بطاقات

العدوان الفرنسي في أيار 1945

  •   
  •   
  •   

احتفلت سورية في الثامن من أيار عام 1945 بعيد النصر وإعلان انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأقيمت في مختلف المدن السورية احتفالات بهذه المناسبة رفعت فيها الأقواس وكسيت بالغار وأنيرت بالكهرباء ولاسيما في دمشق التي أطلقت المدفعية فيها 21 طلقة، ودوت صفارات الإنذار إيذاناً بانتهاء الحرب.

وأقام القصر الجمهوري حفلة شاي مساء ذلك اليوم بمناسبة عيد النصر دعا اليه أبرز الشخصيات السورية وأعضاء البعثات الأجنبية.

وبعد انتهاء الحفل ألقى شكري القوتلي في الساعة السابعة مساء كلمة عبر محطة إذاعة دمشق بهذه المناسبة، قال فيها: (إن أمتنا التي ساهمت في مجهود الحلفاء الحربي مساهمة فعالة لتأمل أن تكون في النظام العالمي الجديد عزيزة الجانب مصونة الحق لا تحد من سيادتها بأي حد أو قيد ولا يسمح للأطماع أن تدنو منها، فقد آن أن تكون الدول الصغيرة كالكبيرة متمتعة بملئ حريتها وكامل سيادتها آمنة مطمئنة من كل عبث أو عدوان).

وفي ذلك اليوم وجه جميل مردم بك رئيس الوزراء بالوكالة كلمة قال فيها: (لقد آن الوقت لإنشاء عالم جديد تحترم فيه حقوق الشعوب في الحياة الحرة واستمتاعها بكافة أسباب الطمأنينة والرخاء).

وفي اليوم التالي للاحتفال يوم الأربعاء التاسع من أيار خرجت مظاهرة في دمشق اشتركت فيها شخصيات موالية لسلطات الانتداب الفرنسي وشارك فيها موظف فرنسي طافت  شوارع دمشق وأطلقت النار في كل مكان مما سبب السخط والاستياء العام، وزاد هذا الاستياء والسخط مع إلقاء قذيفة على الجدار الخارجي لمجلس النواب في اليوم الخميس العاشر من أيار.

ورداً على تلك المظاهر خرج الطلاب بمظاهرات صاخبة  طافت شوارع المدينة وأسواقها وكانوا بهتفون بعبارات تحيي سورية واستقلالها.

واستقبل جميل مردم بك رئيس الوزراء بالوكالة بعد احتفالات النصر الكونت استر وروغ رئيس الدائرة السياسية للبعثة الفرنسية في سوريا الذي اخبره أنه في يوم الرابع من أيار وصل إلى بيروت 800 جندي فرنسي لكي يتم استبدالهم بالجنود الموجودين في البلاد، وكان رد مردم بك  هو رفض هذا الإجراء وطلب من الكونت استر وروغ بسحب جميع قوات الحلفاء من سورية لأن الحرب انتهت.

وفي جلسة مجلس النواب التي عقدت في الرابع عشر من أيار ألقى جميل مردم بك كلمة نقل فيها للنواب ما أخبره الكونت استر بخصوص وصول القوات الفرنسية، ونقل مردم بك للنواب معلومات تفيد بأن الجنود الذين وصلوا أكثر من الجنود الذين غادروا. كما أوضح مردم بك في كلمته أنه اتفق مع الحكومة اللبنانية على تقديم مذكرة تتضمن الاحتجاج الشديد على هذا الإجراء والمطالبة بسحب كافة الجنود من سورية.

وفي جلسة مجلس النواب التي عقدت في اليوم التالي في الخامس عشر من أيار وافق المجلس على قانون قدمه أحد النواب وينص على محاكمة ومعاقبة الأشخاص الذين يتفاوضون مع الدول الأجنبية والقيام بأعمال لمصلحة تلك الدول(1).

 كما أرسلت الحكومة  السورية مذكرة إلى هيئة الأمم المتحدة بخصوص وصول القوات الفرنسية الجديدة وضرورة حصول سورية على استقلالها.

في تلك الأثناء عقد الجنرال بينيه الذي عاد من فرنسا قبل أيام إلى لبنان اجتماعاً مع أعضاء الحكومة اللبنانية، ناقش فيه المسائل المشتركة، وصرح أنه كلف من قبل الحكومة الفرنسية بعقد معاهدات بين فرنسا وسورية ولبنان.

