نصف ساعة، رأيته يدخل إلى مكتبي وعيناه مغررتان بالدموع وقال لي: يا سهيل، إذا كان في سورية رجل تُقَبَّل قدمه وليس يده، فهو هذا الرئيس شكري القوتلي!! أنا أُتّهم بالقيام بانقلاب؟ معاذ الله، لقد أقسمت لفخامة الرئيس أن هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة، وهي ملفقة وكاذبة ومغرضة!!…
وقد أجاد التمثيل لدرجة صدقته، كما صدقه فخامة الرئيس قبلي. وبدأتُ أُطيبُ خاطره حتى هدأ، وقفل عائداً من حيث أتى إلى القنيطرة مركز قيادة الجبهة.
وفي حوالي الساعة الثالثة من صباح يوم 30 آذار 1949 وقع الانقلاب.
ا لحكومات التي تولى رئاستها
جميل مردم بك
(من 21/12/1936 وحتى 01/12/1948)
رئاسة الوزارة الأولى:
من 21 كانون أول 1936 حتى 23 شباط 1939 وهي أول وزارة وطنية.
رئاسة الوزارة الثانية: كانت بالوكالة أثناء غياب فارس الخوري رئيس الوزراء في نيويورك (الأمم المتحدة) من 10 نيسان 1945 وحتى تموز 1945.
رئاسة الوزارة الثالثة: من 28 كانون الأول 1946 وحتى 2 تشرين أول 1947.
رئاسة الوزارة الرابعة: من 6 تشرين أول 1947 وحتى 22 آب 1948.
رئاسة الوزارة الخامسة: من 22 آب 1948 حتى 1 كانون أول 1948.
الوزارات التي كان عضواً فيها
1 ـ وزارة الداخلية:
nمن 28 كانون أول 1946 حتى 2 تشرين أول 1947 بالإضافة إلى رئاسة الوزراء.
2 ـ وزارة الخارجية:
n من 19 آب 1943 حتى 14 تشرين أول 1944
n من 14 تشرين أول 1944 حتى 5 نيسان 1945
n من 7 نيسان 1945 حتى 23 آب 1945
n من 6 تشرين أول 1947 حتى 22 آب 1948 إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء.
3 ـ وزارة الدفاع الوطني:
n من 7 نيسان 1945 حتى 23 آب 1945 إضافة إلى وزارة الخارجية، والاقتصاد الوطني.
n من 22 آب 1948 حتى 1 كانون أول 1948 إضافة إلى رئاسة الوزراء.
4 ـ وزارة الزراعة:
n من 15 حزيران 1932 حتى 18 نيسان 1933 إضافة إلى وزارة المالية.
5 ـ وزارة المالية:
n من 15 حزيران 1932 حتى 18 نيسان 1933 إضافة إلى وزارة الزراعة.
n من آذار 1938 حتى 26 تموز 1938 .
6 ـ وزارة الاقتصاد الوطني:
n من 14 تشرين الأول 1944 حتى 5 نيسان 1945 إضافة إلى الخارجية والدفاع الوطني.
7 ـ وزارة الصحة والإسعاف العام:
n من 28 كانون أول 1946 حتى 2 تشرين 1947 إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء وكان هو أول وزير للصحة والإسعاف العام.
وداعاً سورية لا لقاء بعده
في كانون الثاني 1949 غادر جميل مردم بك سورية إلى القاهرة حيث أقام فيها إلى أن وافته المنية عام 1960. وفي خلال هذه المدة جرت محاولات عديدة لحمله على العودة إلى النشاط السياسي، ولكن حالته الصحية لم تعد تمكنه من تحمل المسؤوليات التي يفترض بالزعيم السياسي أن يتحملها.
وعندما سقط حكم أديب الشيشكلي في عام 1954 أعيدت الأوضاع الدستورية بضغط مارسه كل من الملك سعود بن عبد العزيز، وجمال عبد الناصر، وأوفد عبد الناصر أنور السادات ومدير مكتبه أمين شاكر لإقناع مردم بك بالعودة إلى سورية، وكان الرئيس عبد الناصر مستعداً لتقديم الدعم والمساندة إذا رغب بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، ولكن مردم بك نصح مخاطبيه بأن يدعوا لعودة شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية الذي كان قد أُبعد عنها بطريقة غير دستورية.
في شهر أيلول 1954 نشر جميل مردم بك تصريحاً أعلن فيه رسمياً اعتزاله الحياة السياسية، ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر.
وفي التاريخ المعاصر كان المثال الفريد للزعيم السياسي الذي يعتزل الحياة السياسية وهو في أوج نشاطه، وفي الأول من شباط عام 1958 دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس شكري القوتلي عند التوقيع على الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر.
“وفي 28 آذار 1960 توفي جميل بك ونقل إلى سورية حيث ووري الثرى في مدفن آل مردم بك في الباب الصغير بدمشق.
اللهم ارحمه ووسع قبره واجعل الملائكة تغسّله بالماء والثلج والبرد، واجعل قبره روضة من رياض الجنة إنك على كل شيء قدير”.
ختاماً: أعجني قول الدكتور نجيب بك الأرمنازي:
مهما كان في شواغل اليوم أو الغد ما يقتضي معالجته من المهمات السياسية، فالوقائع السالفة، والحوادث الماضية، ينبغي أن لا تبرح قيد الخاطر، لأن الميراث المشترك لكل أمة يربط بين مختلف أجيالها. والذين شهدوا أيام الحكم الأجنبي، وعرفوا عِظَم ما يطلبه من خيال وشجاعة وتضحية يدركون أن الاستقلال التام هو ثمرة الجهود المتمادية التي أدت إلى انتصار المبادئ الوطنية الرفيعة، والقيم الإنسانية السامية.
صفحــــات متناثــــرة
القصيدة الظالمة!!…
يقول عدنان الملوحي:
زارني ذات يوم في مكتب الجريدة التي أعمل فيها الأستاذ رشيد الساطي مدير مكتب رئيس الوزراء السيد جميل مردم بك.. وقال لي عبارته المعتادة: (عايزك دولة البك..) وقمت معه واتجهنا إلى دار رئيس الوزراء في حارة نوري باشا وكان الوقت مبكراً حوالي الساعة الثامنة والنصف صباحاً، ووجدت في الدار عدداً من الأصدقاء والأنصار، وبادرني رئيس الوزراء قائلاً: (لعلك سمعت، يا ابني عدنان، بقصيدة الأستاذ عمر أبو ريشة التي ألقاها في حفل عام قبل أيام، ونال فيها من العهد الوطني ومن حكومتي ومني شخصياً، سامحه الله، ورأيت أن أسالك صدى هذه القصيدة في أوساط الرأي العام وبين الناس…) فأجبته على الفور: (إن الناس، يا سيدي، يحبون “الفاينة” كما تقول العامة، ويشمتون عادة بالحكام، يحبون بل ويطربون لسماع كل ما يقال عنهم، إن صدقاً وإن كذباً. وهم يرددون الآن قصيدة الشاعر عمر أبو ريشة وكأنهم يرددون أغنية من أغاني محمد عبد الوهاب!!).
قال: (ثم إنني أريد أن أسالك هل ترى من الفائدة إقامة الدعوى على الشاعر بتهمة القدح والذم والسب والشتم؟؟).
قلت في الحال: (إلاّ هذه يا دولة الرئيس، فدع الرجل وما قاله عنك وعن العهد الوطني والحكومة الوطنية، لأنك إن أقمت الدعوى عليه اصطنعت أزمة سياسية لا مبرر لها. وعليك أن تمر بها مرور الكرام وتدعه يقول ما يشاء، وسيستشعر القوة إذا أقمت دعوى عليه..!! فقال: (نِعمَ الرأي رأيك، يا بني، وسأفعل ما أشرت علي به، رغم أنك في عمر ابني زهير وربما أصغر)… وشكرته على ثقته بي، ثم قلت له: (ولكني أريد، يا سيدي، كصحفي لا أكثر ولا أقل، أن أعرف منكم الحقيقة المجردة من كل غاية عن سبب حملة الشاعر عليكم في قصيدته هذه التي طبقت الآفاق من حلب إلى الشام وربما تعدتها إلى سائر المناطق والمحافظات السورية؟؟).
كانت قصيدة الشاعر أبو ريشة يومئذ عنيفة قاسية قال فيها من جمله ما قال:
أمتي هل لكِ بين الأمم
منبر للسيف أو القلم
أمتي كم صنم مجدته
لم يكن يحمل طهر الصنم
ومنها:
لا يلام الذئب في عدوانه
إن يَكُ الراعي عدو الغنم
ثم طورت لاحقاً وألصق بها بيتان إضافيان وقحان وقاحة من قالهما:
إن أرحام البغايا لم تلد
مجرماً مثل هذا المجرم
كيف ترجو أمة عزتها
وبها مثل جميل المردم؟
وقد تصدى لهذه القصيدة الشاعر عبد الرحمن الدندشي بقصيدة جاء فيها:
ذاك ابن مردم علام ولا صنم
ويثقب الألف عام عنده نظر
كانت فلسطين في التقسيم نظرته
فقيل عنه عميل خائن مجرم
يتابع الملوحي: هذا وأخرج رئيس الوزراء من جيبه بطاقة بتوقيع أحد كبار نواب حلب الشهباء ومن قدماء رجال الكتلة الوطنية وهو حسن بك إبراهيم باشا الذي كانوا يلقبونه وينادونه (أبونا حسن بك) وألقى بالبطاقة إلي، فوجدت فيها ما يلي: (الرجاء أحر الرجاء من دولة الرئيس، إصدار القرار بتعيين الأستاذ عمر أبو ريشة في السلك الدبلوماسي برتبة سفير، كما وعدتم، لأنه ملّ الانتظار…)!!!…
ورددت البطاقة إلى دولته، وسمعته يقول لي بالحرف الواحد: (لقد توسط الشاعر كثيراً من أصدقائه وأصدقائي لتعيينه في هذا المنصب واستمهلت الجميع ريثما أجد له مكاناً مناسباً فهو شاب مثقف ويتقن اللغة الإنكليزية بطلاقة ولكن لا بد من أن يمهلنا بعض الوقت، وبدلاً من ذلك ثارت حماسته علينا ورمانا في قصيدته هذه بسهامه وشتائمه..)
ولاحظت أن دولته كان صادقاً فيما قال، وأنه كان نادماً أيضاً على عدم التعجيل بتعيين أبو ريشة في المنصب الذي كان يحلم به ويتوق إليه، وإلا لما فوجئ بهذه القصيدة. وربما فوجئ بقصيدة مديح وثناء ودعاء. فالإنسان وخاصة الشعراء عبيد الإحسان كما يقول المثل!!… إلى هنا قول الملوحي.
ولعل إحراق مكتب الحزب الشيوعي في دمشق والذي اتهم بالتخطيط له جميل بك دفع أبو ريشة المناصر للشيوعية في ذلك الوقت إلى كتابة قصيدته التي تطاول فيها على جميل مردم بك. وإنَ تطاول هذا الشاعر على جميل بك والسيدة الفاضلة خديجة خانم تحسين بك. لو كان قد حصل فعلاً فإنما يدل على سوء في التهذيب!…
كذلك قال بعض الحاقدين بأن جميل بك قد اندفع يلتمس باباً للخروج من القاعة!! علماً بأن من حضر قال: إن جميل مردم بك لم يطرف له جفن وتظاهر بالسكينة والهدوء وتمالك أعصابه ولم يكترث لقول أبو ريشة كيف لا وهو ثعلب السياسة وحكيم الكتلة الوطنية بدون منازع.
مقالة أعجبتني
في كتاب رجل العروبة الذي أصدرته الرابطة الأدبية في بيروت عام 1948 وردت مقالة أعجبتني تحت عنوان:
ليس الإعجاب خطيئة إن الإعجاب فضيلة
بقلم: الأستاذ توفيق وهبة
تقول المقالة:
حاضر كاتب عربي عن جميل بك مردم بك، ثم طبع المحاضرة فقرأها من لم يسمعها، ثم طلب إلي أن أقول كلمة في المحاضرة وفي موضوعها، والكلمة واحدة لأن الاثنين واحد.
إن الكاتب العربي ترجم الرجل وهو حيّ، ولما كانت التماثيل والنُصب غير مرغوب فيها في الإسلام أقام له نصباً من الفصاحة والبيان والرسم القلمي، فوفاه حقه من غير أن يطمس حقوق سائر الأبطال السوريين الذين لم يتح لهم بعد كاتب عربي نظير كاتبنا لوضع تراجمهم وهم أحياء.
إن جميل مردم بك من رجالات العرب الأفذاذ الذين تعالوا عن الجدل والتمحيص، فهم فوق أي نقاش وأي حوار، هذا إذا نظرت إليه من الوجهة الدولية، أما إذا كنت مزاحماً له على رئاسة وزارة في سورية، أو مناقشاً له على نيابة في دمشق، فإنك تجد فيه ألف موضع للطعن والثلم، ذلك أن أي سياسي ولو كان إسمه تشرشل يلاقي أعداء في دائرته الانتخابية، ولكن لا خلاف عليه في نضاله الخارجي وكفاحه الدولي.
لقد رافق الكاتب مراحل جهاد جميل مردم بك، كما رافق جميل مردم بك مراحل جهاد سورية، فالتاريخان تاريخ واحد، ويضم جملة أجزاء، وفي كل جزء صفحة لجميل مردم بك وأثر لجميل مردم بك.
مما لاشك فيه أن الذي حث الكاتب العربي على إقامة التمثال هو فرط إعجابه بالرجل، ولكن متى كان الإعجاب خطيئة؟ إن الإعجاب تفهّم وشعور وتقدير وجميع هذه فضائل لا تجدها إلا عند الذين لا يكابدون، ولا يحسدون ولا يتجاهلون، فإذا كان الإنسان حسوداً أنكر على غيره فضله، وإذا كان جهولاً لا يدرك قيمة العلم عند غيره، وإذا كان خمولاً لا يشعر بوثبة كفاح المكافحين، فالكاتب العربي إن أُعجب بجميل مردم بك، جدير بأن يُعجب به، لأنه تفهم الجمال والكمال والوطنية والعمل، ولولا تفهمه إياها ما استطاع أن يتحدث عنها.
القاعة الأثرية الشامية
في المتحف الوطني بدمشق
قاعة جميل مردم بك
في مقالة للأستاذ أبو الفرج العش محافظ المتحف الوطني بدمشق:
كانت دار رئيس مجلس الوزراء المرحوم جميل مردم بك قرب البيمارستان النوري في قلب مدينة دمشق القديمة… وكان في هذه المحلة دور كبراء دمشق: آل القوتلي، آل مردم بك، آل البكري… وكان أكثر رجالات هذه الأسر قادة الحركة الوطنية في بلاد الشام.
لما قامت الثورة السورية عام 1925 كانت هذه المحلة الكبرى هدفاً لغارات الطائرات الفرنسية، حين أرادت أن تنتقم من الأهلين العزّل، عندما أعياها القتال الشريف، وكانت لا شك تتقصد إيذاء المدينة وخاصة رجالاتها المخلصين.
أصابت قنابل الفرنسيين دار المرحوم السيد جميل مردم بك فهدمت جزءاً كبيراً منها..
فكّر المرحوم بالاحتفاظ بالعناصر الفنية العائدة إلى القاعة الرئيسية الأثرية ليعيد إنشاءها في قصر كان يزمع بناءه في دمشق؛ لذا فقد اتفق مع الفنان الشهير محمد علي (أبو سليمان) الخياط، على فك أجزاء القاعة وحفظها لديه ليشرف على العمل عندما يحين الوقت.
التقط للقاعة عدة صور فوتوغرافية المصور جورج درزي، ورسم مخطط القاعة وواجهاتها وأحد مقاطعها الرسام السيد كمال الكلاس.
لم تتح الفرصة للمرحوم جميل بك أن ينفذ مشروعه، وفي عام 1958 وجد من الأنسب أن يهدي الأجزاء التزيينية إلى المتحف الوطني بدمشق فأعلم المديرية العامة للآثار والمتاحف رغبته بهذا الإهداء.
تقبلت المديرية العامة هذه الهدية بكل سرور، واتخذت الإجراء القانوني لهذا القبول، فصدر قرار من مجلس الإدارة بقبول الهدية بعد موافقة وزير الثقافة والإرشاد القومي في جلسته المنعقدة في 31/05/1958 ووجّه السيد مدير الآثار العام إلى المرحوم جميل مردم بك كتاب شكر تحت رقم 1285 تاريخ 17/07/1958 هذا نصه:
“إلى دولة جميل مردم بك المحترم:
كان لتفضلكم بإهداء مديرية الآثار العامة مجموعة من الخشب المدهون الشامي لقاعة من قاعات دور دمشق الأثرية مع ما يتبعها من رخام مفصص وبحرة رخامية مساهمة من دولتكم في إغناء تراثنا والحفاظ على ثرواتنا القومية في الأماكن التي خصصت لذلك وهي المتاحف الوطنية، لتكون فيها شاهداً على ما أبدعه السلف، ووجهاً نيّراً يباهي فيه أمام الأجيال الحاضرة والقادمة، أطيب الأثر في نفوس أسرة مديرية الآثار العامة ومجلس إدارتها.
وقد قررنا مبدئياً إعادة إنشائها في إحدى غرف الجناح الإسلامي في المتحف الوطني بدمشق والإشارة إلى أنها هدية منكم.
وإنني إذ أتقدم إليكم باسمي وباسم مديرية الآثار العامة بجزيل الشكر على هديتكم الثمينة التي أعتبرها خدمة صغيرة تضاف إلى الخدمات الجُلّى التي قدمتموها إلى وطنكم العربي الكبير فقدرت حق قدرها، وسجلت لكم بمداد الفخر. أرجو لشخصكم الكريم العمر المديد والصحة الطيبة.
مدير الآثار العام
الدكتور سليم عادل عبد الحق”
لقد كان هذا الإهداء قبل فترة قصيرة من وفاته رحمه الله، وكأنه كان يشعر أن منيّته قد دنت فرأى أن توضع أجزاء القاعة في المكان اللائق بها، فلقد توفي في 28 آذار 1960.
ويتابع الأستاذ أبو الفرج العش مقالته:
تسلمتْ المديرية العامة أجزاء القاعة الأثرية، وأرادت أن تعيد إنشاءها. قلّب المسؤولون وجهات النظر أين يجب إعادة إنشائها وكيف؟
إن إعادة إنشاء القاعة كما كانت تماماً في أرض خالية يعتبر حلاً مثالياً، إلا أن الأرض التي يمكن أن تقام عليها غير متوفرة. ولقد اتفق أن كانت المديرية العامة تنشئ قاعة المحاضرات في نهاية الجناح الغربي من المتحف، وقد انتهى البنيان الأساسي وأوشك السقف على الانتهاء.
خطر للمسؤولين أن تدخل هذه الأجزاء الزخرفية في بناء القاعة فاستشير الفنان المرحوم أبو سليمان الخياط فوافق على الفكرة، وأبدى استعداده للقيام بهذه المهمة مع أولاده وصنّاعه.
وافق مجلس الإدارة على القيام بالعمل، وصدرت المديرية العامة الأموال اللازمة. وتسلم الأمر أبو سليمان بوصفه خبيراً.
ودشنت القاعة في 30 نيسان 1962، فأعجب المدعوون العرب والأجانب بأهمية العمل الفني الذي قام به أبو سليمان الخياط، ومنحته الدولة وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية بموجب المرسوم رقم 697 تاريخ 30/04/1962، وقد خلّد إعادة إنشاء القاعة الأستاذ الشيخ الفاضل عبد الرزاق الحمصي في بيتين وضعا فوق باب المكتبة من جهة القاعة وهما:
هدية جميلة أهداها جميل(1)
وبعهد سليم(2) تم البناء
لست أنسى أبا سليمان(1) عمري
خاط البناء كما يخاط الكساء
والجدير بالذكر أن تاريخ إنشاء هذه القاعة في دار جميل بك كان بتاريخ 1150 هـ ـ 1737 م وقد نقش ذلك على إحدى الزخارف الزيتية.
وأرى أنه كان من العرفان بالجميل للجميل أن تسمى هذه القاعة “قاعة جميل مردم بك” ذكرى لذلك الرجل الذي كان له أياد بيضاء على هذا البلد العظيم!!…
قصة الباخرة المخطوفة
التي استغلها خصوم جميل مردم بك
في عام 1948 وفي غمرة الحاجة إلى سلاح بين يدي القوات العربية للدفاع عن فلسطين، وفي وقت زادت فيه الأحقاد بين زعماء البلاد العربية عامة وفي سورية خاصة، وتعاظم المكائد لبعض الشخصيات الحاكمة في سورية وخاصة لجميل مردم بك، جاءت حادثة الباخرة “لينو” لتفضح ما في نفوس البعض من حقد على مردم بك، رغم أن الحادث كان نتيجة بعض الإهمال وسوء في تقدير عواقب الأمور لا أكثر، “وسأروي هذه الحادثة على لسان السيد سهيل العشي(1) الذي كان الشاهد الأساسي في كل مجريات الحادثة ومداخلاتها”. كما سأذكر ما جاء في رواية “مؤسسة الدراسات الفلسطينية من حرب فلسطين بالرواية الإسرائيلية الرسمية” حتى تنكشف الحقيقة لمن لا يريد أن يرى إلا من خلال نفسيته الضعيفة والحاقدة والتي مهما حاول أصحابها أن يداروا مرضهم فستفضحهم كلماتهم ليظهروا على حقيقتهم أقزاماً يتطاولون على عمالقة الجهاد الوطني الذين حققوا الاستقلال لسورية بلا شروط ولا قيود، ورفعوا العلم السوري فوق كل سورية من الشمال إلى الجنوب.
أما قصة السيد سهيل العشي فهي كما يرويها ويسميها:
“قصة باخرة مردم بك”
هذه قصة باخرة الأسلحة والذخيرة التي اشترتها الجامعة العربية وأوفدت من أجلها العقيد فوزي سلو يرافقه النقيب جمال فيصل، إلى تشيكوسلوفاكيا لإتمام الصفقة، وتعلقت هذه الباخرة الضائعة باسم المقدم فؤاد مردم بك.
سافرت هذه اللجنة إلى تشيكوسلوفاكيا (براغ) في شباط 1948 وأتمّت الصفقة لثمانية آلاف بندقية وعشرة ملايين طلقة. عملت الشركة على شحنها عبر شركة شحن وأمنّت عليها.
غرقت الباخرة في مرفأ باري الإيطالي. وتم إنقاذ ما فيها من قبل الجيش الإيطالي. أوفد مردم بك لإعادة شحنها في باخرة أخرى وتم التأمين عليها.
يقول سهيل العشي: جرى تكليفي من قبل الرئيس شكري القوتلي بالسفر إلى إيطاليا حوالي 10/11/1948 والتحقيق في هذا الموضوع والاتصال بالسفارة المصرية والتي كنتُ أعرف سفيرها عبد الرحمن حقي عندما كان في دمشق.
وصلت إلى إيطاليا باسم مزور، لتسهيل المهمة، مصطحباً معي الصديق علي صبري الذي كان يجيد اللغة الإيطالية. وقد استندت في تحقيقي على المصادر التالية:
ـ ملف القضية لدى السفارة المصرية (حيث لم يكن لنا سفارة في إيطاليا).
ـ المحامي اللامع هنريكو نونة ـ حلبي الأصل ـ يعمل في المحاماة في روما. ولديه ملف كامل عن القضية، بعد أن كلفته السفارة المصرية منذ البداية بمتابعة الموضوع.
ـ المخابرات الإيطالية للجيش.
ـ صاحب الباخرة (أرجيرو) السيد منارا في مرفأ (باري).
ـ مدام (بالماس) التي سكن عندها المقدم فؤاد مردم بك في روما.
ـ عائلات البحارة في ريف مدينة (باري).
وحصلت على المعلومات التالية:
تم الاتفاق بين الشاحن وبين شركة النقل “انتراسبيد Interaspeed” لنقل البضاعة من مرفأ تريست إلى بيروت، وتعاقدت هذه الشركة مع الوكالة البحرية “أوروبا Europe” لشحن البضاعة على باخرتها “لينو Lino” والتي يملكها السيد “دالاسيو” المقيم في روما، ولم يذكر في العقد طبيعة البضاعة، مما يسهل تأمينها.
تركت الباخرة الصغيرة ميناء “فيومه” اليوغوسلافي حيث بقيت حتى 30/03/1948. وفي الساعة السابعة والنصف من صباح 31/03/1948، غادرت الباخرة إلى بيروت، حسب نص العقد… ولم تُعلم الشركة الشاحنة بأمر السلاح وإنما ادعت بأنها بضاعة عادية.
ولما علم البحارة بأمر السلاح، خافوا مما ينتظرهم من مجهول، وأعلنوا رفضهم لمتابعة الإبحار، فاضطر ربان الباخرة للجوء لأقرب ميناء يعرف كيف يتصرف فيه، ووقع خياره على مرفأ “مولفيتا Molfetta” حتى ينجلي أمر التحقيق بشكوى البحارة. وأخبر قبطان الباخرة شرطة مولفيتا بالموضوع، وأراها المانيفست والأسلحة المشحونة لسورية. وباعتبار وجود أعمال شغب شيوعي في مرفأ مولفيتا آنذاك، فقد أبعدت السلطات الإيطالية باخرة لينو إلى مرفأ باري، ووصلته في 03/04/1948 وأُطلق سراح البحارة، وعادوا إلى تريست، بعد توقيف دام حوالي ثلاثين يوماً، وبقيت البضاعة تنتظر تعليمات “انتراسيد” لإتمام الشحن.
في اليوم التالي من رسو باخرة لينو في مرفأ باري، جاءت سفينة حربية بريطانية ورست بقربها، ونقل بعض الشهود، أن بحارة هذه القطعة البريطانية، كانوا يتدربون على أعمال الغطس يومياً وأنهم سمعوهم يقولون “نحن هنا ما دامت هذه الباخرة هنا”. وبقيت هذه القطعة البحرية البريطانية ثلاثة أيام.
وقد تأكدتُ من هذه الأقوال، عندما سمعتها من مدير مرفأ باري. وبعد أن استأذنت هذه السفينة الحربية للإبحار في 09/04/1948، سمع دوّي كبير في صباح 10/04/1948 غرقت على أثره الباخرة لينو وتبيّن، بالتحقيق الإيطالي، من أن لغماً بحرياً إنكليزياً كان السبب في غرق الباخرة المذكورة.
وقد استطاع الجيش الإيطالي انتشال البضاعة بين تاريخ 12 ـ 19/04/1948، ووضعت الذخيرة في مكان والبنادق في مدينة أخرى خوفاً من حوادث الشغب. كما تمكن من تعويم الباخرة لينو بين 30/04/1948 و20/05/1948.
وقد اتصل السيد “هنريكو نونه باسم السيد دالاسيو” مدير شركة “أوروبا”، ومالك الباخرة “لينو”، بالسيد منارا وطلب إليه العمل على إيجاد باخرة، أو اثنتين لإعادة الشحن. وقبل 29/04/1948 بأيام قليلة، ذهب منارا صاحب السفنية “أرجيرو” إلى روما، وزار مكتب السيد “دالاسيو” الذي هو رئيس شركة شحن “أوروبا” ومالك الباخرة “لينو” وتعرف هناك على المقدم فؤاد مردم بك بحضور كلٍ من السادة:
ـ المحامي “هنريكو نونه”.
ـ السيد “جوزيبه سيزال” مدير شركة تأمين “سلافيا كومباني” ومعه موظف من الشركة هو السيد “فرانسوا هانك” واللذين قدما من مدينة “براغ”.
ـ السيد “جوزيللا جيوفاني” من ميلانو وهو ممثل شركة التأمين المذكورة آنفاً في إيطاليا.
ـ السيد “أوسكار ماستالير” ممثلاً عن شركة “انتراسيد كومباني” التي استأجرت من شركة “أوروبا” الباخرة “لينو”.
عاد السيد “منارا” بعدها بأيام إلى روما، حيث اجتمع مع “مردم بك” وبحث معه موضوع الباخرة “لينو”، وفهم منه، ومن “دالاسيو”، أنه تم الاتفاق على أن تدفع شركة التأمين مبلغ 29 مليون لير إيطالي وخفّض إلى 25 مليون بعد نقاشات حادة.
في أواخر تموز 1948 جاء مردم بك إلى “باري” بعد أن تم انتشال الأسلحة والذخيرة، واجتمع مع الكولونيل الإيطالي “دوسانكتيس Desanctis” ـ وهو ممثل السلطة العسكرية الإيطالية والموكل إليه تسليم الذخيرة والسلاح إلى مردم بك ـ لتقدير الأضرار اللاحقة بالبضاعة. وبعد أيام اتصل “نونه” بالسيد “منارا” وأعلمه أن مردم بك اعتمد مع شركة نقل لشحن البضاعة على الباخرة “لاجيما Lagemma” من مرفأ “تارينته Tarente”، كي يهيئ “منارا” المستندات اللازمة لإعادة الشحن حسب الأصول.
وصل “نونه” وحده، مرسلاً من قِبل “مردم بك” إلى “باري” في 4 آب، وقد ذهب “نونه” و”منارا” والكولونيل “دروسانكتيس” إلى “تارينته” لملاقاة الباخرة “لاجيما”. وعلموا حينها أن الباخرة واقعة تحت أمر مصادرة قضائي. ولكن هذا الأمر يمنع البيع ولا يمنع الشحن، ولكنهم فوجئوا أيضاً بأن أمر المصادرة صادر عن السيد “رولو” صاحب الباخرة، كما أفاد قبطان الباخرة بأنه لا يعلم شيئاً عن البضاعة التي ستشحن ولا بأي اتجاه ستشحن.
عندها، خامرهم الشك، وعادوا إلى “باري” كي يتصل “نونه” “بمردم بك” ويتلقى التعليمات. ووصلت في هذه الأثناء برقية من “مردم بك” إلى “نونه”، يطلب إليه عدم متابعة الشحن بباخرة “لاجيما”، لأنه علم بموضوع الحجز الواقع عليها.
ويذكر السيد “منارا” أن “مردم بك” طلب إليه متابعة فحص الذخيرة والسلاح، وذلك في 07/08/1948. وطلب السيد “منارا” ذلك من الكولونيل “دوسانكتيس” الذي أرسل صندوقين ذخيرة وبندقتين، كانت قد أخذتهما الشرطة الإيطالية، وأرسلها إلى “بومبريني بارادي ـ Bombrini Paradi”. وهي شركة إنتاج ذخيرة، مركزها روما. ولم يعرف السيد منارا نتيجة هذا الفحص.
في حوالي منتصف شهر آب 1948، طلب “نونه” إلى “منارا” باسم “مردم بك” تهيئة شحن البنادق إلى مرفأ “جنوا” الإيطالي حيث ستشحن على الباخرة “خديوي إسماعيل”، وأنهم أوكلوا أمر الشحن إلى شركة “بارسانتي دي باري Parsanti Di Pari” التي ستؤمن نقلها براً إلى “جنوا”، علماً بأن “بارسانتي” هذه هي وكيلة شركة “فالبركا وسيموني Valberga Et Simoni” والتي مركزها في جنوا.
وقد اعترض هذا النقل صعوبات من قبل السلطة الإيطالية لمنح إذن النقل. وتمكن التغلب عليه في النهاية. ولكن مردم بك وإزاء هذه الصعوبات، عدل عن إرسال البضاعة إلى “جنوا” بالرغم من أنه كان بالإمكان تنفيذه بالفعل، بعد أن نجح المحامي نونه بتذليل الصعوبات، والحصول على إجازة النقل البري. وتفسير ذلك أن أوامر وصلت من دمشق ومن وزير الدفاع يطلب فيها إلى مردم بك التعاون مع السيد ممدوح حفار ـ تاجر دمشقي عرض خدماته على وزارة الدفاع لنقل الأسلحة والذخيرة على الباخرة السياحية المصرية “الخديوي إسماعيل” ـ لشحن البضاعة، والإسراع بذلك ومرافقة الباخرة.
ولكن ذلك لم يجد أذناً صاغية من “مردم بك”، كما لم يجد نفسه مرتاحاً للتعاون مع “الحفار”، بالرغم من أنه جاء إلى “باري” واتخذ كامل الإجراءات لتنفيذ شحن البضاعة إلى مرفأ “مسّينا ـ Messina”، حيث تتوقف “الخديوي إسماعيل”، لأخذها من ظهر الباخرة “أرجيرو” العائدة للسيد “منارا”، وقد حملت البضاعة فعلاً.
ولما أصبحت السيارات محملة وجاهزة للإقلاع من الثكنة في 18/08/1948، جاء مردم بك يسأل في “باري” السيد “منارا” عن إمكان شحن البضاعة إلى الباخرة “أرجيرو ـ Argiro” العائدة له، حيث استقر رأي “مردم بك” على شحن البضاعة على الباخرة أرجيرو وتحوي البنادق والذخيرة. وتم نقل كل البضاعة إليها في مساء 19/08/1948.
انطلقت الباخرة من “باري” إلى الإسكندرية بتاريخ 20/08/1948 بين الساعة 8 ـ 9 صباحاً وكان الزمن لوصولها إلى الإسكندرية تقريباً ستة أيام.
في تلك الأثناء كان “نونه” قد حصل على إذن مرور البضاعة براً. ولو أراد مردم بك الاستفادة من هذا الإذن لاستطاع. وكان مردم بك قد تلقى من وزارة الدفاع أمراً بمرافقة الباخرة، وبالرغم من أنه طلب إلى القبطان تهيئة غرفة له على الباخرة لكنه لم يرافقها. بل عاد في مساء 28/08/1948 إلى روما، قائلاً “لمنارا” بأنه سيأخذ الطائرة منها إلى الإسكندرية. وكان مردم بك قد أعطى أوامره إلى قبطان الباخرة “أرجيرو” بأن يبحر جنوباً بمحاذاة الشاطئ الإيطالي، ويتابع جنوباً حتى بلوغ المياه الإقليمية لشمال أفريقيا، فينعطف بعدها شرقاً باتجاه الإسكندرية.
غادر “مردم بك” باري بالقطار يوم 19/08/1948 عائداً إلى روما، وكان في وداعه بمحطة القطار الكولونيل “دوسانكتيس” والسيد “منارا”. وأخذ “مردم بك” الطائرة من روما إلى الإسكندرية، ليلاقي الباخرة “أرجيرو” فيها في حوالي 27/08/1948، ولكنها لم تصل وضاعت!!…
ويتابع السيد “سهيل العشي”: لقد بدأت بزيارة أهل البحارة، وتبين لي من أنهم مفجوعون بغياب رجالهم! ولكن سيّدة واحدة منهن قالت بأنها تلقّت بطاقة من زوجها من قبرص، مما يدل على أن الباخرة وقعت بيد السلاح البريطاني الذي أكمل مهمته واغتصب الباخرة وما فيها، وأخذها إلى قبرص، ثم إلى تل أبيب، حيث بقي البحارة معتقلين حتى نهاية المعركة مع إسرائيل. وأهدى البريطانيون سلاحاً من أموال العرب إلى اليهود!…
أما فيما يتعلق بالسيدة “بالماس Palmas” التي تردد اسمها في قضية “مردم بك” وبالباخرة: فهي سيدة بارعة الجمال عرّفه عليها السيد “دالاسيو”، ممثل شركة نقل “انتراسبيد”، وسكن عندها “مردم بك” ووقع في حبّها، وقد زرتها باسم صديق “لمردم بك”، فأطلعتني على رسائل منه يعدها فيها بالزواج (علماً بأن فؤاد بك كان وقتها متزوجاً)، ولكني استبعدت أن يكون لها أي دخل في موضوع الباخرة وما حدث لها. وكل ما في الأمر أن السيد “دالاسيو” يعلم من خلال “بالماس” التي كانت صديقته بكل تحركات وسكنات مردم بك، وأعتقد بأن هذا كان يمكن أن يحدث ولو كانت هذه الصديقة مسيحية!!… (وكون ابن عمي فؤاد قد أحب هذه السيدة الجميلة فهذا لا يعني أنه خان القضية العربية فما هو الفرق بين اليهودية وغير اليهودية؟!) إلا إذا كانت صهيونية.
يتابع سهيل العشي: وضعت تقريراً رفعته إلى فخامة الرئيس القوتلي وأرسلته في العشر الثاني من تشرين الثاني مع الصديق علي صبري الذي عاد إلى دمشق، “وبينت في هذا التقرير مراحل التحقيق كما بينت رأيي الشخصي من أن مردم بك ليس خائناً”. فإن عدم مرافقته للباخرة تنفيذاً للأمر الذي تلقاه، وفي تلك الظروف، يستوجب اتهامه بعدم تنفيذ أمر خطير قد يصل إلى مرتبة الخيانة.
وقد اعتقل مردم بك وأودع السجن رهن محاكمته بمحكمة عسكرية، ولكن انقلاب حسني الزعيم كان سبباً في تغيير الأوضاع، فأحيل مردم بك إلى محكمة مدنية برئاسة القاضي “إسماعيل القولي” وعضوية الضابط “نبيه الصباغ”، وجرى استدعائي من حلب واستدعاء المحامي نونه من روما.
(ووجّه إليّ الأستاذ القولي سؤالاً واحداً: هل تعتبر فؤاد مردم بك خائناً؟ أجبت بالنفي).
وأفرج عنه بعد أن حُكم بالمدة التي قضاها في السجن.
هذه هي قصة المقدم مردم بك مع إعادة شحن السلاح والذخيرة، رَوَيْتُها بكل تفاصيلها وأنا المحقق الوحيد فيها. ولعلها تجعل القارئ الكريم، يطلع جيداً على بعض الجهد الذي بذلته سورية ـ الجمهورية المستقلة الناشئة ـ ومدى العدوان الذي عاملتنا به بريطانيا!… انتهى قول السيد “سهيل العشي”.
فهل ينتهي أصحاب الأقلام القصيرة وأصحاب الألسنة الطويلة؟؟!!…
«رواية مؤسسة الدراسات الفلسطينية»
عن حرب فلسطين 1947 ـ 1948
“عملية لينو”
في بداية سنة 1948، عندما وقعت العقود الأولى بين ممثلي “الهاغاناه” ومصانع “سكودا” في إطار صفقة السلاح التشيكية، عقدت في المقابل صفقة سلاح بين التشيكيين والعرب. وتمت الصفقتان بإيحاء من السوفيات في تشيكوسلوفاكيا، عندما تسلم الشيوعيون السلطة في هذه الدولة. وعلمت “الهاغاناه” بوجود صفقة السلاح التشيكية ـ العربية هذه في آذار / مارس 1948. واتضح أنه في مقابل شحنة الأسلحة التشيكية التي اشترتها “الهاغاناه” وأرسلت على متن السفينة الإيطالية “نورا”، خرجت من ميناء فيوما السفينة “لينو” التي كانت هي أيضاً إيطالية، وعلى متنها شحنة أسلحة تشيكية مرسلة إلى سورية. وتضمنت الشحنة 6000 بندقية و8 ملايين رصاصة.
وفي ضوء وضع نسب القوى في تلك الفترة في أرض (إسرائيل)، اعتبرت هذه الشحنة تعزيزاً خطراً لقوة العرب، يحتمل أن يتسبب بتغيير ميزان القوى وحدوث تطورات خطرة على الجبهة.
وأصدر شاؤول مئيروف أمره إلى رجال “الهاغاناه” في روما بالعمل ضد “لينو” مهما تكن النتائج. وكانت الخطة التي ارتسمت معالمها في ضوء الأهمية الخاصة للموضوع، والتي نبعت أيضاً من عدم وجود وسائل أفضل، هي إغراق “لينو” في عرض البحر بقنبلة بدائية وزنها نحو 50 كلغ. وتُلقى القنبلة على السفينة من طائرة نقل من طراز “كوماندو”، تُختار من بين الطائرات التي اشترتها “الهاغاناه” والتي كانت موجودة بروما في طريقها من القارة الأميركية إلى تشيكوسلوفاكيا، لنقل أسلحة إلى البلد.
وبسبب فرص النجاح القليلة أمام هذه العملية والخطر المقترن بها من ناحية فقدان البحارة الإيطاليين لحياتهم، قدم مونيا مردور اقتراحاً بأن تعترض إحدى سفن “مؤسسة الهجرة” الثانية السفينة “لينو” في عرض البحر. وتستولي مجموعة مقاتلين مسلحة على أكمل وجه على “لينو”، وتقودها بأسلحتها إلى شواطئ البلد. وإذا لم تنجح، تغرقها في البحر. وبناء على ذلك أرسل من قيسارية في 02/04/1948، 25 من أفراد البلماح على متن سفينة الصيد “دروم افريكا”، وهم مجهزون بمدفع رشاش متوسط وستنات ومواد متفجرة. وكان في نيتهم التوصل إلى اتفاق مع طاقم الملاحين الإيطاليين، وفي حال المقاومة يستولون بالقوة على السفينة التي تحمل الأسلحة، ويتم تفريغ حمولتها على إحدى الجزر المهجورة في جوار الساحل اليوناني ثم يغرقونها.
وأصر شاؤول مئيروف، الذي طلب موافقة بن غوريون على تدمير “لينو”، على رأيه فيما يتعلق بالتدمير. وبناءً على الافتراض أنه لن تكون هناك معارضة في البلد، وافق شاؤول على القيام برحلات استطلاع جوية فوق البحر الادرياتيكي بهدف البحث عن “لينو”، وعلى تهيئة العتاد اللازم للقصف وإعداد سفينة رحلات سريعة. كما عين شالوم ليفن مسؤولاً عن تنظيم العملية من الجو. فقد كان يعتني وقتئذ ـ مع فريق من الطيارين ـ بطائرات “الهاغاناه” التي حطت مؤقتاً في إيطاليا.
وبينما كانت الاستعدادات جارية، وصل نبأ دخول “لينو” إلى ميناء مولبتا، شمالي باري، بسبب عطل طرأ عليها. وعرفت السلطات الإيطالية من عيدا سيرني، التي اتصلت بتكليف من “مؤسسة الهجرة” الثانية بعناصر صديقة في الأدميرالية الإيطالية، بنوعية حمولة السفينة “لينو”. وبحجة أن القبطان أدلى بمعلومات كاذبة بصدد الحمولة، اعتقل الطاقم واقتيدت السفينة إلى ميناء باري العسكري.
وأثار أسر السفينة توتراً خاصاً في إيطاليا، التي كانت على أبواب الانتخابات. وفسر ظهور سفينة السلاح التي قدمت من ميناء يوغسلافي بأن في نية الشيوعيين الإيطاليين الاستيلاء على السلطة بقوة. واستوجب رسو السفينة في باري تغيير الخطط السابقة والتركيز، في الأساس، على محاولة إغراق “لينو” في الميناء. وبناء على طلب شالوم ليفن، أعفاه شاؤول مئيروف من مسؤولية معالجة أمر “لينو”، وعادت السفينة “دروم افريكا” إلى قاعدتها في قيسارية، وأوكلت قيادة عملية تخريب سفينة الأسلحة العربية إلى مونيا مردور، وضمت الوحدة التي شكلت للقيام بهذه العملية: الملازم أول أمنون يونا، وحدة تدمير: يوسف درور وبيني كرفيتس ومئير باليك، وعامل لاسلكي وسائقين. وبلغت الاستعدادات للعملية مرحلة متقدمة. وأرسلت أولاً وحدة التدمير إلى باري لدراسة المنطقة.
وفي روما طرح اقتراح باستخدام خبراء تدمير إيطاليين، لكن المسؤولين عن التنفيذ رفضوا هذا الاقتراح من زاوية “إننا في البلد لم نعتد أن يلتقط لنا أحد الكستناء من النار أو يحارب عنا”.
وبعد الانتهاء من الترتيبات الضرورية في روما وصل مونيا مردور وأمنون يونا إلى باري. وهناك وضع مونيا مردور خطة العملية، وحدد طرق الوصول والتسلل إلى الميناء والجدول الزمني للتنفيذ في الليلة ذاتها، في 08/04/1948. وتم صنع اللغم بإشراف يوسف درور من أنبوب دراجة نارية حشي بالـ ت. ن. ت.، وركب عليه جهاز توقيت. وقد صنع الجهاز من مواد اشتريت من صيدليات وحوانيت وجرب في أثناء الإعداد للعملية. وأعطي صانعو اللغم تعليمات بأنه ينبغي أن يتسبب فقط بإغراق السفينة وليس تفجير حمولتها، كي لا يُقتل أحد في الميناء.
وفي الليلة الأولى لم تنجح محاولة التخريب، على الرغم من أن أفراد وحدة التدمير اجتازوا بسلام كل الطريق بموجب الخطة، ووصلوا إلى بعد نحو 20 متراً من “لينو”؛ فقد كان هناك حول السفينة وعلى متنها حراس إيطاليون، وأنارت مصابيح كاشفة لمدمرة بريطانية، راسية بجانبها، المنطقة في الجوار. وبما أن أفراد وحدة التدمير لم يكونوا مزودين بثياب غطس، فإنهم لم يستطيعوا البقاء تحت الماء فترة كافية لإلصاق اللغم بالسفينة. وفي طريق العودة فك أفراد وحدة التدمير جهاز التوقيت، وأغرقوا اللغم في الميناء. وفي اليوم التالي، أبحرت المدمرة البريطانية وكرر أفراد وحدة التدمير المحاولة فنجحوا في هذه المرة. في الساعة الواحدة والنصف فجر يوم 10/04/1948، غرقت “لينو” بحمولتها من دون أن يصاب أحد من جراء الانفجار.
لكن قضية شحنة الأسلحة السورية لم تنته بذلك. فمن دمشق أرسل (المقدم فؤاد مردم بك) لإنقاذ الشحنة وإيصالها إلى هدفها. ونتيجة تدخل السوريين انتشل الإيطاليون “لينو” وحملت الشحنة، التي كانت نسبة ضئيلة منها فقط قد تضررت، على متن السفينة الإيطالية “أرجيرو”.
ودس بين طاقم السفينة ميكانيكيان إيطاليان موثوق بهما، من العاملين مع “مؤسسة الهجرة الثانية”. وكانت التعليمات التي أعطيت لهما هي أن عليهما بعد ساعتين من مغادرة الميناء أن يوقفا السفينة بحجة حدوث عطل في الآلات وينتظر وصول سفينة صيد على متنها إسرائيليون. وفي 20/08/1948 أبحرت “أرجيرو” من ميناء باري.
وقبل يوم من ذلك، تسللت سفينة صيد سريعة من ميناء بلدة موله دو باري، وقد اختبأ في مستودعها البحاران دافيد بن حورين وعوفيد ساديه، اللذان كُلفا بالاستيلاء على السفينة.
ووفقاً للخطة، أوقف الميكانيكيان السفينة “أرجيرو”، وتم اللقاء خارج المياه الإقليمية الإيطالية، في المنطقة المحددة. وصعد دافيد وعوفيد، وهما يرتديان بذتي ضابطين بحريين، إلى ظهر السفينة شاهراً كل منهما مسدساً. وقدما نفسيهما للقبطان الإيطالي كموفدين من قبل مردم بك لمرافقة السلاح، وأشارا إلى جهاز اللاسلكي [الذي كان معهما] والمعد للاتصال بالعرب الذين أوفدوهما، زعماً. ولم يشك القبطان في الضابطين البحريين، وقاد السفينة في الاتجاه الذي حدداه له.
وبواسطة جهاز اللاسلكي، نسق لقاء بين “أرجيرو” وأسطول صغير تابع لسلاح البحرية الإسرائيلي في 26/08/1948 في منطقة تقع شمالي شرقي جزيرة كريت. والتقى الأسطول الصغير السفينة في الموعد والمكان المحددين. فسيطر على السفينة، وتم نقل جميع الأشخاص والشحنة إلى الطرادين “هاغاناه” و”ويغوود”. أما “أرجيرو” فقد جنحت وأغرقت نتيجة ارتطامها. وفي 30/08/1948 رسى الأسطول الصغير بحمولته في ميناء حيفا.
وفي أثر نجاح المرحلة الأولى من عملية “لينو” أنشأت “الهاغاناه” في أوروبا في 13/05/1948 “وحدة لتخريب أعتدة العدو في أوروبا” بقيادة أمنون يونا الذي كان حتى ذلك الوقت منسق التدريبات العسكرية في مخيمات اللاجئين في إيطاليا.
وقد بدأت هذه الوحدة تدريباتها في صيف سنة 1948. ونشاطها خارج عن نطاق أحداث كتابنا. لقد أنجزت عملية “لينو” ونفذت عمليات تخريبية أخرى، بينها ضرب طائرات كانت معدة للإرسال إلى الجيوش العربية.
سفينة أرجيرو
سفينة لينو وهي تغرق
موكب جميل مردم بك
ومفتش الشرطة الفرنسي
بقلم عارف النكدي(1)
كان جميل بك مردم بك في أوّل ظهوره وزعامته يتطلّع إلى مستقبل باسم مشرق، والناس يلتفّون حوله باعتباره الزعيم المرتقب. وكان جميل بك بحقّ الرجل السياسيّ والدبلوماسيّ الموهوب كما تبيّن فيما بعد.
وحصل عندما كان عائداً إلى دمشق من زيارة الأراضي المقدّسة عن طريق بيروت أن خرج الأهلون لاستقباله في دمّر استقبالاً فخماً في عشرات السيّارات. فتنبّهت السلطة الفرنسيّة لذلك، وحاولت عدم تمكينه من الدخول إلى دمشق بهذه التظاهرة الشعبيّة الرائعة، فأقامت حواجز من الأسلاك الشائكة على جانبي مدخل الربوة عند مدخل المدينة، ووضعت عدداً وافراً من رجال الشرطة بقيادة المفتّش الفرنسيّ السيّد كران، وأخذت تسمح بمرور السيّارات بين الأسلاك الشائكة، واحدة واحدة وبفاصل من الوقت لتحول دون دخول جميل بك المدينة بموكب حافل زاخر مع مستقبليه.