وفي السابع عشر من أيار وصل الجنرال بينيه يرافقه الكونت استر وروغ إلى دمشق وعقد اجتماع في القصر الجمهوري بحضور الرئيس شكري القوتلي و رئيس الحكومة بالوكالة جميل مردم بك، وانفض الاجتماع الذي لم يدم أكثر من نصف ساعة دون أن يصل الطرفان إلى نتيجة حاسمة.

وعقد الطرفان الفرنسي والسوري اجتماع ثان في اليوم التالي الثامن عشر من أيار في مبنى وزارة الخارجية حضره رئيس الحكومة بالوكالة جميل مردم بك ووزير خارجية لبنان والجنرال بينيه والكونت استر وروغ، ودام الاجتماع ما يقرب من ساعتين، وأطلع الجنرال بينيه خلالهما الجانبين السوري واللبناني على التعليمات التي يحملها من باريس بشأن تصفية العلاقات القائمة. وأبدى الجانبان السوري واللبناني رأيهما بكل وضوح وأنهما لا يقبلان أية معاهدة تمس الاستقلال وسيادة البلاد وأنه لا يمكن منح أية دولة مركزاً ممتازاً.

وعقد مجلس النواب السوري في التاسع عشر من أيار جلسة أقر فيها تصديق قانون الدفاع الذي يتضمن تأليف جيش يتحمل أعباء الدفاع ويجري تشكيله بقانون خاص يتضمن افتتاح مدارس حربية وتنظيم ملاكات للقطعات العسكرية وصنوف الأسلحة الأخرى، وقدم  النائب حلمي الأتاسي في تلك الجلسة مشروع قانون لتطوع المواطنين السوريين.

الإضراب والمظاهرات

وشهدت دمشق منذ التاسع عشر من أيار اضراباً شاملاً، وقام الطلاب بمظاهرات صاخبة اشترك فيها أكثر من عشرة آلاف طالب عدا عن الذين اشتركوا من رجال الأحياء وسارت تلك المظاهرات في شوارع المدينة وأسواقها تتقدمها الأعلام العربية والسورية، وهم يهتفون للوحدة العربية ويطلبون من الحكومة فتح باب التطوع للدفاع عن استقلال البلاد وكرامتها.

وألقى أحد المشاركين في المظاهرات كلمة أمام دار الحكومة طالب فيها الحكومة أن تتخذ موقفاً حاسماً ثم تابعت المظاهرة سيرها إلى شارع الصالحية وعند وصولها إلى أمام نادي الضباط ودائرة أركان القوات الفرنسية وقعت اصطدامات سقط نتيجتها عدد من الجرحى، وتابعت المظاهرة سيرها إلى أمام مجلس النواب وهناك خرج جميل مردم بك رئيس الحكومة بالوكالة من البرلمان وأعطى رجال الدرك تعليمات حازمة بضرورة الدفاع عن  مبنى البرلمان المتاخم لمبنى دائرة أركان القوات الفرنسية. وفي تلك الأثناء ألقيت ثلاث قنابل يدوية على المتظاهرين وتعرضوا لإطلاق نار من القوات الفرنسية.

وأقامت جمعية شباب محمد في اليوم الرابع للإضراب في الثاني والعشرين من أيار مظاهرة حاشدة انطلقت من مسجد الدرويشية وتقدمتها فرقة الكشافة، وحمل بعض المشاركين لوحات كتب عليها:

(لن تتجدد آلام ميسلون)

(الجهاد لله وللوطن)

(الله أكبر.. حي على الجهاد)

وتوقفت المظاهرة عند مبنى الحكومة حيث ألقى أحد المشاركين كلمة أعلن فيها أن جميع شباب محمد نذروا أنفسهم للوطن.

وألقى فخري البارودي الذي كان يتواجد في مبنى الحكومة كلمة قال فيها أن الشعب لم يكن يوماً من الأيام أكثر تضامناً منه في هذا اليوم، فقد تناسى كل شئ ووقفت صفاً واحداً أمام الطغيان الفرنسي و(هذا يجعلنا نثق أن سوريا لن تموت).

رفع العلم السوري في حماة

وامتدت المظاهرات إلى كافة المحافظات والمدن السورية، ففي حماة دفعت المظاهرات الصاخبة إلى إخلاء سلطات الانتداب الفرنسي قواتها من الثكنة العسكرية الموجودة ضمن المدينة إلى ثكنة عسكرية مسماة بالشرفة عند مدخل حماة في الحادي والعشرين من أيار، وتسلم الدرك السوري الثكنة العسكرية ورفع عليها العلم السوري.