وعندما رأى جميل بك هذا التصرّف السيّئ أخذ يناقش مفتّش الشرطة الفرنسيّ بعدم أحقيّة السلطة القيام بهذا الإجراء، وأنّه يتعارض مع الحرّيّة الشخصيّة ويحول دون إظهار المواطنين شعورهم، واشتدّ الجدل بينهما. ويبدو أنّ جميل بك أسمع مفتّش الشرطة الفرنسيّ كلمات قاسية اعتبرها المفتّش مهينة له أثناء قيامه بواجب الوظيفة، فنظّم ضبطاً بالحادث ورفعه إلى مدير الأمن العامّ الفرنسيّ السيّد فيردون، الذي رفعه بدوره إلى المستشار القضائيّ مفتّش العدليّة العامّ والنائب العامّ لدى محكمة النقض المختلطة. وكان يقوم بها بالوكالة آنئذ السيّد استيف المستشار التشريعيّ، لتغيّب الأصيل بالإجازة. فأحال السيّد استيف، محضر الضبط بدوره إليّ، بوصفي النائب العامّ في المحكمة المختلطة بالوكالة، وطلب إليّ كتابة تحريك دعوى الحقّ العامّ بحقّ جميل بك بجرم تحقير وإهانة مفتّش الشرطة الفرنسيّ أثناء قيامه بالوظيفة، مع طلب توقيفه.
وقضاة النيابة العامّة، كما لا يخفى، ملزمون قانوناً بتنفيذ الطلبات الخطّيّة التي تردهم من مرجعهم الأعلى والعمل بموجبها. وإنّ الحكمة القائلة “إذا كان القلم مقيدّاً فاللسان طليق”، فمحلّها في المرافعات وإبداء المطالعات أمام المحاكم، لا في الطلبات الخطيّة وتحريك دعوى الحقّ العامّ. لذلك فقد حرّكت دعوى الحقّ العامّ بحقّ جميل بك أمام قاضي التحقيق، وطلبت توقيفه وفقاً لما جاء بكتاب المستشار القضائيّ. كان قاضي التحقيق آنئذ السيّد لوريش، وكان من خيرة القضاة أخلاقاً وعلماً وجرأة وتجرّداً وعدلاً.
وعندما وصلته إضبارة جميل بك مردم بك بعث إليه بمذكّرة جلب للحضور إلى مكتبه في يوم معيّن للتحقيق معه. وبالفعل فقد حضر جميل بك في الوقت المحدّد له، وحضر معه وتبعه مئات الأشخاص من أصدقائه ومريديه حتّى امتلأت بهم فسحات المحاكم المختلطة في بناية العابد، كما امتلأ بهم شارع رامي.
أمّا الباب المؤدّي إلى مكاتب القضاة، فقد أمرت بإقفاله، وأقمت حرساً كافياً من رجال الدرك والشرطة لحمايته ضدّ كلّ احتمال. وبعد أن استجوب قاضي التحقيق جميل بك، حضر لمكتبي وأطلعني على نتيجة التحقيق الذي يتلخّص بأنّ ما قاله جميل بك كان بالمقابلة لما صدر من المفتّش الفرنسيّ، وقدّم لي الإضبارة للإطّلاع عليها وبيان مطالعتي بشأن التوقيف أو عدمه. تذاكرت وقاضي التحقيق وأردنا أن يكون عملنا منسجماً ولا انتقاد عليه، لذلك خرجت من مكتبي بين هذه الجموع المحتشدة قاصداً سراي الحكومة لمقابلة المستشار القضائيّ بالوكالة في مكتبه، وإطلاعه على نتيجة التحقيق الذي جرى. وأبديت له رأيي بصراحة تامّة، وهو أنّه لا يوجد في القضيّة ما يستلزم توقيف جميل بك، وأنّ توقيفه يكون لطخة عار في جبين القضاء المختلط العادل الذي ينظر الناس إليه نظرة احترام وتقدير، لما يتحلّى به قضاته من نزاهة وعلم وتجرّد. فضلاً عن أنّ مثل هذه الدعوى إذا وصلت إلى المحكمة فسيكون مصيرها عدم مسؤولية جميل بك لعدم وجود ما يشكّل جرماً بحقّه. وبعد مناقشة وإقناع، قال لي المستشار القضائيّ بالوكالة “نحن لا نريد ظلم الناس. قرّر أنت وقاضي التحقيق ما تتّفقان عليه”.
خرجت من مكتب المستشار القضائيّ بالوكالة شاكراً ومقدّراً علمه وترفّعه وتجرّده، وعدت إلى مكتبي وأبلغت قاضي التحقيق بكلّ ما جرى، ودوّنت مطالعتي بعدم التوقيف. فقرّر قاضي التحقيق وفقاً لطلبي عدم التوقيف، وأبلغ بذلك جميل بك فخرج، وعلامات الغبطة والسرور بادية على وجهه، لهذه العدالة وهذا التجرّد. وما أن وصل إلى الباب المطلّ على الجماهير التي كانت تنتظره بفارغ صبر وقلق، وشاهدوه طليقاً بهجاً، وأخبرهم بما جرى، حتّى تعالت الأصوات هاتفة بشكر المحاكم المختلطة وعدالتها.
وهكذا انتهت هذه القضية فيما بعد بمنع محاكمة جميل بك، وخلصت المدينة من مظاهرات ما كان يعلم نتيجتها إلاّ الله لو كان تقرّر توقيف جميل بك.
صندوق جميل بك
بعد وفاة جميل بك مردم بك قامت حكومة الوحدة!! بختم الصندوق الحديدي العائد له في بنك سورية والمهجر، خوفاً من أن يكون قد وضع فيه الأموال أو المجوهرات التي ظن البعض أن جميل بك قد اكتنزها قبل موته ولكن خاب أملهم ودليل ذلك التقرير المرفق!!… في الصفحة أدناه.
الوثيقة الأصلية لصندوق الحديدي العائد لجميل بك
مقتطفات من مقال
بقلم شاعر العروبة بدوي الجبل
نشرته جريدة الحياة البيروتية ـ الخميس 31 آذار 1960 العدد 4275 السنة الخامسة عشرة.
حيـاة بطـولـة!
بقلم شاعر العروبة بدوي الجبل
رقد مجهداً بعد الكفاح الطويل المرير في ثرى المدينة الخضراء، التي أحبها فوهبها الريق من شبابه والوسيم من طموحه، على قيد خطوات من رفاق جهاده وأمجاده. وإذا منع الموت فوزي الغزي وعادل العظمة ونجيب الريس وإخوانهم من السيوف المغمدة في التراب، المثلمة من الضراب، ان يرحبوا بالصديق العائد من معركة الحياة، فلا أقل من أن ترحب القبور بالقبور والذكريات بالذكريات!
وإذا عزَّ الوفاء عند جيل من الناس لهؤلاء الأبطال الذين يتساقطون واحداً بعد الآخر في زحمة الردى وغمرة النسيان، بعد أن هدّتهم المعركة اللاهبة هدّاً، وألحّت عليهم أربعين عاماً توسمهم ضرّاً ويوسمونها كبراً، وتركت سماتها جراحاً فوق جراح على جباههم وصدروهم، تعودوا أن يعطوا المعركة الجبهات والصدور حيث تتألق البشاشة، ويضطرم الإباء. إذا عزّ الوفاء عند جيل من الناس أو عند الجمهرة من الناس، فلن يعزّ على النسمة اللينة الساجية، تغمر قبورهم بعبير ميسلون وأغنيات بردى وأحلام قاسيون وزغاريد جلاء.
ولن يعزّ الوفاء على الأيك الملتف، يحنو على القبور الظمأى بأفيائه وأندائه على ندة قمر، على أغرودة بلبل.
ولن يعزّ الوفاء على الربيع يباكر هذه القبور المتلهفة إلى الحب، بأنضر رياحين نيسان وفي الطبيعة كرم إذا ضن الناس وأريحية على همود المروءات، وحنان عندما يقسو قلب على قلب، وترشق عيون أخواتها بالنظرة الشزراء.
لقد أغفى جميل مردم إغفاءته الأخيرة في حضن الخميلة الزهراء، في عنفوان الربيع. في جوار النخبة من إخوانه، على أطياف ذكريات كأنها ندام الحوار ورفيف أجنحة الملائكة. أطياف السجون في أرواد، والحسكة، وأحكام الإعدام، المنافي والتشريد…
ومن هذه الذكريات ما يندى بمرح الطفولة، ومن هذه الذكريات ما يلفح بجمرة الشباب، ومن هذه الذكريات ما يغمض عينيه على كهولة تحلف أنها والشباب من جوهر واحد ومن أريحية واحدة، فتتمرد على السقم وتتكبر على الداء، وتحمل أعباء الستين في مرح العشرين، وتداور المرض كما داورت السياسة سنين طوالاً، حتى روضته وتألفته فخلعت عليه طلاقتها، ولم يستطع أن يخلع عليها عبوسه.
ومن هذه الذكريات طيوب باريس في المؤتمر العربي الأول، وبيعة فيصل في دمشق وسنوات عسرٍ ومحنة وسجون وكفاح وأعياد ومآتم. ثم تغمر الذكريات كلها عطور من الجنة من الثورات من الجروح والدماء، من الدموع الأبيّة والكبرياء الحيّة، من فتوحات العرب، من إيمانهم، من حضارتهم، مختصرة كلها بعيد الجلاء موجزة في فرحته، رفافة في رايته، مشرقة مع فجره، مدلّهة بنصره.
نشأ جميل مردم بك والقضية العربية لدات طفولة وشباب، فأصفاها الكريم من ودّه، والمترف من عهده وبدت طلائع عبقريته في مؤتمر باريس العربي، رائعة في زينتها، أصيلة في سجيتها. وتوسم أصحاب الفراسة من كهول القضية وشيوخها بالشباب الكيِّس الأنيق الطموح بشائر زعامة، وفواتح رئاسة، وعنوان فتوح، ومقدمات نصر.
ثم تكرّ الأيام تلو الأيام والسنون إثر السنين، فإذا بابن مردم بك يتألق في ظل العرش الهاشمي في دمشق، وينزل في وزارة الخارجية منزلة المستشار الأمين المرموق، ويشار من بعيد ومن قريب في أوساط السياسة الرفيعة إلى الشاب الداهية، لا تحجب نظارتاه بريق ذكائه، ولا تستر كياسته خفي دهائه.
وينتهي عهد فيصل في دمشق كما تلألأ شباب ثم خبا، ويسجن من يسجن ويهاجر في سبيل الله والعرب من يهاجر، ويكتب الله لابن مردم بك أن يكون ممّن نجوا من براثن الأسد، ليستأنف الكفاح في كل الميادين من القاهرة إلى بغداد ومن مكة إلى عمّان. وهو في ألوان الكفاح رابط الجأش محكم الحيلة رحب الصدر واقعي التفكير. ولكنه لا يضن على الواقع بنشوة الخيال وجوانح الإيمان.
ولست هنا أكتب تاريخاً لابن مردم بك، ولكنني أعرض مشاهد قصيرة متتابعة من حياة مخصبة عريضة مشرقة. فمن الكفاح العنيف سنوات طوالاً، إلى إلغاء المعاهدة المعروفة بمعاهدة الشعباني، حين استطاع ابن مردم بك وإخوانه أن يحوّلوا أقليتهم في المجلس النيابي إلى أكثرية ترد المعاهدة.
ويعلم المندوب الفرنسي بذلك وهو في المجلس النيابي والجلسة النيابية معقودة. فيهرع إلى المنبر، ليعلن حلّ المجلس، وليفوت على الوطنيين نصرهم، ولكن ابن مردم بك تقحَّم المنبر تقحُّماً، ونحى عن ذروته المندوب الفرنسي وبادره الجميع بطرح المعاهدة على التصويت، فطرح ورفضت، كل ذلك في دقائق معدودات، خلعت عليها رجولة ابن مردم بك وإخوانه أعمار السنين الطوال… إلى الهدنة سنة 1936، إلى الوفد السوري في باريس، إلى انتزاع معاهدة الاستقلال التي كانت في ملابسات ذلك الزمن نصراً مؤزراً، إلى ترؤسه وزارة المعاهدة، إلى نكث الفرنسيين بوعودهم وعهودهم، إلى الحرب العالمية الثانية وتعطيل الدستور وإلغاء المعاهدة، ثم إلى استئناف الكفاح أواخر عام 1941 الذي انتهى بعد كر وفر وتضحية وفداء وانسجام رائع في المعركة بين الزعماء المؤمنين والشعب المؤمن، إلى انتزاع الاستقلال مرة ثانية، ثمَّ إلى الجلاء: الخاتمة الميمونة للمعركة التي دامت خمسة وعشرين عاماً مع فرنسا.
وفي كل هذه المواقف والمشاهد كان ابن مردم بك إلى جانب إخوانه، ولا أذكر منهم الآن إلا الموتى ـ ومد الله في أعمار الأحياء منهم ـ وفي الطليعة قديس الوطنية وزعيمها الملهم وفارسها المعلم وكوكبها الهادي سعد الله الجابري يقودون المعركة ببطولة وحنكة وتضحية، فإذا احتدمت نيرانها وجنَّ طغيانها تحول القائد منهم جندياً يتلقى بصدره النار، ويحمل كل ما يحمله الجندي من عرق المعركة ودمائها، وجوعها ونهمها وجراحها وأتراحها.
لقد كان ابن مردم بك نسيج وحده في السياسة، واقعياً إلى أبعد حدود الواقع عند الرأي والمشورة، ملتهب الخيال جامح العاطفة عندما يرى التنفيذ.
وكان في أسلوب كفاحه يكر ويفر ويتقدم ويتأخر. ويظهر ويختفي، ويشتد ويلين. ولكنه يأخذ على عدوه في كل هذه الحالات كل الثنايا. فلا يترك له ساعة للهدوء ولا فترة للراحة. بل يشيع القلق في صفوف العدو في كل ناحية وعند كل زاوية، وهو رابط الجأش طلق الأسارير، كلما انتهت واحدة من مكائده في العدو، مد يده إلى جراب دهائه فأخرج من جديده ما يزري بالقديم.
وكان ابن مردم بك في ناحية الدين مؤمناً بلا تعصب. وفي ناحية الحكم رجل دولة بلا تحزب. وكان ذا دهاء، ولكنه الدهاء الرفيع المثقف. وكان في حياته السياسية والاجتماعية ولاسيما في المحن القاسية والخطوب العاتية، مرحاً طروباً، حلفت الابتسامة ألا تفارق شفتيه، ذا نكتة حاضرة ودعابة ساخرة وكان يحفظ الكثير من عيون الشعر العربي يتمثل بها في مواقفه الخطابية وفي مجالسه الخاصة.
وكان يصطنع عندما يفاجأ بالأمر سعالاً يستعيده ويكرره، حتى ينفذ إلى ما يريد. وقد عرف ابن مردم بك بهذا السعال حتى كان موضع تندر إخوانه وخصومه على السواء. ويا طالما دوى هذا السعال في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب أو في المفاوضات مع الفرنسيين أو في غيرها من مشاكل الدولة وتبعات الحكم، فيتبسم المشاهدون ويعلمون أن ابن مردم بك يعد ـ وهو في سعاله ـ من الجواب ما يكون فصل الخطاب!
وألحت العلة عليه منذ سنوات عشر ـ وكانت الذبحة الصدرية ـ فآثر الراحة بعد حياة كلها حركة دائمة وتوثب دائم، وكلها أعراس لقضية العرب في فترة من أدق فترات تاريخهم، صنعها هو وإخوانه ومَهْرَجَها هو وإخوانه. وسينصفهم فيها التاريخ إذا لم ينصفهم الناس. وسينصفهم الله جلّ جلاله إذا لم ينصفهم التاريخ!
وألحت العلة عليه ثم ألحت، وظل يقري العلة من بشاشته ومن رونق ظرفه، فتغيرت سجية العلة وما تغيرت سجية ابن مردم بك!
وها هو الآن يعود إلى ثرى دمشق كما عاد قبله إخوانه الذين سبقوه، ويحنو عليه الثرى الرحيم ويسقيه برد الراحة علا على نهل، وتترنخ نسيمه، ويغرد بلبل، ويفوح عطر…
لعلها تحية من سعد الله الجابري لابن مردم بك!
بدوي الجبل
ورد في مجلة المصور المصرية
صفحة من جهاد سورية
جميل مردم بك
بوفاة جميل مردم بك في 28 مارس 1960، طويت صفحة من تاريخ الجهاد السوري، وبقي واحد فقط من الأحرار العرب الأحد عشر الذين تولوا تنظيم مؤتمر باريس في سنة 1913 للمطالبة بنظام اللامركزية للأقاليم العربية التابعة للدولة العثمانية..
كانوا أحد عشر منذ 47 سنة، شنق الترك منهم أربعة مع قافلة الشهداء سنة 1916. ومات منهم خمسة موتاً طبيعياً. وكان جميل مردم بك السادس. وبقي على قيد الحياة واحد هو عوني عبد الهادي أطال الله في عمره.
نجا جميل مردم بك من حبل المشنقة بأعجوبة.
اسم أسرته “مردم بك” لا “مردم” فقط.
كان رُكناً من أركان “الكتلة الوطنية” التي تولت قيادة الشعب السوري في مقاومته السلبية والإيجابية على السواء. فناصب الفرنسيين العداء وناهض انتدابهم فطاردوه وحكموا عليه ثم حاولوا إغراءه ففشلوا.
كان وزيراً للمالية، وللخارجية، ورئيساً للوزارة.
اشترك في مفاوضة الفرنسيين لعقد معاهدة 1936 التي اعترفت فيها فرنسا باستقلال سورية ولكنها تراجعت فرفضت تطبيقها بعد أن أقرها مجلس النواب السوري من ناحيته.
قال لي جميل مردم بك وقتها: “اعتقد أنه لم يبق أمامنا إلا الالتجاء إلى وسائل العنف بعد ان أثبتنا أننا صادقون وأثبت الفرنسيون أنه كاذبون”.
وقال لي وقتها بيير فينو وكيل الخارجية الفرنسية الذي فاوض الجانب السوري: “عندكم في سورية وزير في وسعه أن يلقن وزراءنا درساً في الدهاء السياسي واللباقة الدبلوماسية: واسمه جميل مردم بك.
وأخذت سورية استقلالها بعد جهاد مرير سنة 1946، وكان طبيعياً أن يشترك جميل مردم بك في الحكم بعد الاستقلال كما اشترك في العمل لتحقيقه.
كان أول وزير للخارجية في العهد الجديد، فأنشأ الوزارة ونظمها. وكان أول سفير لبلاده المستقلة في القاهرة، فأنشأ فيها أول سفارة سورية ونظمها أيضاً. ثم تولى رئاسة الوزارة وغادر بلاده، بعد الانقلاب العسكري الذي أحدثه حسني الزعيم في سنة 1949 وأقام في مصر.
يوم إعلان الوحدة بين مصر وسورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة، قال إن أمنيته الكبرى قد تحققت.
المرض وحده أقعده عن العمل، بعد أن عجز الاضهاد والإرهاب والتنكيل عن النيل من همته وزعزعة إيمانه!
كان واسع الإطلاع، بعيد النظر، لبقاً في حديثه، دائم الابتسام، في غمرة المناقشات السياسية، يطلق الكلمات اللاذعة التي تؤلم دون أن تجرح. له في المقامات الدولية سُمعة لم تتوفر لغير النوابغ من رجال السياسة. في كل أزمة مرت بالقضية العربية في سورية وجد المنفذ الذي يعيد الأمور إلى نصابها: كان حلاّل المشاكل لبلاده، صانع المشاكل لخصوم بلاده.
حَدَثَ مرة خلاف بين السوريين والفرنسيين على منصب رفيع من مناصب الدولة، فأقنعهم جميل مردم بك باختيار شخص معين لذلك المنصب، باعتبار أنه من أصدقائهم الموالين لسياستهم، وهو في الواقع، وفي اعتقاد صاحب الاقتراح، آلة في أيدي الوطنيين. وتولى الرجل المنصب، ولكنه حاول أن يتمرد على الذين كانوا سبباً في فوزه به، فقال له جميل مردم بك: “لا يجب أن يغرب عن بالك أن الذي جعل الحمار يصعد إلى أعلى المئدنة، في وسعه أيضاً أن ينّزله منها!”.
واختلف مرة مع نوري السعيد حول مسألة سياسية، فقال له دفاعاً عن رأيه: “هذا رأى صنع في دمشق العربية، لا في باريس الفرنسية ولا… في لندن الإنجليزية!”
وقال للملك عبد الله ـ ملك الأردن ـ في جدل حول مشروع سورية الكبرى: “لن نصل إلى تفاهم معكَ ما دمتَ تقول “دولة هاشمية” بدل أن تقول “دولة عربية!” إنك تعمل لأسرتك ونحن نعمل لشعبنا!”
مات دون السبعين. ولكنه وقف حياته كلها للقضية العربية، فكان واحداً من ذلك “الرعيل الأول” الذي يختفي رجاله الواحد بعد الآخر… صفحة نبرة طويت، بموته.
رحمه الله!
حبيب جاماتي
ورد في جريدة الحياة اللبنانية في 10 نيسان 1960 العدد 4284 السنة الخامسة عشرة مقالة تحت عنوان
“مقال الأسبوع” للأستاذ الكبير أكرم زعيتر
جميل مردم: جيل ورعيل
إحساسي حين يُنعى إليّ مجاهد قديم أو سياسي عظيم أنني أودع بعضاً عظيماً من تاريخي القومي، وأنني أطوي صفحة باهرة من أمجادي الوطنية.
وإذا كانت بيننا آصرة ولاء وعاطفة مودة وإخاء وواشجة عقيدة وقرابة جهاد، أحسست أنني أودع بعضاً من نفسي، وكأن نفسي تغادر الدنيا تفاريق.
وأراني حين يقوم النعي بموت هذا السرى الأبيّ، أقيم في ضميري مآتم وتجيء المناحات في وجداني تترى، أتمثل فيها طيوف السابقين الأولين، والأسى النازل يبعث أخاه الدفين…
ومذ قال المذياع أن جميل مردم بك قد مات في القاهرة وأن جثمانه سينقل إلى دمشق، تمثل في خاطري من يموتون بعيداً عن الوطن ثم ينقلون إلى بلادهم بالمروءات…
ويروي الأستاذ أكرم قصة جميل منذ “جمعية العربية الفتاة” حتى وصل إلى قوله:
وكان انقلاب حسني الزعيم وتتالت بعده انقلابات. وآثر جميل مردم بك أن يقيم في مصر، وكان بيته المضياف مثابة ذوي السابقة من الذين يعتمرون القاهرة، وملتقى ذوي المكانة في العلم والأدب، ينعمون فيه بالاحتفال والتكريم، ويأنسون إلى البديهية الحاضرة والنكتة الرفيعة البارعة، والذكريات الغاليات والحنان الأريحي، والرأي الناضج.
على أن تلك المدرسة العقوق الجحود التي كان كل همها أن يتحطم الرعيل الأول، والتي تعتقد أن مجدها لا يبنى إلا على الأنقاض، ولا يتغذى إلا بالأشلاء، حتى أصبح ماضي المرء محسوباً عليه وجهاده سر النقمة منه، هذه المدرسة الحقود النكود لم تعفِ عن الولوغ في أعراض المخلصين، ولعل هذا سر اعتزال جميل بك أخيراً العمل في الحقل السياسي.
ليس التنكر لذوي الفكر والحملة عليهم فقط، فهناك تنكر سلبي يتجلى في إهمال مشورتهم، والصدوف عن الانتفاع بتجاربهم، وفي تجاهل وجودهم، وإيثار كل نكرة ضحل التفكير أو مراء دعيّ عليهم. ففي ذلك هدر للقيم ووأد للمروءات وتشويه للتاريخ وتمثيل بالوفاء ومحاربة للكفاءات…
وخلاصة القول، فقد كان جميل مردم بك جذوة دهاء، ووقدة ذكاء، وكان الحركة التي لا تمل، والنشاط الذي لا يهدأ ولا يمل، وكان الهمة التي تضطلع بالجسيم وتستقل بالعظيم، يستقبل الأحداث بالعزم الأكيد، والعصب الحديد ويرميها بالرأي السديد:
بديهيته وفكرته سواء
إذا ما نابه الخطب سواء
* * *
وأحزم ما يكون الدهر رأياً
إذا أعيا المشاور والمشير
أما سعة صدره، والبسطة في صبره، فحدث عنهما حين يوسعه الخصم هجواً وشتماً، وإذا بالعَصيّ الخصيم يغدو ذلك الوليّ الحميم.
فأقسم ما جشمته من ملمة
تؤود كرام القوم إلا تجشما!
ولا قلت: مهلاً، وهو غضبان قد غلا
من الغيظ وسط القوم إلا تبسما!
أكرم زعيتر
كما ورد في إحدى الصحف السورية:
جميل مردم بك في ذمة الله
العالم العربي يهتز لهذه الكارثة المؤلمة
فُجع العالم العربي أجمع خلال عطلة عيد الفطر السعيد بوفاة علم من أعلامه وقطب من أقطابه هو المغفور له جميل مردم بك، ذلك الوطني الشجاع الذي كافح وناضل وجاهد مع الرعيل الأول في سبيل طرد المستعمر من سورية آنذاك وتحقيق الجلاء والسيادة والحرية والاستقلال، وقد وافته المنية رحمه الله في القاهرة ونقل إلى مسقط رأسه دمشق على متن طائرة عربية خاصة.
ولم تكد أسلاك البرق تنقل إلى العالم العربي ذلك النبأ المفجع حتى تقاطرت كبار الشخصيات العربية والسياسية من البلاد المجاورة للاشتراك بتشييع جثمان الفقيد الراحل والإعراب عن حزنها العميق وأسفها الشديد على ذلك الرجل الفذ الذي نذر روحه ونفسه للذود عن حياض الوطن وتحقيق عزته وسيادته. كما انهالت على أسرة الفقيد وعلى نجله الدكتور زهير مردم بك ألوف البرقيات معزية مواسية، سائلة الله للفقيد الغالي الرحمة والغفران وواسع الجنان وللوطن جميل الصبر والسلوان.
هذا وقد شيع جثمان الفقيد الراحل بموكب مهيب، سار في مقدمته ممثلون لسيادة الرئيس جمال عبد الناصر، وجلالة الملك سعود، وفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، وممثلون لسيادة عبد الحكيم عامر وسيادة عبد اللطيف البغدادي نائبي رئيس الجمهورية العربية المتحدة، إلى جانب أخيه في الجهاد والنضال فخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي وكبار الشخصيات السياسية والعربية من مختلف الطبقات، وقد جلل جثمانه الطاهر بعلم الجمهورية العربية المتحدة ورافق الموكب الوف مؤلفة من الأكاليل وطاقات الورود.
وفي مدفن الأسرة في باب الصغير تبارى المؤبنون في تعداد مناقب ومزايا الفقيد الراحل، وما قدمه لهذا الوطن من التضحيات والخدمات حتى قيض الله له العزة والاستقلال، حيث تكلم في هذا الموضوع كل من الأساتذة كامل البني وفخري البارودي وسعيد التلاوي.
رحمك الله يا أبا الجهاد والوطنية رحمة واسعة، وأجزل لك الثواب بقدر ما قدمته لهذا الوطن من التضحيات الجسام، وألهم نجلك وأسرتك جميعاً جميل الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.
هذا وقد تقدمت أسرة الفقيد بكلمة الشكر التالية:
زهير مردم بك، وآل مردم بك، يتوجهون بالشكر الجزيل والامتنان الوفير لسيادة الرئيس جمال عبد الناصر، وجلالة الملك سعود، وفخامة الرئيس فؤاد شهاب، وفخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي، ونائبي رئيس الجمهورية سيادة المشير عبد الحكيم عامر، وسيادة عبد اللطيف البغدادي، وأصحاب السمو الحكام والأمراء ورؤساء الحكومات في البلاد العربية الشقيقة، والسادة الوزراء المركزيين والتنفيذيين في الإقليميين، وسيادة قائدة الجيش الأول والرجالات الرسمية في الجمهورية العربية المتحدة والبلاد العربية الشقيقة، على تعازيهم الرقيقة بمصابنا الأليم بوفاة الفقيد الغالي المغفور له جميل مردم بك، كما يشكرون جميع الشخصيات والهيئات والجماعات والأفراد ورجال الصحافة في الجمهورية العربية المتحدة والبلاد العربية سواء الذين اشتركوا في التشييع أو أرسلوا برقيات تعزية حفظهم الله جميعاً من النوائب وأحسن جزاءهم على كريم مواساتهم.
ورد في جريدة الأيام السورية تاريخ 31/03/1960 على الصفحة الخامسة بقلم الأستاذ الكبير رشيد الملوحي هذه المقالة، وقد أحببت أن أذكرها هنا لشمولها على تفاصيل قد يرغب محبيّ جميل بك قراءتها:
الرجل الذي دخل الخلود من أوسع أبوابه
هز ّالمصابُ فيه، دمشق والوطن العربي كله
كانت الأنباء تتوالى بأن دولة الرئيس الكبير جميل مردم بك يرزح تحت وطأة الداء، فتمتلئ النفوس أسى، وترع القلوب باللوعة، فلقد اعتاد على هذه الأزمات التي تتحيف القلب الكبير بين آونة وأخرى فيتغلب عليها بصبره وإرادته، وبالنظام الصحي الدقيق الذي اختطه لنفسه، وإلى أن لا يحيد عنه قيد شعرة..
أزمة غلاّبة:
وفي هذه المرة جاءت الأزمة قوية غلاّبة… وا لهفتاه.. وكان الصراع عنيفاً، وتمت إرادة الله العليّ القدير الذي لابقاء لغير وجهه الكريم، وانتشر في العالم العربي هذا النبأ الصادع الذي ارتجت له أرجاء الوطن العربي كلها. مدوياً فالتاعت الأفئدة، وتفجرت القلوب، واهتزت المشاعر، أمام هذا الخطب الفاجع، والرزء الصادع.
الرجل الخالد:
لقد خسر الإقليم الشمالي، وخسرت الجمهورية العربية المتحدة، وخسر العرب قاطبة، رجلاً ولا كالرجال، قاد خطوات بلاده، وجماهير شعبه، إلى قتال الاستعمار وكفاح جنوده فما هُزم في معركة، ولا كلّ ولا تراجع بل ظلّ البطل الجريء، والمنافح الصادق، والمجاهد المؤمن في ميادين الحرب والكفاح والسياسة، حتى ارتفع علم الظفر، وتم الاستقلال التام الناجز، وتم الجلاء.
إن الرجل الضخم الذي انطوى أمس، والذي ضمته دمشق إلى قلبها، وضمت عليه جناحيها، لم ينطو، ولم يمت.. ولكنه دخل الخلود من أوسع أبوابه. وسيبقى بارزاً في تاريخ هذا الوطن، ما بقى هذا الوطن رفيع الذرى، وما بقيت لهذا الوطن رسالة قومية تسترخص النفوس في سبيل أدائها، وتبذل الأرواح تحقيقاً لأهدافها.
وسيبقى اسم جميل مردم بك منقوشاً على صفحات القلوب مسطراً في أعماق النفوس، كما سيظل خالداً على صحائف التاريخ المنشورة وفي أيامه المذكورة.
إلى دمشق
توفي إلى رحمه الله في منزله في القاهرة ـ غاردن سيتي ـ ونقل جثمانه في طائرة خاصة ضمت السيدة حرمه المصون، ونجله السيد زهير، وبعض خُلَّص الأصدقاء، وكان في ميناء دمشق الجوي في المزة جمهور كبير من عيون دمشق وأخوان رجالات الصيحة الأولى وعلى رأسهم فخامة المواطن العربي الأول وآل مردم بك والسيد عبد الحميد السراج وزير الداخلية والفريق جمال فيصل، فلما أطلت أم زهير من الطائرة وخلفها نجلها زهير ساد الجميع الحزن والأسى، وفاضت العبرات سخينة من المآقي وكانت درتان تبتدران من عين فخامة المواطن العربي الأول تلتهما عبرات.. ولم يُر يوم أكثر باكياً من يوم أبي زهير.
وإذا كان هذا ما تستهل به العيون.. فإن ما في الصدور من نار الأسى لأشد ضراماً وأكثر لهباً.
تشييع الجثمان
ونقل الجثمان إلى منزل نجله السيد زهير مردم بك بانتظار موعد تشييعه إلى مثواه الأخير وأخذت وفود الوزراء ورجال الدولة، وكبار القادة ورجال السلك السياسي، وجماهير الأهلين تَؤُم المنزل للتعزية بالرجل الذي عزّ فيه العزاء، والعظيم الذي جلّ فيه المصاب. ووصلت من بيروت وحلب وحماه وحمص واللاذقية ودير الزور والجزيرة ومختلف المدن السورية وفود كبرى للاشتراك في تشييع الجثمان.
وفي الساعة الثالثة بعد ظهر أول أمس ـ الثلاثاء ـ وصل فخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي ورفع جثمان جميل مردم بك ملفوفاً بعلم الجمهورية العربية المتحدة على الأكف من منزله إلى جامع الروضة في حي أبي رمانة وسار المواطن العربي الأول في مقدمة المشيعين وإلى جانبه صاحبا الدولة صائب سلام وعبد الله اليافي ورشدي الكيخية والحاج محمد العايش، وإلى الجانب الآخر زهير مردم بك وآل مردم بك والوزراء ورجالات الدولة ووفود المحافظات والبلدان المجاورة ورجال الرعيل الأول من إخوان الفقيد الغالي، وغيرهم كثيرون. وبعد الصلاة على الجثمان الطاهر، وضع في السيارة المغطاة، مع عدد من السيارات، بأكاليل الزهور، ومضى الموكب الضخم إلى مدفن آل مردم بك الخاص في الباب الصغير.
مراثي الخطباء:
وبعد الدفن وقف السيد كامل البني فألقى كلمة عن الفقيد الكبير وقدم دولة صائب سلام الذي ألقى كلمة تفيض بالحزن والأسى، فعدد مناقب جميل مردم بك، وجهاده، ومشاركته الكبرى في تحقيق استقلال لبنان الشقيق والخدمات التي أدّاها لبلاده وللعرب جميعاً.
وحمل تحيات لبنان العربي، لبنان الوفي، لبنان المجاهد إلى المجاهد المسجّى في مرقده الأخير.
وكانت كلمة رائعة، وخطبة بليغة، خطبة شيخ الوطنيين السيد فخري البارودي، فقد وقف يرثي زميل الجهاد، وأخ الكفاح فغلبه الدمع فبكى.. والبكاء كان شعار يومك يا أبا زهير.
كلمة الأستاذ التلاوي وكانت الكلمة الأخيرة كلمة الصحفي المعروف والأديب الكبير الأستاذ سعيد التلاوي التي قال فيها:
سبحان من كتب الموت على عباده، وتفرد بالوحدانية لذاته الصمدانية، سبحانه وتعالى لا إله إلا هو الحيّ القيوم، إن سبيل الموت سبيل كل مخلوق من بدء الخليقة حتى نهاية الخليقة، وكل من على هذه الأرض الفانية فان وكل نفس ذائقة الموت، وكل حي هالك إلا وجه الله العزيز الحكيم.
ألا إن رزءنا اليوم وخَطْبَنا جسيم بفقد هذا الرجل العظيم، وإن مصابنا جليل وصبرنا قليل لفراق هذا السيد النبيل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عزيز علينا أن نواري في هذا الثرى فقيدنا الغالي جميل مردم بك، عزيز علينا والله أن يضمك التراب بدلاً من القلوب يا أبا زهير، عزيز علينا أن تثوى اليوم في شق من الأرض كتلة من لحم وقد كنت حتى أمس القريب ملء الإسماع والأبصار والأفئدة، عزيز علينا أن يموت رجل السياسة والكياسة، رجل الذكاء والدهاء، رجل الجهاد والجلاء، رجل الإباء والمضاء، رجل المفاخر والمآثر والمنابر، رجل الإخلاص والتضحية والصبر، عزيز علينا أن يموت رجل الجلاء ورجل الاستقلال، ورجل الوحدة، عزيز علينا والله أيها الناس أن ندفن في هذا القبر رجلاً كان تاريخ هذا البلد العزيز، وتاريخ البلاد العربية العزيزة، عمل لاستقلال وطنه ووحدة وطنه ووحدة أمته جيلاً كاملاً حتى استقل وطنه وتوحدت أمته، فقرتْ عينه، وطابتْ نفسه، ورجعتْ آمنة مطمئنة إلى ربها راضية مرضية تدخل في عباد الله وتدخل جنة الله وتحل مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.
أي والله عزيز علينا أن يموت هذا البطل والقائد والزعيم قاهر الترك والفرنسيين والإنكليز، وعدو الاستعمار الجبار وعدو اليهود اللدود، وأي حيلة لنا ولكل مخلوق كتاب معلوم ولكل أمة أجل محتوم فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.
يا أبا زهير نم آمناً مطمئناً في جوار الخلود فإن الدولة التي استلمتموها صغيرة مستعمرة قد استقلت ونمت وترعرعت، وأصبحت دولة قوية بفضل الله عزّ وجلّ، وتمت الوحدة العربية بقيادة الرئيس العظيم البطل جمال عبد الناصر، وصار لها جيش كبير أعدته للأمر الخطير وهو تطهير الأرض المقدسة، وتحرير الأقطار العربية الغالية وحُمِّل الفقيد تحيات الأمة للشهداء الأبرار وختم خطابه بقوله:
يا سيدي أبا زهير! أيها الراحل العزيز!
أعظم الله تعالى لقاءك وأكرم مثواك، وأجزل ثوابك وأجمل حسابك وأعلى مكانك في عليين وجاورت جدثك الطاهر رحمة الله، ونور روحك الطاهرة نور الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأخذ المعزون يتقدمون من السيد زهير مردم بك وآل مردم بك معربين عن شعورهم في هذا الرزء الذي عم البلاد ولم يكن خاصاً بهم، وكلهم كانه ينشد قول الشاعر:
لقد كنت أخشى عادى الموت قبله
فأصبحت أخشى أن تطول حياتي
وفي المساء عادت الجماهير تنثال إلى منزل السيد زهير مردم بك لتقدم تعازيها إلى الشاب الذي نشأ في قلب الجهاد وتفتحت عيناه على معارك البطولة والمجد وظل تدفق جماهير المعزين من عيون دمشق ورجالاتها ومن رجالات الوفود التي أمت دمشق للتعزية من أنحاء الإقليم السوري ومن لبنان حتى ساعة متأخرة من الليل وقد تحدث فخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي حديثاً مستفيضاً عن الفقيد العظيم وجهاده.
مأدبة القوتلي:
وظُهر أمس أقام فخامة المواطن العربي الأول السيد شكري القوتلي مأدبة غداء كبرى في قصره للسيد زهير مردم بك نجل فقيد العروبة الغالي، وآل مردم بك، ولرجالات الوفود التي أَمّت دمشق للمشاركة في تشييع الجثمان الطاهر إلى مرقده الأخير في قلب دمشق، ولاسيما وفود لبنان وحلب واللاذقية وحماه وحمص ودير الزور والجزيرة، وفي مقدمتهم أصحاب الدولة السادة: صائب سلام وعبد الله اليافي ورشدي الكيخية والسيد أحمد الداعوق والحاج محمد العائش، ونجيب وصبحي العظم، والدكتور نجيب الأرمنازي ورزق الله الأنطاكي ووجيه الحلاج والسادة أسعد هرون وشقيقه علي هرون ومالك إلياس وعبد القادر شريتح والسيد رباح القرية وغيرهم كثيرون ممن فاتتنا أسماؤهم فعذرا.
وقد دارت بعد الغداء أحاديث قومية عديدة وفي الساعة الثالثة ودع فخامته أضيافه بمثل ما استقبلهم به من الحفاوة والترحيب.
وفد حمص
وقد وصل مساء أمس من حمص وفد كبير للتعزية في مقدمته السادة عبد الله فركوح نائب حمص سابقاً، والحاج عبد السلام عبارة، والأستاذ حسن مراد المحامي، والأستاذ قاسم الأتاسي المحامي ورئيس البلدية السابق، والأستاذ ممدوح الدروبي والأستاذ عبد الحكيم الملوحي، وعبد الهادي الزهراوي، وفوزي الدالاتي وغيرهم، وقد زاروا المنزل وقدموا تعازيهم وتعازي مدينة ابن الوليد التي أمضّها هذا المصاب الفاجع.
وظلت جماهير الرسميين وغير الرسميين دافقة حتى ساعة متأخرة من الليل، كما وإن الوفود من غوطة دمشق والمدن المجاورة والمحافظات السورية وصلت وهي تحمل عواطف الشعب ومشاعره المخلصة في هذا المصاب الذي هز نياط القلوب، وقدموا تعازيهم إلى السيد زهير، وإلى آل مردم بك، هذه التعازي التي كان يمليها إحساس مخلص وعواطف جياشة، وحب أكيد للرجل الذي وهب حياته لوطنه ولعروبته، ولمجد بلاده.
قال فيه أحد الشعراء:
تعرف في عينيه حقائقه
كأنه بالذكاء يكتحل
أشفق عند انعقاد فكرته
عليه منها، أخاف يشتعل
دولة جميل بك في أيامه الأخيرة
شخصيات في حياة جميل مردم بك
هذا مختصر وتعريف بالأشخاص الذين مرّ ذكرهم في هذا الكتاب رغبت بتدوينها منفصلة لمزيد من الشرح عنها، بدلاً من وضعها في حواشي الصفحات بشكل موجز ومقتضب. وإني وإن كنت قد استثنيت البعض فذلك لضيق المجال في التوسع في ذكر بعض الأسماء سواء في التعداد داخل نص الكتاب أو في شرحها في هذا الفصل فعذراً لمن لم يرد ذكرهم.
وقد تم ذكر الشخصيات في هذا الفصل بحسب الترتيب الأبجدي.
1 ـ إبراهيم الخليل مردم بك.
2 ـ إبراهيم هنانو.
3 ـ د. أحمد قدري الترجمان.
4 ـ أحمد مريود.
5 ـ أديب مردم بك.
6 ـ توفيق الناطور.
7 ـ حسني الزعيم.
8 ـ خالد العظم.
9 ـ سامي مردم بك.
10 ـ سعد الله الجابري.
11 ـ سلمى مردم بك.
12 ـ شكري القوتلي.
13 ـ صفوت مردم بك.
14 ـ عثمان عبد القادر مردم بك.
15 ـ عبد القادر مردم بك.
16 ـ عثمان صائب سلام.
17 ـ عبد الرحمن الشهبندر.
18 ـ علي حيدر مردم بك.
19 ـ عطا الأيوبي الأنصاري.
20 ـ علي رضا الركابي.
21 ـ عوني عبد الهادي.
22 ـ فارس الخوري.
23 ـ فخري البارودي.
24 ـ فوزي القاوقجي.
25 ـ لطفي الحفار.
26 ـ محمد رضا مردم بك.
27 ـ محمد بن عبد القادر مردم بك.
28 ـ محمد سهيل العشي.
29 ـ محمد سعيد الغزي.
30 ـ محب الدين الخطيب.
31 ـ محمد فريد كرد علي.
32 ـ د. مدحت بن رفعت شيخ الأرض.
33 ـ د. نجيب الأرمنازي.
34 ـ هاشم الأتاسي.
إبراهيم الخليل بن أحمد مختار مردم بك
ولد عام 1895 م وتوفي عام 1959 م
والدته فاطمة خانم بنت مفتي الشام محمود بك الحمزاوي.
والده أحمد مختار بن عزتلو عثمان بك مردم بك.
أولاده الذكور: عدنان شاعر الشام، وهيثم الشاعر الشاب الذي توفي في العشرين من عمره.
أولاده الإناث: لميس ـ فاطمة ـ أميمة (مامه).
تلقى علومه في مدارس دمشق ثم جامعة لندن، شغل عدة مناصب في الحكومة منذ عام 1918، وتنقل من مميز ديوان الرسائل العام إلى وزير للخارجية، ثم انتخب رئيساً للمجمع العلمي العربي عام 1953 حتى وفاته في 21/06/1959 .
شارك في إنشاء بعض المجلات (كالرابطة الأدبية) التي صدرت عام 1921 كذلك مجلة (الثقافة) الدمشقية التي صدر العدد الأول منها بدمشق عام 1933.
انتخب عضواً في عدد من المجامع العلمية منها: مجمع فؤاد الأول في القاهرة والمجمع العلمي العراقي وانتخب عضواً في لجنة تحرير دائرة المعارف الإسلامية عام 1951.
ويطول الحديث عن هذا الرجل العظيم الذي تقف سورية كل يوم لتحيي علمها بنشيدها الذي كتبه شاعر الشام خليل بك أو إبراهيم الخليل. وفي هذه العجالة سأكتفي بعلاقة الشاعر الخليل بدولة الجميل: فهما ابني عم وصديقين منذ الطفولة، ومن يراهما يحسبهما شقيقين، وقد بقيا كذلك حتى وفاة الخليل عام 1959 قبل عام من جميل بك، الذي حزن كثيراً على وفاة صديق العمر.
ولعل الرسائل التي لم تنقطع بينهما والتي أحتفظُ ببعضٍ منها تدل على الحميمية التي كانت بينهما. رحم الله الجميل والخليل وجمعها في أعلى عليين إنه سميع مجيب.
الزعيــــم الوطنــــي إبراهيــــم هنانـــو
ولد عام 1869 م وتوفي عام 1935 م
منذ دخول القوات الفرنسية سورية والزعيم هنانو شاهراً سيفه في وجه الفرنسيين في كفر تخاريم وفي مناطق جبل الزاوية وجسر الشغور وأريحه وكان أسلوبه في القتال الكر والفر، وقد انتصر في العديد من المعارك. كان بين هنانو والشيخ صالح العلي إعجاب وتعاون بين الساحل وجباله.
في إحدى مراحل الثورة اضطر هنانو للجوء إلى فلسطين والأردن حيث كانتا تحت الاحتلال البريطاني، فتم تسليمه إلى الفرنسيين في صفقة استعمارية غادرة وجرت محاكمته، غير أنه تم الإفراج عنه لوطنيته ودفاعه عن بلاده بوجه المستعمر.
توفي في كفر تخاريم عام 1935 في الثاني عشر من تشرين الثاني، وعمّت لوفاته سورية بالحزن واتشحت بالسواد.
أقيم له نصب تذكاري وضريح في مدخل مدينة حلب، وقد دفن في هذا المكان الزعيم الوطني الذي أحبه الجميع سعد الله بك الجابري، فكل من دخل حلب يمر بهما محيياً روحيهما الطاهرتين تحية حب وإجلال.
الدكتــــور أحــــمد قـــدري التـــــرجمـــان
ولد عام 1889 م وتوفي عام 1958 م
طبيب ولد في مدينة بعلبك 1889 وكان أبوه قد تقلد مناصب رفيعة في الجيش العثماني واسمه عبد القادر. شارك الدكتور أحمد بالثورة العربية الكبرى، والحركة الوطنية مع رجال الثورة، وفي مقدمتهم شكري القوتلي، وجميل مردم بك، والأبطال الذين أعدمهم جمال باشا السفاح، كذلك شارك بالدعوة السرية، وعمل على تأسيس “جمعية العربية الفتاة” وتولى رئاستها عام 1908، نفي وسجن وطورد وحكم عليه بالإعدام، أنقذ حياة شكري القوتلي عندما حاول الانتحار وهو في سجن الأتراك.
هاجر إلى مصر عند دخول الفرنسيين سورية، وأقام في الإسكندرية وفتح فيها عيادة طبية، بعد تولية الملك فيصل الأول عرش العراق استدعاه وجعله طبيبه الخاص، وعينه رئيساً لجامعة بغداد، ومدرساً في كلية الطب، وظل في عمله عشرين سنة. أُبعد بعدها عن العراق عندما قامت ثورة رشيد علي الكيلاني. عُين قبل إبعاده قنصلاً للعراق في مصر ووزيراً مفوضاً للعراق في فرنسا عام 1935.
عاد إلى دمشق مع زوجته السيدة فائزة خانم بنت أحمد مختار ابن عزتلو عثمان بك مردم بك وشقيقة إبراهيم الخليل شاعر الشام وابنة عم جميل مردم بك وكان قد تزوجها عام 1919.
وعاد معه ولداه زهير ووائل كان ذلك عام 1941 حيث تقلد منصب الأمانة العامة لوزارة الصحة السورية منذ عام 1941، كما درّس تاريخ الطب في كلية الطب بجامعة دمشق حتى عام 1958 حين توفي. له العديد من المؤلفات الطبية الجامعية في الأمراض الجلدية والتناسلية. كان صديقاً حميماً لجميل بك وزميل كفاح منذ أوائل القرن العشرين. انضم إلى هذه الحميمية عوني عبد الهادي وتوفيق الناطور، وعبد الغني العريسي، والأمير فيصل بن الحسين وغيرهم…
أحـــــمد بــــن مـــــــوســى مــــــريــــــود
ولد عام 1886 م واستشهد عام 1926 م
ولد في قرية جباتا الخشب واستشهد فيها، ينتمي إلى عرب المهيدات المنتشرة في الأردن وسورية ولبنان والجزيرة العربية، من زعماء ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن. كان يتحلى بذكاء متقّد وشخصية قوية كانت تبشر منذ صِغَره بالقدرة على قيادة العشيرة.
حفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة، ورث ثروة طائلة أنفقها في سبيل خدمة الحرية ومحاربة الاستعمار.
درس الابتدائي في مدارس القنيطرة، وأتم مرحلة التعليم الإعدادي في دمشق، ثم أتم دراسته الثانوية في مكتب عنبر في دمشق وتخرج منها.
وأثناء دراسته في دمشق ثم بيروت اتصل بعدد من الشبان العرب النابهين، وانضم إلى جمعية العربية الفتاة. وكان من أصدقائه المقربين عثمان مردم بك.
ترأس تحرير جريدة (الجولان) الأسبوعية التي تصدر في القنيطرة والتي كانت مرآة لسان حال الحركة الوطنية، وقد توقفت عن الصدور نتيجة الظروف القاسية التي مر بها مريود. كانت له اتصالات دائمة بالزعامات الوطنية وعلى رأسها الأمير فيصل الذي أصبح ملكاً على سورية، وبعد دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية قام أحمد مريود بتزعم ثورته في الجولان، فاستمر في مقارعة المستعمر طوال فترة (1920 ـ 1926). وقد امتلك مريود كل مقومات القائد والمقاوم، فكان دائماً السبّاق إلى مقارعة القوات الفرنسية في الجولان.
ويطول الحديث عن هذا الرجل العظيم الذي أفنى شبابه بإخلاص في سبيل وطنه وأمته سواء بالنضال السياسي أو بالنضال الثوري المسلح. وقد حكم عليه بالإعدام ولكنه نجى بأعجوبة، خاض كثيراً من المعارك ضد فرنسا يطول الحديث عنها وقد ذكرها محمود عبيدات في كتابه (أحمد مريود قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن).
واستشهد أحمد ودفن في قريته جباتا الخشب، وقد قال فيه شاعر فلسطين الكبير عبد الكريم الكرمي أبو سلمى:
سليمى تعالي اندبي أحمدا
فهاقد طوته أيادي الردى
أيجرؤ هذا المنون المخيف
على أحمد أن يمد يدا
قضيت تدافع عن جُلَّقَ
وأنت تريد لها السؤددا
وكان يوم 31/ أيار /1926 يوم الشهادة في الجولان حيث رفعت الأعلام السوداء في كل بيت.
وقد كانت لي زيارة مع عدد من الأصحاب إلى داره في جباتا الخشب وكانت فرصة جميلة شعرت فيها بروح هذا الرجل البطل ترفرف في المكان قريباً من التمثال الذي يمثله بالقرب من داره، وكان لقائي مع السيد عصام مريود وهو الابن البار لهذا الرجل العظيم الذي بقي من أبنائه على قيد الحياة وذلك عام 2006.
أديـــــب بــــن عبــــد القــــادر مـــردم بـــك
ولد عام 1891 م وتوفي عام 1975 م
والدته السيدة خديجة تحسين بك.
والده عزتلو رفعتلو عبد القادر بك
وهو الشقيق الأكبر لجميل بك بعد عثمان بك. وجيه، ملاّك.
تزوج من السيدة إلهام خانم الشمعة ابنة الشهيد رشدي بك الشمعة بن أحمد باشا الشمعة الذي أعدمه جمال باشا السفاح عام 1916 في دمشق.
أنجب منها: خالد ـ أسامة ـ هيام
كان من مؤسسي جمعية النهضة العربية. له في بداية حياته نشاط سياسي بارز غير أنه اختار الحياة الزراعية والعمل في مزرعته في الغوطة الغربية.
تــــوفيـــــق بـــــك الناطـــــور
ولد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وتوفي عام 1954 م
كان عضواً في جمعية العربية الفتاة عن لبنان وفي عام 1916 أصيب بطلق ناري في ساقه أثر محاولته التحدث إلى أحد المعتقلين وأدخل إلى المستشفى العسكري. وفي عام 1920، تقلد منصباً قضائياً في الحكومة اللبنانية بعد أن عاد إلى بيروت. وهذا لم يمنعه من مواصلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي. وفي عام 1924 تزوج من السيدة ليلى الخرسا ابنة مصطفى باشا الذي كان يعمل ملحقاً تجارياً في مانشستر بريطانيا والسيدة ليلى كانت زوجة المرحوم عثمان مردم بك الشقيق الأكبر لجميل مردم بك والتي عاشت معه ثلاث سنوات تقريباً ثم توفي عنها. والسيدة ليلى هي جدة المؤلف لأمه.
أنجب منها: عصام ـ إسعاف.
ولي ذكريات مع هذا الرجل الفاضل والمجاهد الكبير، فقد كنت أذهب في كل عام إلى بيروت لأقضي الصيفية عند جدتي وزوجها الذي كنت أناديه جدي. وفي إحدى المرات وكان مشتاقاً كثيراً لرؤيتي وهو جالس في فراشه، فطلب مني أن أستلقي بجانبه وشعرت أن ساقي قد أصابت ساقه بعنف، وأحسست به يتألم، فسألته عن سبب ذلك فحدثني عن الإصابة بالطلق الناري في ساقه، ولما رأيت مكان الندبة التي كانت تشوه عضلة ساقه فزعت لعمق وشكل هذه الندبة.
كان جدي توفيق بك رجل قانون، أحب سلك القضاء، الذي كان ينتمي إليه وأخلص له، كان متواضعاً لبقاً حنوناً، أصيب في أواخر حياته بمرض السكري لم يمهله كثيراً.
توفي في بيروت عام 1954 رحمه الله تعالى.
المشــــير حســــني الزعيـــم بـــن حســــن ابن زعيم البهديني الكردي
ولد عام 1897 م أعدم في 14 آب 1949 م
ولد حسني الزعيم في مدينة حلب، وهو من أصل كردي، من عشيرة البهديني الكبيرة المنتشرة في سورية وتركيا والعراق ولبنان زعيمها سليمان آغا حاج سعدون.
تعلم في المدرسة الحربية في اسطنبول، وخدم في الجيش التركي ثم الفرنسي أيام الاحتلال الفرنسي لسورية، تولى رئاسة الأركان. قام بانقلاب على الحكم السوري في 30 آذار 1949 وتولى زمام الأمور وبدأ يستعد ليصبح رئيساً للجمهورية بعد أسبوع من قيامه بالانقلاب، وبدأ يعمل على بناء قصر له يليق بمقامه الرفيع والجديد!!..
كان حسني الزعيم رجلاً يحب المغامرات واللعب بالنار ليلفت الأنظار إليه وأن يثير الضجة حوله. سليط اللسان خبيث الطوية حقوداً. ومما يؤسف له أن كل هذه الصفات لم يكتشفها رئيس البلاد شكري بك القوتلي ويبقيه بعيداً عن الجيش السوري. ولم يقبل نصيحة أحد خاصة رئيس وزارته جميل مردم بك الذي كانت له مواقف عديدة مع هذا العسكري الذي لم يكن يرى أمامه سوى التسلط على البلاد ظاناً نفسه نابليون العصر.
وكانت هذه الهفوة من شكري بك بل غلطة العمر، أدت إلى وقوع ما وقع من أمور مضحكة مبكية وإساءات أصابت رجال الحكم من القمة إلى أدنى رجل سواء بالسجن أو النفي أو التحقير أو الشتم أو الإهانة…
إلى جانب الإساءة إلى سورية وإلحاق الذل بها، توقيعه على اتفاق التابلاين غداة انقلابه، ذلك الاتفاق الذي رفضه القوتلي ومردم بك وغيرهما من رجال السياسة الأشراف في سورية. وتمت المؤامرة وتم تنفيذ اتفاق التابلاين وغيره من الاتفاقات التي كانت تخفي وراءها مؤامرة كبرى لا زالت أصداؤها إلى اليوم، وفُتح باب لم يعد يغلق ومدّ الأخطبوط الأمريكي أذرعه إلى البلاد العربية منذ تلك الخطوة التي خطاها حسني الزعيم. غير أن أحلام العصافير لم تتناسب وأجسام كجسم حسني الزعيم الذي سمى نفسه مشيراً (وهو أول مشير في العالم العربي) لجيش سورية الصغير العدد، علماً بأن رتبة مشير هي لقائد عدة جيوش كبيرة.
ألف حسني الزعيم وزارة برئاسة محسن البرازي وهو من عشيرة كردية كذلك. كان أميناً عاماً للقصر الجمهوري وهو من مواليد حماة 1904، وقد أطاح سامي الحناوي بحسني ومحسن وأعدم الاثنين وأراح منهما البلاد والعباد.
ففي فجر 14 آب 1949 نفذ الزعيم سامي الحناوي إنقلابه حين قامت إحدى الفصائل العسكرية التابعة له باعتقال الزعيم ورئيس وزرائه البرازي ورئيس الشرطة إبراهيم الحسيني، بينما قامت فصائل أخرى بالسيطرة على مراكز الدرك والشرطة… وفي اليوم نفسه شكل الحناوي المجلس الحربي الأعلى الذي حكم على الزعيم والبرازي بالإعدام ونفذ هذا الحكم فوراً.
ويكفي حسني الزعيم ذلاً أنه ألغى الأوقاف الذرية التي شرعها الله في دينه فأساء إلى الناس جميعاً واستحق لعنتهم إلى يوم الدين!!…
دولــــة خـــالد بــك العظــم بن فوزي باشا
ولد عام 1903 م وتوفي عام 1965 م
تزوج من السيدة سنية خانم مردم بك بنت راشد باشا ابن عزتلو عثمان بك مردم بك. وهي ابنة عم جميل مردم بك. أنجب منها ابنة واحدة هي عليّة خانم العظم.
مارس خالد العظم الأعمال الصناعية والاقتصادية وكان من مؤسسي شركة الإسمنت الوطنية والمساهمين فيها، كما شغل مدة من الزمن رئاسة غرفة الصناعة السورية ومستشاراً لدى المجلس البلدي من عام 1938 حتى عام 1940. لم يكن له نشاط سياسي مهم إلا حين دعي عام 1941. لترؤس الحكومة السورية ومنح صلاحيات رئيس دولة فشغل هذا المنصب من 3/4/ إلى 15/9/1941 وفي عام 1943 انتخب نائباً عن دمشق وتقلد وزارة المالية.
تقلد بعدها عدة وزارات إلى عام 1946. وفي عام 1947 عيّن وزيراً مفوضاً في باريز.
في عام 1949 شكل الوزارة في عهد شكري القوتلي. وفي 30 آذار من العام ذاته قام حسني الزعيم بانقلابه وزج بهما في السجن.
بعد إطلاق سراحه استلم وزارة المالية وقام بفرض القطعية الجمركية بين سورية ولبنان. وفي عام 1954 انتخب نائباً عن دمشق، وفي عام 1955 اشترك بحكومة صبري العسلي وزيراً للخارجية، وفي العام ذاته رشحّ نفسه لانتخابات رئاسة الجمهورية منافساً لشكري القوتلي فلم يفلح.
وتعتبر حكومة خالد العظم الأخيرة في عهد الانفصال الذي عادت فيه سورية إلى ما كانت عليه قبل الوحدة مع مصر.
واستمرت هذه الوزارة من 17 أيلول 1962 ولغاية 8 آذار 1963 ودامت هذه الحكومة خمسة أشهر وعشرين يوماً. غادر خالد بك دمشق عن طريق السفارة التركية التي تشغل الطابق الأسفل من داره الكائنة في ساحة الروضة في دمشق بعد توسط السفير التركي، وأمضى بقية حياته في بيروت في شقة سكينة في عين الرمانة. توفي في تاريخ 1965. ودفن في مقبرة الإمام الأوزاعي وقد زرت قبره منذ سنوات وهو قبر مهجور تتراكم حوله الأعشاب الجافة ولا عناية لأحد به!!…
رحم الله خالد العظم وتجاوز عنه.
رمضــــــــان الشـــــــــلاش
ولد عام 1882 م وتوفي عام 1961 م
أنجب: فكرية وأميرة ومحمد أمير وعبد الكريم وفيصل وغازي وطارق.
والده الشيخ شلاش العبد الله السليمان رئيس عشيرة البو سرايا الشمرية العربية الأصيلة. يصل رمضان بنسبه إلى الشاعر الشريف الرضي الذي يمتد نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما.
تزوج مرتين من سيدتين حلبيتين. وثالثة من أصل شركسي من الشيشان.
كان في طفولته يرعى الإبل والأغنام في البادية السورية انتقل إلى حياة المدينة في الأستانة مع أخيه أحمد في عام 1892 م. أتم دراسته في إستنبول بمدرسة العشائر ثم التحق بالمدرسة الحربية الشاهانية حيث بقي فيها مدة ثماني سنوات. وبعد التخرج من المدرسة الحربية في عام 1905 برتبة ملازم، عيّن رئيساً ومرافقاً فخرياً للسلطان عبد الحميد. أرسل إلى ليبيا حيث عيّن حاكماً عسكرياً على بنغازي من قِبَل الأتراك. وقع في الأسر بيد الطليان ولكنه استطاع الفرار عندما هاجمت إيطاليا ليبيا. عاد إلى دمشق حيث تسلم قيادة السرية الخامسة في لواء الخيالة في كركوك. في عام 1914 تم إرساله إلى الموصل وأنيطت به معيشة قوات الفيلق الثاني عشر. ثم عين قائداً لموقع ماردين. تنقل بين القنيطرة وبين جنين، ثم إلى قضاء السلط ثم أريحا ثم الناصرة، إلى أن قامت الثورة العربية الكبرى حيث التحق بها شلاش وانضم إلى الأمير فيصل، وفي تلك الأثناء ورده خبر وفاة ولديه غازي وطارق بمرض الجدري. عاد رمضان إلى حلب. وبعد انتهاء إجازته التحق بالثورة في الحجاز إلى أن دخلت القوات العربية دمشق. تم تعينه حاكماً عسكرياً لمنطقة الرقة والخابور ووادي الفرات وذلك عام 1919 م. وعند دخول الفرنسيين إلى سورية طلب إليه الملك فيصل بن الحسين أن يذهب إلى دير الزور ويجمع القبائل ويتوجه إلى جبهة حلب لقتال الفرنسيين، ولكنه ما كاد يصل إلى حلب حتى وجد الأعلام الفرنسية وقد ارتفعت على الثكنات العسكرية؛ فقد سبق السيف العزل. ثم كانت نهاية الاستقلال وملكية فيصل، غادر دمشق في أول آب قاصداً حيفا. وأسدل الستار على الدولة الفيصلية. غادر رمضان شلاش إلى عمان ملتجئاً عند الأمير عبد الله بن الحسين. ثم غادرها إلى مكة المكرمة حيث دعاه الملك حسين ورقّاه إلى أمير لواء وأنعم عليه بوسام النهضة من الدرجة الأولى. وبعد سقوط مكة بيد ابن سعود طلب إليه الأمير عبد الله بن الحسين محاربة ابن سعود واستعادة العرش الهاشمي. ولكن علي رضا باشا الركابي وقف في وجهه ومنعه من ذلك.
في عام 1925 نشبت الثورة السورية واشترك فيها رمضان شلاش حيث التقى بجميل مردم بك وغيره من الثوار وتوطدت صداقته به. وفي عام 1926 تم نفي شلاش إلى بيروت حيث بقي هناك حتى عام 1937 إلى أن سمح له الفرنسيون بالعودة إلى بلاده. وفي عام 1941 جرى نفيه مرة أخرى إلى بيروت حيث بقي حتى عام 1947 عاد بعدها إلى دير الزور ثم اعتزل السياسة.
في عام 1961 أصيب شلاش بمرض اضطره لعمل جراحي في دمشق توفي على أثره بعد أن أفنى سنيّ عمره دفاعاً عن وطنه وأرضه وشعبه ليبقى أبد الدهر الزعيم الوطني الذي حمل هم الأمة مع رفاقه، فكان خير عون لهم وانتقل إلى رحمه الله في 21 آب 1961 ودفن في مقبرة ذي الكفل في المهاجرين بدمشق.
ويحضرني في هذا المقام ما روته والدتي رحمها الله أن رمضان شلاش كان دائم التردد على دار والدها عندما كانت طفلة، وكان لا ينس أن يحضر لها الهدايا ومنها لباس عربي ولها صورة فوتوغرافية وهي ترتديه، وقد ذُكر خلف الصورة هذا الزيّ هدية من رمضان شلاش وذلك عام 1918 م. رحم الله رمضان وجزاه خيراً عن أهل سورية.
ســــامي باشــــا بن حكمـــت باشـــا مردم بك
ولد عام 1870 م وتوفي عام 1965 م
تزوج من السيدة أسماء بنت علي حافظ باشا العظم
أنجب منها علي حيدر ـ محمد حكمت ـ عبد الرحمن وثريا ـ صفوت ـ طلعت ـ رأفت ـ شوكت.
عمل في السياسة أيام الحكم العثماني، كان عضواً في مجلس المبعوثان عن ولاية دمشق، كان من المؤيدين لبقاء الحكم العثماني، كان عضواً في جمعية الاتحاد والترقي فرع سورية، ورث الكثير من العقارات والأراضي داخل مدينة دمشق.
عمل مستشاراً إدارياً في لواء دمشق، نال لقب الباشاوية في عهد السلطان عبد الحميد، تقلد العديد من الأوسمة الرفيعة منها (وسام عثمان) وكان من رجالات سورية البارزين.
انتخب عضواً في المجلس التمثيلي بعد الاحتلال الفرنسي.
يطول الحديث عن أعمال هذا السياسي الذي عاش ما يقارب التسعين عاماً، كانت فيها سورية تنتقل من الحكم العثماني إلى الفرنسي إلى الاستقلال.
عمل في الظل كما عمل في النور بإخلاص وجدّ وتفان، لا يشعر أحد بضوضاء عمله كما فعل الكثيرون الذي عملوا أو تصنعوا العمل السياسي في زمانه.
زوج ابنته الثانية لجميل مردم بك فكان له نِعم العون ونِعم السند رغم اختلاف الأفكار بينهما.
ســـــــــعد الله بـــــــك الجابـــــــري
ولد عام 1892 م وتوفي عام 1947 م
والده عبد القادر لطفي الجابري من حلب.
درس في الأستانة، وتخرج من المدرسة الملكية، ثم ذهب جندياً في الجيش التركي أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث بدأ نضاله مع الأتراك، ثم أتبع ذلك بنضاله ضد الفرنسيين طوال فترة الانتداب. انتخب نائباً عن حلب عدة مرات، وجرى اعتقاله أكثر من مرة. تولى رئاسة الوزراء والوزارات، وكان كذلك رئيساً للمجلس النيابي أيام الهجوم على المجلس النيابي بالقنابل في 29 أيار عام 1945.
كان صديقاً للجميع أحبه الكبار والصغار الرئيس والمرؤوس، كان الصديق والأخ ورفيق الدرب لجميل بك عملاً وكفاحاً وتشرداً ونفياً معاً.
كان مصاباً بتشمع في الكبد لم تنفع معه حيلة الأطباء ولا دواء الصيادلة. عانى كثيراً من ألم هذا المرض حتى آخر أيام حياته.
أصيب بأزمة وهو في مصر، عاد بعدها مباشرة إلى حلب حيث توفي. لم يتزوج ولم ينجب ولم يترك ذهباً ولا فضة بل ترك أكثر من ذلك بكثير: “الذكرى العطرة وحب الجميع واحترامهم فهو سعد الله وحبيب الله”.
الدكتـــــــورة ســــــلمى مـــــــردم بــــــك
ابنة دولة جميل بك مردم بك
ولدت عام 1934 م وتوفيت في 23/12/1996 م
تزوجت من السيد صلاح الجندي المصري الجنسية.
وأنجبت منه: محمد الجندي وميّ الجندي.
تنقلت منذ طفولتها بين دمشق وبيروت ثم مصر واستقرت أخيراً في لندن.
ورد في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 14/2/1997 بقلم فؤاد مطر:
في الأسبوع الأخير من العام المنقضي 1996 انتقلت إلى رحمة الله سيدة عربية ذات ثقافة عالية وتربية سياسية قومية انعكست على فكرها النيّر، هي “سلمى مردم بك” وحيدة المرحوم جميل مردم بك أحد رؤساء الحكومات الأسبقين في سورية.
وحتى اللحظات الأخيرة لمغادرة الحياة الدنيا، كانت سلمى وعلى رغم قساوة الألم الناشئ من المرض الذي لا يرحم ولا شفاء فيه والذي قاست منه ست سنوات برضى المؤمنة قبل أن تلقى وجه ربها، مهمومة بكمية هائلة من الأوراق والصور الخاصة بوالدها. ولقد استطاعت أن تحافظ على هذه الأوراق وتبقيها في مأمن وتقيها مخاطر الضياع. انتقلت هذه الأوراق مع الابنة البارّة بتراث والدها من لبنان إلى القاهرة إلى لندن التي كانت عاصمة نهاية المطاف.
وفيها أيضاً رقدت في قبر بعيدة عن مجاورة والدها المدفون في دمشق ووالدتها المدفونة في جنيف. وفي كل عاصمة سكنتها كانت سلمى مردم بك تخلو في بعض الأيام إلى مئات الأوراق والصور، تتذكر من خلال الإطلاع عليها محيا الوالد الذي كانت له وقفات طيبة في التاريخ السياسي الحديث للمنطقة العربية عموماً ولتاريخ بلده سورية بشكل خاص، ثم تحاول ترتيب هذه الأوراق، وتعمل على تصنيفها وكتابة أسماء الشخصيات الظاهرة في الصور على ظهر هذه الصور.
ومن المؤكد واستناداً إلى ما كنا نسمعه من سلمى وهي في الساعات الأخيرة من حياتها أنه لو كتب الله سبحانه وتعالى لها المزيد من العمر لكانت ستتفرغ لكي تكتب السيرة الذاتية لوالدها، وتنوب عنه في كتابة مذكراته في ضوء مئات الأوراق والملاحظات المدونة التي تركها. ولكانت أيضاً ستعمل على تبويب وفهرسة هذه الأوراق ونشرها، أي أنها كانت ستكمل ما بدأته عندما كتبت أطروحتها للجامعة عن مرحلة استقلال سورية من خلال بعض أوراق والدها، ثم أصدرت الأطروحة بعد ذلك في كتاب بالعربية والفرنسية…
عندما اشتدت وطأة المرض على سلمى مردم بك في الأشهر الخمسة التي سبقت وفاتها، كانت مهمومة بأمر الأوراق التي تشكل التراث السياسي لوالدها والتي تشكل أيضاً جزءاً من التاريخ السياسي الحديث لسورية. وكانت في استمرار تنسى آلام المرض وتبدي قلقها على هذه الأوراق وما الذي يمكن أن يصيبها، وعزمت على أن تتصل بجامعة السوربون في فرنسا لتطلب من المسؤولين فيها إيداع الأوراق لدى الجامعة بحيث تكون جزءاً من مقتنيات السوربون يستفيد منها الباحثون والمؤرخون. والأهم من هذا كله هو أن إيداع الأوراق لدى جامعة السوربون معناه أنها ستستقر في المكان الآمن والأمين..
ويبقى على هامش هذا الكلام تساؤل أفرزه الهلع الذي كثيراً ما لاحظته على المرحومة سلمى مردم بك من أن تضيّع أوراق والدها بعد رحيلها، والتساؤل هو: هل هناك أفضل من الجامعة العربية لكي تستحدث دائرة خاصة في مقرها الرئيس يتم فيها إيداع أوراق رجال الدولة العرب الذين كانت لهم مساهمات في بناء النظام العربي بدل التفكير بإيداع هذه الأوراق في جامعات أجنبية مثل جامعة السوربون وغيرها؟
دائرة تعامل هذه الأوراق بكل الرفق والرعاية، وتصونها من الضياع أو الاصفرار أو العبث. دائرة تقصدها الأجيال العربية الباحثة عن تاريخ غير مزور وغير خاضع لإرادات الذين يبدأ التاريخ السياسي للأمة بهم فقط. ليت تحدث مثل هذه الأمور.
وأضيف رأيي إلى اقتراح الأستاذ فؤاد مطر حول هذه الوثائق: بأنه لا مانع من وضع أي وثيقة مهما كان محتواها سخيفاً فارغاً في هذه الدائرة في الجامعة العربية حتى ترى الأجيال القادمة أن سخافة بعض قادتها هي التي أوصلت بلادهم إلى ما هي عليه!!!…
فخامة الرئيس شكري بن محمود القوتلي
ولد عام 1891 م وتوفي عام 1967 م
أصله من العراق ينسب إلى العباس بن عبد المطلب (t)
تلقى دروسه في دمشق في مكتب عنبر ثم سافر إلى اسطنبول والتحق بالمكتب الملكي وتخرج منه عام 1913 كان عضواً في جمعية العربية الفتاة، اعتقله جمال باشا ثم أطلق سراحه ثم عاد فاعتقله. حاول الانتحار خوفاً من تعذيبه فيبوح بالأسرار التي كان يحتفظ بها. أنقذ حياته الدكتور أحمد قدري.
بعد كارثة ميسلون وضياع الاستقلال 1920 نزح القوتلي إلى مصر حتى عام 1924، ثم عاد بعد صدور عفو عن الفارين والمحكومين بالإعدام. اشترك في ثورة 1925 وحكم عليه وعلى إخوانه بالإعدام. صدر عفو عام 1931 عاد شكري القوتلي إثر ذلك إلى دمشق لتسلم وزارة المالية والدفاع عام 1936 ثم استقال. انتخب عام 1943 رئيساً للجمهورية بالإجماع. وفي عام 1945 وفي 28 أيار أصابه نزف حاد في معدته لزم على أثره الفراش وسلّم إلى جميل مردم بك كامل الصلاحيات. بقي رئيساً للجمهورية بعد انتخابه مرة أخرى حتى عام 1949 حيث قام حسني الزعيم الذي أعاده القوتلي إلى الجيش بعد تسريحه بانقلاب عسكري أطاح بالقوتلي وخالد العظم. غادر دمشق بعد إطلاق سراحه إلى الإسكندرية ولبث فيها خمس سنوات. عاد إلى دمشق ثم غادرها إلى الإسكندرية وفي عام 1955 قرر مجلس النواب انتخاب القوتلي رئيساً للجمهورية. وقد كان جمال عبد الناصر قد طلب من جميل مردم بك أن يستلم رئاسة سورية ولكن مردم بك اعتذر ورشح القوتلي لهذا المنصب وهكذا تم انتخابه رئيساً للجمهورية حتى عام 1958 حين قامت الوحدة بين سورية ومصر فتنازل القوتلي عن الحكم إلى جمال عبد الناصر الذي منحه لقب “المواطن العربي الأول”!..
توفي شكري القوتلي عام 1967 في بيروت ودفن في دمشق في مدفن عائلة القوتلي في الباب الصغير رحمه الله تعالى وغفر لنا وله.
صفـــوت خانم ابنة ســـامي باشــا مردم بك
ولدت عام 1902 م وتوفيت عام 1993 م
والدتها: السيدة أسماء بنت علي حافظ باشا العظم بن عبد الله باشا العظم والي دمشق.
والدها: سامي باشا بن حكمت باشا وردت ترجمته مستقلة في صفحات سابقة.
تزوجت من دولة جميل بك بن عبد القادر بن عزتلو عثمان بك مردم بك في بداية العشرينات من القرن العشرين.
أنجبت منه: زهير وسلمى.
عاشت طوال حياتها مساندة لزوجها، مناضلة معه في السراء والضراء، تنقلت برفقته حيث ذهب من دمشق إلى فلسطين إلى بيروت ومصر… وعانت الكثير من القلق على زوجها. شاركته كفاحه وتغربه وهمومه ومرضه حتى وفاته رحمه الله.
عاشت في مصر ثم دمشق فبيروت ثم غادرتها عند نشوب الحوادث المؤسفة في الحرب الأهلية إلى سويسرا حيث توفيت هناك ودفنت في جنيف.
كانت تتمتع بشخصية قوية جادة عند الجد وهزلة عند الهزل، جميلة الطلعة أنيقة في كل شيء، سيدة مجتمع من الطراز الأول، كل من لقيها أحبها.
رحمها الله تعالى.
عثــــــمان بــــــك مــــــردم بـــــك
ولد عام 1887 م توفي عام 1918 م
هو ابن رفعتلو عبد القادر بك بن عزتلو عثمان بك مردم بك، ولد بدمشق في حدود سنة 1887 م، تلقى تحصيله في مدارس خاصة، وفي أول صباه كان فجر اليقظة العربية، فكان مع مجموعة من رفاقه يتدارسون دروساً خاصة، فحصّل قسطاً حسناً في اللغة العربية وشيئاً من اللغة الفرنسية.
أسس مع طائفة من إخوانه أول جمعية عربية في دمشق أطلقوا عليها اسم جمعية النهضة العربية، وكانوا يدعون أنفسهم (الأخوان) ومن هذه الجماعة الدكتور صلاح الدين القاسمي، ولطفي الحفار، وسامي العظم، والأستاذ محب الدين الخطيب، وزكي الخطيب، ورشدي الحكيم، ومحمد رضا مردم بك، وأديب مردم بك، وجميل مردم بك. وكان هؤلاء السادة يجتمعون في بيته في أكثر الأحيان، وكان لهذه الجمعية غايتان أدبية وسياسية، والغايتان لخدمة العرب، فالأدبية لخدمة الأدب العربي واللغة، والسياسية لغرس الروح الاستقلالية في الناشئة العربية كانت اجتماعاتهم السياسية سرية، والأدبية علنية، وقد أسسوا لها مركزاً فيه غرفة للقراءة، (كانت هذه الغرفة في منزل عثمان مردم بك).
ومن تاريخ تأسيس هذه الجمعية إلى إعلان الدستور العثماني فالحرب العامة الأولى، كانوا يشتغلون في سبيل تحرير العرب، وقد انتسب أكثرهم إلى جمعية العربية الفتاة.
ولما قامت الثورة العربية أثناء الحرب الكبرى كان المترجم له أشبه بضابط ارتباط بين من يريدون الالتحاق بالثورة وبين رجال الثورة، وقد أوقف في الحرب العامة مدة ثم أطلق سراحه بكفالة، وكان في أواخر الحرب عندما انكسرت شوكة الأتراك في هذه البلاد.
ولما بدأ الأتراك بالانسحاب من دمشق نشر الراية العربية قبل انسحابهم، ولكن المنية عاجلته فتوفي عقب دخول الجيش العربي إلى دمشق وذلك سنة 1918 ميلادية وكان في الثلاثين من عمره. وأعقب كريمة واحدة اسمها هزار (هي والدة المؤلف).
ورد في كتاب “أعلام العرب” رقم 139، محب الدين الخطيب ودوره في الحركة الوطنية (1906 ـ 1920)، في الصفحة 14 ما يلي:
يتحدث الكاتب عن محب الدين الخطيب فيقول: ومن هذا المنطلق كان إذا وقع في يده كتاب جديد… كان يقرأه أولاً لنفسه فإذا رآه مما يدخل في معاني الرسالة التي آمن بها، يحرص على أن يعيد قراءته مع طالب آخر يختاره من بين زملائه أمثال… عثمان مردم بك الأخ الأكبر لجميل مردم بك أحد رؤساء سورية السابقين.
في الصفحة 16 من الكتاب نفسه يقول:
قبل نزوح الخطيب إلى مصر نتيجة ضغط العثمانيين على الأحرار في سورية، كان للخطيب حلقة مؤلفة من الأمير عارف الشهابي وصلاح الدين القاسمي ولطفي الحفار وأبناء مردم بك عثمان وأخويه جميل وأديب وعمهم رضا بك وصلاح وسامي العظم…
وفي الصفحة 27 من الكتاب نفسه يقول د. محمد عبد الرحمن:
انتهز محب الدين الخطيب فرصة مجيئه إلى دمشق من اسطنبول في صيف 1907، وقر رأيه على نقل المركز العام لجمعية النهضة العربية إلى دمشق.
أخذ محب الدين الخطيب ورفاقه على عاتقهم في هذه الجمعية تعريف شباب العرب المثقفين بعروبتهم ودعوتهم إلى التعاون في إصلاح المجتمع العثماني الذي يتوقف على إصلاح المجتمع العربي. وقرر المركز العام للجمعية إنشاء مكتبة صغيرة في دمشق، واقتناء الصحف والمجلات العالمية، وأعد مكاناً في دار عثمان مردم بك، وبدأ طبع المصنفات العصرية تمشياً مع مبادئها.
في الصفحة 31 يتابع قوله:
مضى محب الدين الخطيب يجتمع بإخوانه في دمشق في منزل عثمان بك وأخيه الأصغر جميل مردم بك في حي المرستان جنوبي سوق الحميدية، وكذلك في المنزل الآخر لآل مردم بك في طريق الصالحية، وهو منزل رضا بك مردم بك…
يقول فيليب خوري في كتابه “أعيان المدن والقومية العربية”: قبل وفاته باكراً كان عثمان بن عبد القادر مردم بك قد أصبح عضواً ناشطاً في جمعية النهضة العربية، وعمل كذلك على أن يغرس لدى شقيقه الأصغر جميل مشاعر قوية مضادة للأتراك بما في ذلك العداء للغة التركية “على الرغم من أن أمهما كانت تركية” هي السيدة (خديجة تحسين بك). وبدلاً من تشجيعه لجميل على الذهاب إلى اسطنبول لاستكمال تعليمه فقد أبعد عثمان جميلاً إلى أوروبا حيث انضم هذا الأخير وهو طالب إلى جمعية العربية الفتاة (فكان من أعضائها المؤسسين).
ورد في مذكرات محمد كرد علي:
اطّلع أصدقائي عثمان مردم بك وخليل مردم بك وبدر الدين الداغستاني على مسودات خطط الشام وما جمعت له من مواد وأعددت له من فصول وأبواب فألحوا عليّ بإنجازه وطبعه.
كما ورد في الكتاب نفسه:
بعد الحرب (وقصد بها الحرب العالمية الأولى) عاد السيدان خليل مردم بك وبدر الداغستاني ـ وقد فجعنا بحبيبنا عثمان بك ـ يحثان عليّ نشر خطط الشام… إلى هنا.
“والمؤسف له: بأنه لم يرد ذكر لعثمان بن عبد القادر بك في كتب التاريخ رغم ما قدمه للأمة العربية عامة وسورية خاصة من خدمات وتضحيات مثله مثل العديد من رجالات هذه الأمة، يحاول المؤرخون أن يشوهوا تاريخهم أو يتناسوا أياديهم البيضاء التي صنعت تاريخ هذه الأمة…”
رفعتلو عبد القادر بن عزتلو عثمان مردم بك
من أحفاد الوزير لالا مصطفى باشا
ولد عام 1858 م وتوفي عام 1902 م
والدته السيدة أسماء بنت الشيخ هاشم التاجي البعلي (من بعلبك).
والده عزتلو عثمان بك مردم بك من وجهاء الشام وأعيانها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عمل في الزراعة والتجارة، درس على يد الشيخ هاشم التاجي ولازمه وتزوج ابنته الكبرى ثم توفيت فتزوج ابنته الثانية.
تقلب في مناصب القضاء كما كان عضواً في مجلس الولاية ومتصرفاً لحوران. بلغ من الجاه والثروة ما لم يبلغه غيره في عصره.
أما عبد القادر بن عثمان بك فقد تزوج من السيدة خديجة بنت تحسين بك بن إبراهيم بك يكيشهرلي توفيت عام 1946 وهي تركية الأصل.
أنجب منها من الذكور عثمان ـ أديب ـ جميل ـ محمد
وأنجب من الإناث نظيرة ـ عائشة ـ فاطمة ـ أديبة.
كان من وجهاء مدينة دمشق ويملك ثروة عظيمة من العقارات والدكاكين والأراضي الزراعية. كان من أكثر الناس وجاهة وأطهرهم قلباً وأكثرهم كرماً وحباً للخير.
كان عضواً في محكمة استئناف الجزاء في آخر حياته فكان مثال النزاهة والعفاف (راجع تراجم آل مردم بك في خمسة قرون).
دولـــــة عثــــمان صـــائب بـــك ســــلام
ولد عام 1905 م وتوفي عام 2000 م
صاحب القرنفلة البيضاء والسيكار الهافانا
وداعاً يا آخر رجال استقلال لبنان
والده: سليم علي سلام.
تزوج من السيدة تميمة ابنة رضا مردم بك وهي ابنة عم جميل بك
أنجب منها تمام ـ فيصل ـ عمرو ـ ثريا ـ عنبرة.
ولد في بيروت ودرس في مدارسها وتخرج من الجامعة الأميركية في بيروت. بدأ حياته العملية بإنشاء المشاريع الاقتصادية الكبرى: كان أول من نفذ مشروع طيران في لبنان (طيران الشرق الأوسط) ولذا يعتبر بحق “الأب الروحي للطيران اللبناني”.
انتخب نائباً عن بيروت في عام 1943 و1947 و1951، تولى شؤون وزارة الداخلية والخارجية في عام 1946 ورئاسة الوزارة ووزارات عدة في عدد من المرات يحمل وسام الجهاد.
كان عضواً في مجلس إدارة شركة دسم الوطنية ورئيساً فخرياً لأندية بيروت الرياضية ورئيساً لجمعيات خيرية إسلامية وعلى رأسها جمعية المقاصد الخيرية، كما عمل مديراً لشركة طيران الشرق الأوسط.
ملأ الدنيا وشغل الناس لسنوات طويلة في السياسة اللبنانية والعربية. ناضل وجاهد في سبيل حرية لبنان، وكان سلاحه الكلمة الحق والكلمة الفصل، وانتصر على الصعاب التي مرت به بصبر وجلد، كيف لا “ولا يصائب في المصائب إلا صائب”.
كان نضاله مستمراً حتى آخر أيام حياته وله الفضل مع إخوانه في عودة السلام إلى لبنان بعد الحرب الأهلية التي اكتوى الجميع بنارها، فكان مؤتمر الطائف الذي ساهم فيه بكل ثقله فكان فارسه الأول.
هذا هو صائب سلام أحد صانعي الاستقلال اللبناني. وكنت وإياه صديقين رغم فارق السن بيني وبينه ولكن كان لي محبة خاصة في قلبه الكبير الذي وسع لبنان بأكمله. كنت أجلس بقربه لأشعر بدفء الأب والصديق والمفكر والزعيم.
رحم الله صائب بك فقليل مثله، كان رجلاً والرجال قليل ولا يتسع المجال للحديث عنك في هذه العجالة فاعذرني يا صديقي العجوز يا أبا تمام.
الشـــــهيد عبـــــد الرحمــــن الشــــهبندر
ولد عام 1879 م واستشهد عام 1940 م
نشأته ومولده: ولد عبد الرحمن الشهبندر في 06/11/1879 في دمشق في حي القيمرية (حارة الشهبندر). كان والده صالح تاجراً صغيراً ولتجارته أشكال وألوان من عاديات وأنتيكات وسجاد، وله دكان في سوق الأروام. ولم يكن والده يملك أراضٍ زراعية وبساتين في غوطة دمشق كما كان الحال بالنسبة لعدد كبير من تجار دمشق ورجالاتها وذواتها وزعمائها. كان لهذا الأمر تأثيره في حياة الشهبندر.
توفي والده وعمره ست سنوات فربته أمه. وقد ساعده التاجر الثري حسن القتلان الذي تربطه بعائلة الشهبندر صلة قربى. وبفضل هذا القريب الثري أتم عبد الرحمن تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس دمشق ثم انتقل إلى بيروت حيث درس في الكلية السورية الإنجيلية التي أصبحت الجامعة الأميركية المعروفة. عاد إلى دمشق بعد تخرجه ونيله شهادة الدكتوراه في الطب بدرجة امتياز.
تم زواج عبد الرحمن الشهبندر من السيدة سارّة المؤيد العظم ابنة تقي الدين بك المؤيد العظم بن عبد القادر بك المؤيد العظم، وذلك طمعاً في الوصول إلى مستوى بقية زعماء البلاد؛ فقد كانت عائلة سارّة تملك الأطيان والعقارات والجاه المتوارث منذ سنوات عديدة.
وقد لعب زواجه من عائلة العظم دوراً في وصوله إلى ما أراد من المستوى اللائق كزعيم سياسي وقائد شعبي وعَلَم نهضوي مثقف متأثراً بالأفكار الاشتراكية. اعتقل عدد من المرات وحكم عليه بالإعدام ولكنه استطاع الفرار إلى فلسطين تارة ومصر تارة أخرى، نفي إلى أرواد مع من نفي من زعماء النضال ضد الفرنسيين.
كان خطيباً مفوّهاً، له تفكيره الخاص في تحليل الأمور، كما كانت له آراء في التحرر من التقاليد. ونظرة إلى الاشتراكية التي كان يراها حلاً لكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
كان دائماً يطمح إلى أن يكون زعيماً ورئيساً للكتلة الوطنية وهذا ما لم يحدث، فكان ذلك من أسباب حقده على زعماء الكتلة.
كما كان له انتقاد على معاهدة 1936 السورية ـ الفرنسية. كان ذلك سبباً في غياب اسمه عن وزارة جميل مردم بك التي تألفت في 21/11/1936.
وحتى لا نطيل في الشرح عن الشهبندر نكتفي بالقول بأن الخلاف بينه وبين العديد من زعماء الكتلة كان كبيراً حتى يومه الأخير.
الدكتور علي حيدر مردم بك بن سامي باشا
ولد عام 1894 م وتوفي عام 1981 م
والدته: أسماء بنت علي حافظ باشا العظم بن عبد الله باشا العظم والي دمشق.
والده: سامي باشا مردم بك له ترجمة خاصة به.
تزوج من حنينة كشاكيل وأنجب معاوية وليلى.
وهو الشقيق الأصغر لصفوت خانم زوجة جميل مردم بك.
درس في مكتب “عنبر” ثم تلقى علومه الثانوية في كلية “غلاطة” بالأستانة. ثم درس الحقوق في “كلية دمشق”، سافر بعدها إلى فرنسا ونال شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة “السوربون”، عاد إلى دمشق وشارك في الثورة العربية الكبرى. عمل في “المكاتب الفنية للمواصلات العسكرية”. وبعد الهدنة سمي “أميناً سرياً للحكومة الفيصلية” في عام 1920.
في عام 1929 سمي سكرتيراً عاماً للإدارة في لواء دمشق وأيضاً في بلدية دمشق.
في عام 1938 عين محافظاً للجزيرة.
وفي عام 1941 عين محافظاً لمدينة حمص.
وفي عام 1945 عين محافظاً لحوران.
في عام 1947 عمل في السلك الدبلوماسي وعين وزيراً مفوضاً لدى المملكة العربية السعودية.
وفي عام 1949 نقل إلى الإدارة المركزية في وزارة الخارجية.
في عام 1951 عين وزيراً مفوضاً لسورية في روما ثم وزيراً مفوضاً لدى المملكة العراقية. اعتزل بعدها العمل السياسي.
عنوان رسالة الدكتوراه التي قدمها في باريز جامعة السوربون:
(التنظيم القانوني ومبدأ المساواة بين المتنازعين)
Haidar Mardam Bey
L’ organization Judiciaire et Le Principe de
L’ Egalité entre Les Justiciables, Paris 1929.
كان مثال الأناقة واللباقة والكرمK كما كان دبلوماسياً مهذباً من الدرجة الأولى، وهذا النوع من الرجال تفتقر إليه كثير من الدول.
ومن دواعي سعادتي أن يكون بيني وبينه محبة عميقة وصداقة الصغير للكبير بقيتْ طوال سنين، كان فخراً وعزاً لي حتى توفي رحمه الله تعالى.
عطـــــا بــــك الأيوبـــــي الأنصـــــاري
ولد عام 1874 م وتوفي عام 1950 م
والده محمد علي بك الأيوبي ينتمي إلى أسرة تصل في نسبها إلى الأنصاري الجليل “أبي أيوب الأنصاري”.
ولد في دمشق، تلقى تعليمه الابتدائي في مدارس دمشق، ثم رحل إلى الأستانة وأكمل دراسته العليا في المكتب الملكي العثماني، وتخرج منه بعد أن درس الآداب والعلوم السياسية. وخرج إلى الحياة العملية، على جانب كبير من العلم والمعرفة، عين قائم مقام ثم رُفّع إلى متصرفية اللاذقية، ثم انتقل ورُفع إلى متصرفية “اينيشل سلفيكا” المستقلة، ثم نقل إلى لواء الكرك.
لدى تشكيل أول حكومة وطنية، وقع الخيار عليه فكان وزيراً للعدل، ثم عُين وزيراً للداخلية بين عاميّ (1920 ـ 1922 م)، وتولى وزارة العدل الثانية من 17/03/1934 لغاية 22/02/1936، شكل الوزارة في 23/02/1936 وكان فيها وزيراً للداخلية. واستمرت وزارته لغاية 21/12/1936.
في 25 آذار 1943 كلف برئاسة الحكومة فشكل الوزارة وكان فيها وزيراً للداخلية والدفاع الوطني واستمرت وزارته لغاية 14/08/1943.
في عام 1950 انتقل عطا بك الأيوبي الأنصاري إلى جوار ربه وشيع إلى مقره الأخير مأسوفاً عليه مبكياً على نزاهته في الحكم…
بعض صفاته وأخلاقه:
كان عطا بك جم الأدب، رفيع التهذيب، لا يحقد على أحد، كثير الحياء والخجل، شديد الوفاء للأصدقاء، لا يعادي أحداً ولا أحد يعاديه، كان متواضعاً، نبيلاً، طيباً، لبقاً.
كان مجاهداً صامتاً، وأحد رجال الوطن الأوفياء، من الرعيل الأول الذين لا يتكررون كثيراً…
أنجب خالد الأيوبي تاجر، ومحمد علي الأيوبي تاجر.
كما أنجب سنية مؤسسة جمعية نقطة الحليب ومن المؤسسات لجمعية الهلال الأحمر السوري وجمعية الإسعاف الخيري، ونالت وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الثانية.
كما أنجب ثريا زوجة نصوح الأيوبي عمل قاضياً ومحافظاً لدمشق ومديراً للشركة السورية للتأمين. وكذلك بشرى، وأمينة زوجة الأمير كاظم الجزائري، ونعمت.
عـــــلي رضـــا باشـــــا الركـــــابـــي
ولد عام 1886 م وتوفي عام 1942 م
ينتمي في نسبه إلى الإمام الحسين بن الإمام علي رضي الله عنهما. وآل الركابي من عشيرة بني ركاب من الجزيرة العربية، وينسبون إلى السيد أحمد ركاب من ذرية السادة الرفاعية.
ولد الركابي علي رضا باشا في دمشق، تلقى علومه الابتدائية في المدرسة الرشيدية العسكرية، ثم انتقل إلى المدرسة الإعدادية، ولتفوقه على أقرانه وعبقريته الفذة أُرسل إلى المدرسة الحربية في الأستانة حيث درس الشؤون العسكرية وتخرج منها حاملاً رتبة “رئيس أركان حرب”.
بعد تخرجه عُين قائداً للجيش التركي في القدس ووكيلاً لمتصرفها.
عين رئيساً للشعبة الخاصة في الأستانة، ونقل منها إلى المدينة المنورة حيث عُين محافظاً فيها وقائداً لجيشها بعد ترقيته إلى رتبة أمير لواء.
جرى تسريحه عام 1914 لخلاف في الرأي مع حكومة الأستانة وعاد إلى دمشق، عينه جمال باشا رئيساً لبلدية دمشق.
كان رضا باشا عضواً في “جمعية العربية الفتاة” و”جمعية العهد”. عُين حاكماً عسكرياً لمنطقة الشرقية عقب دخول الجيوش العربية دمشق، وشكل أول وزارة عقب إعلان الثورة العربية ودخول الأمير فيصل دمشق وتتويجه ملكاً على سورية 8 آذار 1920.
جاء في المنشور الذي أذاعه الملك فيصل على الأهالي في سورية: “عهدت إلى السيد رضا باشا الركابي بالقيادة العامة للحكومة نظراً لثقتي باقتداره ولياقته”.
بعد دخول القوات الفرنسية إلى سورية حُكم عليه بالإعدام، ففر إلى الأردن حيث قام رضا مردم بك بتهريبه إلى الحدود الأردنية على ظهور الخيل وبعدها رحل الركابي إلى مصر ثم إلى الحجاز، حيث طلب منه الشريف حسين الذهاب إلى الأردن لمساعدة الأمير عبد الله بتأسيس إدارة دولة شرق الأردن.
ألف في عمان عام 1922 الحكومة الأردنية الأولى… نشأ خلاف بين الأمير عبد الله وبين الركابي أدى إلى تقديم الثاني استقالته من رئاسة الوزارة.
في أوائل عام 1924 دعي الركابي لتشكيل وزارة جديدة ثانية، فاستجاب للدعوة وبقي في منصبه حتى حزيران 1936، حيث استقال وانتقل للإقامة في حيفا والقدس طوال سنتين ونصف السنة..
عاش علي رضا باشا الركابي في فلسطين عيشة كفاف بسبب ضيق ذات اليد، وبعد عودته إلى دمشق اعتزل الرجل النزيه المستقيم العمل السياسي ولزم بيته وانقطع عن الناس، حتى وفاته مريضاً مشلولاً في 25 أيار 1942.
كان علي رضا إنساناً مثالياً في حياته يحاسب مرؤوسيه على أي خطأ فكان الجميع يقومون بواجبهم على أكمل وجه. إلى جانب ذلك كان مستقيماً نظيفاً، نزيهاً، طاهر اليد.
ومن مآثره رحمه الله عندما كان رئيساً للوزارة السورية الأولى أن أمر بتأسيس المجمع العلمي العربي، وبذلك سبقت سورية جميع الأقطار العربية إلى تأسيس مثل هذا المجمع.
عـــــوني بــــك عبـــــــد الهـــــادي
ولد تقريباً 1890 م وتوفي في 15/03/1970 م
الصديق الصدوق لجميل مردم بك
من الرعيل الأول لشيوخ النضال العربي عامة والفلسطيني خاصة، بدأ حياته النضالية منذ عام 1908 تمتع بهمة الشباب ونضج الشيوخ.
تلقى دراسته الابتدائية في مدينة نابلس ثم انتقل إلى الأستانة ودخل المدرسة الملكية، وبعد عام 1908 سافر إلى باريز لمتابعة دراسة الحقوق التي تخرج منها عام 1914. كان من المؤسسين “لجمعية العربية الفتاة”، كما كان من أعضاء اللجنة التي دعت إلى مؤتمر باريز العربي عام 1913، وهذا يعني أنه كان وجميل مردم بك فرعين من شجرة النضال العربي في فرنسا ثم بعدها في سورية.
فكان جميل في دمشق وعوني في فلسطين، حيث وسّع نشاطه النضالي في جنين وحيفا ونابلس وغيرها…
كان عوني وجميل يعيشان معاً في باريز ولمدة أربع سنوات ثم افترقا، فبقي عوني في باريز وسافر جميل إلى أميركا الجنوبية.
في عام 1918 التقى عبد الهادي بالأمير فيصل وبقي ملازماً له سكرتيراً ومرافقاً حتى سقوط الملكية بمغادرة فيصل بن الحسين سورية وكان برفقته عوني عبد الهادي.
تنقل عوني عبد الهادي بين فلسطين والقاهرة وعمان، عاد بعدها إلى فلسطين ليمارس نضاله ونشاطه السياسي من عام 1929 وحتى عام 1936 حين قامت الاضرابات في جميع أراضي فلسطين، وكان عوني سكرتيراً للحاج أمين الحسيني وتشكلت اللجنة العليا العربية التي ترأسها الحسيني وكان من بين أعضائها راغب النشاشيبي وجمال الحسيني ويعقوب الغصين وغيرهم… قام الجميع وعلى رأسهم عوني عبد الهادي بالمطالبة بوقف الهجرة إلى فلسطين.
في عام 1927 غادر عوني إلى باريز ثم إلى مصر بعد ملاحقة الحاج أمين الحسيني، الذي غادر هو كذلك فلسطين بعد محاولة قتله من قبل الصهاينة.
في عام 1938 غادر عوني إلى لندن وقابل في طريقه الأمير سعود بن عبد العزيز على ظهر باخرة في ميناء السويس. وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية زادت الأوضاع سوءاً في فلسطين، ولا مجال للبحث في تفاصيلها سواء ما جرى في الأمم المتحدة أو على أرض الواقع في فلسطين. ثم كانت النكبة في عام 1948، وفي رسالة بعثها عوني عبد الهادي إلى ابنته يقول فيها: الشيء الأول الذي قد لا تعرفينه هو أن الدول العربية كانت تجهل كل شيء عن العرب واليهود في فلسطين… “ودولة سورية كان يرأسها شكري القوتلي وكان يعتقد أن الأمر هيّن للغاية وأن فلسطين لا تتحمل بضع جولات عسكرية مظفرة..”!! ويتحدث عن الأردن والعراق ومصر في لوعة وحرقة.
ويطول الحديث عن شيخ النضال العربي فقد أصبح سفيراً للأردن في القاهرة قبل ثورة عبد الناصر وبعدها حتى عام 1955 عاد بعدها إلى الأردن واشترك في الوزارة وأصبح وزيراً للخارجية. كما عين رئيساً للجنة القانونية في الجامعة العربية. كما كان عضواً في مجلس الأعيان الأردني في عهد الملك حسين بن طلال. توفي عوني عبد الهادي رحمه الله تعالى في مصر حيث استقر فيها وكان يزور جميل بك كلما سنحت له الفرصة وكان فيها بالقاهرة، فكانت ذكريات الماضي ولحظات الوفاء تسود هذه اللقاءات الحميمية، تتخللها دموع السعادة والحزن على أيام خلت كانا فيها في قمة النشوة…
ولقد كان من دواعي سعادتي أن تجمعني الأيام بابن أخيه الشاب مهدي عبد الهادي أثناء دراستي في كلية الحقوق في جامعة دمشق. فكانت صداقتنا الحميمة التي بقيت في ذاكرتي إلى اليوم. حيث أصبح مهدي (الدكتور مهدي عبد الهادي رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية) والذي كلما ظهر على شاشة التلفاز أشعر بحميمية تلك الأيام الجميلة. حفظك الله يا مهدي وجمعني بك على خير.
فــــارس بك بن يعقـــــوب جبــــور الخـــوري
ولد عام 1877 م وتوفي عام 1962 م
تزوج من السيدة أسماء جبرائيل عيد وهي فلسطينية من عكا.
أنجب منها سهيل وكان صديقاً حميماً لوالدي مأمون بك رحمه الله. وقد أنجب سهيل ابنة اسماها كوليت وهي صديقة لأختي جهينة وابنة عمي سلمى.
كان فارس بك صديقاً لآل مردم بك سواء جدي رضا مردم بك أو سامي باشا مردم بك أو عمي جميل مردم بك، وكانت العلاقة الحميمية بينهم قوية حتى أن فارس بك قدم داره في “المهاجرين ـ شورى” لجدي سامي باشا ليسكن فيها. وكم جميلة تلك الدار التي تطل على دمشق من الطابق الأسفل بحديقتها الوارفة التي أذكرها جيداً خاصة عندما يدق باب الطابق العلوي فيشدوا الحبل فتفتح البوابة للزوار. ولا زالت هذه الدار موجودة إلى الآن وإن اختلف سكانها!!…
أما فارس بك فقد ولد في بلدة كفير حاصبيا اللبنانية تلقى علومه الابتدائية في مدرسة صيدا الداخلية الأميركية، والثانوية في الجامعة الأميركية في بيروت، وتخرج عام 1897 حاملاً شهادة البكلوريوس في الآداب. قدم إلى دمشق عام 1896 واستقر فيها وأسندت إليه إدارة المدرسة الأورثوذكسية (الآسيّة).
في عام 1908 درس الفرنسية والألمانية والتركية والحقوق وامتهن المحاماة.
تنقل في المراكز الحكومية بين نائب ووزير ورئيس للوزراء ورئيس لمجلس النواب. ويطول الحديث عن تلك الفترة ولكن المجال لا يسمح بالاسترسال في أعمال هذا الرجل الذكي النشيط الذي كرس حياته لنصرة بلاده، في داخل البلاد وفي المنابر العالمية.
في 02/01/1962 ترجّل الفارس “فارس الخوري”ـ فكرمته بلاده وشارك في تشييعه جميع الطوائف وقد أوصى فارس الخوري أن يُرَتل القرآن الكريم في أمسيات التعزية وفي جنازته.
فخــــري بــــك البـــارودي بــن محمــــود
ولد عام 1886 م وتوفي عام 1966 م
زعيم الشباب
ولد في دمشق درس في الكتّاب إلى أن ختم القرآن والقراءة والكتابة. انتسب إلى مدرسة العازارية لتعلم الفرنسية ثم انتقل إلى مكتب عنبر ونال الشهادة الإعدادية عام 1908. أنشأ جريدة ساخرة سماها “حط بالخرج” وذلك في العهد العثماني. كان يحررها بالعامية وبطريقة مرحة خفيفة الظل ساخرة مما أثار ثائرة أبيه فاضطر البارودي للاتفاق مع “عارف الهبل” ليكون مديراً مسؤولاً عن الجريدة وأن يتابع البارودي تحريرها سراً، بقي ذلك لمدة سنة ثم أوقفها. واشترك مع محمد كرد علي في تحرير جريدة “المقتبس”.
سافر البارودي سراً إلى فرنسا لمتابعة دراسته ودون علم أبيه. ولما علم بغضب أبيه عليه إذا بقي في فرنسا عاد إلى دمشق.
“في عام 1911 تزوج البارودي من كريمة أحمد الدالاتي”.
كان فخري بك زعيماً وطنياً شعبياً انتخب نائباً عن دمشق لأربع مرات. انتسب في دمشق لمعهد الحقوق العربي ولم يتم دراسته. والتحق بالجيش التركي ثم العربي. كان مرافقاً للملك فيصل الأول بن الحسين. ثم التحق بالدرك السوري وأصبح مديراً لشرطة دمشق ثم عقيداً في الجيش السوري.
اشترك في الثورة السورية، التحق بالكتلة الوطنية وكان من رجالاتها البارزين، شارك في حرب فلسطين، وقاوم المشروع الصهيوني. ألف رسالة عن أخطار الصهيونية وأهدافها. أسس مشروع دار رعاية الأيتام كما أسس النادي الموسيقي الشرقي عام 1928.
نفي البارودي عدة مرات وسُجن وعُذب. وضع عدداً من الأناشيد الوطنية المعرقة منها نشيد:
بلاد العرب أوطاني
من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن
إلى مصر فتطوان
ومنها
أنتِ سورية بلادي
أنتِ عنوان الكرامة
كان من المؤسسين لفكرة “القمصان الحديدية” التي اشترك فيها معظم شباب البلاد للدفاع عن سورية، كذلك “مشروع الفرنك” الهادف إلى التبرع من أجل التسلح.
بعد الاستقلال انصرف فخري البارودي إلى حياة الفن والموسيقى والسهر. وللبارودي ذكرى في نفسي لا أنساها وهي:
عندما توفي جميل مردم بك رحمه الله وكانت الجنازة قد وصلت إلى مدفن آل مردم بك، ووقف الجميع إجلالاً لمراسم الدفن، وإذا بفخري البارودي وقد أسنده رجلان يدخل إلى المقبرة وهو في حالة يرثى لها من المرض والحزن، وأخذ يجهش بالبكاء، ووقف على نافذة المدفن من الداخل بالقرب من قبر جميل بك، وأخذ يخطب بصوت متهدج ويرثي الراحل الكبير، فبكى وأبكى حتى انهارت قواه وأُخرج من المكان وهو في أسوأ حال. وهذا المنظر لا أنساه أبداً. رحم الله فخري بك فقد كان من ظرفاء الشام بل من لطفاء الشام.
ترك البارودي عدة مؤلفات حول كارثة فلسطين والسفور والحجاب والصلح مع إسرائيل، عدا الموسيقى والفن، كما له ديوانان من الشعر “تاريخ يتكلم” و”قلب يتكلم” وكذلك جزءان من مذكراته ومؤلفات أخرى.
يطول الحديث عن هذا الرجل المتعدد المواهب والأفكار فهو جامع لكثير من الشخصيات في شخصه ولكثير من المواهب في نفسه ولكثير من الأحباء في قلبه.
فــــــوزي بـــن عبــد المجيـــد القاوقجـــي
ولد عام 1890 م وتوفي عام 1977 م
ولد القاوقجي في مدينة طرابلس لبنان عام 1890. تخرج من المدرسة الحربية عام 1912 في استنبول. خاض مع الشهيد يوسف العظمة معركة ميسلون عام 1920 وأَسَرَ بعض الضباط الفرنسيين. في عام 1925 قاد ثورة حماة. كان قائداً عاماً للغوطة في ثورة عام 1925 حتى عام 1927 غادر سورية إلى السعودية من عام 1928 ـ 1932 ثم غادرها إلى بغداد وكان رئيساً للخيالة في الجيش العراقي.
في عام 1936 قاد حملة من المتطوعين للقتال في فلسطين، حقق العديد من الانتصارات، عهدت إليه جامعة الدول العربية في خريف عام 1947 بقيادة جيش الإنقاذ. في عام 1948 كانت له صفحات بيضاء في القتال مع العدو الصهيوني. انتصر في العديد من المعارك وخذلته بعض الجيوش التي انسحبت من المعارك وتركته وحيداً كالجيش العراقي والأردني إذ كانت قيادة هذه القوات إنكليزية. بعد حرب فلسطين عاش في دمشق بما يشبه العزلة ثم سافر إلى بيروت وبقي فيها حتى وفاته.
كان لي شرف التعرف عليه ومجالسته والحديث معه في حميمية عن كثير من المواضيع. كان ذلك في عامي 1965 ـ 1966، وذلك في بيروت وتحديداً في “بلاج سان ميشيل” حيث كان له شاليه ملاصقة لشاليه خالي عصام بن المرحوم توفيق بك الناطور. كنا نجلس على “أسطوح” الشالية أو نَسْبَح سوية. وقد رأيت عدة إصابات لشظايا القذائف في بطنه وساقيه. كان يتحدث مع عائلته بالألمانية وخاصة مع السيدة زوجته طرفة وهي سيدة جميلة وأنيقة ومهذبة. لفوزي ولدين وابنة أذكر أن اسم ولده الكبير بركان.
رحم الله فوزي القاوقجي، فرغم ما كان له من المواقف مع العديد من الزعماء العرب إلا أن نخوته واندفاعه وشجاعته تشفع له ما كان يتحسس منه الكثيرون. كذلك ما رواه في مذكراته، فله الكثير من المآخذ حيث كانت من وجهة نظره صحيحة، ولكن رؤيتهم كقادة وزعماء يعرفون مقدرات بلادهم أكثر منه، كانت تجعلهم يتخذون مواقف لم تعجب القاوقجي وغير القاوقجي.
لطفــــي بـــــك الحفـــار بـــن حســــــن
ولد عام 1888 م وتوفي عام 1968 م
من كبار السياسيين والاقتصاديين تخرج في المعاهد السورية والعثمانية، طلب العلم الشرعي على عدد من العلماء وتأثر بهم، فكان من مؤسسي “جمعية النهضة العربية” عام 1906 و”جمعية النهضة القرشية” و”جمعية العربية الفتاة”. شارك في الوزارة التي ألفها الدامادا أحمد نامي فتولى وزارة المالية. اعتقل الحفار وبعض زملائه وتم نفيهم إلى محافظة الحسكة لمدة سنتين. انتخب نائباً لرئيس غرفة التجارة بدمشق.
قام على أكتافه مشروع جر مياه نبع الفيجة إلى دمشق عام 1924 كان رئيساً للجنة التأسيسية، ورئيساً لجمعية ملاكي المياه عام 1925. نال عدداً من الأوسمة وشارك في تأسيس عدد من الأحزاب منها “حزب الشعب” 1924 و”الكتلة الوطنية” 1928 و”الحزب الوطني” برئاسة سعد الله بك الجابري عام 1946 ثم تولى الحفار رئاسة الحزب.
في عام 1928 انتخب عضواً في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وانتخب نائباً عن دمشق 1932 ثم نائباً لرئيسه عام 1943. عين وزيراً للأشغال العامة عام 1926 والمالية 1938 والمعارف عام 1939 ثم رئيساً للوزراء عام 1939.
رُشح لرئاسة الجمهورية فاعتذر لصالح صديقه شكري القوتلي. مثّل سورية في مجلس جامعة الدول العربية في القاهرة، وبمؤتمرها في عالية وبيروت عام 1947. اعتزل السياسة وعاش حياة العزلة التي انتهت بوفاته.
كان لطفي الحفار رجلاً على خلق كريم، حسن السيرة نظيف اليد واللسان، أحب وطنه فأحبه وطنه وكل من عرفه. لم تشب حياته شائبة، كان صديقاً وفياً لجميل مردم بك وكذلك لرضا مردم بك ولكثير من الوطنيين الذين كانوا يشاركونه حياة النضال والكفاح والذين وافتهم المنية واحداً تلوَ الآخر حتى كانت وفاته رحمه الله عام 1968. قامت كريمته سلمى مواليد عام 1923 بنشر مذكرات والدها لطفي بك وأضافت عليها لمساتها الساحرة فقد كانت ذات قلم رقيق وجريء. توفيت سلمى عام 2006 رحمها الله تعالى.
رفعتلو محمد رضا مردم بك بن عزتلو عثمان بك
ولد عام 1881 م وتوفي عام 1963 م
والدته السيدة عدلة خانم قزيها بنت السيد عبد اللطيف، يصل نسبها إلى الحبيب المصطفى (r)، ولدت تقريباً عام 1850 وتوفيت عام 1915.
والده عزتلو عثمان بك وردت ترجمته في صفحة سابقة (يرجع إليها).
تزوج من السيدة ثريا ابنة سامي باشا بن حكمت باشا مردم بك (راجع مشجرة العائلة في نهاية الكتاب).
أنجب منها: مأمون ـ هشام ـ فيصل
براءت ـ عدلة ـ تميمة.
فهو عم جميل مردم بك وعديله في الوقت ذاته.
كان من أعضاء المجلس البلدي البارزين في عهده، جمع نشاط الشباب وحنكة الشيوخ. كان من رجالات الشام البارزين. ناضل منذ نعومة أظفاره من أجل حرية وكرامة بلاده. كان عضواً في جمعية النهضة العربية منذ تأسيسها ثم أصبح رئيساً لها.
كافح ضد الاستعمار التركي ثم الفرنسي، حكم عليه بالإعدام في زمن جمال باشا ولكن عفي عنه لصغر سنه. أسس مع محمد كرد علي جريدة المقتبس، له أياد بيضاء في تأسيس مصنع الإسمنت في دمر (دمشق)، كذلك في مشروع جرّ مياه عين الفيجة إلى مدينة دمشق..
كان يمتلك صحيفة الزمان عام 1925 وكان مديرها وصاحب امتيازها ولم تستمر طويلاً. (كتاب الصحافة السورية صفحة 469).
ألف مع لفيف من رجالات سورية حزباً هو (حزب الوحدة) عام 1925، كان من أعضائه المؤسسين: رضا مردم بك ـ شاكر الحنبلي ـ حبيب كحالة ـ عبد الرحمن الكزبري ـ مصطفى شوقي. ورد ذلك في كتاب مذكرات فهمي المحايري عن الثورة السورية تحقيق تهاني حمزة وتقديم عدنان العطار مجهول دار النشر ومجهول تاريخ الطبع.
لقد كان وجهاء دمشق وأعيانهم يجتمعون في منزل رضا بك ـ وهو جد المؤلف تميم بن مأمون بن رضا بك ـ في كل يوم اثنين وقد كان يحضر هذا الاجتماع الدوري في الخمسينيات وبداية الستينينات من القرن العشرين واللذين كانوا يتناقصون بالوفاة تدريجياً:
محمد رضا مردم بك ـ سامي باشا مردم بك ـ مأمون مردم بك ـ هاشم الأتاسي ـ شاكر الحنبلي ـ الشيخ راغب العثماني ـ الشيخ أحمد القاسمي ـ الشيخ عبد الستار السيد ـ محمود أفندي الصباغ ـ الأستاذ عبد القادر الأسود ـ الشيخ عبد الوهاب الأزرق ـ الدكتور نجيب الأرمنازي ـ الشيخ مصطفى الزرقاء ـ الأستاذ رياض الأتاسي ـ الشاعر خير الدين الزركلي ـ الأستاذ سعيد الغزي و أحياناً غيرهم. وقد أصبحوا جميعاً في ديار الحق إلا كاتب هذا الكتاب جعل الله وفاته على الإيمان إنشاء الله تعالى. لقد كانت مهمتي تقديم الضيافة لهم واغتراف ما يمكن من همسات تصدر عنهم عند دخولي عليهم.
ولا زالت صورهم جميعاً في ذاكرتي والحمد الله. (تراجم آل مردم بك).
محمـــــد بـــــن عبـــد القـــادر بك مــردم بك
ولد عام 1902 م وتوفي عام 1958 م
والدته السيدة خديجة تحسين بك
والده رفعتلو عبد القادر بك
محمد هو الأخ الأصغر لجميل مردم بك.
تزوج من السيدة: نعمت خانم بنت راشد باشا مردم بك
أنجب منها: مروان ـ زياد ـ معاذ ـ سنية
درس الزراعة في فرنسا عندما كان جميل بك هناك وذلك في جامعة غرونوبل، عمل في وزارة الزراعة كما كان رئيساً لديوان وزارة الزراعة بدمشق 1939.
كان مديراً لمديرية الشؤون الإدارية في وزارة الاقتصاد الوطني مدة عشر سنوات، وفي عام 1952 أحيل على التقاعد. والتفت إلى أعماله الزراعية في أراضيه الخاصة.
توفي في دار الرئيس شكري القوتلي أثناء تهنئته بقيام الوحدة السورية ـ المصرية.
محمــــد ســـــــهيل العشـــــــي (أبـــو محمـــود)
ولد عام 1918 م وتوفي في آذار 2006 م
درس الابتدائي في بيروت، ثم في دمشق. دخل مدرسة عنبر عام 1931 للدراسة الإعدادية، في عام 1937 تقدم إلى الكلية العسكرية متطوعاً وتخرج عام 1939. تم تعيينه في دير الزور حتى عام 1941 مدرباً. تمّ استدعاؤه من قبل “حسني الزعيم” هو و”أحمد العظم” و”عبد الرحمن مردم بك” و”عدنان المالكي” كضباط مقاومة بإنشاء خط دفاع حول دمشق لمقاومة القوات الدوغولية عندما جاءت لتحل محل القوات الفيشية. ثم كانت أحداث 29 أيار 1945 وبعدها الجلاء.
في عام 1946 انتدب سهيل العشي من الشعبة الثانية التي كان فيها ليرافق الرئيس شكري القوتلي كمرافق عسكري بدلاً من طالب الداغستاني الذي كان برتبة مقدم. كان مكلفاً بترتيب مواعيد الرئيس واستقبال الزوار والسفراء وغيرهم، كما كان عليه ترتيب الحفلات والولائم الرئاسية. والأهم من كل ذلك الإبقاء على سلامة وأمن الرئيس.
بقي سهيل العشي مرافقاً للرئيس شكري القوتلي حتى 29 آذار 1949. تولى شخصياً التحقيق في حادثة باخرة فؤاد مردم بك الضائعة وتفصيل ذلك في الصفحات السابقة.
بعد قيام حسني الزعيم بانقلابه في 30 /آذار 1949 تم اعتقال سهيل العشي. وفي يوم 17/04/1949 تم تعيينه مديراً عاماً للشرطة والأمن العام في حلب.
في 14/08/1949 وبعد انقلاب سامي الحناوي تم نقل سهيل إلى الكلية العسكرية كمدير لدورة 1949 ـ 1950. وفي 15/05/1950 صدر أمر من رئيس الأركان يقضي بإيفاده إلى مدرسة الأركان بباريز للدورة التي تبدأ في 01/06/1950، عاد بعدها إلى سورية وعهد إليه العقيد أديب الشيشكلي بقيادة سلاح الطيران في 19/08/1951.
قام سهيل العشي آمر سلاح الطيران الثالث بشراء عشرين طائرة “سبت فاير Spit Fire” مروحية وأربع عشرة طائرة نفاثة من طراز “ميتيور Mature” “وكان الملحق العسكري في بريطانيا العقيد عبد الرحمن مردم بك”
في 10/08/1953 التحق العشي بمدرسة الحرب العليا في باريز. عاد بعدها إلى دمشق في أوائل شهر آب 1954 والتحق بالكلية العسكرية في حمص. في عام 1955 وفي شهر تشرين الثاني تم نقل سهيل العشي إلى الجبهة السورية في مسعدة (الجولان)، بعدها تم نقله آمراً للواء المدرعات، وحل محله العقيد عبد الرحمن مردم بك. وفي 17/07/1957 جرى تسريحه مع بعض الضباط الآخرين. وفي 04/02/1962 تم تعيينه سفيراً في المملكة المغربية في عهد الانفصال. وفي 06/07/1962 تم تعيينه سفيراً في الجزائر. اعتزل النشاط عام 1964.
دولة محمد سعيد بك الغزي بن عبد الوهاب
ولد عام 1897 م وتوفي 18 أيلول 1967 م
تزوج من السيدة بلقيس موره لي
أنجب منها نادية وغازي كانا محاميين.
تمتع دولته بشخصية محترمة لدى الأوساط السياسية السورية كافة، وكلما تأزمت الحالة الداخلية في سورية يستدعى سعيد بك لاستلام الحكم وحل الأزمة على اعتبار أنه يتمتع بثقة جميع الأحزاب. وقد برهن بالفعل وأكثر من مرة عن أنه تلك الشخصية التي تستطيع البلاد الاعتماد عليها.
تخرج من معهد الحقوق عام 1920. وانتخب نائباً في المجلس التأسيسي عام 1928. وفي العام ذاته انتسب إلى الكتلة الوطنية حتى عام 1936. تقلد وزارة العدلية ووكالة وزارة المال العام. وفي عام 1938 عُيّن مديراً عاماً لوزارة الاقتصاد الوطني ثم للبرق والبريد. انتخب نائباً عن دمشق عام 1943 وتقلد وزارة العدلية ووكالة وزارة المالية لعام 1943. وفي عام 1947 تقلد وزارة المالية فوزارة الاقتصاد الوطني فوزارة الصحة والإسعاف العام والعدلية.
في عام 1954 ترأس الحكومة التي أشرفت على الانتخابات ونجح نائباً عن دمشق وفي 13 أيلول عام 1955، تسلم رئاسة الحكومة من جديد مع وزارة الخارجية ولغاية 13 حزيران 1956. اعتزل بعدها السياسة وبقي يمارس عمله في مكتب المحاماة الذي يملكه مع ابنه غازي حفظه الله والمتزوج من غادة مردم بك.
انتخب رئيساً لمجلس النواب بعد الانفصال عام 1961.
محـــــــب الديـــــــن الخطيــــــــب
ولد عام 1887 م وتوفي عام 1969 م
ولد محب الدين الخطيب في تموز 1887 بدمشق، وهو ابن الشيخ أبو الفتح الخطيب، ينتمي إلى أسرة دمشقية عريقة تُعرف بالعلم والصلاح وتمارس الخطابة في الجوامع. تلقى الخطيب تعليمه الابتدائي في مدرسة الترقي النموذجية ثم التحق بمكتب عنبر، توفي والده وهو طفل وكانت أمه قد توفيت قبله فبات يتيم الأبوين.
قيض الله لهذا اليتيم العلامة الشيخ طاهر الجزائري فتولى رعايته والعطف عليه. فأشرف على توجيهه وعرّفه على علماء وشيوخ عصره فصحبهم وتأثر بهم وتلقى عنهم علوم الدين والدنيا.
في عام 1905 رحل إلى الأستانة والتحق بكلية الحقوق والآداب، ثم أخذ يعمل مع الطلاب العرب على بث روح الاستقلال والنضال ضد تركيا. أحست به السلطات العثمانية ففر هارباً إلى اليمن حيث عمل مترجماً، واتصل بالإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن. وفي عام 1908 عاد إلى دمشق ثم إلى الأستانة وبعدها إلى القاهرة عام 1909 حيث عمل محرراً في جريدتي المؤيد والأهرام.
التحق الخطيب بثورة الشريف حسين عام 1916 في مكة المكرمة حيث أصدر جريدة القبلة هاجم فيها الأتراك. فصدر عليه حكم بالإعدام وعقب دخول الجيش العربي دمشق 1918 وقيام الحكم الفيصلي فيها تولى الخطيب إدارة جريدة العاصمة وهي أول جريدة عربية حكومية تصدر في دمشق.
بعد معركة ميسلون ودخول الفرنسيين دمشق غادرها محب الدين وعاد إلى القاهرة حيث عمل في الصحافة.
كان من رجالات العرب المجاهدين الأحرار، له العديد من المؤلفات الداعية إلى الإسلام والتحرر من الاستعمار. كانت له صداقة مع جميل مردم بك ومحمد كرد علي ولطفي الحفار وعثمان مردم بك وكثير من زعماء الكتلة الوطنية.
توفي في القاهرة بعد بلوغه الثمانين من العمر قضاها مجاهداً بلسانه وقلمه. رحمه الله تعالى.
محمـــــــد فريــــــد كُـــــــرد عــــــــلي
ولد عام 1876 م وتوفي عام 1952 م
(علاّمة الشام)
من الأسر الكردية العراقية الأصل وينتسبون إلى الأكراد الأيوبية. هاجر جدهم إلى الأناضول ثم استقر في دمشق.
ومحمد كرد علي: علاّمة، أديب، بحّاثه، مؤرخ دمشق، وزير المعارف، من مؤسّس مجمع اللغة العربية بدمشق، من رواد النهضة العربية الحديثة مع محمد رضا بك مردم بك. سافر إلى أوروبا واسطنبول ومصر، عاد إلى دمشق بعد قيام الثورة العربية الكبرى وعين رئيساً لديوان المعارف ثم تحول ذلك الديوان بأعضائه ورئيسه إلى “المجمع العلمي العربي” في 30 تموز 1919 وبقي رئيساً له طوال حياته ثم تسلم الرئاسة خليل مردم بك.
عُهدت إليه وزارة المعارف مرتين: الأولى بين عام (1920 ـ 1922) والثانية بين عام (1928 ـ 1931). تقلد عضوية العديد من مجامع اللغة. له عدد من المصنفات أشهرها وأعظمها “خطط الشام” في ستة أجزاء، “الإسلام والحضارة العربية”، “غرائب الغرب”، “أمراء البيان”، “المذكرات”، “المعاصرون”، “دمشق مدينة السحر والشعر”، “غوطة دمشق وحدودها”، وغيرها الكثير. كان صديقاً حميماً لعثمان مردم بك وجميل مردم بك ومحمد رضا مردم بك ولطفي الحفار ومحب الدين الخطيب وأكثر أعضاء الكتلة الوطنية.
الدكتــــور مدحــــت بـــن رفعــــت شـــــيخ الأرض
ولد عام 1900 م وتوفي عام 2001 م
من الأسر القديمة قيل إن نسبهم إلى الحسن وقيل إلى الحسين بن علي (t).
ولد في دمشق وتزوج من السيدة فائزة بنت سامي باشا ابن حكمت باشا مردم بك وأنجب منها هالة 1941، هتون 1942، رفعت 1943. طبيب، داعية، من مجاهدي الثورة السورية الكبرى، درس في الكلية العلمية الوطنية، ثم تخرج من المعهد الطبي العربي، تخصص في الأمراض الداخلية في فرنسا، لازم الشيخ محمد أمين كفتارو الذي بشرّه بأنه سيكون طبيباً للملك. شارك في الثورة السورية الكبرى عام 1925 فكان يقاتل ويداوي الجرحى صدر عليه حكم من الجيش الفرنسي فهرب إلى الحجاز متنكراً بزي امرأة، واتصل بالملك عبد العزيز آل سعود، فعينه وزيراً للصحة ومستشاراً له مدة 26 سنة وكان من أركان المملكة مع العديد من رجالات سورية، عمل بعدها مستشاراً للملك سعود، ثم عين سفيراً للملكة العربية السعودية في مدريد (1955 ـ 1961). ثم نُقل إلى ليبيا ثم فرنسا (1963 ـ 1964). وفي عام 1972 عين ممثلاً للمملكة العربية السعودية في منظمة الأمم المتحدة في جنيف، وأسس المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف. وكلفه الملك فيصل ببناء مسجد في جنيف والإشراف عليه، وقد افتتحه الملك خالد عام 1977. وكان له أثر كبير في إشهار إسلام المفكر الكبير روجيه غارودي. عُمِّرَ مئة عام منها 26 عاماً طبيباً ومستشاراً سياسياً و23 عاماً دبلوماسياً، ثم تفرغ للعمل الإسلامي. وقد بنى ورثته مسجداً باسمه في حيّ بيبان بمنطقة جروَل بمكة المكرمة.
كانت تربطة صلة صداقة قديمة بجميل بك وذلك قبل أن يصبح عديله، وقد ترافقا في الفترة التي زار فيها جميل بك السعودية عام 1934 حيث أدّيا معاً العمرة وبقيت هذه المودة حتى وفاة جميل بك عام 1960.
الدكتــــور نجيــــب الأرمنــــازي بـــن محـــمد
ولد عام 1897 م وتوفي في دمشق 29/01/1968 م
تزوج من السيدة طلعت خانم مردم بك بنت سامي باشا.
درس الابتدائي والإعدادي في سورية ثم تابع دراسته الثانوية في فرنسا.
نال شهادة الدكتوراه في الحقوق وفي العلوم الدولية العليا من جامعة السوربون. وهو عديل جميل بك مردم بك.
أنجب من طلعت خانم ثلاث شباب مسلمة وغيث والدكتور عمرو.
يقول نجيب بك في كتابه “عشر سنوات في الدبلوماسية” بأنه: بعد الاحتلال الفرنسي عام 1920 نزح مع النازحين إلى مصر ومكث فيها زهاء السنة. سافر إلى فرنسا ونال شهادة الدكتوراه. في عام 1929 عاد إلى الوطن ماراً بمصر بدعوة من بعض الزعماء السوريين الوطنيين الذين لم يزالوا هناك. وبعد تولي “محمد علي بك العابد” رئاسة الجمهورية في عام 1932، تولى نجيب بك منصب “الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية” وانقطع عن العمل عندما عطل “دومارتيل” المفوض السامي الفرنسي الأوضاع الدستورية في سورية.
في عام 1936 دعي إلى استئناف عمله في عهد الرئيس “هاشم الأتاسي”. وأطلق نجيب بك اسم هذه الفترة “بجمهورية المعاهدة”. “كان الأتاسي يثق بأمين سره السيد الدكتور نجيب الأرمنازي ويعتمد على رأيه ودراسته، ولا يثق بسواه، وإذا عرض عليه قرار مرسوم أو بعض المشروعات، حوّلها إليه ليدرسها ويبين ملاحظاته عليها ثم يوافقها”.
في عام 1943 وحين أعيدت الأوضاع الشرعية وانتخب السيد “شكري القوتلي” رئيساً للعهد الجديد، عاد الدكتور الأرمنازي مرة ثالثة إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية. وكان من الموقعين على بروتوكول الإسكندرية عام 1944، ومن الذين دافعوا عن فكرة إقامة نظام اتحادي بدلاً من الجامعة العربية.
وفي عام 1945 عين الدكتور نجيب الأرمنازي سفيراً لسورية في لندن حيث أمضى مهمته الدبلوماسية الأولى هناك أربع سنوات ونيّف.
بعد لندن ذهب الدكتور الأرمنازي إلى نيودلهي (الهند) سفيراً عام 1950. وبعدها إلى أنقرة عام 1952 ثم إلى القاهرة عام 1954. ثم عاد إلى لندن عام 1954 وفي عام 1956 عادة كذلك إلى لندن سفيراً.
كان لهذه التنقلات الأثر الكبير في اطلاعه على كثير من الأمور التي تهم بلاده. انتمى إلى حزب الشباب العربي وحزب العهد وحزب الاستقلال وجمعية العربية الفتاة ونال العديد من الأوسمة.
طبع له سنة 1950 و1951 “كتاب السياسة الدولية وأشهر رجالها” في جزئين. كذلك نشرت له جامعة الدول العربية “محاضرات عن سورية من الاحتلال حتى الجلاء”. كذلك كتاب “عشر سنوات في الدبلوماسية”.
فخامة هاشـــم بك الأتاســــي بن خـــالد
ولد عام 1875 م وتوفي عام 1960 م
تلقى علومه الثانوية والعالية في الأستانة، بدأ حياته العامة في ولاية بيروت مأموراً فقائمقاماً فمتصرفاً. انتخب عضواً في المؤتمر السوري عام 1919 ثم رئيساً للمؤتمر. شكل الوزارة السورية في عهد الملك فيصل في عهد الانتداب نفي مع رفاقه إلى أرواد وفي عام 1929 انتخب نائباً عن حمص. ولما دعيت البلاد في عام 1936 للمفاوضة على المعاهدة السورية ـ الفرنسية، سافر الوفد السوري إلى باريز برئاسته، عاد بعدها الوفد ظافراً بالمعاهدة، وانتخب عام 1936 نائباً عن حمص، وفي السنة ذاتها انتخب رئيساً للجمهورية السورية حتى عام 1939، حيث استقال واعتزل السياسة حتى عام 1949. وبعد انقلاب حسني الزعيم، ثم الانقلاب على حسني الزعيم في العام ذاته الذي قام به سامي الحناوي، تسلم رئاسة الجمهورية حتى عام 1951، حيث جرى الانقلاب الثالث على يد أديب الشيشكلي. وفي عام 1954 وُضع تحت الإقامة الجبرية بعد الانقلاب الرابع للشيشكلي. وتحت ضغط العناصر العسكرية غادر الشيشكي البلاد ـ وكان حكيماً في ذلك كل الحكمة ـ عاد الأتاسي إلى الحكم حتى أيلول 1955، ثم اعتزل السياسة وانصرف إلى حياته الخاصة بعد أن وهب شبابه وشيبه في خدمة بلده وشعبه.
رحم الله الرئيس الجليل الوقور الحكيم رحمة واسعة.
مختصر مشجرات
تتعلق بصلة القرابة بين
جميل مردم بك ولالا مصطفى باشا الوزير
قائد الجيوش العثمانية وزوجته فاطمة خاتون
حفيدة الملك الأشرف قانصوه الغوري،
وبعض أفراد العائلة
سواء بالقرابة
العصبية أو بالمصاهرة
مع الاعتذار للذين لم يذكروا لضيق المجال.
المراجع والمصادر
1 ـ إبراهيم الكيلاني: عبقريات شامية مكتب النشر العربي، دمشق، ط 1، 1946.
2 ـ أليس بولو: دمشق تحت القنابل دار دانية للنشر، ط 1، دمشق، 1996.
3 ـ أدهم الجندي: شهداء الثورة العربية الكبرى، مطبعة العروبة، دمشق، دون تاريخ.
4 ـ أمين سعيد: الثورة العربية الكبرى ثلاث مجلدات، مطبعة عيسى البابي الحلبي، مصر، ط 1، بدون تاريخ.
5 ـ د. أحمد قدري: مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى، مطابع ابن زيدون، دمشق، 1956.
6 ـ د. أحمد قدري: مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى، وزارة الثقافة، دمشق، ط 2، 1993.
7 ـ أبو الفرج العشي: مجلة الحوليات الأثرية السورية المجلد الثالث عشر، دمشق، دون تاريخ.
8 ـ البديري الحلاق: حوادث دمشق اليومية. ط 1، القاهرة.
9 ـ بيان نويهض الحوت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، سلسلة الدراسات رقم 57، بيروت، ط 1، 1981.
10 ـ تميم مأمون مردم بك: تراجم آل مردم بك في خمسة قرون، دار طلاس، دمشق، 2009.
11 ـ تميم مأمون مردم بك: مجموعة رسائل الخلان في معرفة طبائع أبناء السلطان مخطوط.
12 ـ تميم مأمون مردم بك: الملك قانصوه الغوري الأشرف والوزير لالا مصطفى باشا ذو السيف الأحنف، دار طلاس، ط 3، 2009.
13 ـ جوزيف إلياس: الصحافة السورية في مئة عام ج 2 ، دار النضال، بيروت، 1983.
14 ـ خالد العظم: مذكرات خالد العظم ثلاثة أجزاء، الدار المتحدة للنشر، بيروت، ط 1 ، 1973.
15 ـ د. خيرية قاسمية: عوني عبد الهادي أوراق خاصة منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1974.
16 ـ د. خيرية قاسمية: مذكرات فوزي القاوقجي، دار النمير دمشق، ط 2، 1995.
17 ـ د. ذوقان قرقوط: تطور الحركة الوطنية في سورية دار طلاس دمشق، ط 1، 1989.
18 ـ خليل صليبا: تاريخ دمشق دار إقرأ دمشق 2008.
19 ـ روحي المولوي: مجلة أعلام العرب في السياسة والأدب، مطبعة ابن زيدون، دون تاريخ.
20 ـ الرابطة الأدبية: رجل العروبة جميل مردم بك، بيروت، ط 1، 1948.
21 ـ زهير الشلق: من أوراق الانتداب دار النفائس، بيروت، ط 1، 1989.
22 ـ د. سلمى جميل مردم بك: أوراق جميل مردم بك استقلال سورية، شركة المطبوعات، بيروت، ط 1 1994 .
23 ـ د. سليمان المدني: هؤلاء حكموا سورية دار الأنوار، دمشق، 2007 .
24 ـ سلمى لطفي الحفار: يوميات هالة، دار العلم للملايين، ط 1، 1950 .
25 ـ سلمى لطفي الحفار: مذكرات لطفي الحفار، دار رياض الريس، لندن + بيروت، ط 1، 1997 .
26 ـ د. سهيلة الريماوي: جمعية العربية الفتاة السرية دراسة وثائقية، دار مجدلاوي، عمان، 1988 .
27 ـ سعيد التلاوي: كيف استقلت سورية.
28 ـ عبد الله حنا: عبد الرحمن الشهبندر، الأهالي للطباعة والنشر، ط 1 .
29 ـ عدنان الملوحي: أيام الشام مذكرات، المطبعة التعاونية، دمشق، ط 1، 1994 .
30 ـ عدنان الملوحي: وطنيون وأوطان صور من نضال الشعوب، المطبعة التعاونية، ط 1، 1998 .
31 ـ عبد الله الخاني: جهاد شكري القوتلي، دار النفائس بيروت، 2003 .
32 ـ عبد الغني العطري: عبقريات، دار البشائر، دمشق، 1997 .
33 ـ عبد الغني العطري: عبقريات، دار البشائر دمشق، 2000 .
34 ـ د. عبد الرحمن البرج: أعلام العرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1990
35 ـ فارس زرزور: معارك الحرية في سورية، دار الشرق للنشر، دمشق، 1962.
36 ـ فليب خوري: أعيان المدن والقومية العربية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1993 .
37 ـ فخري البارودي: أوراق ومذكرات، تحقيق دعد الحكيم في جزأين، وزارة الثقافة دمشق، 1999 .
38 ـ فائز الشلاش: دار المستقبل العربي، القاهرة، ط 2، 2001.
39 ـ كوليت الخوري: أوراق فارس الخوري، ج 1، دار طلاس، 1989 .
40 ـ كوليت الخوري: أوراق فارس الخوري، ج 2، دار طلاس، 1997 .
41 ـ محمد كامل الخطيب: المؤتمر العربي الأول، وزارة الثقافة، دمشق، ط 2، 1996 .
42 ـ محمد حرب فرزات: الحياة الحزبية في سورية، دار الرواد، 1955 .
43 ـ محمد سهيل العشي: فجر الاستقلال في سورية، دار النفائس، ط 1، 1999 .
44 ـ محمد أمين الحسيني: حقائق عن قضية فلسطين، مكتب الهيئة العربية العليا لفلسطين، المطبعة السلفية، القاهرة، 1954 .
45 ـ محمد جميل الشطيل: تراجم أعيان دمشق، دار اليقظة العربية، دمشق، 1948 .
46 ـ محمد كرد علي: خطط الشام ستة أجزاء، مطبعة الترقي، دمشق، ط 1، 1927 .
47 ـ د. محمد شريف عدنان الصواف: موسوعة الأسر والأعلام الدمشقية، بيت الحكمة، ط 2، 2008 .
48 ـ محمد كرد علي: مذكرات محمد كرد علي، مطبعة الترقي، ج 1، 1948 دمشق.
49 ـ العماد أول مصطفى طلاس: ذكرى الجابري، دار طلاس، دمشق، ط 2، 2007 .
50 ـ منير المالكي: من ميسلون إلى الجلاء سيرة سياسية، وزارة الثقافة، دمشق، 1991.
51 ـ من هم في سورية: مكتب الدراسات السورية والعربية، دمشق، 1957 .
52 ـ مكتب الهيئة العربية العليا لفلسطين، سلسلة دراسات رقم 65
53 ـ د. نجيب الأرمنازي: سورية من الاحتلال إلى الجلاء، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط 2، 1973.
54 ـ د. نجيب الأرمنازي: عشر سنوات في الدبلوماسية، دار الكتاب، الجديد، ج 1، 1963 .
55 ـ نعمة زيدان: رجالات سورية ولبنان في القرن العشرين، بيروت، 1956 .
56 ـ د. نزار كيالي: دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر، دار طلاس، ط 1، 1997 .
57 ـ وليد المعلم: سورية 1916 ـ 1946، دار طلاس دمشق، 1988 .
58 ـ إضافة إلى أرشيف المؤلف الخاص بالعائلة من مخطوطات وصحف قديمة وذكريات عائلية.
نبذة عن السيرة الذاتية للمؤلف
ـ هو تميم بن مأمون مردم بك من بيت عربي ثقافة وتاريخاً احتلت أسرته مكانة رفيعة بين الناس لدماثة أخلاق أفرادها.
ـ ولد المؤلف عام 1943 بدمشق، ودرس في مدارس دمشق، حاز على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق.
ـ له العديد من المؤلفات نشر منها:
• كتاب «غزل الحرير في تاريخ أبناء لالا مصطفى باشا الوزير» عام 1998 م.
• كتاب «تراجم آل مردم بك في خمسة قرون» عام 1998 م.
• كتاب «القطر المختار في بحور الأئمة الأخيار» عام 2001 م.
• كتاب «فيض الملك العلام فيما جاء لأهل البيت من الإكرام» و«منير الغرام من أحاديث سيد الأنام في فضل الشام» تأليف الشيخ نصري الحسيني الخلوتي رحمه الله تعالى ـ تحقيق تميم مردم بك عام 2004 م.
• كتاب «قبس الشهاب على ترتيب أحاديث الشهاب» تأليف القاضي أبو عبد الله بن سلامة القضاعي الشافعي ـ تحقيق تميم مردم بك ط 1، عام 2006 م.
• كتاب «الملك قانصوه الغوري الأشرف والوزير لالا مصطفى باشا ذو السيف الأحنف» عام 2007 م.
• كتاب «مختصر تاريخ الخلافة الإسلامية من أبو بكر الصديق إلى المتوكل خاتمة الطريق» دار طلاس 2008 م.
• كتاب «تراجم آل مردم بك في خمسة قرون طبعة مزيدة ومنقحة حتى عام 2009» دار طلاس 2009 م.
كما لديه مخطوطات ووثائق عديدة عن آل مردم بك.
اعتنى بالمشجرات العائلية. فله مشجرة آل مردم بك. ومشجرة آل الخرسا وهم أجداده لأمه. ومشجرة آل القزيها وهم أجداده لأم جده. ومشجرة آل الهبل وهم أسرة زوجته.
اللهم ارحم ما خلقت، واغفر ما قدرت، وطيب ما رزقت، وتقبل ما يسرت بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
الفهرس
r الإهداء ………………………………………… 5
r شكر وتقدير ………………………………….. 7
r التاريخ فرعان ……………………………….. 9
r كلمة حق ……………………………………… 11 ـ 16
r المقدمة ………………………………………… 17 ـ 18
r نبذة عن أسرة جميل مردم بك …………….. 19 ـ 27
نشأة جميل مردم بك ………………………….. 21
r حياة جميل بك السياسية …………………….. 29 ـ 34
المؤتمر العربي الأول ………………………. 30
r جمعية العربية الفتاة السريّة ………………… 35 ـ 39
r الحزب الوطني 25/01/1920 ……………… 41 ـ 44
نشأته وظروف تأسيسه ……………………….. 41
r العهد الملكي الفيصلي ………………………. 45 ـ 64
r جميل مردم بك في فلسطين (1922 ـ 1314) 65 ـ 72
r صدور العفو عن الوطنيين …………………. 73 ـ 79
اشتداد الأزمات وبداية ثورة 1925 ……….. 74
r حزب الشعب ………………………………… 81 ـ 82
r تعيين هنري دي جوفنيل مفوضاً سامياً …… 83 ـ 84
r تعيين هنري بونسو مفوضاً سامياً …………. 85 ـ 97
r تعيين دومارتيل مفوضاً سامياً ……………… 99 ـ 104
r الإضراب الستيني …………………………… 105 ـ 108
r معاهدة باريز 1936 …………………………. 109 ـ 128
r لواء إسكندرون واسطة العقد السوري ……. 129 ـ 133
r اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر …….. 135 ـ 181
تفصيل عملية اغتيال الشهبندر لعلاقة ذلك بجميل مردم بك وصحبه …………………….. 137
المحاكمة ………………………………………. 141
r دمشق في 26 أيار 1945 الجنرال أوليفا روجيه 183 ـ 197
r تأسيس جمعية الهلال الأحمر العربي السوري وانتمائه إلى الصليب الأحمر الدولي في جنيف 199 ـ 201
r فلسطين الجرح الدامي في فؤاد الأمة العربية 203 ـ 226
هكذا ضاعت فلسطين 206
r الحكومات التي تولى رئاستها جميل مردم بك
من (21/12/1936 وحتى 01/12/1948) 227
r الوزارات التي كان عضواً فيها …………… 229 ـ 230
r وداعاً سورية لا لقاء بعده ………………….. 231 ـ 233
r صفحات متناثرة ……………………………… 235 ـ 307
القصيدة الظالمة ……………………………….. 237 ـ 240
مقالة أعجبتني …………………………………. 241 ـ 242
القاعة الأثرية الشامية في المتحف الوطني بدمشق 243 ـ 250
قصة الباخرة المخطوفة التي استغلها خصوم جميل مردم بك ……………………………….. 251 ـ 261
«رواية مؤسسة الدراسات الفلسطينية» عن حرب فلسطين 1947 ـ 1948 …………….. 263 ـ 270
موكب جميل مردم بك ومفتش الشرطة الفرنسي … 271 ـ 274
صندوق جميل بك …………………………….. 275 ـ 276
مقتطفات من مقال بقلم شاعر العروبة بدوي الجبل 277 ـ 283
صفحة من جهاد سورية ……………………… 285 ـ 288
جميل مردم: جيل ورعيل ……………………. 289 ـ 291
جميل مردم بك في ذمة الله. العالم العربي يهتز لهذه الكارثة المؤلمة …………………….. 293 ـ 295
الرجل الذي دخل الخلود من أوسع أبوابه هز المصاب فيه دمشق والوطن العربي كله …….. 297 ـ 307
ـ أزمة غلاّبة ………………………………… 297
ـ الرجل الخالد ……………………………….. 298
ـ إلى دمشق ………………………………….. 299
ـ تشييع الجثمان ……………………………… 299
ـ مراثي الخطباء …………………………….. 300
ـ مأدبة القوتلي ………………………………. 304
ـ وفد حمص …………………………………. 304
r شخصيات في حياة جميل مردم بك ………. 309 ـ 421
إبراهيم الخليل بن أحمد مختار مردم بك ……. 313 ـ 315
الزعيم الوطني إبراهيم هنانو ………………… 316 ـ 317
الدكتور أحمد قدري الترجمان ……………….. 318 ـ 320
أحمد بن موسى مريود ……………………….. 321 ـ 324
أديب بن عبد القادر مردم بك ………………… 325 ـ 326
توفيق بك الناطور …………………………….. 327 ـ 328
المشير حسني الزعيم …………………………. 329 ـ 331
دولة خالد بك العظم بن فوزي باشا ………….. 332 ـ 335
رمضان الشلاش ……………………………… 336 ـ 339
سامي باشا بن حكمت باشا مردم بك ………… 340 ـ 341
سعد الله بك الجابري …………………………. 342 ـ 344
الدكتورة سلمى مردم بك ……………………… 345 ـ 350
فخامة الرئيس شكري بن محمود القوتلي ……. 351 ـ 353
صفوت خانم ابنة سامي باشا مردم بك ……… 354 ـ 355
عثمان بك مردم بك …………………………… 356 ـ 360
رفعتلو عبد القادر بن عزتلو عثمان مردم بك
361 ـ 362
دولة عثمان صائب بك سلام …………………. 363 ـ 366
الشهيد عبد الرحمن الشهبندر ………………… 367 ـ 369
الدكتور علي حيدر مردم بك بن سامي باشا …………… 370 ـ 372
عطا بك الأيوبي الأنصاري ………………….. 373 ـ 376
علي رضا باشا الركابي ………………………. 377 ـ 380
عوني بك عبد الهادي ………………………… 381 ـ 384
فارس بك بن يعقوب جبور الخوري ………… 385 ـ 387
فخري بك البارودي بن محمود ……………… 388 ـ 391
فوزي بن عبد المجيد القاوقجي ………………. 392 ـ 394
لطفي بك الحفار بن حسن ……………………. 395 ـ 397
رفعتلو محمد رضا مردم بك بن عزتلو عثمان بك 398 ـ 400
محمد بن عبد القادر بك مردم بك ……………. 401 ـ 402
محمد سهيل العشي (أبو محمود) …………….. 403 ـ 406
دولة محمد سعيد بك الغزي بن عبد الوهاب … 407 ـ 408
محب الدين الخطيب ………………………….. 409 ـ 411
محمد فريد كرد علي …………………………. 412 ـ 413
الدكتور مدحت بن رفعت شيخ الأرض ……… 414 ـ 416
الدكتور نجيب الأرمنازي بن محمد …………. 417 ـ 419
فخامة هاشم بك الأتاسي بن خالد …………….. 420 ـ 421
مختصر مشجرة الوزير لالا مصطفى باشا + فاطمة خاتون الغوري ……………………….. 423
مختصر مشجرة عزتلو عثمان بك مردم بك .. 424
مختصر مشجرة علي بك مردم بك + خديجة داغستاني ………………………….. 425
r المراجع والمصادر …………………………… 427 ـ 432
r نبذة عن السيرة الذاتية للمؤلف ……………….. 433 ـ 434