تشكيل لجنة الدفاع الوطني

جرى في دمشق اجتماع واسع في الثالث والعشرين من أيار  شارك في عدد كبير من الوجهاء والشخصيات البارزة على مستوى سورية. وتشكلت على اثره هيئة سميت باسم لجنة الدفاع الوطني، وأعلن أنه لن تنهي اللجنة مهمتها حتى تطمئن الأمة إلى مصيرها، كما تشكلت لجنة للجهاد ضمن هذه اللجنة.

النشيد السوري في مجلس النواب لأول مرة

وفي الخامس والعشرين من أيار عقدت جلسة في مجلس النواب حضر فيها بعض النواب باللباس العسكري وشارك في الجلسة رجال من البعثات الأجنبية يتقدمهم وزير مصر المفوض ورجال المفوضية العراقية. وفي هذه الجلسة التي لم تستمر طويلاً جرت المصادقة على أربعة قوانين منها زيادة عدد أفراد الدرك إلى خمسة آلاف دركي، وقانون القوات الاحتياطية. وختمت الجلسة لأول مرة بالنشيد السوري(2).

الموقف الفرنسي:

شكلت هذه التطورات قلقاً بالغاً لدى الحكومة الفرنسية ما دفع الجنرال ديغول إلى الاجتماع مع الرئيس الأميركي بخصوصها، وكذلك اجتمع مع السفير البريطاني في الثامن والعشرين من أيار وتحدث إليه بشأن الأزمة في سورية.

وأصدر الجنرال أولفه روجيه قائد الجيش الفرنسي بدمشق إلى الضباط تعليمات سرية لاحتلال جميع دوائر الحكومة ومؤسساتها، ومنع الاتصال مع جميع الدول العربية المجاورة، وتجريد جميع أفراد الشعب من السلاح والآلات الجارحة(3).

العدوان على البرلمان

كان روجيه في كل مساء يحتفل برفع العلم الفرنسي على سارية مبنى قيادة القوات الفرنسية عند البرلمان، وفي يوم التاسع والعشرين وقبل رفع العلم الفرنسي حضر جنود (السنغال) التابعين لفرنسا وبيدهم السواطير، واستاقوا رجال الشرطة التي تحمي مجلس النواب إلى الرصيف المقابل وطلبوا منهم أن يشتركوا في تحية العلم الفرنسي.

رفض مفوض الشرطة السورية “سعيد القهوجي” ورفض رجاله هذا الطلب، فقتلوه هو ومن معه، واعتقلوا الباقي وتظاهر بعضهم بالموت مثل إبراهيم الشلاح في حين استطاع بعضهم مغادرة المبنى مثل جابر المقت الذي ظنت قيادة الدرك انه استشهد وأبلغت عائلته التي أقامته التعازي له قبل ان تراه حياً. ثم وجهت المدفعية إلى بناء مجلس النواب من الشارع.

وبدأ إطلاق النار من كل حدب وصوب وفي جميع المفارق والطرقات، وقام الطيران الفرنسي بقصف قلعة دمشق حيث مقر قيادة الدرك، وسقطت بعض القنابل على سجن القلعة فأصابت الكثير من السجناء وشباب الحرس الوطني، قام جنود فرنسيون بإشعال الحرائق وبدأ القصف العشوائي في جميع الاتجاهات. انتشر الذعر في كل مكان ودارت معارك في شوارع دمشق واستشهد الدكتور مسلم البارودي وهو يسعف الجرحى في ساحة الحجاز (حيث أقيم نصب تذكاري له عند محطة الحجاز)(4).


(1) صحيفة الدفاع، العدد الصادر في السادس عشر من أيار عام 1945م.

(2) صحيفة ألف باء، الأعداد الصادرة 22 – 23-25-26-29 أيار عام 1945م.

(3) العياشي (غالب)، الإيضاحات السياسية وأسرار الانتداب الإفرنسي في سوريا، صـ 495.

(4) جميل مردم بك .. 29 أيار 1945 اليوم الأحمر الأسود


انظر:

بلاغ الجنرال الفرنسي أوليفا روجيه في أيار 1945م

د. عادل عبدالسلام (لاش): أحكام إعدام فرنسية لجنود شراكسة في سورية 1945

وقف الاعتداء الفرنسي 1945 .. من مذكرات محمد حسن بوكا (18)

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي